كتاب ذمّ أخلاق الكتَّاب
[ ٢ / ١٨٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
حفظك الله وأبقاك وأمتع بك.
قد قرأت كتابك ومدحتك أخلاق الكتّاب وأفعالهم، ووصْفك فضائلهم وأيّامهم، وفهمته.
ومتى وقع الوصف من القائل تقصِّيًا، والنَّعت من الواصف تألُّفًا، قلَّ شهداؤه وكثر خصماؤه، وخفَّت المؤونة على مجاوبيه في دعواه، وسُهلت مناسبة الأدْنياء له في معناه. لأنَّ أغلظ المحن ما عُرض على المشهود فأزاله، وتصفَّحه المعقول فأحاله.
وأضعف العلل ما التُمس بعد المعلول، ونصبت له علمًا على الموجود بعد الوجود. وإذا تقدَّم المعلول علَّته والمخبر عنه خبره، استُغنى عن الحاكم، وظهر عُوار الشَّاهد.
فقد رأيتك أطنبت بإحماد هذا الصِّنف من الناس، وحكمت بفضيلة هذه الطبقة من الخَلْق، فعلمت أنّ فرط الإعجاب من القائل متى وافق صناعة المادح رسخ في التركيب هواه، ورسبتْ في القلوب أوتاده، واشتدَّ على
[ ٢ / ١٨٧ ]
المناظر إفهامه، وعلى المخاصم بالحقّ توقيفه، وكان حكمه في صعوبة فسْخه وتعذُّر دفعه حكم الإجماع إذا لاقى محكم التنزيل.
ولست أدعُ مع ذلك توقيفك على موضع زللك في الاحتجاج، وتنبيهك على النكتة من غلطك في الاعتلال، بما لا يمكن السامع إنكاره ولا ينساغ له إبطاله. وأبيِّن مع ذلك رداءة مذاهب الكتّاب وأفعالهم، ولؤم طبائعهم وأخلاقهم بما تعلم أنت والناظر في كتابي هذا: أنِّي لم أقل إلاّ بعد الحجّة، ولم أحتجَّ إلاّ مع ظهور العلَّة، ثم أستشهد مع ذلك الأضداد تبيانًا، وأجمع عليه الأعداء إنصافًا، إذ كان في ذلك من التبيان ما يبهرهم، ومن القول ما يسكتهم.
ثم أقول: ما ظنُّك بقوم منهم أوّل مرتدٍّ كان في الإسلام، كتب لرسول الله ﷺ فخالف في كتابه إملاءه، فأنزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتبًا، فهرب حتّى مات بجزيرة العرب كافرًا، وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرْح.
[ ٢ / ١٨٨ ]
ثم استكتب رسول الله ﷺ بعده معاوية بن أبي سفيان، فكان أوّل من غدر في الإسلام بإمامه، وحاول نقض عُرى الإيمان بأثامه.
وكتب عثمان بن عفّان لأبي بكر رضوان الله عليهما - مع طهارة أخلاقه وفضائل أيّامه - فلم يمتْ حتى أدّاه عرق الكتابة إلى ذمِّ من ذمَّه من أوليائه.
ثم كتب لعمر بن الخطّاب ﵁ زياد بن أبيه، فانعكس شرَّ ناشئٍ في الإسلام، نُقضت بدعوته السُّنّة، وظهرت في أيّامه ولايته بالعراق الجبْرية.
ثم كتب لعثمان بن عفان ﵁ مروان بن الحكم، فخافه في خاتمه، وأشعل الرَّعيّة حربًا عليه في مُلكه.
ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عنه، فتبيّن من البصيرة في الكتّاب ما لم ير التنويه بذكر كاتبٍ حتّى مات.
