لم يسم الجاحظ ممدوحه، ولكنه على الارجح ابو الفرج محمد بن نجاح الكاتب الذي وجه اليه رسالة المودة والخلطة، ورسالة ثالثة باسمه. وتعتبر الرسائل متممّة لبعضها البعض من حيث الموضوع والمنحى والغرض.
ان الجاحظ يسأل ويمدح. وقد سارع الى الافصاح عن غرضه في صدر الرسالة حيث يقول: «اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه» . هذا يعني ان لديه حاجة، ويريد من ابي الفرج ان يلبيها. وهو يهجم على موضوعه دون توطئة فيذكر حاجته ويشرع في مديح ابي الفرج ويركز على جمال وجهه لأن الوجه عنوان الفال او مطلعه: «فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللقاء، ولين الخطاب، والكنف للخلطاء، وقلة البذخ بالمرتبة الرفيعة، والزيادة في الانصاف عند النعمة الحادثة، فجعل الناس وعدكم من اكرم الوعد، وعقدكم من اوثق العقد، واطماعكم من اصح الانجاز..» .
وهذا التركيز على الوجه والفال والبشر عند اللقاء الخ يذكرنا بمعاني مديح ابن الرومي.
وعدا المديح نجد في الرسالة حملة على المديح الكاذب الخادع كما
[ ٧١ ]
في رسالة المودة والخلطة. وينجلي نبذه اياه في قوله: «معاذ الله ان تقول الا معروفا غير مجهول، وتصف الا صحيحا غير مدخول، او يكون ممن يتودد بالملق، ويتقحم على اهل الاقدار شرها الى مال، او حرصا على تقريب، وابعد الله الحرص واخزى الشره والطمع» .
ويذهب ابعد من ذلك فيحرض الممدوحين على عدم اجازة المديح الكاذب، واذا اثابوا الكذابين شاركوهم في كذبهم وسخفهم وتحملوا وزرهم.
وكانوا كمن يمدح نفسه.
ولم يكتف الجاحظ بمدح ابي الفرج، بل مدح والده ايضا الذي عرف «بالتبرع بالوعد وسرعة الانجاز، وتمام الضمان» .
واذا كان الولد يشبه الوالد في الصفات طبقا للمثل العربي: «ومن اشبه اباه فما ظلم» فهذا دليل على ان اخلاق الناس طباع يتوارثونها، وليست نتيجة التربية والتعليم. والجاحظ يعود في هذا الحكم الى اصول فلسفته الطبيعية التي لم يحد عنها في جميع مناحي فكره.
ولا ينسى الجاحظ في ختام الرسالة ان يذكر الممدوح بقاعدة التوازن التي شرحها في رسالة المودة والخلطة وهي تقول: يجب على الممدوح العطاء ويجب على المادح الشكر والثناء. «وانك والله، ايها الكريم المأمول، والمستعطف المسؤول، لا تزرع المحبة الا وتحصد الشكر، ولا تكثر المودات الا اذا اكثر الناس الاموال، ولا يشيع لك طيب الاحدوثة وجمال الحال في العشيرة الا لتجرع مرارة المكروه» .
[ ٧٢ ]