كتاب كتمان السر وحفظ اللسان
[ ١ / ١٣٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فإني قد تصفحت أخلاقك، وتدبرت أعراقك، وتأملت شيمك، ووزنتك فعرفت مقدارك، وقومتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التمام، وتوقلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم النظير، لا يطمع فاضلٌ أن يفوتك، ولا يأنف شريفٌ أن يقصر دونك، ولا يخشع عالمٌ أن يأخذ عنك.
ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييعٍ وإهمال لأمرين هما القطب الذي عليه مدار الفضائل، فكنت أحق بالعذل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم يتسنم رتبتك؛ لأنه ليس ملومًا على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على الزلة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف؛ لأن المنكر إذا كثر صار معروفًا، وإذا صار معروفًا صار المنكر المعروف منكرا.
وكيف يعجب ممن أمره كله عجب، وإنما الإنكار والتعجب ممن خرج عن مجرى العادة، وفارق السنة والسجية، كما قال الأول: " خالف تُذكر ".
[ ١ / ١٣٩ ]
وقيل: " الكامل من عدت سقطاته "، وقيل: " من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيرًا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرًا من يومه فذلك السعيد المغبوط ". وفي هذا المعنى قال الشاعر:
رأيتك أمس خير بني معدٍّ وأنت اليوم خيرٌ منك أمس
وأنت غدًا تزيد الضعف خيرًا كذاك تزيد سادة عبد شمس
وقال آخر في معن:
أنت امرؤٌ همك المعالي ودلو معروفك الربيع
وأنت من وائلٍ صميمٌ كالقلب تُحنى له الضلوع
في كل عام تزيد خيرًا يشيعه عنك من يشيع
والأمران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السر بإذاعته.
وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهلٍ ولا يسير. وكيف وأنا لا أعرف في دهري - على كثير عدد أهله - رجلًا واحدًا ممن ينتحل الخاصة، وينسب إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السيادة، ويتحلى
[ ١ / ١٤٠ ]
بالأدب ويديم الثخانة والزماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، وأحمد حياطته لسره. وذلك أنه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة الأهواء؛ فإن الدولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الداعية إلى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول.
وإنما سُمِّي العقل عقلًا وحجرًا، قال تعالى - " هل في ذلك قسمٌ لذي حجر " - لأنه يزم اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي فُرطًا في سبيل الجهل والخطأ والمضرة، كما يُعقل البعير، ويحجر على اليتيم.
وإنما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكل ما يعيه من ذلك عن الحواس من خير وشر، وما تولده الشهوات والأهواء، وتنتجه الحكمة والعلم.
ومن شأن الصدر - على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنما يعي بقدرةٍ من الله لا يعرف العباد كيف هي - أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل
[ ١ / ١٤١ ]
منه، فيستريح إلى نبذه، ويلذ إلقاءه على اللسان. ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به إلى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كل ذلك ما دام الهوى مستوليًا على اللسان، واستعمل فضول النظر فدعت إلى فضول القول.
فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، ورده عن تلك الدربة، وجشمه مؤونة الصبر على ستر الحلم والحكمة.
ولا شيء أعجب من أن المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤولٌ عنها، ومحاسب على ما خوِّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظةً ولفظة، وصرفها عن أضدادها.
فلم يرض الإنسان أن عطلها عما خُلقت له مما ينفعه حتى استعملها في ضد ذلك مما يضرُّه، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه في معصية، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن والخسران. نعوذ بالله منها.
فاللسان أداةٌ مستعملة، لا حمد له ولا ذمَّ عليه، وإنما الحمد للحلم واللوم على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكل فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشَّرَّة، وإسقاط طائر الخرق بأحق بهذا الاسم، ولا أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات،
[ ١ / ١٤٢ ]
والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، وسوء الطبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطلبة، وشدة الحنين والرقة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السخط، ووقت السخط من وقت الرضا؛ ومن اتفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدىً.
