رسالة وضعها الجاحظ يهزأ فيها من معاصره الكاتب أحمد بن عبد الوهاب. وهذا الهزء ينصب على النواحي الجسمية والخلقية والعقلية.
فهو يجلو لاحمد بن عبد الوهاب صورة كاريكاتورية تبعث على الضحك: «كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي انه مفرط الطول، وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا. وكان جعد الاطراف قصير الاصابع وفي ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وانه عتيق الوجه اخمص البطن معتدل القامة تام العظم. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي انه طويل الباد رفيع العماد عادي القامة عظيم الهامة قد اعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي انه معتدل الشباب حديث الميلاد» .
هذه الصورة الساخرة تلم بمختلف اعضاء جسم احمد بن عبد الوهاب، فهي تمثل وجهه واطرافه وبطنه وظهره وخاصرته وقامته واصابع يديه، وعمره.
ولكنها تعمد الى مواطن البشاعة فيه فتضخمها لتلفت اليها النظر، وتكرر ذكرها للتأكيد عليها؛ ولذا نرى الجاحظ يعود الى قصر جسم احمد بن عبد الوهاب
[ ٧٩ ]
واستفاضة بطنه وخاصرته مرارا عديدة فيقول «فيا شعرا جمع الاعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول، بل ما يهمك من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون ان استفاضة عرضك قد ادخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وان ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا، ولئن اختلفوا في طولك فقد اتفقوا في عرضك» .
ثم إنه لا يكتفي بالوصف الساخر بل يضيف اليه التلوين الفكري الهازىء. ان احمد بن عبد الوهاب مربوع الجسم ولذا لا يمكن ان ينعت بالطول ولا بالقصر لان المربع متساوي الأضلاع اي ليس له طول وعرض وهو بالتالي في منأى عن الزراية لأنه لم يتجاوز الحد في طول او عرض، وكل ما لا يتجاوز الحد او القصد معتدل، وكل معتدل جميل: «وبعد، فأي قدّ أردى واي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر وطول مجاوز للقصد؟ ومتى لم يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه خرج الجسد من التقدير وجاوز التعديل، واذا خرج من التقدير تفاسد، واذا جاوز التعديل تباين..» . وهو يردف قائلا: «وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع احدا ذم المربوع ولا ازرى عليه ولا وقف عنده ولا شك فيه، ومن يذمه الامن ذم الاعتدال، ومن يزري عليه الامن ازرى على الاقتصاد» .
ولا يضير ابن عبد الوهاب صغر جسمه فصغار المخلوقات اقواها واقتلها واصلبها كالحصى من الحجارة والافعى من الحيات والفرقس من البعوض والبغاث من الطير.
ثم إن صغار المخلوقات اكثرها عددا كيأجوج ومأجوج، والذر والفراش والبعوض.
[ ٨٠ ]
ثم ان الجسم القصير لا ينحني عند الشيخوخة ولا تعوج عظامه، ويسعه كل باب، ولا تخرج رجلاه من النعش.
ثم ان صغار النبات اجمله، كالفلفة والزنبقة الخ..
وعلاوة على ذلك فقد توصف الارض بالعرض دون الطول، ووصف الله الجنة بالعرض دون الطول وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
وقد وجدنا الافلاك مدورة لا مطولة وكذلك القمر والبحر والدينار والدرة. وكلها مضرب الجمال. فكيف لا يكون احمد بن عبد الوهاب جميلا كالقمر والدينار والزهرة والدرة والمهاة والعمامة؟.
ومن الناحية الخلقية يركز الجاحظ على خلتين في أحمد بن عبد الوهاب هما حب المراء، والادعاء بما ليس فيه. فهو كلف بالجدال يكثر من الاعتراض ويميل الى الخلاف ويؤثر المغالبة والمعاندة. ولو كان يعقل ذلك عن علم وبصيرة لهان الأمر، ولكنه لا يعرف الحجة ولا موضع الشبهة، ويعجز عن الرد والافهام. وبدل ان يعرف قدره ويقف عند حده، نراه يطاول محمد بن عبد الله الزيات وينافره ويراهنه في المحافل والمجامع، ويطمح الى مخاشنة الجاحظ نفسه ومظارفته، ويستهين بالنظام، والاصمعي، ويستخف بالاحنف بن قيس.
ومن الناحية العقلية، ينعت الجاحظ احمد بن عبد الوهاب بالجهل وضيق أفق التفكير، وبأنه لم يأخذ العلم عن اربابه بالسماع والمجالسة بل اقتنى الكتب وقرأها دون ان يفهم منها الكثير؛ وهذا ما يعنيه بقوله: «كان قليل السماع غمرا وصحيفا غفلا» . ومع ذلك كان يدعي الأدب ويعتمد بمواهبه ومعارفه حتى غدا لا يطاق، وهذا ما حدا الجاحظ كما يقول على تأليف هذه الرسالة؛ والهدف منها كشف قناعه وابداء صفحته للحاضر والغائب
[ ٨١ ]
وسكان كل ثغر وكل مصر بأن يسأله مائة مسألة يهزأ فيها ويعرف الناس مقدار جهله.