ولو كانت الكتابة شريفةً والخطُّ فضيلة كان أحقَّ الخلْق بها رسول الله ﷺ، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم
[ ٢ / ١٨٩ ]
وذوو القدر والشرف فيهم. ولكنَّ الله منع نبيَّه ﷺ ذلك، وجعل الخطَّ فيه دنيَّة، وصدَّ العِلْم به عن النبوَّة. ثم صيَّر الملك في ملكه، والشَّريف في قومه يتبجَّج برداءة الخط، وينبل بشنج الكتاب. وإنَّ بعضهم كان يقصد لتقبيح خطَّه وإنْ ككان حلوًا، ويرتفع عن الكتاب بيده - وإن كان ماهرًا، وكان ذلك عليه سهلًا - فيكلِّفه تابعه، ويحتشم من تقليده الخطير من جلسائه.
وكتب أحمد بن يوسف يومًا بين يدي المأمون خطًّا أعجبه فقال: وددت والله أنِّي كتبت مثله وأنِّي مُغرَّمٌ ألف ألف. فقال له أحمد بن يوسف: لا تأسَ عليه يا أمير المؤمنين، فإنَّه لو كان حظًّا ما حُرمه رسول الله ﷺ.
ومع ذلك إنَّ سنخ الكتابة بُني على أنّه لا يتقلَّدها إلاّ تابع، ولا يتولاها إلاّ من هو في معنى الخادم. ولم نر عظيمًا قطُّ تولَّى كفاية نفسه،
[ ٢ / ١٩٠ ]
أو شارك كاتبه في عمله. وكلُّ كاتب فمحكومٌ عليه بالوفاء، ومطلوبٌ منه الصَّبر على اللأواء. وتلك شروطٌ متنوّعة عليه، ومحنةٌ مستكملة لديه.
وليس للكاتب اشتراط شيء من ذلك، بل يناله الاستبطاء عند أول الزَّلَّة وإن أكدي، ويُدركه العذْل بأوَّل هفوةٍ وإن لم يرض.
يجب للعبد استزادة السِّيد بالشكوى، والاستبدال به إذا اشتهى. وليس للكاتب تقاضي فائته إذا أبطأ، ولا التحوُّل عن صاحبه إذا التوى. فأحكامه أحكام الأرقّاء، ومحلُّه من الخدمة محل الأغبياء.
ثم هو مع ذلك في الذِّروة القصوى من الصَّلف، والسَّنام الأعلى من البذخ، وفي البحر الطامي من التِّيه والسَّرف. يتوهَّم الواحد منهم إذا عرَّض جبَّته وطوّل ذيله، وعقص على خدِّه صُدغه، وتحذف الشابورتين على وجهه، أنَّه المتبوع ليس التابع، والمليك فوق المالك.
ثم الناشئ فيهم إذا وطئ مقعد الرياسة، وتورَّك مشورة الخلافة، وحُجزت السَّلَّةُ دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم مُلحه، وروى لبُزرْجمهْر أمثاله، ولأردشير عَهْده،
[ ٢ / ١٩١ ]
ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفَّع أدبه، وصيَّر كتاب مَزْدَك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنْز حكمته ظنَّ أنَّه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عبّاسٍ في العلم بالتأويل، ومُعاذ بن جبلٍ في العلم بالحلال والحرام، وعليُّ بن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاَّف في الجُزْء والطَّفرة، وإبراهيم بن سيار النظَّام في المكامنات والمجانسات، وحسينٌ النَّجَّار في العبارات والقول بالإثبات، والأصمعيُّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب. فيكون أوّل بدْوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه بتناقضه. ثم يُظهر ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار. فإن استرجح أحدٌ عنده أصحاب الرسول ﷺ فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عند محاسنه كشحه. وإن ذُكر عنده
[ ٢ / ١٩٢ ]
شُريّح جرَّحه، وإن نُعت له الحسن استثقله، وإن وُصف له الشعبيُّ استحمقه، وإن قيل له ابن جُبير استجهله، وإن قدَّم عنده النَّخعيُّ استصغره.
