الرسالة موجهة الى محمد بن احمد بن ابي دؤاد قاضي بغداد بعد والده احمد بين سنتي ٢٣٣ و٢٣٧ هـ-. ولي وعزل من قبل المتوكل. وقد توثقت صلة الجاحظ بابيه وبه. وقد حاول الجاحظ أن يرشده ويوجهه نظرا لحداثة سنه فكتب اليه عدة رسائل منها رسالة المعاش والمعاد.
يستهل الرسالة بمقدمة اضافية يمتدح بها رجاحة عقل القاضي وكرم خلقه ويتزلف اليه قائلا «وخرجت نسيج وحدك أو حديا في عصرك، حكمت وكيل الله عندك- وهو عقلك- على هواك-..» . ويشكره على النعمة: «وكان من تمام شكري لربي ولي كل نعمة، والمبتدىء بكل احسان الشكر لك والقيام بمكافأتك بما امكن من قول او فعل» . ويهديه كتابا في الأدب جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش وعلل الاشياء.
ثم يحدد موضوع الكتاب بانه وصف للطبائع التي ركب عليها الخلق واسباب شهواتهم وكيف تستمال قلوبهم، وكيف يصرفون الطبائع المذمومة الى الشيم المحمودة.
ويعلن قاعدة عامة ينبغي مراعاتها هي الوحدة بين آداب الدين والدنيا لأن الآداب آلات) تصلح ان تستعمل في الدين كما تصلح ان تستعمل في الدنيا. فما
[ ٩ ]
صح من اصول التدبير في الدين صح في الدنيا وما فسد هنا فسد هناك «وانما الفرق بين الدين والدنيا اختلاف الدارين من الدنيا والآخرة فقط، والحكم ها هنا الحكم هناك، ولولا ذلك ما قامت مملكة ولا ثبتت دولة ولا استقامت سياسة» .
والآداب وضعت على اساس الطبائع، واهم الطبائع اثنان هما حب المنافع وكره المضار. ويدخل في حب المنافع حب الراحة والدعة والازدياد والعلو والعز والغلبة وما تستلذ الحواس من المناظر والروائح والطعوم والاصوات والملامس.
ويدخل في المكاره اضداد هذه.
وإذا ترك الناس وطبائعهم انساقوا مع الهوى وابتعدوا عن الفضائل نظرا للانانية المستولية عليهم، فكان لا بد من وازع او رادع، ومن تربية وتأديب.
والتأديب يقوم على اصلين هما الترغيب والترهيب. وهذا الاصلان يصلحان في الدين والدنيا لأنهما اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة كما يقول الجاحظ «فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره الا بما وصفت لك من الرغبة (بالجنة) والرهبة (من النار)، فاعجز الناس رأيا وأخطأهم تدبيرا، واجهلهم بموارد الأمور ومصادرها، من أمل او ظن او رجا ان احدا من الخلق- فوقه او دونه او من نظرائه- يصلح له ضميره، او يصح له بخلاف ما دبرهم الله عليه، فيما بينه وبينهم، فالرغبة والرهبة اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة عظمت او صغرت» .
بيد ان الرهبة والرغبة لا تصلحان الا اذا قرنتا بالعدل. فالعدل هو الاصل الثالث للسياسة. وهو يعني الانصاف والمساواة.
يضاف الى العدل الوعد والوعيد وهو الاصل الرابع في السياسة. وهذا يعني التنفيذ والاثابة على العمل الصالح والعقوبة على العمل الطالح «ليعمل كل عامل على ثقة مما وعده واعده» وتعلق قلوب العباد بالرغبة والرهبة، ويطرد التدبير وتستقيم السياسة لموافقتهما ما في الفطرة، وأخذهما بمجامع المصلحة» . ولهذا يوصي الجاحظ القاضي بالتزام العدل في معاملة الناس. كما يوصيه بالجود مع
[ ١٠ ]
تثمير المال وتجنب الفقر «لأن تثمير المال آلة للمكارم وعون على الدين والدنيا ومتألف للاخوان، ولان من فقد المال قلت الرغبة منه ومن لم يكن بموضع رغبة او رهبة استهان الناس بقدره» .
اما في معاملة العدو فينصح ابو عثمان بثلاث خلال: ان يبتدىء عدوه بالحسنى عله يحوله عن عداوته لأن كثرة الاعداء كريهة. وأن يكتم اسراره عنه ولا يطلعه على تدبيره، وان يستعد لمواجهته.
وفي معاملة الصديق ينصحه كما نصح ابن المقفع قبله بالاكثار من الاصدقاء لانهم جند معدون له وعون في الشدائد. ثم ان يحافظ عليهم.
ويحذره من ثلاث خلال هي الكذب الذي هو جماع كل شر، ثم الغضب لأنه لؤم وسوء مقدرة، ثم الجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها.
كما يحذره من المفاخرة بالانساب لانها تورث العداوة بين الاخوان. ومن العتاب لأنه سبب للقطيعة، ومن المزاح لأن الافراط فيه يذهب بالبهاء. ثم الاعتداد بالنفس لان نشر المحاسن من صاحبها لا يليق به ولا يقبل. ثم حذره من ان يولي اموره الجسيمة امرأ لا يكون صلاحه متعلقا بصلاح الحاكم.
وفي النهاية يحث الجاحظ القاضي على استعمال الأدب والنصح في معاملة السلطان العادل، وعلى استعمال الحيلة والرفق في معاملة السلطان الاخرق.
[ ١١ ]