واعلم يقينأً أن الصمت سرمدًا أبدًا، أسهل مرارًا - على ما فيه من المشقة - من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصواب، لما قدمنا ذكره من علة مجاذبة الطباع؛ ولأن من طبع الإنسان محبة الإخبار والاستخبار. وبهذه الجبلة التي جبل عليها الناس نُقلت الأخبار عن الماضين إلى الباقين، عن الغائب إلى الشاهد، وأحب الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا خواطرهم في الصخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجة الله على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرسل، وقام مجيء الأخبار عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان؛ وعرفت البلدان والأقطار والأمم والتجارات والتدبيرات والعلامات؛
[ ١ / ١٤٣ ]
وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة إلى قبول الإخبار عن الرسل، وسلمًا إلى التصديق، وعونًا على الرضا بالتقليد.
ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلت هذا المحل. ولكن الله ﷿ حببها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النساء داعيةً للجماع، ولذة الجماع سبيلًا للنسل، والرقة على الولد عونًا على التربية والحضانة - وبهما كان النشوّ والنماء - وحب الطعام والشراب سببًا للغذاء، والغذاء سببًا للبقاء وعمارة الدنيا.
فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة؛ وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه الكرب لكتمان السر، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسُّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل، وحكة الجرب، ومثل لسع الدبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرزانة والخفة. فإذا باح بسره فكأنه أنشط من عقال. ولذلك قيل: " الصدر إذا نفث برأ " مثلًا مضروبًا لهذه الحال. وقيل: " ولا بدَّ من شكوى إذا لم يكن صبرُ ".
[ ١ / ١٤٤ ]
وليس قولنا " طبع الإنسان على حب الإخبار والاستخبار " حجةً له على الله، لأنه طبع على حب النساء ومُنع الزنى، وحبب إليه الطعام ومُنع من الحرام. وكذلك حُبِّب إليه أن يخبر بالحق النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك، فاختار الهوى على الرأْي.
ومما يؤكد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلًا عن غيرهم، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارًا مستورة لا يحتملها العوامّ، فضاق صدره بها، فكان يبرز إلى العراء فيحتفر بها حفيرةً يودعها دنًّا، ثم ينكب على ذلك الدّنّ فيحدثه بما سمع، فيروح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سره من وعاء إلى وعاء.
وكان الأعمش سيئ الخلق غلقًا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما يحب طيَّه عنهم، وتكرار ما يحدثهم به، ويتعنتونه، فيحلف لا يحدثهم الشهر والأكثر والأقلَّ، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلعت الأخبار إلى الخروج منه، فيقبل على شاةٍ كانت له فيحدثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب الحديث يقول: " ليت أني كنت شاة الأعمش ".
[ ١ / ١٤٥ ]
وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سره فقال: أكلت الحامض والحلو حتى ما أجد لهما طعمًا، وأتيت النساء حتى ما أبالي أمرأةً لقيت أم حائطًا، فما بقيت لي لذة إلا وجود أخٍ أضع بيني وبينه مؤونة التحفظ.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا عنا. ففعل، فقال: اللذة طرح المروءة.
وقد صدق عمرو، ما تكون الزماتة والوقار إلا بحملٍ على النفس شديد، ورياضةٍ متعبة.
وقال بعض الشعراء:
ألم تر أن وشاة الرجا ل لا يتركون أديمًا صحيحا
فلا تفش سرك إلا إليك فإن لكل نصيحٍ نصيحا
والسر - أبقاك الله - إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذنٍ واحدةٍ فليس حينئذ بسرٍّ، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النشر والشهرة. وإنما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع إلى أذنٍ ثانية. وهو مع قلة المأمونين عليه، وكرب الكتمان، حريٌّ بالانتقال إليها في طرفة عين.
[ ١ / ١٤٦ ]
وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه أسرع، وبه أسخى وفي الحديث به أعذر، والحجة عنه أدحض.
ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبدًا إلى حيث انتهى.
هذا أيضًا إذا استعهد المحدَّث واستكتم، وكان عاقلًا حليمًا، وناصحًا وإذًا، فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشي بالنمائم ويحبُّ إفشاء المعايب، وكان ممن ينطوي على غشٍّ أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفعٍ أو دفع ضرر.
