هذا الكتاب يشبه كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة في الموضوع والنوع. فهو يعدد مفاخر العرق الاسود كما عدد كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة مفاخر البيضان من خراسانيين وعرب واتراك وابناء وموال. وهو ينطوي مع كتاب مناقب الترك في الغاية التي يرمي اليها الجاحظ وهي التسوية بين العرب وسائر الشعوب التي تشتمل عليها الدولة العباسية والتقريب بينها واستئصال الاحقاد من قلوب ابنائها، لتستطيع العيش بوئام وسلام. وهذه هي القاعدة التي تقوم عليها سياسة بني العباس والتي يؤيدها الجاحظ.
غير ان رسالة فخر السودان على البيضان كرسالة الترك تصور لنا الحركة الشعوبية تصويرا واضحا. ان هذه الشعوب تحاول ان تثبت وجودها وتمايزها وفضائلها ومآثرها وتفوقها على العرب.
ويوجه الجاحظ الكلام في مقدمة الرسالة الى شخص لم يذكر اسمه سأله ان يكتب كتابا في مفاخر السودان فيلبي الجاحظ طلبه ويؤلف هذه الرسالة التي يبدي فيها عطفا ظاهرا على السودان لأنه كان اسود اللون يمت اليهم بصلة القرابة.
وهو يعدد اولا الرجال العظام الذين انجبهم السودان، منهم لقمان الحكيم، وسعيد بن جبير المحدث الذي عاش في العصر الاموي وقتله الحجاج
[ ٥١ ]
في السنة التي مات بها. ومنهم بلال الحبشي مؤذن الرسول، ومنهم المقداد الذي عاش في عصر الرسول، ووحشي الذي قتل مسيلمة الكذاب. ومنهم مكحول الفقيه المتوفي سنة ١١٢ هـ. ومنهم الحيقطان الشاعر والخطيب الذي عاش في العصر الاموي. ومنهم جليبيب الفارس الذي عاش في عصر الرسول، ومنهم عكيم الحبشي الشاعر.
ويذكر اسماء السودان الذين اشتهروا بالفروسية امثال خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وعنترة بن شداد، وسيلك بن السلكة، وعمير بن الحباب والحجاف بن حكيم وعامر بن فهيرة، والفداف ومريح الاشرم والمغلول وافلح الخ.
ثم يذكر ثانيا خصال السودان واهمها السخاء الذي يغلب عليهم ولا تنافسهم فيها أمة أخرى.
ومن خصالهم الرقص الموقع الموزون، فهم اطبع الناس على الايقاع والضرب بالطبل.
ومن خصالهم خفة لغتهم وذرابة السنتهم وخلوهم من الفأفأة والعي. وهم اخطب الشعوب، يقف الخطيب طوال النهار يتكلم دون تعب.
ومن خصال السودان قوة الابدان حتى ليستطيع الواحد منهم رفع الاثقال التي يعجز عنها جماعة الاعراب.
ومن خصالهم دماثة الخلق وطيب النفس وحسن الظن والنأي عن الأذى.
واجادة الطبخ، والامانة في الاعمال المصرفية.
وقد اعترض قوم على سخائهم فقالوا انه نتيجة ضعف عقولهم. فرد السودان قائلين لو كان الأمر كذلك لكان الصبيان والنساء اكرم من الرجال لانهم اضعف منهم عقولا. والعكس هو الصحيح.
ويرى الزنج وهم عرق من السودان انهم كانوا اكفاء العرب في الجاهلية
[ ٥٢ ]
ولذا اكثروا من التزوج منهم، وفي الاسلام انكر العرب فضل السودان عليهم على الرغم من ضرب الامثال بملوك السودان وتقدمهم على ملوك العرب امثال ابرهة وابي يكسوم.
ثم انتقل الجاحظ الى الحديث عن اللون الاسود وقيمته ومنشئه وجماله، وأتى بآراء اجتماعية ونفسية طريفة. فهو يرى ان اللون الأسود اشد مهابة من اللون الابيض. والحيوانات والاشياء السوداء تتصف بالقوة والبهاء، فالخيل الدهم ابهى واقوى، والبقر السود احسن وجلودها اثمن وابقى وادسم لبنا.
وكل حجر اسود يكون اصلب، واشهى التمور واحلاها الاسود. واعلى العيدان واسلمها الأبنوس الاسود. واجمل الشعر الاسود، وحدقة العين السوداء أحسن ما في العين، والكحل الذي يكتحل به للتزين اسود اللون، وسويداء القلب اعز ما فيه، واطيب ما في المرأة شفتاها السوداوان. وقد قال الرسول: «بعثت الى الاحمر والاسود» ومعنى ذلك انه بعث الى السودان. والحجر الاسود اشرف ما في الكعبة. وام اسماعيل قبطية سوداء.
وعالج الجاحظ ناحية أخرى اجتماعية هي كثرة عدد السودان واتساع بلادهم في افريقيا وما وراء بلاد الحبشة. ويعزو الجاحظ ذلك الى قوة خصوبتهم وكثرة تناسلهم. «فالزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما، في كل بطن اثنان فيكون ذلك اكثر من تسعين» .
ويلاحظ الجاحظ قلة الاقبال على الزواج من الزنجيات في المجتمع العباسي لأن الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجي ولأن الأبيض لا ينشط للزنجية. ويعلل الجاحظ هذه الظاهرة بالعادة والتقليد. ولذا نرى اهل البصرة يحبون من النساء الهنديات، واهل اليمن يحبون منهن الحبشيات، واهل الشام يؤثرون الروميات.
فكل قوم يشتهون جلبهم وسبيهم.
وثمة سبب آخر لكثرة السودان هو ترامي اصقاعهم. فاذا كان البيضان يسكنون بلاد فارس وخراسان والروم وفرنجة، فالسودان يملأون بلاد الزنج
[ ٥٣ ]
والحبشة وفزان وبربر والقبط والنوبة والسند والهند والصين. ثم ان العرب يعدون من السودان لأن لونهم اقرب اليهم من البيضان.
ويبحث الجاحظ اخيرا مسألة فلسفية خطيرة هي علة اختلاف الناس في ألوانهم. ويذهب الى ان الله لم يجعل السودان سودا والبيضان بيضا وانما البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها هي التي تحيل الوانهم او تصبغ جلودهم بالوان مختلفة. ويقول على لسان السودان «ان الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكن البلد فعل ذلك بنا. والحجة في ذلك ان في العرب قبائل سودا كبني سليم ابن منصور. وكل من نزل الحرة من غير بني سليم كلهم سود» . وقد يأتي بنو سليم برعاة من الروم البيض فلا يمضي ثلاثة أجيال حتى يصبحون سودا، ثم ان جميع الحيوانات التي تعيش في الحرة من نعام وهوام وذباب وثعالب وشاء وحمير وخيل وطير، سود. وثمة دليل آخر على اثر البيئة في تشكيل الالوان هو اننا نرى جراد البقل وديدانه خضرا، كما نرى قمل الرأس الاسود سوداء، وقمل الرأس الاشيب بيضاء. وينتهي الجاحظ الى القول: «والسواد والبياض انما هما من قبل خلقة البلد وما طبع الله عليه الماء والتربة، ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها، وليس ذلك من قبل مسخ او عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير» .
[ ٥٤ ]