ثم يقطع ذلك من مجلسه سياسة أردشير بابكان، وتدبير أنوشروان، واستقامة البلاد لآل ساسان.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فإنْ حذر العيونْ وتفقَّده المسلمون، رجع بذكر السُّنن إلى المعقول، ومحكم القرآن إلى المنسوخ، ونفي ما لا يدرك بالعيان، وشبَّه بالشاهد الغائب. لا يرتضى من الكتب إلاَّ المنطق، ولا يحمد إلاَّ الواقف، ولا يستجيد منها إلاّ السَّائر.
هذا هو المشهور من أفعالهم، والموصوف من أخلاقهم.
ومن الدليل على ذلك، أنّه لم يُر كاتبٌ قطُّ جعل القرآن سميره، ولا علمه تفسيره، ولا التفقُّه في الدِّين شعاره، ولا الحفظ للسُّنن والآثار عماده، فإن وُجد الواحد منهم ذاكرًا شيئًا من ذلك لم يكن لدوران فكَّيه به طلاقة، ولا لمجيئه منه حلاوة. وإن آثر الفرد منهم السَّعْي في طلب الحديث، والتشاغل بذكر كتب المتفقِّهين، استثقله أقرانه، واستوخمه أُلاَّفه، وقضوا عليه بالإدبار في معيشته، والحرفة في صناعته، حين حاول ما ليس من طبعه، ورام ما ليس من شكله.
قال الزُّهريّ لرجل: أيُعجبك الحديث؟ قال: نعم. قال: أما إنّه لا يعجب إلاَّ الفحول من الرِّجال، ولا يبغضه إلاَّ إناثهم!.
ولئن وافق هذا القول من الزُّهري فيهم مذهبًا، إنَّ ذلك لَبَيِّنٌ في شمائلهم، مفهوم في إشاراتهم.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وسئل ثُمامة بن أشرس يومًا، وقد خرج من عند عمرو بن مسْعدة، فقيل له: يا أبا معن، ما رأيت من معرفة هذا الرّجل وبلوت من فهْمه؟ فقال: ما رأيت قومًا نفرتْ طبائعهم عن قبول العلوم، وصغرت هممهم عن احتمال لطائف التمييز - فصار العلم سبب جهلهم، والبيان علم ضلالتهم، والفحْص والنظر قائد غيِّهم، والحكمة معْدن شبههم - أكثر من الكتَّاب.
وذكر أبو بكرٍ الأصمُّ ابن المقفَّع فقال: ما رأيت شيئًا إلاَّ وقليله أخفُّ من كثيره إلاَّ العلم، فإنّه كلَّما كثر خفَّ محمله. ولقد رأيت عبد الله بن المقفَّع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته، كما قال الله عزّ ذكره: " كمثل الحمار يحْمل أسْفارًا ". قد أوهنه علمه، وأذهله علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته، وحيَّرتْه بصيرته.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وكنا في مجلس بشر بن المعتمر يومًا وعنده المُرْدار، وثمامة، والعلاَّف، في جماعةٍ من المعتزلة وأصحاب الكلام، فتذاكروا العوامَّ واستحواذ الفتنة عليهم في التقليد، واستغلاق قلوبهم بكثيرٍ مما ليس في طبعهم، فتعظِّمهم وتقضي لكلِّ من نُبل منهم بالصَّواب في قوله وإنْ لم يعلموا. لا يدينون بالحقيقة، ولا يحمدون إلا ظاهر الحلْية.