فاللوم إذ ذاك على صاحب السر أوجب، وعمن أفضى به إليه أنزل؛ لأنه كان مالكًا لسره فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو العبد القنَّ المملوك لمن ائتمنه على سرِّه، وملَّكه رقّ رقبته؛ فإن شاء أحسن ملكته لحفظ ذلك السر فجزّ ناصيته، وجعله رهينةً ليوم عتبه عليه. وقل من يحسن الملكة، ويحرس الحرِّيَّة أو يضبط نفسه؛ فإنه ربما لم يخرجه غِشًّا فأخرجه سخفًا وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السر واسترعاه من هو أشد له إضاعة، فسفك الدم وأنال النعم وكشف العورة وفرق بين الجميع، وإن كان المضيع لسره ألوم. قال الشاعر:
[ ١ / ١٤٧ ]
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق
فمن أسوء حالً، وأخسر مكانًا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرًّا مالكًا لنفسه فصيَّر نفسه عبدًا مملوكًا لغيره، مختارًا للرق، من غير أسرٍ ولا قسر! والعبيد لم يصبروا على الرق إلا بذلّ الأسر والسِّباء.
ومن كان سره مصونأً في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكر له في عاقبة، ولا يتحرز له من مصيبة. وكلما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد مواليه أكثر، وشقاؤه بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السر معلومًا عند عدةٍ أو أقل من العدّة، فما أعسر استتاره. غير أنه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ولا من قبله علم.
ولو أن أوزن الناس حلمًا ملك لسانه وحصَّن سره وقلَّل لفظه، ما قدر على أن يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغير لونه، وتبسُّمه أو قطوبه، عند ما يجري بلبه من ذكر ذلك السر، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه
[ ١ / ١٤٨ ]
ومخالبه إذا عرّض بذكره، أو سنح له نظيرٌ أو مثيل، أو حضر من له فيه سببٌ إلا بعد التصنُّع الشديد، والتحفظ المفرط.
فإذا كان يعرف من هذه الجهات وماأشبهها، ويطلع عليها بتظنُّن المرجِّمين، والمتعقِّبين للأفعال والأقوال، والنظر في مصادر التدبير ومخايل الأمور، فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع البذر. فكيف إذا أطلق به اللسان، وعوِّد إذاعته القلب، والعادة أملك بالأدب.
وربما أدركه الحدس، وقيضه الظنّ، فنالت صاحبه فيه خدعة، بأن يذكر له طرفٌ منه، ويوهم أنه قد فشا وشاع، فيصدِّق الظنَّ فيجعله يقينًا، ويفسِّر الجملة فيصيِّرها تفصيلا، فيهلك نفسه ويوبقها.
وربَّ كلامٍ قد ملأ بطون الطوامير قد عُرف جملته وما فيه الضَّرر
[ ١ / ١٤٩ ]
منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطلعٍ في الكتاب، أو حرفٍ تبيَّن من ظهره.
فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظَّنّ بجميع الأنام؛ فإنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الحزم سوء الظَّنّ ". وقيل لثقيف: بم بلغتم من الشَّرف والسؤدد؟ قالوا: بسوء الظَّنّ.
فلا تعتمد على رجل في سرِّك تحمد عقله دون أن تحمد ودَّه ونصحه؛ فإنَّ الأمر في ذلك كما قال الشاعر:
وما كلُّ ذي لبٍّ بمؤتيك نُصحَه ولا كلُّ مؤتٍ نصحه بلبيبِ
ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأوقع بالحجَّاج عنده وسبَّه، فلما خرج من عنده خبَّر بما كان منه لبعض أصحابه، فلامه وأنَّبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك؟ قال: كلا، والله إني ما رطلت يدي قط أحدًا أرزن منه.
هذا والله - أبقاك الله - الغلط البين، والعذر الملفق، وتحسين فارط
[ ١ / ١٥٠ ]
الخطأ؛ لأنه ليس كل راجحٍ وعاقلٍ بناصحٍ لصاحب السر، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلف الأدنى هذه المؤونة، وإنما يفعلها الأدنون بالأعلين رغبةً ورهبًا، وتحسنًا عندهم بحاجتهم إليهم.
وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسر الذي يودعه خليفةٌ في عاملٍ له يلحقه زينه وشينه، أخرى ألا يكتمه. وهذا سبيل كل سرٍ يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.
وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرًا، وصاحب سرك واحدًا من ألف.
وليس معنى الحديث أن تعد ممن تعرف ألفًا وتقضي إلى واحد بسرك إنْ لم يكن ذلك الواحد موضعًا للأمانة في السر. لكنه قيل: رجلٌ يساوي ألف رجل، ورجلٌ لا يساوي رجلًا. وكقول رسول الله ﷺ: " الناس كإبلٍ مائةٍ لا يوجد فيها راحلةٌ ".
