موضوع هذه الرسالة اهداء القاضي احمد بن ابي دؤاد كتاب اصول الفتيا.
وهذا الاهداء يقتضي مقدمات ويهدف الى اغراض ويشرح قضايا.
اما المقدمات فمديح للقاضي الذي بيده السلطان وعليه الاعتماد في تدبير شؤون الرعية واصلاحها. انه «العالم معلم الخير وطالبه، والداعي اليه، وحامل الناس عليه، من موضع السلطان بارفع مكان، لأن من جعل الله اليه مظالم العباد، ومصالح البلاد، وجعله متصفحا على القضاة، وعتادا على الولاة، ثم جعله الله منزع العلماء، ومفزع الضعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بارفع المنازل، واسنى المراتب» .
في هذا الكلام اشارة واضحة الى المرتبة التي كان يتبوأها احمد بن ابي دؤاد المعتزلي المذهب، بل احد شيوخ الاعتزال الكبار. فهو يشرف على القضاة والولاة ويدبر امور العباد. انه رجل علم وسياسة وداعية إصلاح، وهو في اسمى مراتب السلطة.
واما الاغراض فهي ترجع الى إثنين: طلب مساعدة القاضي واحسانه
[ ٤١ ]
وثوابه على الكتاب، ثم ارشاد الناس وتوعيتهم. والغرض الأول اي طلب المساعدة والاثابة يفصح عنه في مقدمة الرسالة بقوله: «السلطان سوق، وانما يجلب الى كل سوق ما ينقق فيها» . ويشبه الجاحظ نفسه بالتاجر الذي لديه بضاعة يفتش لها عن سوق يبيعها فيها. تلك البضاعة هي الكتب التي يعنى بتأليفها ويعبر عن ذلك بقوله: «وقد نظرت في التجارة التي اخترتها، والسوق التي اقمتها، فلم ار فيها شيئا ينفق الا العلم والبيان عنه..» . ويعرف بنفسه بانه «رجل من اهل النظر ومن حمال الأثر» .
والغرض الثاني من الرسالة هو ارشاد الناس وتوعيتهم، اشار اليه بقوله:
«فما ينتظر العالم باظهار ما عنده، والناشر للحق من القيام بما يلزمه. فقد امكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد الجهل والعي، وقامت سوق العلم والبيان» . فالجاحظ يعتبر نفسه صاحب رسالة في الاصلاح الاجتماعي عليه ان يؤديها دون تقية او خوف عملا بمبدأ المعتزلة الداعي الى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد عاد الجاحظ الى تأكيد غرضه الاول مرة ثانية في اواخر الرسالة عندما يقول للقاضي ان الذي دعاه الى وضع الكتاب علمه ان القاضي يقرب العالم ويقصي الجاهل، ويقرأ الكتب فيعاقب على السيء منها او يصفح ويثيب الجيد ويكافىء عليه.
اما القضايا التي يشرحها الجاحظ في الرسالة فهي التعريف بكتاب الفتيا وفضل الكتب عامة وهذا الكتاب خاصة. وما عند الجاحظ من كتب كثيرة.
ان كتاب الفتيا يجمع اصول الفتيا عند مختلف الفرق. فهو جامع لاختلاف الناس ويجمع الدعاوى مع جميع العلل. يحكي آراء كل فريق ويسرد حججهم ثم يبين ما فيها من حق وما فيها من بطل. ويبدو من تعريف
[ ٤٢ ]
الجاحظ لكتاب اصول الفتيا خطره، واهميته. وليته بقي ولم تعبث به عوادي الضياع.
ويشيد الجاحظ بفضل الكتب فيقول ان قراءة الكتاب اعم فائدة من لقاء صاحبه، لأن تلاقي الناس يستتبع الحمية والمواجهة وحب الغلبة وشهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء والانفة من الخضوع، والضغائن والجدل.
والكتاب يوجد في كل زمان ومكان، اما صاحبه فلا يلبث ان يموت.
ولولا الكتب لضاع العلم ولم ينتقل بين الاجيال ويخلد على مر الدهور.
وانفع الكتب كتاب الله الذي ينطوي على الهدى والرحمة والعبر والتعريف بالخير والشر. وكتاب اصول الفتيا يمت الى كتاب الله بصلة، لأنه يدور حول القرآن والسنة. وينفي الجاحظ عن كتابه صفة علم الكلام. وهذا ما دعاني الى عدم وضعه في رسائل الجاحظ الكلامية.
ويخبر الجاحظ القاضي بان لديه كتبا أخرى سيهديها اليه. تباعا، ويمنعه من اهدائها دفعة واحدة كثرة شغل القاضي، والخوف من ملله.
[ ٤٣ ]