يزعم الجاحظ في مقدمة الكتاب انه وضعه نزولا عند رغبة شخص سأله ان يكتب له كتابا في تفاضل البلدان وقناعة النفس بالاوطان، وأثر ملازمتها في الفشل والنقص، وأثر مبارحتها في التجارب والعقل.
ولكن الجاحظ يرى ان تأثير البلدان لا يقتصر على الفقر والغنى والمكاسب واغناء العلم بالتجارب، بل يتعداه الى الاخلاق والآداب واللغات والهيئات والصور لأنه يعتقد ان للبيئة دورا هاما في الانسان بمختلف قواه الجسمية والعاطفية والعقلية، وقد أوضح ذلك في اماكن عديدة من كتبه لأنه كان فيلسوفا طبيعيا. [١]
ان حب الاوطان طبيعة فطرها الله في الانسان ليعمر البلدان، فلولاها لما سكن الناس الفيافي والادغال وقلل الجبال والقفار الموحشة والبلدان المجدبة القاحلة، والاصقاع الباردة او الحارة. ولطلبوا جميعا السكن في البلاد المعتدلة المناخ، الخصية التربة.
_________________
(١) انظر حول هذا الموضوع كتابنا «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» المنحى الطبيعي، ص ٦٦.
[ ١٣ ]
ولو راموا جميعا «اختيار ما هو ارفع ورفض ما هو اوضع من اسم او كنية وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمة، لذهبت المعاملات وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا عرضا للتفاني واكلة للبوار» .
فالجاحظ يربط حب الاوطان مهما كانت خصائصها من الرفعة او الضعة ومن الجمال او القبح ومن الصلاح او الطلاح بمبدأ عام يرجع الى حكمة الله في خلقه، هو الطبائع التي فطر عليها الناس. وفي هذا الرأي يعبر عن فلسفة الطبيعة احسن تعبير.
وحب الاوطان هو الذي يحفز الناس على الذود عنها والقتال في سبيل استرجاعها اذا اغتصبت. والى ذلك اشارت الآية الكريمة وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
(البقرة: ٢٤٦) .
وبما ان حب الاوطان فطرة طبيعية لذا يستوي فيها الانسان والحيوان.
ويلاحظ الجاحظ ان صاحب المنزل اذا هجر منزله واختار غيره لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار ولا ديك ولا دجاجة ولا حمامة ولا هر ولا شاة ولا عصفور.
ويخصص الجاحظ قسما كبيرا من الرسالة للحديث عن مكة ولكنه يستطرد من ذكر مكة الى الكلام عن خصال قريش فخصال هاشم وهو يعترف بهذا الاستطراد المخل بالتأليف- والاستطراد سمة من سمات أسلوب الجاحظ في جميع لتبه- ويقول: «ولم يكن قصدنا في اول هذا الكتاب الى ذكر هاشم، وقد كان صدنا الاخبار عن مكة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكن خصال مكة بر ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جر ذكر خصال هاشم» . كما بقول انه عالج هذا الموضوع اي خصال هاشم في كتاب آخر، ذلك الكتاب هو على الارجح «فضل هاشم على عبد شمس» .
ان الخصال التي امتازت بها قريش عن سائر العرب هي رغبة جميع القبائل لانتساب اليها في حين لا نجد قرشيا انتسب الى قبيلة من قبائل العرب.
[ ١٤ ]
ومن صفات قريش انها اعز العرب واقواها لذلك لا نجد سبية من قريش، ولم تنهزم قريش في المعارك التي خاضتها مثل معركة الفجار وذات كهف.
ومن صفات قريش انهم تركوا الغزو وعملوا بالتجارة ومع ذلك لم يعترهم البخل الذي عرف به التجار لأن البخل خلقة في الطباع. وفي هذا القول يطبق الجاحظ فلسفة الطبيعة القائلة بان الاخلاق طباع.
من صفات قريش سمو الخلق ورجاجة العقل والحلم والوداعة والبعد عن الجفاء والغلظة، وطيب المأكل.
ومن صفاتها ايضا جمعها بين التدين والفروسية على عكس ما نرى في الروم والترك، فان هؤلاء عندما اعتنقوا النصرانية التي تنهي عن القتل والقتال والثأر صارت حالهم الى الجبن والقعود عن القتال. اما قريش فقد ظلوا رغم تشددهم في التدين وعزوفهم عن الغزو واشتغالهم بالتجارة على بسالتهم وفروسيتهم.