فكل ذلك يراد به أنَّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنَّا قد نجد الرجل يوزن بالأمة، ونجد الأمة لا تساوي قلامة ظفر الرجل.
[ ١ / ١٥١ ]
فإذا كان من تقع عليه الشَّريطة معدومًا - سيما من يوثق بحلمه وعقله، وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السر الذي يضمر ولا يحرَّم عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسِّرِّ والحفظ؛ فإنه ليس كلُّ من ضمِّن فلم يضمن ضامنًا، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظًا، ولا من استخلف فلم يخلف خائنًا، وإنما يلحقه الحمد والذم؛ والأجر والإثم إذا ضمن الأمانة ثم خترها - فكأن القوم قالوا: لا تودعن سرك أحدًا. وإلا فمتى تجد رجلًا فيه الصفة التي وصف بها مسكينٌ الدارمى نفسه حيث يقول:
إني امرؤ منِّي الحياء الذي ترى أنوء بأخلاقٍ قليل خداعها
أواخى رجالًا لست أُطلِع بعضهم على سرِّ بعضٍ غير أنِّي جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم إلى صخرةٍ أعيا الرجال انصداعها
وقيل لرجلٍ: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجعل قلبي له قبرًا أدفنه فيه إلى يوم النشور.
[ ١ / ١٥٢ ]
وقال الآخر: وأكتم السِّرَّ فيه ضربة العنق.
وهذه صفاتٌ موجودةٌ بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغتر بما يعده الواعد منها دون أن يبلو الخبر.
والذي جربناه ووجدناه: أن من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما لا يبلغه الرسول المستحفظ المعنيّ بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على أدائها؛ حتى ربما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلاغة من الرجال، المعروف بالنميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السرَّ، فيشيع على لسانه كما يشيع الضوء في الظلمة.
وهذا فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين أحبَّ أن يشيع إسلامه فقال: من أنمُّ أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله أن يكتمه عليه، فلم يُمسِ وبمكة أحدٌ لم يعلم بإسلام عمر، ﵁.
[ ١ / ١٥٣ ]
ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السرِّ الاستعهاد له، والتحذير من نشره؛ فإن النهي أغرى؛ لأنه تكليف مشقة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظرٌ، والنفس طيَّارة متقلِّبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق.
ولعل رجلًا لو قيل له: لا تمسح يدك بهذا الجدار - وهو لم يمسحها به قطُّ - غرى بأن يفعل.
وكذلك ما حُدَّث به من السر فلم يؤمر بستره، لعله ألا يخطر بباله؛ لأنه موجود في طبائع الناس الولوع بكلِّ ممنوع، والضجر بكل محصول.
فنريد أن نعلم: لم صار الإنسان على ما منع - وإن كان لا ينفعه - أحرص منه على ما أبيح من غير علة ولا سبب إلا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قلَّ عنده؟ ولم أقبل على من ولّى عنه وولَّى عمن أقبل عليه؟ ولم. قالوا: إذا جدَّت المسألة جدَّ المنع؟ وقال الشاعر:
الحر يُلحى والعصا للعبد وليس للمُلْحِف مثل الرَّدِّ
ولم صار يتمنَّى الشيء وينذر فيه النذور، ويتقطع إليه شوقًا، فإذا ظفر به صد عنه وأخلق عنه؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟
فنقول: إن الله ﵎ جعل لكل نفسٍ مبلغًا من الوسع لا يمكنها تجاوزه، ولا تتسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر
[ ١ / ١٥٤ ]
وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عز الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من ومن البخل والحرص استخفت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها تواقة مشتاقة، متطرفة ملالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى خيرها من شرها وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظم القليل بالضرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدة النزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها؛ فإن صنوف الشهوات كثيرة، ولكل صنفٍ منها أهل لا يحلفون بما سواه. وتتعجب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارئ. إلا أنه إذا كثر الغريب صار قريبًا، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجاتها فصار ظهريًا وفضلًا استخفت به وقل في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدرًا ما اشتد إليه الفقر والحاجة وإن قل قدره، وأهونها عليها ما استغنى عنه وإن عظم خطره. وجعل لما تتوق إليه وتشتاقه مكانًا من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك المكان سرورًا، وقضى ذلك الأرب وطرًا مما كان طمح إليه، وروى مما كان ظامئًا إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضًا، وشوقه ملالًا.