[ ٢ / ١٩٦ ]
ومن الدليل على نذالة طبعهم، والعلم بفسالة رأيهم، تقديمهم بالفضل لمن لا يفهمونه، وقضاؤهم بالعلم لمنلا يعرفونه، حتَّى إنهم يضربون بالكاتب فيما بينهم المثل، ويحكمون له بالبصيرة في الأدب، على غير مُعاشرةٍ جرتْ بينهم، ولا محبّة ظهرت له منهم. ليس إلاّ أنَّ هممهم صغرت عنهم، وامتلأت قلوبهم منهم، فصار المحفوظ من أقوالهم، والذي يدينون به من مذاهبهم: كيف لا يأمن فلانٌ الخطأ مع جلالته، وكيف ينساغ لأحدٍ تجهيله مع نبله. فإنْ وُقفوا على تمييزه هابوه، وإن دُعوا إلى تفهُّمه أكبروه، وقالوا: لم يُنصب هذا بموضعه إلاَّ لخاصَّةٍ فيه وإن جهلناها، وفضيلةٍ موسومة وإن قصر علمنا عنهم. ولعلَّه عُمر بن فرجٍ في السَّفه والمباهتة، وإبراهيم بن العبَّاس في الشَّره والرَّقاعة، ونجاح بن سلمة في الطَّيش والسخافة، وأحمد بن الخصيب في اللُّؤم والجهالة، وآل وهب في النَّهم والنَّذالة،
[ ٢ / ١٩٧ ]
ويحيى بن خاقان في الذُّلِّ والفاقة، وموسى بن عبد الملك في الوخم والبلادة، وابن المدبِّر في الخبِّ والمكابرة، والفضْل بن مروان في الفدامة مقصورة.
وفي عمر بن فرج يقول الشاعر:
لا تطلب الخير من بني فرج لا بارك الله في بني فرجِ
والعنْ إذا ما لقيته عُمرًا لعنًا يقينًا بأعظم الهرجِ
فلعنةٌ إنْ لعنْتها عُمرًا تعدِل مقبولةً من الحججِ
ليس على المفتري على عُمرٍ من ضرْب حدٍّ يُخْشى ولا حرجِ
وخُبِّرْت أنَّ أبا العتاهية أتى يحيى بن خاقان يومًا ليسلِّم عليه، فلم يأذنْ له حاجبُه فانصرف، وأتاه يومًا آخر فصادفه حين نزل فسلَّم عليه، ودخل يحيى إلى منزله ولم يأذنْ له، فكتب إليه أبو العتاهية من ساعته رُقْعةً فيها:
[ ٢ / ١٩٨ ]
أراك تُراعُ حين ترى خيالي فما هذا يروعُك من خيالي
لعلك خائف منِّي سؤالًا ألا فلك الأمان من السُّؤال
كفيتُك إنَّ حالك لم تمل بي لأطلب مثلها بدلًا بحالي
وإنَّ العُسْر مثل اليسر عندي بأيِّهما مُنيت فما أُبالي
فلما قرأ يحيى بن خاقان رُقْعته ووثق بأمانه من السُّؤال أذن له، فخرج الحاجب فوجده قد انصرف، ولم يَعُدْ إليه، ولا التقيا بعد ذلك.
وجلس الجاحظ يومًا في بعض الدواوين، فتأمَّل الكتَّاب فقال: خلقٌ حلوة، وشمائل معشوقة، وتظرُّف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنْبتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون.
ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصُّب رجالها على غيرهم فقال:
[ ٢ / ١٩٩ ]
لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجْرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آيةً مذكورة، إلا الكُتَّاب، فإنَّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجلٍ من أهل صناعته.
ثم ضرب لهم في ذلك مثلًا، ثم قال: هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها، يمرُّ بها أصناف الناس فلا تحرَّكُ، وإن مرَّ كلبٌ مثلها نهضت إليه بأجمعها حتّى تقتله.