ويحاول الجاحظ أن يستخرج قانونا يحكم العلاقة بين التدين والبسالة ويطبقه على الخوارج الذين اشتهروا ببسالتهم في القتال فيقول ان سبب ذلك هو عقيدتهم الدينية التي تدعو الى الجهاد وبذل الروح للتخلص من الحاكم الظالم.
وهذا ما يفسر لنا استواءهم في النجدة والفروسية رغم اختلاف بلدانهم واعراقهم ولم يتوقف الجاحظ طويلا عند خصال هاشم لانه افاض بها في كتاب فضل هاشم على عبد لمس. وهو يختصر هنا ما اسهب به هناك. ان اهم خصال هاشم «النبوة التي هي جماع خصال الخير واعلاها وافضلها واجلها واسناها» .
ومن خصالهم الملك، وملكهم من مغرس النبوة لأن العباسيين استمدوا ملكهم من جدهم العباس، والعباس هو عم النبي، والعم وارث كالأب.
ومن خصال هاشم طول سني ملكهم الذي يناهز، عدا حكم علي بن ابي
[ ١٥ ]
طالب حتى ايام الجاحظ، مائة وست عشرة سنة.
ومن خصال هاشم ان الأذكار فيهم غالب، مع كثرة الولد وقد احصي آل ابي طالب فكانوا نحو الفين وثلاثماية. أما في سائر البلدان عدا خرسان فلا نجد الا مئناثا. ولذا كان عدد الاناث اكثر من عدد الذكور ولهذا السبب احل الله للرجل ان يتزوج اربع حرائر وما ملكت يمينه من الاماء لكي لا تبقى امرأة دون زوج.
ومن خصال هاشم الشجاعة ومنازلة الاقران والتقى. فكان علي بن ابي طالب اشجع الناس واكثرهم فتكا بالرؤساء والسادة والقادة. وكان اسبقهم الى الاسلام وازهدهم في الاموال.
اما مكة فهي المدينة المقدسة، وفيها بيت الله الحرام الذي يضم الحجر الاسود. وفيها ايضا بئر زمزم الذي يشرب منها البدو والحضر.
وبسبب قدسيتها لم يطأها عدو ظالم الا قهره الله. فصاحب الحبشة رام تدنيسها فارسل الله على جيشه جماعات الطير ترميهم بالحجارة. ولذا عاش اهلها احرارا لم يخضعوا لطاغية او غاز ولا يؤدون الاتاوة لأحد.
واذا دخلها ملك فلاجل تأدية فريضة الحج او التبرك والتعظيم كما فعل تبع ملك اليمن وبعض ملوك غسان ولخم.
ان الجاحظ يكتب صفحة من تاريخ مكة يحاول ان يظهر فيها ان تلك المدينة المحرمة لم تقهر ولم تغلب ولم تدسها اقدام الطغاة منذ القدم. وأن اهلها من قريش أعز الناس وأفضلهم أخلاقا.
بعد مكة يتحدث ابو عثمان عن المدينة، فيلاحظ انها تختص بخاصة فريدة هي طيب تربتها وهوائها. فان من يمر بها يشم رائحة زكية تفوح من حيطانها وارضها لا تشبهها رائحة في الدنيا. ولذا صنعوا الخرز والعقود من بلحها واترجها تحملها الصبيان والنساء في اعناقها. ولذا سميت طيبة.
[ ١٦ ]
وثمة ميزة اخرى للمدينة هي خلوها من الطاعون والجذام وهذا راجع الى طيب هوائها.
والميزة الثالثة التي نقع عليها في المدينة هي شهرتها في الفقه حتى قال عبد الملك بن مروان يمدح روح بن زنباع: «جمع ابو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة اهل الشام» .
والبلد الثالث الذي تكلم عليه ابو عثمان هو مصر التي ورد ذكرها في القرآن.. وكان ملكها القديم يدعى فرعونا. وتشتهر مصر بمنف او قصر فرعون المصنوع من الحجر الصلد. كما تشتهر بمهارة اهلها في السحر. ويشير الجاحظ الى خراجها الضخم الذي يدل على خصبها والبالغ اربعة آلاف دينار.
وبعد مصر تحدث ابو عثمان على الكوفة والبصرة في العراق. واورد قول زياد الجامع في صفاتهما: «الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها» . والبصرة خير من الكوفة لأنها اوسع ارضا واكثر عددا وادنى الى البحر وانقى هواء واخصب تربة واكثر عمرانا.
وماء البصرة عذب صاف عندما يبيت في القلى. والآجر الذي تصنع منه البيوت اصفر، وبين الآجر يوضع الجص الابيض فتبدوا المنازل اقرب الى الفضة بين تضاعيف الذهب.
