وضع الجاحظ قسما من هذا الكتاب في خلافة المعتصم ووضع القسم الثاني في خلافة المتوكل. والقسم الاول وجهه الى المعتصم فلم يصل اليه لاسباب لم يفصح عنها الجاحظ. اما القسم الثاني فوجهه الى وزير المتوكل الفتح بن خاقان التركي الاصل والذي عرف بادبه وشاعريته، وذكرت له بعض الكتب مثل كتاب اخلاق الملوك، وكتاب الروضة والزهر وكتاب الصيد والجارح. وقد قتل مع المتوكل سنة ٢٤٧ هـ. ويصفه الجاحظ في مقدمة الرسالة بحسن اطاعته الخليفة، والدراية بالتدبير، والحرص من الوقوع في الهفوات التي يعاب بها.
والغرض الذي رمى اليه الجاحظ من الكتاب هو الألفة بين قلوب ابناء الشعوب التي تشكل الدولة العباسية. كانت تلك الدولة المترامية الاطراف تضم عدة شعوب مختلفة الاصل واللغة والاخلاق ولم يستطع الاسلام الذي اجتمعت عليه أن يصهرها صهرا كاملا في بوتقته، فظل كل شعب منها متعلقا بتراثه وماضيه ولغته وطباعه، ونشأت الخصومات بينهم على الصعيدين الفكري والعسكري.
واهم تلك الشعوب التي كونت الدولة العباسية العرب والفرس والاتراك والسودان اضف الى ذلك شعبين مولدين هما الموالي والأبناء. وكل من تلك
[ ٤٥ ]
الشعوب يعتز بخصائصه ويتمسك بها ويدل فيها على الشعوب الأخرى. وقد تمثل ذلك في الجيش الذي كان يضم الخراساني والتركي والمولى والعربي والبنوي.
ويمكن ان نقسم الكتاب قسمين: قسما يتناول مفاخر كل شعب من هذه الشعوب، وقسما يحدد السياسة التي ينبغي أن تتبع للتقريب بينهم وتوحيد كلمتهم.
وفي القسم الاول نجد الخراسانيين يفخرون بانهم اصحاب الدعوة العباسية لأنها انطلقت من خراسان وقضت على دولة الامويين. فهم شيعة العباسيين وجنودهم وحملة راياتهم السوداء. كما يفخرون بعظم اجسامهم وطول سواعدهم وكثرة نسلهم وعددهم. ويعتزون بشجاعتهم وبلائهم في الحروب وانتصاراتهم وقدرتهم على قلب الدول. ولا ينسون براعتهم في الصناعات والعلوم والحكمة والأدب والحساب والهندسة والموسيقى والفقه والرواية.
اما العرب فيفخرون بانهم اهل الدولة واقدم الشعوب اسلاما. وهم اقدر الناس على نظم الشعر الموزون المقفى الذي لا يفنى ويخلد المآثر والاخبار، واحفظهم للانساب، واخطبهم على منبر بلسان امضى من السنان وارهف من السيف.
ويفتخرون ايضا بانهم قواد الدعوة العباسية لأنهم قدموا النقباء «وهل اكثر النقباء الا من صميم العرب ومن صليبة هذا النسب» ولم يقض على عمال الامويين وخليفتهم الأخير مروان بن محمد الا عرب الدعوة. ولم يفتح الهند الا موسى بن كعب، ولم يفتح افريقية الا محمد بن الاشعث وكلهم عرب أقحاح.
وبذا تسقط دعوى الفرس بانهم أصحاب الدعوة.
فاذا استمعنا الى الموالي نراهم يمتدحون انفسهم بالنصيحة والاخلاص في الخدمة وعدم افشاء السر والطاعة. وبانهم اطلعوا العديد من النقباء امثال ابي منصور مولى خزاعة. ولا يعابون من جهة النسب لأن الولاء لحمة كلحمة
[ ٤٦ ]
النسب وبذا جمعوا بين النسب العربي والاصل الاعجمي.
اما الأبناء فيقولون أن أصلهم خراسان وفرعهم بغداد. وخراسان هي منبع الدعوة وبغداد مستقر الخلافة. ولذا فهم اعرق من الموالي والعرب. وهم قوام السلطة القائمة في بغداد وقد اجتمع لهم الاقدام في الحروب والاحتجاج والعقل والصبر على الزمان. ويبدو من كلام الجاحظ ان الابناء كانوا يسيطرون على بغداد وكان الخليفة يعتمد عليهم في فرض سلطته ونسمعه يقول «ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا، والدنيا كلها معلقة بها
ونحن بعد تربية الخلفاء وجيران الوزراء، ولدنا في افنية ملوكنا، ونحن اجنحة خلفائنا..» . والابناء مولدون من آباء فرس وامهات عربيات.