والعلة في ذلك أن الدنيا دار زوالٍ وملال، ليس في كيانها أن تثبت
[ ١ / ١٥٥ ]
هي ولا شيءٌ مما فيها على حالٍ واحدة، وإنما الثبوت الدائم لدار القرار. فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهي من الطعام والشراب والباه، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النظر إلى ناحيته، فضلًا عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأول.
فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فإذا امتلأت تلك القوة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعمًا ولا ريحًا، وعاد عليها الضرر. فبعض النظر يعمى، والصوت الشديد يصمّ، والرائحة المنتنة تبطل المشم، والأطعمة الحارة المحرقة تبطل حاسة اللسان.
وتتطرف كل واحدةٍ منها؛ فبين الطيب عند من بعد عهده به، والجماع والسماع، وبين من هو مغموسٌ فيه بونٌ بعيدٌ جدا، ً في الحلاوة وحسن الموقع. كل ذلك ما لم يأت المال والعلم؛ فإنه كلما كثر كان أشهى وأعجب؛ لأن قصد الناس له ليس لطلب مقدار الحاجة وسد الخلية كما يريده أهل القناعة والزهادة، وإنما يراد لقمع الحرص، والحرص لا حد له ولا نهاية؛ لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاعٌ لا لبغية.
وهكذا قال رسول الله ﷺ: " لو أن لابن آدم واديين من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ".
وقال بعض الحكماء:
من كان لا يغنى بما يغنيه فكل ما في الأرض لا يغنيه
[ ١ / ١٥٦ ]
قال الله ﷿: " وتحبون المال حبًا جمًا ". وقال: " وإنه لحب الخير لشديد ". وقال الشاعر:
والناس إن شبعت بطونهم فعيونهم في ذاك لا تشبع
فأما الحديث الذي جاء: " لا يشبع أربعٌ من أربعة: أرضٌ من مطر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وعالمٌ من علم ". فإن العين لا تشبع في الجملة كما لا يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأما من صنفٍ مما يراه دون صنفٍ، فإنه يشبع ويروى، ويصدف إلى غيره.
وأما العلم فإنه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حد له ولا نهاية، ولم يزدد له طلناٍ إلا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى والكبرياء أيضًا. وقد يمل كما يمل كل شيء. وتمل العين أيضًا منه ومن المال.
وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضية تدل على الخروج عن العقل؛ لأن النهم تجاوز القدر.
[ ١ / ١٥٧ ]
وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجب من مثله، فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب.
وإفشاء السر إنما يوكل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سر الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضاد، والولاية والعداوة. ومثل سر الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلة؛ لنفاسة العوام على الملوك، وأنهم سماءٌ مظلة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان؛ فإنما صارت العداوة بعد المودة أشد لاطلاع الصديق على سر صديقه، وإحصائه معايبه، وربما كان في حال الصداقة يجمع عليه السقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرقاع؛ إرصادًا ليوم النبوة، وإعادًا لحال الصريمة.
وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوام عن أسرار الملوك فقال:
ما يريد الناس منا ما ينام الناس عنا
[ ١ / ١٥٨ ]
لو سكنَّا باطن الأر ض لكانوا حيث كنا
إنما همهم أن ينشروا ما قد دفنا
ولم نرى حب الطعن على الملوك، والتجسس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، واستحلال الغيبة، ظاهرًا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحدٌ منهم إلا من رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سودده، واشتد ورعه، حتى قال بعضهم: " الغيبة فاكهةُ النساك ".
ورووا عن بعضهم أنه قال: " الفاسق لا غيبة له ".
وقال آخر: " أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس ".
ولم نر الله جل ثناؤه رخص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل فيالغيبةبأكره ما تكرهه النفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال: " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه ".
واغتياب الناس جميعًا خطة جورٍ في الحكم، وسقوطٌ في الهمة، وسخافة في الرأي، ودناءةٌ في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد ونفاسة، قد
[ ١ / ١٥٩ ]
استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكدت لسوء العادة عندهم، ولعلو الشر على الخير، وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ناجيًا. إما ناظرٌ بعين عدلٍ وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه ولسانه. وإما ناظرٌ بعين البغضاء والعداوة فهو كثيرًا ما يجد من العيوب في عدوه ما يعينه على التخرُّص عليه فيقويها ويزيد فيها. وإن عدم الحق تقول وقبح الحسن، وزاد في قبح القبيح.
