في هاتين الرسالتين يصور الجاحظ الصراع المستحكم بين فخذين من افخاذ قريش على الخلافة. هذان الفخذان هما بنو هاشم وبنو عبد شمس. ويبدو الخلاف بينهما واضحا منذ العصر الجاهلي في تنافسهما على مقاليد السلطة في مكة الممثلة باللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة.. وحسم هذا الخلاف لصالح بني هاشم عندما ظهر النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي يحمل رسالة الاسلام ويبشر بها وينشرها. وبانتصاره على المشركين الذين كان يتزعمهم ابو سفيان بن حرب بن امية بن عبد شمس القرشي. والذي توج بفتح مكة وتسلم النبي محمد مفتاحها. بيد أن الامويين سكتوا على مضض حتى اذا خلف عثمان بن عفان قبضوا على مقاليد السلطة وتوزعوها فيما بينهم لأن عثمان ولى اقرباءه الامويين على الامصار واعتمد عليهم في الحكم. وعندما قتل عثمان على ايدي الثوار وبويع علي أعلن معاوية بن أبي سفيان الأموي العصيان وتمرد على سلطة الخليفة الهاشمي، وبعد حروب طويلة استتب الأمر لمعاوية على اثر مصرع علي على يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي. ولم ييأس بنو هاشم وراحوا يبثون دعوتهم سرا سحابة حكم بني أمية الذي دام زهاء قرن من الزمان
[ ٣٧ ]
واستطاعوا اخيرا ان يعلنوا الثورة على الامويين ويقوضوا احكمهم سنة ٧٥٠ م ويبطشوا ببني امية بطشا شديدا. وقد انقسم الهاشميون فرعين: ابناء علي بن أبي طالب، وابناء العباس عم النبي وكل منهما كان يدعو لنفسه ويدعي انه احق بالخلافة من الآخر. وقد اطلق على ابناء علي اسم العلويين وسمى انصارهم بالشيعة. واطلق على ابناء العباس اسم العباسيين. وقد استطاع العباسيون الاستئثار بالسلطة دون العلويين وتأسيس دولتهم الشامخة القوية التي عاشت نحو خمسة قرون من الزمان وانتهت على يد المغول سنة ١٢٥٦ م.
وإبان الحكم العباسي لم يكف انصار الامويين عن النضال في سبيل السلطة والقضاء على الدولة العباسية. وكان هذا النضال يتخذ شكل الدعاية الفكرية السرية، او شكل الثورات العلنية الدموية. ويبدو من رسائل الجاحظ أن انصار الأمويين نشطوا في القرن التاسع الذي عاش فيه الجاحظ فكان يطلق عليهم اسم النابتة او العثمانية او العمرية او البكرية. فبادر العباسيون للرد عليهم ونقض حججهم، ولا سيما المأمون والمعتصم وتطوع الجاحظ للاضطلاع بمهمة الرد.
فكتب عدة رسائل حول هذا الموضوع، منها رسالة النابتة، ومنها رسالة العباسية، ومنها رسالة فضل هاشم على عبد الشمس. وقد فعل ذلك تقربا من العباسيين اصحاب السلطان.
وقد تكلمنا على رسالة النابتة في مقدمة رسائل الجاحظ الكلامية وقلنا ان الثابتة ينتصرون لبني امية ويحنون الى دولتهم، ويزينون أعمالهم ويدعون لهم.
فرد عليهم الجاحظ مبينا سيئاتهم وتهافت حجج انصارهم النابتة.
اما رسالة العباسية فقد وضعها الجاحظ ليبين ان العباسيين احق بالخلافة من سواهم. وبما أنهم أسندوا هذا الحق الى الوراثة، لذا يركز الجاحظ على هذا المبدأ ليوضح صحته. لقد اعتبر العباسيون الخلافة ارثا تحدر اليهم عن النبي، وهم احق بذلك الأرث من ابناء فاطمة بنت النبي لأن البنات لا يرثن الآباء، بينما الاعمام واولاد الاعمام يرثون.
[ ٣٨ ]
وقد أنكر العثمانية او البكرية مبدأ الارث في الخلافة وقالوا إنها شورى، وان النبي لا يورث. واعتمدوا على موقف ابي بكر من فاطمة عندما منعها الأرث إثر موت والدها وقال لها عندما الحت بالطلب واحتجت وتظلمت إنه سمع رسول الله يقول «انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه، فهو صدقة» .
وهم يرون موقف أبي بكر من الأرث صحيحا والدليل على صحته ان الصحابة لم يستنكروه. فتجيب العباسية انه اذا كان ترك النكير دليلا على صدق دعوى ابي بكر وعمر، فان ترك النكير على المتظلمين والمحتجين والمطالبين دليل على صحة دعواهم او استحسانها. وقد طالبت فاطمة ابابكر بميراث والدها فمنعها إياه، فاحتجت والحت وشكت ووجدت ودعت على أبي بكر فلم يردعها احد من الصحابة ولم يصرفها عن الخطأ اذا كانت على خطأ.
