يبدأ الكتاب كالعادة بمدخل تقليدي يخبرنا فيه الجاحظ أن شخصا يهزأ من المعلمين ويرميهم بالحمق والجهل والسفه فيتصدى له الجاحظ ويضع هذا الكتاب للرد عليه.
ويشرع بتبيان فضائل المعلم، فيقول ان المعلم قيم على الكتاب مشتغل بتدريسه للناشئة. والكتاب يحمل اخبار الماضين وبه يدرك الملك مصالح رعيته ويقوم سكان مملكته. وهو مستودع الحقيقة وحافظة العلم.
ولا ينبغي أن يقوم التعليم على التلقين والحفظ بل يجب أن ينمي القدرة على الاستنباط والتفكير لدى الناشئة، لأن مستعمل الحفظ لا يكون الا مقلدا، اما الاستنباط فيؤدي بصاحبه الى الخلق والابداع ويوصله الى الحقيقة.
ان طبيعة الحفظ تختلف عن طبيعة الاستنباط وان كان الموضوع واحدا.
وكلاهما يعتمدان فراغ القلب والشهوة الى المعرفة. ويختص الحفظ بشيئين هما الموضع والوقت. فالمكان الهادىء الخالي افضل من المكان المكتظ والصاخب. ووقت الاسحار افضل من سائر اوقات النهار والليل.
[ ٢٧ ]
ان اكثر العظماء والنوابغ كانوا معلمين، وهذا ما نتحققه اذا استعرضنا اسماء النحويين والعروضيين والفرضيين والحساب والخطاطين والرواة والقضاة والحكماء والولاة والقادة والرؤساء والكتاب والشعراء والوزراء والادباء.
ويخص بالذكر عبد الله بن المقفع الذي كان من المعلمين والبلغاء المتأدبين والمترجمين، ولكنه لم يفلح في الكلام كما يبدو من رسالة الهاشمية.
ثم إن جميع العلوم إنما تنتقل بين الاجيال بواسطة المعلمين، من حساب وفرائض وقرآن ونحو وعروض واشعار واخبار وآثار، ثم الفروسية والنجوم واللحون والطب والهندسة والنرد والشطرنج والفلاحة والتجارة والبناء والصياغة والخياطة والصباغة والحياكة، وترويض الحيوانات المختلفة من قرود ودببة وكلاب وظباء وببغاء وصقور ودواب.
ان الانسان عالم صغير لأنه ينطوي على جميع الطبائع الموجودة في الحيوانات من «ختل الذئب وروغان الثعلب ووثوب الاسد، وحقد البعير، وهدانة القطاة، وهذا كثير، وهذا بابه، ولأنه يحكي كل صوت بفيه ويصور كل صورة بيده، ثم فضله الله بالمنطق والروية وامكان التصرف» .
والمعلم يقوم بعملين هما التأديب والتعليم ومن هنا دعي ايضا بالمؤدب لأن الأدب يعني الخلق ويعني رواية العلم. ولكن العلم هو الاهم لأنه الأصل. ويلجأ المعلم في عمله التأديبي الى القصاص على التهاون او الكسل، والى الضرب على الفرار، كما يحمل الصبية على الصلاة في الجماعة وتدارس القرآن وحفظ الاشعار والارجاز.
ومع ذلك فان مهنة التأديب لا تدر على اصحابها المال الوفير، ولذا شكا الادباء والشعراء من الفاقة وطلبوا المساعدة.
[ ٢٨ ]
ولم يكتف الجاحظ بايضاح فضل المعلم واهميته وانما قدم مقترحات تربوية هامة لم يفطن لها سوى علماء التربية المحدثين. منها ضرورة مراعاة المعلم مستوى الصبي العقلي والنزول الى مستواه ليتمكن من افهامه مادة التعليم.
ومنها وجوب الاقتصار في تدريس مادة النحو على القدر الذي يفضي به الى السلامة من فاحش اللحن، ويمكنه من القراءة الصحيحة والانشاد المستقيم.
ومنها مراعاة الطبيعة والفصاحة في الكتابة والاختصار واستكراه العبارة المعقدة والالفاظ الوحشية الغريبة. والاهتمام بالمعاني اكثر من الالفاظ.
وما تبقى من الكتاب مقحم عليه اذ لا يمت الى موضوعه بصلة. فهناك نبذة عن اللواط ينبغي ان تلحق بكتاب الفه الجاحظ في هذا الموضوع، وقد الحقناها بكتاب البطن والظهر. وهناك بضع صفحات في المفاضلة بين التجار وعمل السلطان يرجح انها مسلوخة من كتاب «مدح التجار وذم عمل السلطان»، وكان ينبغي ان تلحق به ايضا، لولا مزجها بعبارات من كتاب المعلمين بحيث يصعب فرزها.
[ ٢٩ ]