والحديث كله - إلا ما بال به - ذكر الناس، ولغوٌ وخطل، وهجر وهذاع، وغيبةٌ وهمزٌ ولمزٌ.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنى، إنما الإنسان حديث، فإن استطعت أن تكون حديثًا حسنًا فافعل.
وكل سرٍّ في الأرض إنما هو خبرٌ عن إنسان، أو طى عن إنسان، فله في الغيبة أكثر الحظ، وجُلُّها كلفةٌ لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عما يعنيه بما لا يعنيه، فأنكر أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقد أموره. ليس ذلك عن عنايةٍ بصلاحه، ولا محبة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنه مسيطرٌ عليه ولا محمودٌ عنده على ما عنى به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم.
وهذا جُلّ حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار.
[ ١ / ١٦٠ ]
قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو إلى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على اللهو والخطل.
ولو كان الرجل لا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يتكلف ما قد كُفيه، قل كلامه. ولو حكَّم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه، لطاب عيشه وخفت مؤونته والمؤونة عليه؛ فإن الله ﵎ لم يخلق مذاقًا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرَّ من الظلم، ولا أبشع من الجور.
وقال بعض المتقدمين: " إنما يعرف الظُّلم من حُكم به عليه ". ومن استعمل العدل دله على أن الناس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي يجد إذا ظُلم، فكره لهم ما لنفسه، فأنصف ولم يظلم.
ويتظالم الناس فيما بينهم بالشَّره والحرص المركَّب في أخلاقهم، فذلك احتاجوا إلى الحكَّام - وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم - التي ردت إليهم بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال بعض الحكماء: إن من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في مالك، وذكر الله. أما إني لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله - وإن ذلك لم ذكر الله - ولكن ذكره عند ما يعرض من الأمور، فإن كان طاعةً لله فعلته، وإن كان معصيةً لله اجتنبته.
وروي عن بعضهم أنه قال: " ثلاثة في ظل عرش الله يوم لا ظِّل إلا ظله: رجلٌ لم يعب أخاه بعيبٍ فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه لا يصلحه حتى يهجم عاى آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجلٌ لم يقدِّم يدًا ولا رِجْلًا حتى يعلم: أفي طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجلٌ لم يلتمس من الناس إلا مثل ما يعطيهم من نفسه. أما تحبُّون أن تُنصِفوا ".
وقال رسول الله ﷺ: " رحم الله عبدًا أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس ".
وقال عيسى بن مريم: " يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ويغبى عن الجذع المعترض في عينه ".
وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركي ما لا يعنينى.
وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركي ما لا يعنينى، ودرهمٌ من حِلِّه، وأخ إذا احتجت إلى ما في يديه بذله لي.
[ ١ / ١٦٢ ]
وما أحق من أحصيت ألفاظه وليس من قولٍ يبدر منه إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ، ومن أحصيت عليه مثاقيل الذَّرّ واستشهد عليه جلده وجوارحه أن يضبط لسانه.
وقد جاء في بعض الآثار: من عدَّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما لا يعنيه.
وكل امرئٍ فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد والقرابة. وقال الله جّل ثناؤه - وقوله الحق - " كل امرئٍ بما كسب رهينٌ ". وقال: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم ".
وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا مع السيف والسوط.
وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بالآخر: اللسان والسيف.
وأنت إذا تأملت أكثر ما يتناجى به المتحدثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره؛ وأكثر المجيبين يجيب ولم يُسأل، ويتكلَّف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك لافتضح، ولو حاجَّه فيما ادعى ووقفه لانقطع. قال الله ﷿: " قلْ ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين ".
[ ١ / ١٦٣ ]
ومر هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكُلفة والفضول، وعليه حُلَّة ذيالة يسحبها في التُّراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنك قد أفسدت ثوبك. قال: وما يضرُّك من ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية الإفحام.
ولو تهيأ للمتكلِّفين في كل وقتٍ مثل صرامة هشام لازدجر من به حياءٌ منهم، ولقلت الفضول والكُلف والغيبة.
