لم يبق من هذه الرسالة سوى هذه الاسطر القليلة. ولكنها تلخص لنا مفهوم الجاحظ للبلاغة وعلاقتها بالايجاز. واذا اردنا التوسع يمكننا التماس ذلك مسهبا في كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان.
لقد اطبق الناس من عرب وعجم على ان البلاغة هي الايجاز في القول.
ولكن الجاحظ لا يوافق على ذلك ويعرف البلاغة بانها اصابة المعنى والقصد الى الحجة دون فضل او تقصير، أي دون تطويل او ايجاز، وهذا يعني المساواة. فالكلام البليغ هو الذي نستخدم فيه من الالفاظ القدر الضروري لا بلاغ المعنى الى السامع. وهذا معنى قوله «وربما كان الايجاز محمودا، والاكثار مذموما، وربما رأيت الاكثار احمد من الايجاز، ولكل مذهب ووجه عند العاقل» .
ان الاكثار يغدو عيبا اذا بعث على «الملال وجاوز المقدار وخرج عن مجرى العادة» . ولكنه لا يعد عيبا اذا قصد به التعريف والتوكيد والتشديد، لأن التفريق يحتاج الى تطويل، والتوكيد يقتضي التكرار، والتشديد يتطلب الاكثار.
[ ٥٣ ]
ويعلل الجاحظ كون البلاغة عدم مجاوزة المقدار بان كل ما جاوز المقدار انقلب الى ضد طباعه. فالبارد يتحول الى حار، والنافع يغدو ضارا، والثلج يطفىء قليله الحرارة بينما يحركها كثيره. والى هذا ذهب من عد الاكثار عيبا والايجاز بلاغة.
ان الجاحظ يفسر كل شيء في العالم بما في ذلك الجمال والفن تفسيرا طبيعيا، وفي هذا تكمن أصالته الفكرية.
[ ٥٤ ]