هذه الرسالة موجهة الى ابي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل كما يتضح من استشهاد الجاحظ بالبيتين التاليين اللذين يمدح بهما الوزير ويعتبره حاميه من الحساد:
ان ابن يحيى عبيد الله أمنني من الحوادث بعد الخوف من زمني
فلست احذر حسادي وان كثروا ما دمت ممسك حبل من ابي الحسن
وموضوعها حساد ابي عثمان واعداؤه الذين حسدوه على كتبه وما تدر عليه من المنزلة والنعمة، وتحريض الوزير عليهم. ولكن الجاحظ يتطرق الى خلة الحسد والفصل بينها وبين العداوة.
ويستهل الكتاب بترغيب الوزير بقراءته، لكونه يعالج موضوعا جديدا لم يسبقه اليه أحد، ولأنه يتصف كالكتاب السابق بالنبل، والكتاب السابق هو استنجاز الوعد. ويرجع نبل هذين الكتابين في رأي الجاحظ الى الاخبار الانيقة الغريبة والاحاديث الباعثة على الاخلاق المحمودة الخ.
ويرى الجاحظ انه يوجد في كل زمان علماء محقون الفوا الكتب القيمة
[ ٦٧ ]
في مختلف ميادين العلم والاخلاق وبذوا سواهم بمواهبهم التي حباهم الله اياها. ولكن ظهر لهم حساد معارضون في تلك العلوم والكتب «منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا انفسهم بسمات الباطل وتسموا باسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشيعين بما لا محصول له، يحتذون امثلة المحقين في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في الفاظهم والحاظهم وحركاتهم واشاراتهم، لينسبوا اليهم ويحلوا محلهم..» .
ويبدي الجاحظ خشيته من ان يكون له حساد على كتبه التي يعنى بتأليفها يتولون انتحالها ووضع مثلها. او يطعنون بها ويوهمون «فساد معانيها وسقوط الفاظها» . ويورد شاهدا على ذلك محمدا بن ابي العباس الطوسي الذي انبرى يطعن على كتابه في تحليل النبيذ لدى عرضه على المأمون مما اثار حفيظة المأمون على الطوسي، ولم يسكت هذا الطاعن الباغي الا عندما دخل بشر المريسي معارضه وأيد الجاحظ في مذهبه من تحليل النبيذ، ونحن نعلم ان الكتاب الذي طرق موضوع تحليل النبيذ هو «الشارب والمشروب» ولعله هو المقصود.
ويخبرنا الجاحظ انه «ربما الف الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والاحكام وسائر فنون الحكمة» وينسبه الى نفسه فيقصد اليه جماعة من اهل العلم بالطعن والتحقير والعيب.
وربما فعلوا اكثر من ذلك، اذ يسرقون معاني الكتاب ويؤلفون كتابا حولها ويهدونه الى الملك الذي اهداه كتابه وغيره.
كما يخبرنا انه ربما الف الكتاب الذي هو دون الكتاب الاول في معانيه والفاظه وينسبه الى غيره امثال ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة والعتابي وغيرهم، فيقبل عليهم هؤلاء الطاعنون يتدارسون ويتأدبون به معجبين بمعانيه والفاظه.
[ ٦٨ ]
ويقول اخيرا انه ربما الف الكتاب وتركه غفلا دون ذكر المؤلف اشفاقا من حسد هؤلاء وطعنهم «فينهالون عليه انهيال الرمل ويستبقون الى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة الى غايتها» .
وقد ذهب بعض الكتاب الحاسدين ابعد من ذلك عندما هددوا الجاحظ وتوعدوه بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا هو لم يضمن لهم الشركة فيما يجري عليه.
وعدا مسألة نحل كتب الجاحظ والطعن عليها وهي مسألة في غاية الخطورة، يعالج الجاحظ مسألة الفصل ما بين العداوة والحسد. فيرى الحسد نتيجة النعمة التي اسبغت على المحسود وحرم منها الحاسد. اما العداوة فلها اسباب مباينة. ويرافق العداوة العقل اما الحسد فيخلو منه. والحسد لا يزول الا بزوال المحسود عليه، اما العداوة فتحدث لعلة وتزول بزوالها. والعداوة تضعف مع الزمن بينما يبقى الحسد غضا جديدا. والحسد يرافق الكذب بينما قد تخلو العداوة من الكذب، والحسد يتفشى في اهل العلم اكثر من الجهلة والملوك والسوقة. والحسود جبان بينما العدو اشجع واظهر.
[ ٦٩ ]