لم يبق من هذا الكتاب سوى صفحات قليلة. وما تبقى منه يعطينا فكرة واضحة عن محتواه. انه مقارنة بين التجار وخدم السلطان.
والجاحظ كعادته يتخيل شخصا يؤيد خدم السلطان ويمدحهم فيرد عليه ويعارضه ويتنصل من التهمة التي وجهها اليه ذلك الشخص وهي التكلف والصنعة البيانية في كتابته ويقول: «استحي من الكتابة، واستنكف بان انسب اليها في البلاغة وان أعرف بها في غير موضعها، ومن السجع ان يظهر مني، ومن الصنعة ان تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون مني» .
والجاحظ صادق فيما يقوله عن نفسه فهو لا يتصنع في كتابته، واذا ورد فيها شيء من السجع او الصنعة البيانية، فإنما يرد عفو الخاطر دون ان يقصد اليه قصدا. وقد اعلن رأيه في هذه المسألة مرارا وهو ان جمال الأدب يرتكز على الطبيعة اي عدم التكلف، وعلى البلاغة اي المساواة بين اللفظ والمعنى، واختيار اللفظ الذي يناسب المعنى ويوازيه فلا يفضل عنه ولا ينقص، شرط ان تتوافر فيه الفصاحة اي الوضوح ويتجنب الغرابة والوحشية.
نجد هذا الرأي في كتاب البيان والتبين وفي كتاب الحيوان، وفي كتاب المعلمين وغيرها.
[ ٣٩ ]
ان التجار أعز جانبا من اتباع السلطان واسلم دينا واطيب طعاما واهنأ عيشا وآمن نفسا واودع بالا. انهم احرار في تصرفاتهم، لا يستجدون احدا ولا يحتاجون لغيرهم، بل يحتاج اليهم الناس، ولا يعانون الذلة في مكاسبهم وهم يحصلون الارباح الوفيرة ويملكون الثروات الطائلة.
اما اتباع السلطان فلباسهم الذلة، وشعارهم الملق، وهم في خوف دائم من تغير الدول، او سطوة الرئيس وتنكيله؛ معرضون دائما للازمات والمحن.
والدليل على شرف التجارة ان النبي كان تاجرا، وقبيلته اشتهرت بالتجارة حتى اشتق اسمها من القرش والتقريش.
ويرفض الجاحظ الدعوى القائلة ان التجارة تصد عن العلم والأدب، ويقول ان تجارا كبارا نبغوا بالعلم والفقه، يذكر منهم سعيد بن المسيب الذي يقول ان النبي وابا بكر وعمر وعثمان وعليا لم يقضوا قضاء الا علمه. وكان الى ذلك نسابا وعالما باخبار الجاهلية والاسلام.
كما يذكر منهم محمد بن سيرين الفقيه الورع، ومسلم بن يسار العالم العابد (١٠٠ هـ-) وأيوب السختياني البصري المحدث (٦٦- ١٢٥ هـ-) ويونس إبن عبيد (١٣٩ هـ-) .
[ ٤٠ ]