وننتهي اخيرا الى الاتراك الذين ذكر خصالهم في القسم الأخير من الكتاب واطال الحديث عنهم. والصفة الرئيسة التي يفتخرون بها هي البسالة في الحروب والبلاء في المعارك وهم يتفوقون بها على الخوارج الاعراب وعلى جميع الأمم. واذا عرف الخارجي بصدق الشدة عند الهجوم، والصبر على السير، وادراك ما يطلب، وقلة الامتعة فان التركي احمد شدة، واسرع حركة، واصعب مراما.
واذا كان الخوارج يقاتلون عن عقيدة دينية فان الاتراك لا يقاتلون على دين او تأويل او ملك او خراج او عصبية او وطن. بل يقاتلون على السلب.
ويعرف التركي بحب وطنه والحنين اليه. وهذا طبع في جميع الناس ولكنه في الترك اغلب.
وبعد عرض مفاخر الشعوب المختلفة يبدي الجاحظ رأيه الشخصي. إن سبب اختلاف الأمم في الخصال عائد الى طباع خصهم الله بها دون غيرهم.
وهذا ما يفسر لنا حذق اهل الصين في الصناعة، واليونانيين في الحكمة والعلم، والعرب في الأدب، والفرس بالملك، والاتراك في الحروب. فاليونانيون لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا فلاحين، فصرفوا همهم الى التفكير والتأمل فتوصلوا الى الطب والحساب والهندسة والموسيقى وآلات الحرب والساعات الخ كما انتجوا
[ ٤٧ ]
الحكمة والعلم.
اما سكان الصين فقد مهروا بالسبك والصياغة والأصباغ العجيبة.
وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا اطباء ولا حسابا ولا اصحاب فلاحة وزرع لخوفهم من صغار الجزية، وانما اتجهوا نحو قرض الشعر وبلاغة القول، كما اهتموا بقيافة الأثر وحفظ النسب والبصر بالخيل فبلغوا شأوا عظيما.
والترك مثل العرب سكان فياف وقفار لذا دعوا باعراب العجم فلم يهتموا بصناعة او تجارة او هندسة او بنيان او زراعة، وصرفوا همهم الى ركوب الخيل ومقارعة الاعداء وطلب الغنائم فاشتهروا بالفروسية والحرب.
ان لكل امة حظا من الكمال ومقدارا من النقص، ولا تخلو أمة من النقص فتبلغ الكمال كله، «وانما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوىء» .
ثم ان السياسة تقضي بالامتناع عن التفاخر والتنابذ لأن الاسراف فيها يؤدي الى التناحر والتباغض بين جند الخلافة وبين ابناء مختلف الشعوب التي تتكون منها الخلافة.
ويرى الجاحظ أن الناس- وان تباينت اعراقهم وصورهم- متفقون في حقيقتهم. فالمولى الاعجمي يصبح عربيا بالولاء وليس هذا بعجيب لأنهم جعلوا الخال والدا «والحليف من الصميم» . كما جعلوا «ابن الاخت من القوم» واسماعيل الاعجمي الوالدين عربيا.
ثم ان الجميع من خلق الله، فله «ان يجعل من عباده من شاء عربيا ومن شاء عجميا ومن شاء قرشيا ومن شاء زنجيا، كما له ان يجعل من شاء ذكرا ومن شاء انثى ومن شاء خنثى.
وقد قسم الله الطبائع والخصال والصفات والقدرات بين الناس كما قسم طينة الأرض فجعل بعضها حجرا وبعضها ياقوتا وبعضها ذهبا وبعضها نحاسا الخ..
[ ٤٨ ]
وينتهي الجاحظ الى التسوية والتوحيد بين الخراساني والبنوي والمولى والعربي قائلا: «واذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني، واذا كان الخراساني مولى، والمولى عربي، فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحدا» .
وعلى هذا الاساس تصبح اسباب القربى والوفاق بين هذه الشعوب اكثر من اسباب الخلاف. «بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية، وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركي الى الجميع راجعا، وصار شرفه الى شرفهم زائدا» .
ويترتب على ذلك انتفاء الخلاف، وغلبة التسامح، وازالة الأضغان.
[ ٤٩ ]