قالوا: وليس من أحد أذلَّ من مغتاب؛ لأنه يخفي شخصه، ويطامن حسَّه، ويغّض من صوته؛ ولا يزيد بما يناله من ذلك إلا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظم من شأنه.
قال معاوية: أتدرى من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك اغتبته.
وهي لعمري سبيل العظماء عند العوام، والملوك عند الرعية، والسادة عند العبيد.
فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئًا بعضيهته إياه إلا والذي أعطى من الهيبة عند حضوره أكثر منه.
ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن اللؤم المتمكن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلًا عن كفئه ونظيره.
[ ١ / ١٦٤ ]
ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له، مساعدةً له بالسخف، وتقربًا إليه بالمهانة والضعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه ما تقرَّب به إليه جزاءً أو شكورا.
ثم لعله ينكفي إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوه الذي اغتابه عنده أيضًا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلةٍ أيضًا ولا مرفق ولا ربحٍ أكثر من الذِّلَّة التي يجدها في نفسه، والضعف في منَّته، كما يعظِّم الغنيَّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلّةٌ أُخرى من الكظَّة بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حرى أن يُطَّلع على دخلة أمره، فلا يُقبَل منه عذر، ولا يُصَّق في قولٍ ولا حلف، وقد تسربل الذِّلّة، وتدرع الخضوع.
وليس من سوس النفس الكريمة الشهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلَّقون به مل لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة، أو مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحل له ويحسن به، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدو بالرفق والملاينة.
وإنما قيل: " قل من اعتذر إلا كذب "، لكثرة النَّطف في الناس،
[ ١ / ١٦٥ ]
وضعف أنفسهم على الإقرار بالذنب، فلا ذلَّة الضعف الثاني في الاعتذار نهت عن كلفة الضعف الأول في الاغتياب، ولا كلفة الضعف الأول صانت عن ذلَّة الضعف الثاني.
وعلى أن أكثر من يُعتذر إليه ليس بقابلٍ للعذر على حقيقةٍ وإن أظهر القبول، لما جرَّب من سخاء الناس بالأيمان، وبعدهم من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة واضحة، ودليلٌ شاهد عدل.
وإذا كانت هذه سبيل المعتذَر إليه فيحق على المعتذِر - إن كانت في نفسه قيمة - أن لا يعتذر إلا إلى من يحبُّ أن يجد له عذرًا، ولا يعجل إلى المَيْن وهو لا يجد للحجة مكانا.
وأكثر من يُعتذر إليه إنما يُفعل ذلك به خوفًا من سقطته، وإبقاءً لسلطانه.
والمتفقِّهون يتأولون في الأيمان السلطانية ما يُلحق بها عند السلطان التهمة، ويلزمهم الظّنّة، سيما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدم والمال، وهتك الستر.
ولا حسم لهذا الداء إلا باطراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في الأعراض، ويستسر بالعضيهة والبهت.
[ ١ / ١٦٦ ]
قال رسول الله ﷺ: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". ومن لم يسلم الناس منه فليس سالمًا من نفسه.
وقال القائل: احرس أخاك إلا من نفسه.
وقالوا: مقتل المرء بين فكَّيه.
وكتب على بعض أبواب المدن بالسند: احفظ رأسك.
وقال الأول: قد تصل النِّصال إلى الإخوان فتُستخرج، وأمثال النِّصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تُستخرج أبدًا.
وقال بهرام، وسمع في الليل صوت طائر فتحدَّاه بسهم وهو لا يراه، إلا أنه تتبع الصوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطير أيضًا لو سكت كان خيرًا له! وقيل: ما شيء أحق بطول سجنٍ من لسان.
وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كل يوم فيقول: كيف أنتن؟ فيقلن: بخيرٍ إن تركتنا!
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل: " وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ".
وقال عيسى ﵇: " أعمال البر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبارٍ فقدسها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها ".
فانظر بأي الأمرين قطعت عمرك؟ أبالحكمة أم باللغو؟ وانظر كيف وصف الله تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: " والذين هم عن اللَّغو مُعْرِضون "، وقال: " وإذا سمعوا اللَّغو أعرضوا عنه "، وقال: " وإذا مرُّوا باللغو مَرُّوا كرامًا ". وصان عنه أسماع أهل الجَّنة وألسنتهم فقال: " لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا. إلا قيلًا سلامًا سلاما ".