وثمة دليل آخر على ان ترك النكير ليس حجة على صدق الدعوى، موقف عمر من المتعة وحصر الخلافة في قريش. لقد قال عمر من على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ، متعة النساء ومتعة الحج، انا انهى عنهما، واعاقب عليهما. فلم ينكر عليه أحد قوله ولا خطأه. وقال يوم السقيفة ان الخلافة في قريش لأن النبي قال: «الأئمة في قريش» . ولكنه خالف هذا المبدأ عندما قال شاكيا من الستة الذين حصر فيهم الشورى بعده «لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك» وسالم ليس قريشا، بل هو عبد لامرأة من الانصار. ومع ذلك لم ينكر عليه أحد موقفه او دعواه.
وثمة دليل على صدق دعوى ابي بكر بمنع الأرث عن فاطمة أورده البكرية خصوم العباسيين هو احجام الصحابة عن خلعه والثورة عليه. ولو كان على خطأ لفعلوا به كما فعلوا بعثمان عندما وثبوا عليه وقتلوه.
هذا الدليل باطل بنظر العباسين لأن ابا بكر عندما منع الارث عن فاطمة لم يجحد التنزيل ولكنه ادعى حديثا نسبه الى النبي ليس محالا في العقل ولم يثر به الناس لأنهم صدقوه في حديثه لحسن ظنهم به. وقد ثاروا على عثمان ولم يثوروا
[ ٣٩ ]
على ابي بكر لأن العامة والسفلة لم تهب عثمان كما هابت ابا بكر وعمر، ولم يستأثر ابو بكر وعمر بالفيء كما استأثر عثمان.
هذه حفنة من الآراء التي أدلى بها كل من العباسية والبكرية أو العثمانية حول أحقية الخلافة. ولم يصلنا من رسالة العباسية سوى بضع صفحات، ولكنها كافية لا عطائنا فكرة عن الرسالة كلها. إنها تدور حول موضوع واحد هو حق العباسيين في الخلافة دون سواهم، وان سياقها واحد هو الجدل وقرع الحجة بالحجة بين خصمين هما العباسيون من جهة وخصومهم العثمانية من جهة ثانية.
اما رسالة فضل هاشم على عبد شمس فمناظرة بين الهاشميين والامويين، كل منهم يفتخر بالرجال الذين انجبهم ويعد مآثرهم. فهاشم هو الجد المشترك للعلويين والعباسيين. وكان اسمه عمرا وهاشم لقب كريم لقب به لأنه كان يهشم الثريد لقومه في السنين العجاف.
وابنه عبد المطلب سيد الوادي واجمل الناس واجودهم، وصاحب الفيل وزمزم وساقي الحجيج، وقد ظهرت على يديه كرامات ككرامات الانبياء. فقد دعا الله ان ينصره على الاحباش الذين غزوا مكة فارسل الله عليهم طيرا ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل واستجاب الله لدعائه.
وانجبت هاشم محمدا لنبي المصطفى. والنبوة اعظم هبة واقدسها. ولا يضارعها شيء. كما انجبت عبد الله بن عباس وعليا ابن ابي طالب، والمنصور والرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم من الخلفاء العظام.
واذا افتخر بنو أمية بانه خرج منهم ملوك كبار امثال معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ويزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. اجاب بنو هاشم بأن سني ملكهم اطول لأن دولة امية لم تعمر سوى اربع وتسعين سنة. وان اساس ملكهم امتن لأنهم بنوه على الميراث وحق العصبة والعمومة، وبناه الامويون على النسب القرشي.
[ ٤٠ ]
ويلخص الجاحظ أسباب الخلافة التي نادى بها طلابها في عصره:
فالعلويون جعلوا الوصية والقرابة والسابقة سببا في الخلافة، والعباسيون جعلوا الوراثة سببا في الخلافة، والخوارج جعلوا السوابق والاعمال والجهاد سببا في الخلافة.
وفي جميع هذه الاحوال ليس للامويين فيها نصيب اذ ليس لهم قدم مذكور ولا يوم مشهور.
اضف الى ذلك أن ملوك بني امية اتوا من الشرور والآثام والظلم الشيء الكثير. لقد حاربوا عليا وسموا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الجمال حواسر وكشفوا عن عورة علي بن الحسين وضربوا علي بن عبد الله بن عباس بالسياط الخ. وهدموا الكعبة وحولوها وغيروا اوفات الصلاة.
وبسبب ما ارتكب بنو امية من مخاز وفجور دالت دولتهم بسرعة وانتزع العباسيون الملك من أيديهم بالبطش والحيلة.