وماء الكوفة أسرع الى الجفاف. ومعظم الكوفة خراب يباب تشبه قرية من القرى يسمع قربها ضباح الثعالب واصوات السباع.
ونخيل البصرة اكثف واجمل ولا تجد نخلة في الكوفة الا واعوجت كالمنجل.
واسواق الكوفة تدل على فقر اهلها، وهم يكرهون اهل البصرة اكثر مما يكرههم هؤلاء. وأهل البصرة احسن جوارا واقل بذخا واقل فخرا» .
[ ١٧ ]
ويتحدث الجاحظ على الأوضاع الاقتصادية في البصرة والكوفة ويقارنها باوضاع الشام ومصر وبغداد وغيرها. فيجد الأموال غزيرة في الشامات والاشياء رخيصة لبعد المنقل وقلة عدد السكان، ولأن ما تنتجه ارضهم يفضل عن حاجتهم اما الاهواز وبغداد والعسكر فكثيرة الدراهم والمبيع لكثرة عدد السكان. واما في البصرة فالاثمان مقبولة ويكلف بناء الدور نصف ما يكلف بناء مثلها في بغداد. ويدخل ميناءها كل يوم نحو الفي سفينة. ويوجز خصائص البصرة بقوله: «ولم نر بلدة قط تكون اسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها الا البصرة: طعامهم اجود الطعام، وسعرهم أرخص الاسعار، وتمرهم أكثر التمور، وريع دبسهم اكثر، وعلى طول الزمان أصبر، يبقى تمرهم الشهريز عشرين سنة..» .
وفي آخر الرسالة شيء عن الحرة في العراق، وهي لا تحظى برضا الجاحظ، إنها بيضاء اللون، وتربتها غبراء مشربة سوادا، وهي باردة الطبقس شتاء، حارة صيفا. ولا يرى فيها دارا تذكر سوى دار عون النصراني العبادي.
وللجاحظ رسالة أخرى عنوانها «الحنين الى الاوطان» . وقد شك السندوبي في نسبتها الى الجاحظ بينما اكد عبد السلام هارون تلك النسبة ولم يقطع بروكلمان في الأمر. ويبدو لي انها منحولة لأن موضوعها أي تعلق الانسان بوطنه قد طرقه الجاحظ في كتاب: الأوطان والبلدان، وتناوله في القسم الأول منه. وليس من الحكمة في شيء اعادة معالجته مجددا. وهذه الرسالة اعني الحنين الى الاوطان تخلو من الاصالة الفكرية التي نلفيها في كتاب «الأوطان والبلدان» حيث نجد الجاحظ ينم عن عمق في التفكير وحرص على ربط الظواهر باسبابها.
اما في الرسالة فلا شيء سوى جمع اقوال واشعار وأحاديث تتعلق بحب الانسان وطنه.
وفي الرسالة نعرة شعوبية، والجاحظ كان خصما عنيدا للشعوبية. وهذه النعرة تبدو من قول منسوب الى اعرابي موجه للجاحظ ظاهر الاضطراب
[ ١٨ ]
والتناقض. فهو يقول للجاحظ: «لعن الله ارضا ليس بها عرب» ثم يقول: «ان هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا ان الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الاعيار اذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا والله ما امر الله نبيه ﷺ بقتلهم، اذ لا يدينون بدين، الا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم الا تنزيها لهم» . وهو يتهمهم بالضعف: ولولا الفلاة التي تحميهم لقضى عليهم العجم، كما يتهمهم بالكفر. ولو كان الكتاب للجاحظ لرد على هذا الاعرابي. او اعترض على مزاعمه.
وتبدو الشعوبية في ناحية أخرى من الرسالة هي تمجيد الفرس واليهود وذكر مآثرهم واخبارهم وحبهم لاوطانهم رغم استيلائهم على بلدان كثيرة غريبة.
وثمة دليل آخر على نحل الكتاب هو كلف صاحبه بالالفاظ الغريبة المتكلفة التي يكرهها الجاحظ ويدعو الى الفصاحة في اللفظ، والابتعاد عن الاغراب والوحشية والتكلف البياني، مثل الجناس والطباق. وهذا التكلف يبدو في كلام الاعرابي «اني والله غاوي إعباب، لاصق القلب بالحجاب، مالي عهد بمضاغ الا شلو يربوع وجد معمعة مني، فانسلت، فاخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامائه وراهطائه..» .
[ ١٩ ]