لم يذكر الجاحظ اسم صاحب الرسالة التي الف كتابه الذي نحن بصدده اي «ذم اخلاق الكتاب» للرد عليها. ولكنه يذكر انه قرأ تلك الرسالة في مدح اخلاق الكتاب وفعالهم واخبارهم، فلم يعجبه تقريظ الكتاب والاطناب بمدحهم لما ينطوي عليه من زلل في الاحتجاج وغلط في الاعتلال وبعد عن الحقيقة.
فعزم على تبيان «رداءة مذاهب الكتاب وافعالهم، ولؤم طبائعهم واخلاقهم» .
وهذا هو غرض كتاب الجاحظ وموضوعه.
ولكن ثمة باعثا آخر حمل الجاحظ على وضع هذا الكتاب هو بغضه إياهم- اي الكتاب- والذين ترجموا له يخبروننا أن المأمون جعله كاتبا في ديوانه وهو في سن الشباب، فمكث في عمله ثلاثة أيام واستعفى لأنه لم يطق ذلك العمل.
ويمكن ان نضيف عاملا آخر يفسر حملة الجاحظ على الكتاب هو تأثره بالمعتزلة. فقد ذكر لنا في الكتاب عددا من رؤسائهم الذين يشاطرونه موقفه من الكتاب امثال ثمامة بن اشرس، وابي بكر الاصم وبشر بن المعتمر، وابي الهذيل العلاف.
ويقدم في مطلع الرسالة نماذج من الكتاب منهم عبد الله بن سعد بن ابي سرح كاتب رسول الله، وكان اول مرتد في الاسلام و«خالف في كتابه املاءه»
[ ٥٩ ]
فانزل الله آيات تنهي عن استكتابه. ومنهم معاوية بن ابي سفيان الذي استكتبه رسول الله ايضا فكان «اول من غدر في الاسلام بامامه، وحاول نقض عرى الايمان بآثامه» . ومنهم زياد ابن ابيه الذي كتب لعمر بن الخطاب فكان شر ناشىء في الاسلام لأنه نقض السنة. ومنهم مروان بن الحكم الذي كتب لعثمان إبن عفان فخانه في خاتمه واهاج الرعية عليه.
والدليل على ان الكتابة ليست فضيلة هو عدم معرفة رسول الله بها، ولذا منع الله رسوله عنها «وجعل الحظ فيه دنيه» .
ويرى الجاحظ ان الكتاب في معظمهم من التابعين او الخدم: «ولم نر عظيما قط تولى كفاية نفسه، او شارك كاتبه في عمله» .
ثم ينتقل ابو عثمان الى الحديث على أخلاق الكتاب فينعتهم بالصلف والتيه والاعتداد بالنفس حتى ليظن الواحد منهم انه عمر بن الخطاب في حسن السياسة والتدبير، وابن عباس في العلم والتأويل، وعلي بن ابي طالب في القضاء والاحكام، وابو الهذيل العلاف في علم الكلام، والاصمعي في اللغة والانساب وهذا الغرور في التحصيل والعلم يدفع هؤلاء الكتاب الى انتقاد كل ذي علم ومعرفة، واحتقاره، حتى انهم يطعنون على القرآن ويدعون تناقضه، ويكذبون الاخبار والاحاديث، ويحتقرون شريحا القاضي وابن جبير الفقيه العابد الخ..
وثمة رذيلة اخرى في الكتاب هي جهلهم بالقرآن وتفسيره، وعدم المامهم بالفقه في الدين، وعدم اقبالهم على حفظ السنة والآثار.
ويذكر الجاحظ عيبا اخر في الكتاب هو قلة تعاطفهم فيما بينهم وزهدهم في المواصلة مما لا نعهده في جميع المهن وكأنهم في تباغضهم «اولاد علات وضرائر امهات» في عداوة بعضهم البعض وحنق بعضهم على بعض.
[ ٦٠ ]
وتشتد حملة الجاحظ على الكتاب حتى يرميهم بالشؤم: فهذا عبد الحميد الكاتب الذي كتب لبني امية فانتقضت خراسان عليهم وزال ملكهم، وكتب عبد الله بن المقفع لبني العباس فاغرى بهم عبد الله بن علي فقتل وهدم البيت على صاحبه، وكتب زيد بن ايوب للمأمون وعمل في ديوان الجند اربعين سنة ثم «صار في آخر عمره قوادا ليحيى بن اكثم القاضي» .
[ ٦١ ]
[١- محتويات المعاش والمعاد]
(المعاش والمعاد)
[ ٦٣ ]