اما المفاخر التي يعتز بها بنو هاشم فهي كثيرة العدد فان عدد اولاد علي بن عبد الله بن العباس يناهز عدد جميع ابناء امية وكذلك عدد ابناء الحسين بن علي إبن ابي طالب.
ويفخر بنو هاشم ايضا بالرأي السديد والعلم والفقه والتأويل والخطابة وقد نبغ منهم في ذلك كثيرون امثال عبد الله بن عباس وعلي بن ابي طالب.
ويفخرون بالفروسية والشجاعة وقد اطلعوا امثال حمزة بن عبد المطلب وعلي بن ابي طالب.
ويفخرون بالكرم والسماح وقد اشتهر منهم فيهما امثال عبد الله بن جعفر ابن ابي طالب، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب.
ولم يكتف الجاحظ بايراد مفاخر الهاشميين بل اورد ايضا مفاخر الامويين المقابلة؛ لقد افتخر هؤلاء بانهم انجبوا نوادر الرجال في العقل والدهاء امثال
[ ٤١ ]
معاوية بن ابي سفيان وزياد ابن ابيه. وعبد الملك بن مروان.
وفخر الامويون برجال أجواد كانوا مضرب المثل امثال سعيد ابن العاص وعبد الله بن عامر.
وفخر الامويون بالفتوح التي تمت في دولتهم والحروب التي خاضوها في ارمينية وافريقيا والسند والهند.
كما افتخروا بنبوغهم في الشعر واهتمامهم بالعلوم. فكان يزيد بن معاوية شاعرا، والوليد بن يزيد شاعرا، ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن الحكم شاعرين. اما خالد بن يزيد بن معاوية فكان حكيما وهو اول من أجاز التراجمة والفلاسفة ليترجموا له الطب والكيمياء والآلات.
وفاخر الامويون بخطبائهم أمثال معاوية بن ابي سفيان وعبد الملك بن مروان وزياد ابن ابيه وسليمان بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك بن معاوية، وعمر بن عبد الغزير.
وافتخر الامويون بالملك ولا سيما بمعاوية الذي حكم اربعين سنة منها عشرون واليا وعشرون خليفة. وعبد الملك بن مروان الذي انجب اربعة خلفاء هم الوليد وسليمان ويزيد وهشام.
وفاخر الامويون بالحسن الذي عرف به عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي لقب بالمطرف لجماله. والمؤمل بن العباس بن الوليد بن عبد الملك.
لم يقتصر الهاشميون على تعداد مفاخرهم بل عمدوا الى تسفيه مفاخر خصومهم الامويين. فالدهاء الذي عرف به بنو أمية هو من اسماء فجار العقلاء. والذين عدوهم من الدهاة ابعد الناس عن التقى. ولم تكن حيل معاوية لتخفى على علي بن ابي طالب «ولكن الرجل الذي يحارب ولا يستعمل الا ما يحل له اقل مذاهب في وجوه الحيل والتدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل وما لا يحل» .
[ ٤٢ ]
واذا ذكر الامويون في الجود سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فاين جودهما من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس والحسن بن علي وجود خلفاء بني العباس كالمهدي والرشيد والمأمون.
وفي الخطابة لم ينبغ أحد من اولاد امية بن عبد شمس ولا يضارع أحد فيها علي بن ابي طالب وعبد الله بن العباس.
وفي الورع لا أحد يضاهي علي بن ابي طالب في زهده ودينه. وفي النسك ليس من شبيه لزين العابدين علي بن الحسين.
وفي الفقه والتفسير والتأويل ليس لاحد فيه أن ينافس علي بن ابي طالب وعبد الله بن عباس وجعفر الصادق.
وفي الشجاعة ليس من ند لعلي بن ابي طالب وحمزة ابن عبد المطلب، والحسين بن علي وزيد بن علي بن الحسين بن ابي طالب والمعتصم وعبد الله بن علي عم المنصور.
وفي الحسن لم يكن أحد أجمل من العباس بن عبد المطلب من بسطة جسمه وتمام قوامه.
واذا فاخرت أمية بعاتكة بنت يزيد بن معاوية، فاخرت هاشم بفاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين وبامها خديجة.
ويبدو ان الأمويين ارادوا إظهار الاعتدال فدعوا الى التسوية وقالوا ليس من احد افضل من الآخر، ونحن لا ننكر فضل هاشم في الاسلام، ولا فرق بيننا في الجاهلية فنحن وهاشم ابناء اب واحد وام واحدة.. ان عبد مناف هو جدنا المشترك، ولم يفرق الرسول بين هاشم وعبد شمس.
ولكن هاشم أبت التسوية وقالت ان أمية ليسوا اكفاءنا من كل وجه وان جمعنا جد واحد. وقد ميز الرسول بين هاشم عشيرته وسائر العشائر وقال الله في ذلك وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
[ ٤٣ ]