وقد تناولت هذه الاسئلة جميع الموضوعات من مختلف العلوم. ابتداء من الطوفان وانتهاء بالمعرفة عند الانسان. اسئلة تاريخية وطبيعية وحيوية وجغرافية ودينية ومذهبية وكيماوية وفلسفية ورياضية وموسيقية وفيزائية وبيولوجية.
ويؤكد الجاحظ في نهاية طرح هذه المسائل العويصة ان احمد بن عبد الوهاب لا يحسن الاجابة عليها؛ ويدله على مظانها وهي كتبه التي الفها وبحث فيها جميع الموضوعات واجاب على مختلف المسائل. ويطلب منه ان يقرأ تلك الكتب، ويتخلى عن مذهب التشيع ويستبدل به الاعتزال اي مذهب الجاحظ، ويختلف على بيت الجاحظ لأخذ العلم عليه.
ونستطيع أن نقول ان الجاحظ توخى من رسالة التربيع والتدوير ان تكون فهرسا للمسائل التي عالجها في كتبه، وشاهدا على سعة ثقافته وعمقها وشمولها، ودعوة سافرة لقراءة تلك الكتب التي لا غنى عنها لكل مثقف او طالب علم، وترويجا للاعتزال.
وقد لخص أبو عثمان مزايا رسالة التربيع والتدوير وفوائدها حيث يقول:
«هذا الكتاب مرض مع ما (فيه) من الاخلاط مع اشكال واضداد، ومن الجد والهزل، ومن الحظر والاطلاق، ومن الاستئناف والقطع، ومن التحفظ والتضييع، ومن التثبت والتهاون. اذا اريد به تقريع معجب او تكثيف مموه، او امتحان مشكل، او تخجيل وقاح، او قمع ممار، او ممازحة ظريف، او مساءلة عالم، او مدارسة حافظ، او تنبيها على الطريق، او تجديدا للذهن» .
[ ٨٢ ]
ان كتاب التربيع والتدوير يجمع الجد والهزل، فهو يشحذ الذهن للتفكير في معظم المسائل العلمية والفلسفية التي انطوى عليها، وهو يثير الضحك بلهجته الساخرة وتصويره البارع لخلق احمد بن عبد الوهاب وخلقه.
وقد احتج الجاحظ لكتابه هذا بقوله انه ينفع لممازحة ظريف او مساءلة عالم او مدارسة حافظ او تجديدا للذهن. فهو يعتقد ان عقل الانسان احوج الى الشحذ من السيف، وان للعلم مطالب كثيرة واسبابا عديدة، وان اهم اسبابه الخواطر الشتى والمسائل التي تطرح على اختلافها. وهذا الكتاب يمثل حشدا للمسائل والخواطر التي تحض على العلم والتفكير.
واذا كانت رسالة التربيع والتدوير معرضا للمسائل الثقافية التي شغلت عقول الناس في عصره، فهي نموذج لادب الجاحظ تمثلت فيه خصائصه الفنية خير تمثيل. وفي طليعة تلك الخصائص الاستطراد الذي ينقله من موضوع الى آخر ثم يعود منه ثانية الى الموضوع الاول. فقد عاد مرارا الى الكلام على الجد والمزاح، وعلى الجن والسحر، وعلى الموضوعات التاريخية، وعلى بشاعة جسم احمد بن عبد الوهاب.
ومن تلك الخصائص مزج الجد بالهزل، وقد احتج لهذا الاسلوب بقوله ان لكل منهما فوائد، وقد اراد من المزج بينهما طرد السآمة عن نفس القراء.
وخصص لبحث هذا الموضوع قسما لا بأس به من الرسالة.
ومن تلك الخصائص السياق الجدلي الرائع، فهو يورد الفكرة ونقيضها، ويحتج لهذه كما يحتج لتلك. ويستقصي للشيء وضده، وكل ذلك انعكاس لغلبة علم الكلام عليه.
ومن تلك الخصائص العبارة المقطعة تقطيعا متوازنا، والتي تنطوي على ترادف لفظي ومعنوي، وهي ان دلت على شيء فعلى ثروة لغوية هائلة تمكنه من
[ ٨٣ ]
التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة والفاظ متقاربة او متضادة. واننا لنشعر ونحن نقرأ الرسالة أن الالفاظ تنثال عليه انثيالا، والمعاني تزدحم ازدحاما، فيتلاعب بها ويداعبها ويشكلها كما يشاء وبمهارة ورشاقة عجيبتين.
[ ٨٤ ]
[١- رسالة كتمان السر وحفظ اللسان]
(- ١- كتمان السر وحفظ اللسان)
[ ٨٥ ]