في هذه الرسالة ينتقد الجاحظ كاتبا انتقد الوكلاء، وفي سبيل نقد النقد هذا يأتي بحجج قيمة يمكن اعتبارها مبادىء عامة في الاخلاق والتفكير والتأليف.
هذا الكاتب الذي وضع مؤلفا في ذم الوكلاء والذي كان معاصرا للجاحظ لم يسمه ابو عثمان. ولكنه يعيبه بعدم التثبت من الحقيقة، وبعدم تصفح الكتاب قبل إخراجه. ويعزو السبب في ذلك الى التسرع في تأليف الكتاب تلبية لالحاح المطالبين، والى قصر ايام تحصيل العلم، والى سوء العادة.
ولهذا يقتضي العلم القريحة المحمودة، ويقتضي النظر والاستقصاء والروية.
وهذه مبادىء علمية لو طبقت في الابحاث والتأليف لتجنب اصحابها الزلل والاخطاء.
ويشير الجاحظ الى عيب آخر يعتري الباحثين والمؤلفين هو الغضب والميل مع الهوى. وهذا ما جرى لذاك الكاتب الذي حمله غضبه وكرهه للوكلاء على ارتكاب اخطاء لا تغتفر. ان الغضب يميت صاحبه لأن الغضبان اشد خطرا على نفسه من السكران والمجنون. وسببه ضيق الصدر. ولذا
[ ٣٥ ]
يجب ان يتحلى المرء بسعة الصدر لأن سعة الصدر اصل الخير، وضيقه اصل الشر.
وثمة نصيحة أخرى يسديها الجاحظ الى مؤلف الكتاب وهي عدم الثقة بما «يرسمه في الخلاء ويتوقاه في الملأ» وهذا يعني ان كل رأي يخطر له في خلوته او اثناء الكتابة، لا ينبغي أن يتمسك به اذا كان يخشى ان يبديه في جمع من الناس.
واذا لم يراع المؤلف هذه القواعد او المبادىء اسلم نفسه للاعداء والخصوم وعرضها للنقد والتكذيب.
وعدا التسرع في اصدار الاحكام او ابداء الآراء ثمة مبدأ آخر عرضه الجاحظ هو عدم تعميم الاحكام. فاذا وجد المفكر حالة خاصة او عددا من الحالات الخاصة، فلا ينبغي أن يستخرج منها حكما عاما يشمل جميع الحالات الأخرى. هذا المبدأ يطبق في العلم كما يطبق في الاخلاق والاجتماع وقد ساق الجاحظ عدة ادلة على صحة مبدئه هذا.
ان الوكلاء في المجتمع يشبهون الاجراء والاوصياء والامناء. ولا يمكنك ان «تقضي على الجميع باساءة البعض، ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع الامناء، واتهمنا جميع الاوصياء واسقطناهم ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد، وفسدت المستغلات، واضطربت التجارات..» .
وعلى الصعيد الخلقي لا يوجد خير محض ولا شر محض. والاشياء جميعا تنطوي على بعض الخير وبعض الشر، مع نسب متفاوتة منهما. وهذا الرأي سيردده ابن سينا في كلامه على العناية الالهية ووجود الخير والشر في العالم.
[ ٣٦ ]
وفي الطبيعة تجد المبدأ ذاته، ان المطر مثلا مصدر خير وشر، فهو يفسد بعض الثمار، ويفيد معظم المزروعات والحيوانات والناس. وخيره اكثر من شره.
وفي السياسة يطالعنا المبدأ ذاته «فالامام الجائر وان استأثر ببعض الفيء وعطل بعض الحكم فانه ينفع في ضبط الأمن ودرء الاخطار الخارجية الخ..
ولا شك في ان مبدأ عدم التعميم هذا الذي نادى به الجاحظ يسيء الى مفهوم القياس الارسطي، ويزعزع اسس العلم الطبيعي.
واخيرا نجد في رسالة الوكلاء مبدأ ثالثا يقول بعدم الاكتفاء بما وصل اليه السابقون من العلم طبقا للحكم الخاطىء الذي يقول «ما ترك الاول للآخر شيئا» . على النقيض يدعو الجاحظ الى متابعة التحصيل والبحث للاهتداء الى معارف جديدة. ولو طبقنا هذا الحكم لتوقف الناس عن التقدم، ولانحصرت العلوم في اجيال معينة وامم محددة. ويؤيد رأيه بالاختراعات الجديدة التي توصل اليها مجتمعه العباسي ولم يعرفها ملوك فارس من قبل مثل الحراقة والزلالة والخيش، والجمازة، وتطعيم الاشجار، والكردة.
[ ٣٧ ]