وحدّثني عُمر بن سيف، أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى يومًا في منزله، وعنده جماعة من الكتاب، فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، وعدم تعاطفهم عند الاختلال، وزُهدهم في المواصلة فقال: معاشر الكتاب، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامَّة منكم، ولا النعم على قومٍ أظهر منها عليكم. ثم إنَّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، وفي ذروة الزُّهد في التعاطف عند الاختلال. وإنَّه ليبلغني أنَّ رجلًا من القصابين يكون
[ ٢ / ٢٠٠ ]
في سُوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلَّى له القصَّابون سُوقهم يومًا، ويجعلون له أرباحهم، فيكون بربحها منفردًا، وبالبيع مُفردا، فيسدُّون بذلك خلَّته، ويجبرون منه كسره. وإنكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف، تناكر الضباب والسَّلاحف، ثم مع استحواذكم على صناعتكم، وقلة ملابسة أهل الصناعات لها معكم، لم أر صناعة من الصناعات إلاّ وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعًا، وينزلون لضربٍ من التجارات معًا، إلاّ صناعتكم هذه؛ فإنَّ المتعاطى لها منكم، والمتسمِّي بها من نظرائكم، لا يليق به ملابسةُ سواها، ولا ينساغ له التَّشاغل بغيرها. ثم كأنكم أولاد علاَّتٍ، وضرائر أُمهات، في عداوة بعضكم بعضا، وحنق بعضكم على بعض. أُفٍّ لكم ولأخلاقكم!.
إنَّ للكتّاب طبائع لئيمة، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب بنظرائهم بررةً، ومن ورائهم لهم حفظة، وأنتم لأشكالكم مُذلُّون، ولأهل صنائعكم قالون. قبح الله الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب.
وعرفنا علل الناس في مكاسبهم وتعامُلهم، فمن كانت علَّتُه أكرم كان كرم فعاله أعمَّ.
ولست أعلم علَّةً في مكتسبٍ أنبل عند الخاصَّة من مكسبكم.
[ ٢ / ٢٠١ ]
ثم وصف من سلف من هذه الطَّبقة يومًا فقال: كتب سالمٌ لهشام ابن عبد الملك، وكان أشدَّ الناس غلطًا، وأضعفهم رأيًا، وكان هشامٌ يُحضره فيسمع من ضعفه ويستميحه الرأي، يهزأ به.
ثم كتب لهم مسْعدة وكان مؤدِّبًا، وكانت ضعْفة المؤدِّبين فيه.
ثم كتب لهم عبدُ الحميد وكان معلِّمًا، وبتحامله على نصر بن سيار انتقضت خراسان، وزال ملك بنى مَرْوان.
ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفَّع، فأغرى بهم عبد الله بن علي، ففُطن له وقُتل وهدم البيت على صاحبه.
ثم كتب لهم يونس بن أبي فروة، وكان زنديقًا، فطلب فاختفى
[ ٢ / ٢٠٢ ]
بالكوفة والنِّيل حتَّى هلك.
واستكتب الرشيد أزدانقاذار على ديوان الخراج، وكان ثنويًّا.
ثم لم ينوِّهوا بذكر كاتبٍ حتّى ولى المأمون، فقدم معه ابن أبى العباس الطُّوسى، فبه انتشرت السِّعاية بالعراق.
واستكتب أبا عبّاد، وكان بالرَّى مؤدِّبًا، وكان سخيفًا حديدًا، ولم يزل بمكانه في ديوانه قيمّا لابن أبي خالد الأحول والاسم له.
ثم كتب له رجاء بن أبي الضحَّاك، وكان أظلمهم وأغشمهم، واستخلف حفصويه على ديوان الخراج، وكان ركيكًا لسعايته.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
ثم كتب لهم ابن يزداد، وكان أشقاهم، حتّى هلك.
وكتب لهم عمرو بن مسعدة، وكان رسائليًا فقط.
واسترجح المأمون وهو بخراسان قبل مقدمه من كتاب العراق على غير بلوى إبراهيم بن إسماعيل بن داود، وأحمد بن يوسف، فلما قدم امتحنهما فتعنَّتا، فاستنهضهما في الأعمال ففشلا، فلم يعملا على شيء حتّى هلكا.
وكان إبراهيم شُعوبيا، وكان يتهم بالثَّنويَّة. فإن كان ذلك صحيحًا فقد كانت صبابته بها على جهة التقليد فيها، لا على جهة التفتيش والاحتجاج فيها. وهذه علة المرتدّ من سائر الكتّاب.
