عنوان هذه الرسالة لا يتلاءم تماما مع موضوعها. إن موضوع الحرب لا يطرق الا بالاسم. سئل احد القواد عن المعركة التي خاضها العرب ضد الروم فأجاب انهم حصروا الاعداء في مكان ضيق ثم قتلوهم وكدسوا جثثهم.
ان الموضوع الحقيقي للرسالة هو الأدب واللغة والبيان. ويتناول ما ينبغي ان نتعلم من الأدب واللغة، لنستطيع التعبير عن افكارنا في مختلف الموضوعات.
ولهذا يطنب الجاحظ في تعداد حسنات اللسان ويرجعها الى عشر.
فاللسان اداة البيان والمعبر عن النفس، والمصدر للحكم، والمجيب، وطالب الحاجة، وواصف الاشياء، والواعظ، والمعزي، والمثني والملهي. ويردف هذه الحسنات باقوال تدل على اهمية اللسان في حياة الانسان. فالانسان بدون لسان يشبه البهيمة او الصورة وقيمة الانسان في لسانه وعقله.
وعلى هذا الاساس ينبغي أن يعنى المرء باللغة لانها أداة التعبير ومادة اللسان. وهذه العناية تقتضي التزود بالمفردات والتعابير المختلفة في كل علم وموضوع. هذا ما قصد اليه الجاحظ بقوله للمعتصم: «فخذ يا امير المؤمنين
[ ٥٩ ]
اولادك بان يتعلموا من كل الأدب، فانك ان افردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه» .
ويقدم امثلة تشهد على صحة هذا الرأي. فالقائد العسكري يعبر عن معانيه بالفاظ وتعابير يستقيها من صناعة الحرب والقتال. والطبيب يستعمل الفاظا وتعابير تمت الى صناعة الطب بصلة وثيقة مثل البيمارستان والمحقنة والمبضع والاكحل ودستج والاسهال والقولنج والسل واليرسيم وبقراط وجالينوس.
والخياط يستعين بكلمات من صميم صناعته مثل الدرز والجربان والابرة والسروال والبايكية والطيلسان والشوكزة والازرار والعروة والكثبان والزيقة والمقراض والذيل.
والزارع يعتمد اسماء تتعلق بمهنته مثل الجريبين والمشارة والانابير والسنبل والفدان والزراعة والسقاية والسرجين والنبت واليرقان.
والخباز يستعمل الفاظا تدل على صناعته مثل الرغيف والتنور والحمرة والجفتة والدقيق والنار والجرداق والثريد.
والمؤدب يلجأ الى الفاظ تدخل في صميم عمله مثل الصبي والامام والرقم والدواة واللوح والمداد والكرسف.
وصاحب الحمام ذو لغة تتلاءم تعابيرها ومفرداتها مع الادوات التي يحتاجها في عمله مثل الغسيل والأتون والليفة والمئزر والنقع والزنبيل.
والكناس يستعين بمفردات تعبر عن ادواته وحركاته مثل الزبيل والجرح والمكنسة والكنيف والبالوعة والبريخ، والسلح، والخنفس.
ولغة الشرابي تمتليء بالفاظ مثل الدن والسكر والكأس والخمر والقدح
[ ٦٠ ]
والدورق والقنينة.
والطباخ يعبر عن معانيه بمفردات خاصة مثل الصحن والشواء والموقد والمغرفة والقدر والفالوذج واللوزينج والجوزينج والخبيصة والسكباج والجوذابة والزبد والنرسيان والقصعة والبرماورد والعصارات.
واخيرا تمتاز لغة الفراش باسماء وتعابير مجانسة للمعاني والادوات التي يستعملها مثل المخدة والمنصة والريش والوسادة والخيش والستور والمتكأ.
بقي ان نتساءل عن اصحاب هذه الاشعار التي وردت في الرسالة. لقد سكت الجاحظ عن ذكر أصحابها والارجح انه هو ناظمها وصاحبها. وفي ذلك دليل على موهبته الشعرية. وقد الفينا له قصيدة في المديح ضمنها رسالته الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب.
[ ٦١ ]