موضوع الرسالة سياسي، وهو الخلاف الذي نشب بين الامام علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان حول الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث، والذي بلغ ذروته في معركة صفين وما آلت اليه من التحكيم الفاشل.
ويسارع الجاحظ الى التأكيد على انه لا يريد ان يبخس معاوية خصاله من العقل والحلم والدهاء والفهم والجزم والبيان وكتابة الوحي وتولية عمر اياه ارباع الشام وتثبيت عثمان ذلك له وتزكيته في حسن تدبيره الأمور. ولكن هذه الخصال لا تكفي لاستحقاق الامامة. فالامامة لا تستوجب الا بالتقدم في الفضل والسوابق، على ان يكون ذلك الفضل ظاهرا ومشهورا عند الناس، او بالشورى، أو بالميراث، او بالوصية، او باجتماع القرابة وحرمة العترة بالاضافة الى الخصال الكريمة. هذه الوجوه الخمسة لاقامة الامام عددها الجاحظ لانها تمثل آراء اهم الفرق في عصره. فالمعتزلة قالوا بالوجه الأول وقد عرضه الجاحظ في رسالة العثمانية، والعباسيون قالوا بالوجه الثالث وقد بسطه الجاحظ في رسالة العباسية، والشيعة الامامية قالوا بالوجه الرابع، والزيدية قالوا بالوجه الخامس.
اما الوجه الثاني او الشورى فقد نادى به اهل السنة والجماعة.
[ ٢٩ ]
ومعاوية لا ينطبق عليه وجه من هذه الوجوه الخمسة، فهو لم يتقدم في الاسلام وليس من اصحاب السوابق وانما هو رجل من عرض المسلمين ومن الطلقاء، واذا كتب الوحي فقد شاركه فيه وسبقه اليه العديدون امثال ابن ابي سرح وزيد بن ثابت وحنظلة الأسدي وعلي ابن ابي طالب ولم يدع احدهم الامامة بسبب الكتابة. وليس من اهل الشورى ولا الميراث ولم يوص له بها.
وقد ادعى معاوية الخلافة زاعما انه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان ومن يطالب بدم الخليفة أحق الناس بالخلافة. وليس هذا سببا كافيا للامامة. وقد اعتمد معاوية على القوة والبطش للوصول الى الخلافة، كما استند الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب. واستغل للوصول الى غايته انتشار جند علي وعدم تماسك جنده؛ ولجأ الى الترغيب بالمال والمناصب ليستميل الناس اليه. واحتال برفع المصاحف على رؤوس الرماح ليخدع جند علي ويشق صفوفهم، واستفاد من دهاء عمرو بن العاص ومواقف ابي موسى الاشعري في التحكيم او انقلابه على علي.
ويتوقف الجاحظ عند دور ابي موسى في التحكيم، ويرى كما رأى النظام قبله ان ابا موسى لم يكن غبيا كما يقول الشيعة بل كان عاقلا صحيح التدبير سديد الكيد متفقها في الدين عالما بالقياس والحجج مشهورا بالحلم وكان واليا ناجحا للخلفاء السابقين وقائدا للفتوح. كما يرى أنه خلع عليا في التحكيم لأنه انقلب عليه ومال الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد من النهي عن القتال وتحريمه، واسر ان تصير الخلافة الى عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفضل قحطان على عدنان.
واذا كان ابو موسى على هذه الحال فلم اختاره علي ليمثله في التحكيم؟.
وهنا يرفض الجاحظ كما رفض النظام استاذه دعوى الشيعة بانه حمل على القبول به حملا لا خيار له فيه نزولا عند رغبة اليمانية المؤيدين لابي موسى، لأن ابا موسى لم يكن له أنصار اقوياء يفرضونه فرضا على الخليفة، ولم يكن علي ضعيف
[ ٣٠ ]
الرأي ليقبل ان يمثله في التحكيم عدو مرصد. وانما قبل علي بالتحكيم تلافيا للشقاق يدب في صفوف عسكره بسبب رفع المصاحف ويوم نادى منادي معاوية: «اخرجوا الينا قتلة عثمان»، فابتلي علي «بعقد لا سبيل الى حله وبقفل لا حيلة في فتحه» فلو سلمهم قتلة عثمان لا متنعوا بعشائرهم الذين قالوا «كلنا قتال عثمان» ولتواثب بعض عسكره على بعض، ولا نقضّ عليهم معاوية وفتك بهم. ولو قال كذبوا لم يكن ذلك تدبيرا لأن السواد الأعظم ومنهم اصحاب الحديث والقضاة والنوابت استنكروا قتل عثمان وطالبوا بالاقتصاص من قتلته. وان قال صدقوا خلعه من يرى الوقوف في عثمان وعلي، ومن يرى تبرئة علي ويدعي ان قتل عثمان من طاعات الله وهم أشد أنصاره. فكان قبول التحكيم هو المخرج الوحيد المفتوح امامه.