وقال رسول الله ﷺ: " العبادة عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت ".
وقال علي بن أبي طالب: " أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج ".
[ ١ / ١٦٨ ]
وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصامت في صمته إلا الكفاية لأن يتكلَّم بكلام ويُحكى عنه محرَّفا فيُضطرَّ إلى أن يقول: ليس هكذا قلت، إنما قلتُ كذا وكذا. فيكون إنكاره إقرارًا، واعترافه بما حُكى عنه شاهدًا لمن وشى به، وادعاءً لتحريفٍ غير مقبول منه إلا أن يأتي ببينة له لكان ذلك من أكثر فضائل الصَّمت.
وربما ذكر رجلٌ الله ﵎، فكان ذلك الذكر إثمًا له، لأنه قد يُدخله في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء والتحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظِّم الجرح الصغير. بل ربما ضحك وتبسَّم، فأغْرَى وحرَّض، وأثم وأوبق. قال بعض الشعراء:
فإن شئت أدلى فيكما غير واحدٍ مجاهرةً أو قال عندي في سرِّ
فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلجَّ ويستشرى
وقالت العرب: " من كُفِيَ شرَّ لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كُفِيَ الشرّ ".
وهذا بابٌ لولا أن نشغل القارئ لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجودٌ لمن طلبه، وجملةٌ واحدة فيها
[ ١ / ١٦٩ ]
كفاية؛ فإنما تختلف الألفاظ التي تُجعل كسوةً لتلك المعاني. وإلا فإنّك إذا نظرت إلى جميع شرور الدنيا وجدت أولها كلمة عارت فجنت حربًا عونًا. كحرب بكر وتغلب ابنى وائل، وعبسٍ وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قَيْلة، والفِجار الأول والثاني، وعامة حروب العرب والعجم.
وإذا تأملت أخبار الماضين لم تُحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمةٍ بدرت منه.
وليس العجب ممن أفضى بسرِّه إلى من ليس له بموضعٍ، ممَّن تقدَّمت معرفته وزالت الشكوك عنه في أمره؛ ولكنَّ العجب عين العجب ممن استنام بسرِّه إلى من لم تقدم معرفته ومن أنس إليه عن اللِّقاءة واللِّقاءتين، دون معرفة العين والاسم، والسبب والنسب، فانخدع في أوّل وهلة وغُبِن عقله قبل أن يُغبَن دينه وماله، وتضاعفت عليه البليّة بطول الحسرة؛ فإنَّ البلاء عارضٌ ومكتسب، فكان العارض السَّماوى وما خوَّلته الأقدار سرًّا بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته في طلب الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل مكروه مرًّا بشعًا. وإنما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع الفجيعة والحاجة، والنَّقص والذِّلّة، غمُّ النَّدامة والأسف على ما فرط منه؛ إذ كان الجانى على نفسه بيده.
[ ١ / ١٧٠ ]
ولهذا الكلام نظرُ نكره التطويل به، والمعنى واحدُ، وإنما نحتاج من هذا ومثله - مما قدمنا ذكره في الكتاب - إلى حفظ السرّ ووزن القول. وإلى هذا أجرينا، وله قصدنا.
ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرفٍ مما فيه، لكان بإذن الله كافيًا لمن له لُبٌ وعقل، لكن الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظَّ في هذا القول كله لمن عقله والآخذ به، أوفر منه لمن قاله ولم يعمل بقوله؛ لأنه إنما يجتنى ثمرة الصواب، ويختلف برفقه من صدَّق قوله بفعله؛ فإن الحكمة قول وعمل، وإنما حظُّ القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظُّ الواصفين؛ وحسن الصِّفة يزول بزوالها، وينقطع بانقطاعها؛ ومدتها - إلى أن يملها القائل والسامع - يسيرة.
والأفعال المحمودة متصلة النفع والشرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ومذخورٌ للأعقاب، وحديثٌ جميلٌ، ونشرٌ باقٍ على مرِّ الجديدين. وأكثر من ذلك كله توفيق الله وتسديده؛ فإن القلوب في يده، والخيرات مقسوماتٌ من عنده. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١ / ١٧١ ]
تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفق للصواب برحمته.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
[ ١ / ١٧٢ ]