وقد قال أهل الفطن: إنَّ محض العمى التقليد في الزندقة؛ لأنَّها إذا رسخت في قلب امرئ تقليدًا أطالت جرأته، واستغلق على أهل الجدل إفهامه.
وكان أحمد بن يوسف مأفونا، وهو أول من قُرف بالآفة المخالفة لطبع الكتَّاب.
واستقضى على ديوان الخراج والجند إبراهيم الحاسب، والحسن بن أبى المشرف. فلقن إبراهيم من سائر الآداب والعلوم علم الحساب فقط، ولم يُفزع إليه في قضيةٍ ولا رأى حتّى هلك، فكان الذي وضعه وأدناه شرهُه، وهي علَّةٌ قائمة في كتّاب الجند خاصة.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
واستضعف ولاة الدواوين الحسن بن أبى المشرف عند قول الفضل مروان له وهو على الوزارة: " يا حسن، احتجنا إلى رجلٍ جزلٍ في رأيه، متوفّر لأمانته، متصرِّف في الأمور بتجربته، مستقدرٍ على الأعمال بعلمه، تصف لنا مكانه، وتشير علينا به، فنقلِّده جسيمًا من عملنا ". فأجابه سريعًا قال: وجدته لك - أصلحك الله - كذلك. قال: من هو؟ قال: أنا. وألح في قوله، فتبسم الفضل وقال: هذا من غيرك فيك أحسن منك بلسانك لك، نعود وننظر إن شاء الله! وحسبك بقومٍ أنبلهم أخسُّهم في الرِّزق مرتبة، وأعظمهم غناءً أقلُّهم عند السُّلطان عقلًا. يُرزق صاحب ديوان الرسائل - وبلسانه يخاطب الخلق - العشر من رزق صاحب الخراج. ويرزق المحرِّر - وبخطِّه يكون جمال كتب الخليفة - الجُزء من رزق صاحب النَّسخ في ديوان الخراج. لا يحضر كاتب الرسائل لنائبةٍ، ولا يُفزع إليه في حادثة. فإذا أبرم الوزراء التدبير، ووقفوا منها على التقدير، طرحت إليه رقعةٌ بمعانى الأمر لينسِّق فيه القول، فإذا فرغ من نظامه واستوى له كلامه، أحضر له محرِّره فجلس في أقرب المواطن من الخليفة، وأمنع المنازل من المختلفة، فإذا تقضَّى ذلك فهُما والعوّام سواء.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
هذا وليست صناعتهما بفاشيةٍ في الكتَّاب، ولا بموجودة في العوامّ؛ فأغزرهم علمًا أمهنهم، وأقربهم من الخليفة أهونهم. فكيف بكاتب الخراج الذي علمه ليس بمحظور، وإشراك الناس فيه ليس بممنوع، يصلح لموضعه كلُّ من عمل وعُمل عليه، أحمد أحواله عند نفسه التعقُّد على الخصوم، وأسعد أموره التي يرجو بها البلوغ الشَّره ومنع الحقوق. وأحذق ما يكون بصناعته عند نفسه حين يأخذ بإبطال السُّنن، ويعمل بفلتات الدفوع.
ولذلك ما ذكر أنَّ بعض رجال الشَّعبيِّ قال له: يا أبا عمرو، الكتَّاب شرار خلق الله! فقال: لا تفعل.
ولكنَّ الشعبيَّ كان لسلطانه مُداريًا.
