الموضوع إجتماعي ونفسي وخلقي وشخصي. فهو يعالج ظاهرة شاذة من الوجهتين الخلقية والنفسية هي اللواط، ولكنها اصبحت في عصر الجاحظ مسألة إجتماعية انتشرت بين طبقات المجتمع انتشارا واسعا حتى غدت شأنا عاديا لا يثير الاستنكار والشجب، يتحدث عليه الناس ويدور على السنة الشعراء والكتاب. وهذا ما اراد الجاحظ الاشارة اليه في صدر الرسالة بقوله:
«وبعض من يظهر النسك والتقشف اذا ذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. واكثر من تجده كذلك فانما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنبل والوقار، إلا بقدر هذا التصنع» .
ويورد امثلة عديدة تبين أن استعمال الكلمات الجنسية كان شائعا منذ عصر النبي على السنة الصحابة والتابعين والفقهاء امثال علي بن أبي طالب وابي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس وحمزة بن عبد المطلب. وقد رويت احاديث شريفة وردت فيها بعض المفردات الجنسية.
ويبرر الجاحظ جواز استعمال هذه الالفاظ بمبررات لغوية وفنية وطبيعية.
والتبرير اللغوي يقوم على القول ان هذه الالفاظ انما وضعت ليستعملها اهل
[ ٢١ ]
اللغة، ولو لم يكن للناس بها حاجة لما وضعت. «ولو كان الرأي الا يلفظ بها ما كان لاول كونها معنى، ولكان في التحريم والصون للغة العرب ان ترفع هذه الاسماء والالفاظ منها» .
والتبرير الفني غبر عنه الجاحظ بقوله: «لكل مقام مقال» . وشرحه بان اصناف العلم عديدة ولكل نوع اهل يقصدونه. من هذه الانواع الجزل والسخيف. وينبغي ان يعبر عن كل علم باللغة التي تلائمه، فالجزل للجزل والسخيف للسخيف. وحتى اذا كان الموضوع رصينا وجادا لم يضره ان يمزح بشيء من الهزل لطرد الملل عن النفس ولتنشيط الذهن. وقد التزم الجاحظ هذه القاعدة الفنية في معظم كتبه فمزج الجد بالهزل في الحيوان والبخلاء والتدوير والتربيع الخ..
والتبرير الطبيعي يستخرج من مذهبه الفلسفي العام القائل ان الجنس أمر طبيعي موجود في جميع اصناف الحيوانات بما فيها البشر، وهو تعبير عن غريزة فطرية لا يمكن إنكارها او الاشمئزاز منها او كتبها او الغاؤها وينبغي ان تمارس دون عقد نفسية او حرج خلقي.
ولكننا نستطيع ان نضيف الى تبريرات الجاحظ الثلاثة تبريرا رابعا يتعلق بشخصية الجاحظ ذاتها. وهو الافتراض بانه كان يعاني عقدة جنسية تتمثل بالنقص او الضعف الجنسي. هذا الضعف هو الذي جعله يحجم عن الزواج وبناء العائلة وانجاب البنين، وقد المح الى الحسرة التي يشعر بها في كتاب الجد والهزل عندما عابه ابن الزيات على عدم انجاب الاولاد. وهذا النقص هو الذي دفعه الى الاكثار من حديث الجنس للتعويض عملا بمبدأ يونغ.
اما مسألة اللواط فقد بحثها في رسالة تفضيل البطن على الظهر واعتبرها امرا غير طبيعي ومحرما في الشرع. وفي رسالة الجواري والغلمان التي نحن
[ ٢٢ ]
بصددها يذكر من جديد بتحريم الزنى واللواط: «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا»
(الاسراء ٣٢) . كما يذكر بالعقاب الصارم عليهما عملا بالآية الكريمة الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ
(النور، ٢) . وحد اللواط كحد الزنى، وربما كان أشد من الرجم ليصل الى الاحراق والقتل.
ويورد الجاحظ احاديث عديدة تحث على الزواج مثل الحديث «تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم» . والحديث «تزوجوا والتمسوا الولد، فانهم ثمرات القلوب، واياكم والعجز العقر» .
ويعقد الجاحظ مقارنة مسهبة بين الجواري والغلمان واحتجاجات اصحابهما لينتهي الى تفضيل الجارية على الغلام. بقوله: «نحن نترك ما انكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يحصله المعقول ويدركه الحس والوجدان دالا على ان الاستمتاع بالجارية أكثر واطول مدة، لأنه اقل ما يكون التمتع بها اربعون عاما، وليس تجد في الغلام معنى الا وجدته في الجارية واضعافه..» .
ويأتي ابو عثمان على اوصاف الجارية الجميلة فيكرر ما قاله في رسالة القيان ورسالة النساء من ان المجدولة هي مثال الجمال.
ويتطرق الى موضوع جانبي هو الخصاء. وقد طرقه باسهاب في كتاب الحيوان. واستنكره استنكارا شديدا ونهى عنه لأنه يمثل بالانسان ويفقده انسانيته ويغير نفسيته. «فالخصي ليس برجل ولا امرأة، واخلاقه مقسمة بين اخلاق النساء واخلاق الصبيان» «والخصي اذا قطع منه ذلك العضو قويت شهوته، وقويت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرت دمعته، واتسعت فقحته » .
[ ٢٣ ]
ويسرد الجاحظ اشعارا كثيرة في وصف الجواري والغلمان والتغزل بهم اختارها من ابي نواس وابي هشام الخراز ويوسف لقوة وامرىء القيس وعلقمة الفحل.
وينهي الرسالة بمقطّعات من احاديث البطالين والظرفاء، تتضمن نوادر من أخبار اللاطة والزناة والشبقين وينسبها الى شخص لا يذكر اسمه لأن كلا منها يبدأه بكلمة قال، ويسرد الخبر. وهي نكات تبعث على الشهوة وتسيء الى العفة ما كان اغنى ابا عثمان عن الاشتغال بها. ولكن المبررات التي سارع اليها في صدر الرسالة، ربما اقنعته بجواز ما تضمنته وينبغي أن يكون قد قصد الى اقناعنا ايضا بجواز صنيعه.
[ ٢٤ ]