والمسألة الثانية بعد التحكيم التي وقف عندها الجاحظ هي ترك علي للقتال. وقد اتهمه خصومه بانه ترك القتال اما جبنا واما طمعا في توبة معاوية وعمرو واما ندما على ما اراق من دماء. وكل هذا من سوء التدبير والعجز.
بيد ان الجاحظ يرد جميع هذه التهم لأن عليا «اشد الناس قلبا واشرا واكثرهم للاقران قتلا» . ولأنه كان يدرك خدعة معاوية وعمرو وقد حذر اتباعه في خطبه منها ودعاهم الى مواصلة القتال. ويرى ان عليا ترك القتال عندما تحقق من تفكك عسكره ومللهم الحرب، وسأمهم مقارعة الشر، وبعدهم عن اوطانهم وعيالهم، بعد ما قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمر الكراع ونحد السلاح ونجبي المال» .
والمسألة الثالثة التي عالجها الجاحظ هي «كتاب القضية» وهو الاتفاق الذي زعم خصوم علي انه تم بين علي ومعاوية على تحكيم عمرو بن العاص وابي موسى الاشعري في ما شجر بينهما. وقد أثبت الجاحظ هذا النص وحلله فوجد انه مدخول وغير صحيح. فالفاظه تخلو من الفصاحة والبلاغة ويشيع فيها اللحن مما يدل على انها من كلام المولدين. والشهود مشكوك في نسبهم ومختلف في
[ ٣١ ]
إسمائهم، والسنة التي ارادوا الرجوع اليها لم يردنا ان الحكمين تذاكرا فيها أبدا.
والمسألة الرابعة التي توسع فيها الجاحظ هي احتجاجات السفيانية، اتباع معاوية، لحقه بالخلافة. لقد ذهبوا الى ان الخلافة شورى كما ارتأى عمر بن الخطاب عندما اختار ستة رجال وامرهم باختيار الخليفة بعده، منهم. ولم يبق منهم سوى اربعة وكلهم لا يصلحون للخلافة. فسعد بن ابي وقاص لا يستحقها لأنه «جليس لا يرى ان يدفع ضيما ولا يمنع حريما» . وطلحة والزبير لا يصلحان لها لأنهما بايعا عليا ثم نكثا البيعة. واما علي بن ابي طالب فقد سقط حقه فيها لاشتراكه بدم عثمان وحمايته قتلته ولأنه لم يعمل بالشورى ولم تجمع عليه.
الناس.
ومعاوية برأي اتباعه اولى بالخلافة من بقية الشورى لأنه ابرأهم ساحة من العيوب التي رموا بها ولأنه اولى من انتدب لحسم الخلاف وتسلم مقاليد الملك وتفريج الكرب عن الناس، ولأن عمر ولاه وعثمان زكاه، ولأنه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان الخ
وقد رد الجاحظ على هذه الحجج بقوله ان معاوية لم يدل بهذه الحجج التي تلهج بها السفيانة. ولو احتج بها معاوية لرواها اصحاب الاخبار والسير امثال الزهري ومحمد بن اسحق وقتادة وغيرهم. ويرى ان هذه الاحتجاجات من عمل المتكلمين المتأخرين.
ثم ان حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة بسبب عدم توافر الاجماع عليها لا قيمة لها. لأن الاصل في القضية هو توافر الفضيلة، فاذا وجدت فعلى الناس الاجماع على صاحبها، فان اختلفوا فالحق لا يزول وعلى صاحبه الصبر. وقد كان فضل علي ظاهرا، واذا كانوا اختلفوا فيه فقد أصاب الموافق واخطأ المخالف ولم يضم ذلك عليا.
وكذلك حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة لانها لم تنل بالشورى لأن
[ ٣٢ ]
عليا لم يجمع بقية الشورى ليختاروه، ساقطة ايضا، لأن تلك الشورى ارتآها عمر وليس علي ملزما بالعمل بها.
واما حجة السفيانية بان حق علي بالخلافة قد سقط لاشتراكه بدم عثمان فتجن مطلق، لأن عليا لم يشترك بدم عثمان ولم يحرض على قتله ولم يعن عليه.