ومن كتاب الجند: محمود بن عبد الكريم، كان حُميد بن عبد الحميد عند دخول المأمون مدينة السلام وبعد سكون الهيْج وخمود النَّائرة، رفع إلى المأمون يذكر أن في الجند دغلا كثيرًا ممن دخل فيهم بسبب تلك الحروب في أيام الأجناد وهم قومٌ من غير أهل خراسان ممَّن تشبَّه بهم وادّعى إليهم من الأعراب والدُّعّار، وممن لا يستحقُّ الدِّيوان،
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقومٌ من أهل خراسان صارت لهم الخواصُّ السَّنيَّة، ولم يكن لهم من الغناء ما يستحقُّون به مثلها وذكر أنَّ بيت المال لا يحتمل ذلك، وسأل المأمون أن يولِّيه تصنيف الجند. ولم يكن مذهب حُميدٍ في ذلك التوفير على المأمون، ولا الشفقة على بيت مال المسلمين، ولكنه تعصَّب على أبناء أهل خراسان، واضطغن عليهم محاربتهم إياه أيَّام الحسن بن سهل مع ولد محمد بن أبي خالد وغيرهم، وما كانوا قد انتحوْه به من تلك الوقائع والهزائم، وما ذهب له من الأموال بذلك السَّبب.
فولاه المأمون التصنيف، وأمر للجند برزق شهرين، فولّى حميدٌ العطاء والتصنيف محمود ابن عبد الكريم الكاتب، وعرف محمود ما غزا حميد، فتحامل على الناس واستعمل فيهم الأحقاد والدمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواصَّ، وبعث في الكور وأنحى على أهل الشرف والبيوتات، حسدًا لهم وإشفاءً لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنّت،
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فامتنعت طائفة من الناس من التقدم إلى العطاء وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشرٌ كثير.
ثم إنّ المأمون أمر للناس بتمام عطاياهم؛ واكتسب محمود بن عبد الكريم المذمَّة، وصار ملعنةً في محالِّ بغداد وفي مجالسها وطرقها.
ومنهم: زيد بن أيوب الكاتب، عمل في ديوان الجند أربعين سنة، ثم صار في آخر عمره قوادًا ليحيى بن أكثم القاضى. وذلك أن المأمون أمر له بفرض، فصّير يحيى بن أكثم أمر ذلك الفرض إلى زيد بن أيوب، وأمره ألا يفرض إلا لأمرد بارع الجمال، حسن القد والصورة. فكان آمر ذلك الفرض مشهورًا متعالمًا. ففي ذلك يقول الحسن بن علي الحرمازيّ لزيد بن أيوب:
يا زيد يا كاتب فرض الفراش أكلُّ هذا طلبٌ للمعاش
مالي أرى فرضك حملانهم يثبت في القرنين قبل الكباش
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وعلى ذلك فإنه لم يبلغني أنه كان في ولاة ديوان الجند ولا في كتابهم مثل المعلّى بن أيوب في نبله وارتفاع همته، وكرم صحبته، وعفافه، وجميل مذهبه، وشدة محاماته عمن صحبه وتحرَّم به. فكان المأمون يعرف له ذلك ومن بعده من الخلفاء، فثبتت وطأته، ودامت ولايته، وحمد أثره.
قد أتينا على بعض ما أردنا فيما له قصدنا، ولم نستعمل الانتزاعات فيما ذكرنا، وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا، وقصدنا إلى المأثور فحكيناه، وإلى المذكور في الأزمنة فأجريناه، لئلا يجد الطاعن فيما وصفنا مقالا، والمنكر لذمّ ما ذممنا مساغا، وعلمنا أن من عاند مع ذلك فقد دفع عيانا وأنكر كائنا مذكورًا. وفي ذلك دليلٌ باهر على اضمحلاله، وشاهدٌ عدلٌ لأضداده.
ولو حكينا كلّ ما في هذا الجنس من الأقوال، وما يدخله من المقايسات والأشكال، لطال الكتاب، ولمله الناظر المعجاب، فاكتفينا بالجزء من الكتاب، والبعض دون التمام، وعلمنا أنَّ الناظر فيه إن كان فطنًا أقنعه القليل فقضى، وإن كان بليدًا جهولا لم يزده الإكثار إلا عيًّا، ومن العلم بما له قصدنا إلا بعدا. وبالله الكفاية والتوفيق.
تمَّ كتاب " ذم أخلاق الكتاب " بعون الله ومنِّه ومشيئته وتوفيقه، والله تعالى الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرًا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وأصحابه الطيبين الطاهرين وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٢٠٩ ]