رسالة إلى أبي الفرج بن نجاح الكاتب
[ ١ / ٣٢١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
جُعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزَّك وأكرمك، وأتمَّ نعمته عليك وأيّدك.
قد نسخت لك - أعزَّك الله - في صدر هذا الكتاب قصيدةً قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجلٌ يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص.
ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد بن عثمان، ولا أدري أهو عثمان النَّهدي عبد الرحمن بن مُلّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق بن الأشعث بن قيس.
ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن بشر بن عبد دُهْمان، وهو اسمه.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس، أمْ أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كُريز.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حُصينٍ العنبريّ، أمْ أبو عثمان بن عُمر بن أبي عثمان الشَّمَّريّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهُجيْميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرٌو الأعور الخاركي.
ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو بن بكر المازنيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزْرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبِّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.
وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السَّيف الحسام،
[ ١ / ٣٢٨ ]
بأحق بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرَّض للمتصفِّحين، وتحكَّك بالعيّابين، وحكَّم في عرض الحسدة المغتابين.
فإن سلم فبحُسْن النيّة، ولأنه مدح كريمًا، ووصف حليمًا. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلى فبذنبٍ، وما عفا الله عنه أكبر.
وقال: اللهم اجعلْ هذا القول حسنًا في عينه، خفيفًا على سمعه، وألْهمْه حُسن الظزِّ به، وبسط العُذْر له، إنك سميع الدعاء، رحيمٌ بالضعفاء.
والقصيدة هي قوله:
أقام بدار الخفض راضٍ بحظِّه وذو الحرص يسري حين لا أحدٌ يسري
يظنُّ الرِّضا بالقسْم شيئًا مهوَّنًا ودون الرضا كأسٌ أمرُّ من الصَّبر
جزعت فلم أعتبْ فلو كنت ذا حجًا لقنَّعت نفسي بالقليل من الوفْر
أظنُّ غبيَّ القوم أرغد عيشةً وأجذل في حال اليسارة والعُسْر
تمرُّ به الأحداث تُرعد مرّةً وتُبرق أخرى بالخطوب وما يدري
سواءٌ على الأيام صاحب حُنْكةٍ وآخرُ كابٍ لا يريش ولا يبري
[ ١ / ٣٢٩ ]
فلو شاء ربيِّ لم أكن ذا حفيظةٍ طلوبًا لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نواله وقد كنت لا أعطي الدنيَّة بالقسْرِ
فلما رأيت المرء يبذل بشره ويجعل حُسن البشر واقية التِّبْر
ربعت على ظلْعي وراجعت منزلي فصرْت حليفًا للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حكيمهم عليك الفتى المُرِّيَّ ذا الخلق الغَمْر
فتىً لم يقف في الدهر موقف ظنّةٍ فيحتاج فيه للتَّنصُّل والعُذْرِ
أعيذك بالرحمن من قول شامتٍ أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغبًا لرأيته كما كان دهرًا في الرَّخاء وفي اليُسْرِ
أترضى فدتك اليوم نفسي وأسرتي بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
[ ١ / ٣٣٠ ]
ألا يا فتى الكتاب والعسكر الذي تأزّر بالحسنى وأُيِّد بالنَّصرِ
أخاف عليك العين أو نفس وامقٍ وذو الوُدِّ منخوب الفؤاد من الذُّعرِ
وعهدي به والله يُرشد أمره ويحفظه في القاطنين وفي السَّفْرِ
مُطلًاّ على التدبير ما يستفزُّه مكايد محتالٍ عقاربه تسري
برأيٍ يُزيل الطَّودمن مستقرِّه وأوضح عند الخصم من وضح الفجرِ
وعزمٍ كغرب المشرفيّ مصمَّمٍ وقلبٍ ربيط الجأش منثلج الصدرِ
فيا ابن نجاحٍ أنجح اللهُ سعيكم وأيّدكم بالنَّصر والعدد الدَّثْرِ
قعدت فلم أطلب وجُلت فلم أُصب خليلًا يواسيني ويرغب في شكري
وإن أخفقتْ كفِّي وقد علَقتْكمُ فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تُشمت العدى فللفقرُ خيرٌ من شماتة ذي الغمْرِ
فإن ترع وُدَّي بالقبول فأهلُه ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي إن شئت ودًّا وخُلَّةً وحسبك بي يوم النَّزاهة والصَّبر
ألا ربَّ شكر دائر الرسم دارسٍ وشكر كنقش الحميريّة في الصَّخر
قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب فلم يُجد الشاعر كان ألوم.
[ ١ / ٣٣١ ]
ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منيّ.
وكيفما تصرَّفت بي الحال فإنِّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله. وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغٌ لما أمَّلنا. والله الموّفق.
[ ١ / ٣٣٢ ]