يقول الجاحظ ان سبب جفاء الوزير محمد بن عبد الملك الزيات هو كتاب الزرع والنخل الذي الفه قبل عام ٢٤٣ هـ- واهداه الى ابراهيم بن العباس الصولي فاجازه عليه بخمسة آلاف دينار. ولكن الجاحظ لا يصدق ان يكون تفضيل النخل على الزرع سببا في عداوة الاخوان، وهو اكثر سخافة من حرب البسوس او حرب داحس والغبراء.
وهو يذكر سببا آخر لذلك الجفاء هو رفض الجاحظ دفع الأتاوة المتوجبة عليه. ويفترض ان يكون التهرب من الاتاوة هو الذي اثار حفيظة الوزير المسؤول عن اموال الدولة فانتقد الجاحظ وأنبه وحرمه من بعض العائدات التي ينتفع بها. فاعتبر ابو عثمان موقف ابن الزيات عدائيا وكتب هذه الرسالة يستعطفه ويعاتبه.
والجاحظ لا ينفي عن نفسه تهمة التهرب من دفع الاتاوة ولكنه لا يرى ان هذا الذنب يستحق مثل ذاك العقاب ويثير حقد الوزير وغضبه ونقده. ان ذنبه صغير والعقوبة كبيرة، فلا توازن بينهما، وعدم التوازن معناه عدم العدل وهذا ما اراده بقوله: «ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة
[ ٦٣ ]
بعقوبة الاصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد ومن خرج من باب الاوزان وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب احق، وبه اولى» . وينصح الوزير بالنظر في سبب الذنب قبل انزال العقوبة.
ويحذر الجاحظ ابن الزيات من الانسياق وراء هواه والانقياد للغيظ والغضب، لان الغيظ نار تحرق اهلها، وسلطان غشوم. ولأن «الغضب يصور لصاحبه مثل ما يصور السكر لاهله والغضبان يشغله الغضب ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلىء بدنه رعدة، وتتزايل اخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر الا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه الا ما يكون مادة لفسادة..» .
كما يطلب منه ان يميز بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين في التعادي. فلا ينبغي ان يعادي عقلاء الرواة ومن عرفوا بالصدق، ولا يعاقب وادا ولا يضجر من صاحب مهما بدا منه. واذا تحقق ان مبعث الذنب البغض او الميل الى الشر فيجب ان يشتد في العقاب والتعذيب دون رحمة او تردد.
ولا يوجد سبب كاف يوجب التعادي بين الجاحظ وابن الزيات.
فهما ابنا نحلة واحدة، وتجمعهما مودة قديمة. ان اسباب التعادي بنظر الجاحظ هي «تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الاشكال في الصناعات والتشاحن على المواريث، والتنازع في تخوم الارضين» . وهذه الاسباب جميعا غير متوافرة في أبي عثمان والوزير. فابن الزيات من عائلة مختلفة عن عائلة الجاحظ، وابن الزيات وزير والجاحظ سوقة، ولا مشاكلة بينهما الا في إيثار الدقيق الخشن على الدقيق الابيض والباقلاء على الحلوى.
واذا كان الجاحظ صديق ابن الزيات بالأمس فينبغي ان يدرك أن ما يصيب الانسان ينسحب على صديقه لأنه «اذا اعتل خليلك فقد اعتل
[ ٦٤ ]
نصفك فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي» .
وعلاوة على ذلك يجدر بابن الزيات أن يعتبر شيخوخة الجاحظ ويحترمها، لأن للكبرة شفاعة وللضعف حرمة. ثم ان الجاحظ منح الوزير جلد شبابه، واعطاه عند الكهولة قوة رأيه وثمرة تجاربه.
واذا كان الوزير حريصا على مال الدولة فعليه بهؤلاء الذين اختلسوا تلك الاموال او احتجزوها وليمض فيهم حكم الكتاب والسنة.
عدا هذه الحجج التي يبغي منها ابو عثمان تبرئة ساحته واستعطاف الوزير، يتهم ابن الزيات بالاساءة اليه جسما وسمعة وكتبا. فابن الزيات يعيب الجاحظ على اهماله كتبه وتركها اوراقا مبعثرة لا تجمعها المصاحف فتسهل قراءتها وتحفظ. ويعيبه ايضا على انه يكتبها على الورق الصيني بدل الجلود التى تقوى على عاديات الزمان. ويعيبه ثالثا على عدم انجاب الاولاد. ويتمنى له رابعا الموت، ربما للخلاص من تكاليف الحياة. ولكن الجاحظ لم يفهم غاية الوزير فظن أنه يعيبه او يتمنى له الموت لأنه يكرهه ويحقد عليه. حقا ان للشيخوخة منطقها الضعيف؟!
[ ٦٥ ]