بقي الاعتراف بحق علي بالخلافة للقدم في الاسلام والفضائل التي انماز بها من زهد وفقه وشجاعة وتضحية في سبيل الدين اضف الى ذلك الرواية والقرابة.
واذا كان السفيانية قد ضلوا السبيل في موقعهم من علي ومناصبتهم إياه، فان الشيعة والخوارج قد غفلوا بدورهم عن تدبيره. فالشيعة اخطأوا في تأويلهم لتدبيره في قضية الحكمين وحرب صفين كما مر معنا، والخوارج جهلوا تدبيره ايضا مرتين الاولى عندما دعاهم الى مواصلة القتال إثر رفع المصاحف فاحجموا وقالوا لنحكم كتاب الله بيننا، والثانية عندما دعوه بعد التحكيم الى استئناف القتال فرفض لتشتت جيشه، فكفروه وحاربوه.
اما موقف الجاحظ الخاص فقد حدده بقوله انه ينطلق من مبدأ المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، اي التوسط في الاحكام بين الافراط والتفريط، وبين الايمان والكفر في حق مرتكب الكبيرة. فالمعتزلة لا يغلون كالخوارج فيكفرون عليا، ولا يقصرون كالمرجئة فيعلقون الحكم ويتركون الامر لله. وانما يقتصدون ويتوسطون «وهذا الاشتقاق، وهو التوسط والاقتصاد هو الاعتزال لغو من غلا وتقصير من قصر؛ والاصل الذي نبني عليه امورنا فيمن ليس عندنا كعلي وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في ادنى رجل من اوليائنا، انا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ حتى يعيينا فيه وجه الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ ان نقضي بانه خطيئة حتى يعيينا القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه اثم فليس لنا ان نقضي بانه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه انه ضلال الى الاثم متحملا، وان قضينا بانه ضلال فليس لنا
[ ٣٣ ]
ان نقضي بانه كفر الا بعد ان نجد من ذلك بدا فيكون الحق احق ما قضي به وصبر عليه. فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في ادنى اوليائه، فكيف تظنه في ارفع اوليائه؟ فهذا ما لا يحل لي ان اظنه بعلي بن ابي طالب، فان كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال حتى يتبين به انه كان سببا في اراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار، وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص» .
لقد اوضح الجاحظ في هذا المقطع طريقة المعتزلة في الحكم على الناس بمن فيهم علي. وهي طريقة تتسم بالاعتدال وتتجنب الغلو والتقصير، وتضع درجات في سلم الأعمال تتوسط بين الكفر والايمان وهذه الدرجات هي الصواب والخطأ والخطيئة والاثم والضلال. ثم تلتزم بعدم اصدار الحكم الا بعد توافر الادلة التي تفضي الى اليقين.
وبناء على هذه القاعدة لا يجد الجاحظ دليلا كافيا يتبين منه ان عليا كان سببا في اراقة دم عثمان، فيصدر عليه حكما بالكفر. اما معاوية فلا يستحق الامامة لعدم توافر اسبابها فيه، وقد اغتصبها بالقوة والخديعة ومختلف الوسائل التي توافق الكتاب والسنة وتخالفهما على عكس علي الذي كان يلتزم الكتاب والسنة ولا يلجأ الى المكائد. واذا كان الجاحظ لم يجهر بالكفار معاوية في رسالة الحكمين فانه كفره صراحة في رسالة النابتة. لقد فسق وضل لاغتصابه الخلافة وكفر حين جحد حكم الرسول في ولد الفراش وادعى ان زياد بن سمية أخوه (انظر رسالة النابتة، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، التي نشرناها) .
والجاحظ يؤكد انه يلزم الحياد بين العلويين والعثمانيين وانه ليس ممن «يميل في شق عن شق، ويتعصب لبعض على بعض، ومن يبخس حق الدون، فكأنك به قد تبخس حق من فوقه حتى تصير الى أئمته المهتدين وخلفائه الراشدين، لست عمريا دون ان اكون علويا، ولا علويا دون ان اكون عثمانيا، اللهم الا بما اخص به العترة بسبب القرابة، واما في غير ذلك فليس
[ ٣٤ ]
شأني الا محبة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على فدر ما شاهدنا عليه من الحالات..» .
وهو يعلن ان كتابه هذا ليس من كتب اصحاب الاهواء او المتكسبين او المتقربين، او من كتب المنافقين والمموهين للباطل. وان غايته هي تبيان الحق والدعوة اليه.
[ ٣٥ ]