رسالة الحنين إلى الأوطان
[ ٢ / ٣٧٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ لكلِّ شيءٍ من العلم، ونوعٍ من الحكمة، وصنفٍ من الأدب، سببًا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتًا، ومعنىً يحدو على جمع ما كان منه متفرقًا. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضمَّ كلِّ جوهرٍ نفيسٍ إلى شكله، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مستور كلِّ نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخيرٍ ما بقي الأول يتعلم منه الأخير ".
وإنَّ السبب الذي بعث على جمع نتفٍ من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقَّد النار في أكبادها، أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه. ولم يزل
[ ٢ / ٣٨٣ ]
عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا راغبٌ إليه، أو راهبٌ منه؛ فكان إذا ذكر التُّربة والوطن حنَّ إليه حنين الإبل إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ
حنينًا إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ
وكما قال الآخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ
وأن أرد الماء الذي شربت به سليمى وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ
وألصق أحشائي بيرد ترابها وإن كان مخلوطًا بسم الأساودِ
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة.
وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.
وقال آخر: احفظ بلدًا رشّحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلدٌ رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.
وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحّي عن أهله، كالثور النادِّ عن وطنه، الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه.
وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبعٍ قنيصة، ولكل رامٍ دريئة.
وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.
وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.
وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.
وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرِّعاية، والرِّعاية من الرَّحمة، والرَّحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.
وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.
وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وأنشد:
لقربُ الدار في الإقتار خيرٌ من العيش الموسَّع في اغترابِ
وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر.
وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.
ولذلك قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه؛ فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.
وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر.
والقول في حبِّ الناس الوطن وافتخارهم بالمحالِّ قد سبق، فوجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق ".
وترى الأعراب تحنُّ إلى البلد الجدْب، والمحلِّ القفر، والحجر الصَّلْد، وتستوخم الرِّيف، حتَّى قال بعضهم:
أتجلين في الجالين أم تتصبَّري على ضيق عيشٍ والكريمُ صبورُ
فبالمصر بُرغوثٌ وحُمّى وحصْبةٌ ومُوم وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ
وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه رُكامٌ بأطراف الإكام يمورُ
وترى الخضريَّ يُولد بأرض وبقاءٍ وموتانٍ وقلَّة خِصْب، فإذا وقع ببلادٍ أريف من بلاده، وجنابٍ أخصب من جنابه، واستفاد غنىً، حنَّ إلى وطنه ومستقرِّه.
ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصُه، ولكن توخَّينا تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق.
ومما يؤكِّد ما قلنا في حبِّ الأوْطان قول الله ﷿ حين ذكر الدِّيار
[ ٢ / ٣٨٨ ]
يُخْبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنّا كتبْنا عليهمْ أن اقْتلوا أنْفُسكُمْ أو اخْرجُوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم "، فسوَّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا ".
وقال عمر ﵁: " عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان ".
وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.
وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدُّنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان ".
وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعُها من السَّوط، وأكيس الصِّبيان أبغضُهم للكُتَّاب، وأكرم الصَّفايا أشدُّها ولهًا إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدُّها حنينًا إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدُّها ملازمةً لأمِّها، وخير الناس آلفُهم للناس.
وقال آخر: من إمارات العاقل برُّه لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
واعتلَّ أعرابيٌّ في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسْل فلاة، وحسْو قلات.
وسئل آخر فقال: محْضًا رويًّا، وضبًّا مشويًّا.
وسئل آخر فقال: ضبًّا عنينًا أعور.
وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
وقيل: الغُربة كُربة، والقلّة ذلة. وقال:
لا ترغبوا اخوتي في غربة أبدًا إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا
وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقُصك الغُربة، وتضيمك الوحدة.
وقال آخر: لا تجفُ أرضًا بها قوا بلك، ولا تشكُ بلدًا فيه قبائلك.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.
وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه، كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.
وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.
وذكر أعرابيٌّ بلدةً فقال: رملةٌ كنت جنين رُكامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.
وشبَّهت الحكماء الغريب باليتيم اللَّطيم الذي ثكل أبويه، فلا أُمَّ ترأمه، ولا أبَ يحدب عليه.
وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ.
وقال الشاعر:
لعمري لرهطُ المرء خيرٌ بقيَّةً عليه وإن عالوْا به كلَّ مركبِ
[ ٢ / ٣٩١ ]
إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم فكُلْ ما عُلفت من خبيثٍ وطيِّبِ
وفي المثل: " أوضحُ من مرآة الغريبة ". وذلك أن المرأة إذا كانت هديًّا في غير أهلها، تتفقَّد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقَّده وهي في قومها وأقاربها، فتكون مرآتها مجلوَّةً تتعهَّد بها أمر نفسها. وقال ذو الرمّة:
لها أُذنٌ حشْرٌ وذفرى أسيلةٌ وخدٌّ كمرآة الغريبة أسجحُ
وكانت العرب إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع. وأُنشد لبعض بني ضبَّة:
نسير على علمٍ بكُنه مسيرنا وعُدّةِ زاد في بقايا المزاودِ
ونحمل في الأسفار ماء قبيصةٍ من المنشأ النائي لحبِّ المراودِ
وقال آخر: أرضُ الرَّجل أوضحُ نسبه، وأهله أحضر نشبه.
وقيل لأعرابيٍّ: كيف تصنع في البادية إذا اشتدَّ القيظُ وانتعل كلُّ شيء ظلَّه؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحُدنا ميلًا فيرفضُّ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
عرقًا، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الرِّيح، فكأنَّه في إيوان كسرى!.
وقيل لأعرابيٍّ: ما أصبركم على البدو؟ قال: كيف لا يصبر من وطاؤه الأرض، وغطاؤه السماء، وطعامه الشَّمس، وشرابه الريح! والله لقد خرجنا في إثر قومٍ قد تقدَّمونا بمراحل ونحن حُفاة، والشَّمس في قُلَّة السماء، حيث انتعل كلُّ شيءٍ ظلَّه، وأنَّهم لأسوأُ حالًا منّا، إنّ مهادهم للعفر، وإنَّ وسادهم للحجر، وإنّ شعارهم للهواء، وإنّ دثارهم للخواء.
وحدّثني التوّزيُّ عن رجلٍ من عُرينة قال حدّثني رجلٌ من بني هاشمٍ قال: قلتُ لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضريّة، بها لعمر الله ما نُريد بدلًا، ولا نبغي عنها حولا، أمّا الفلوات،
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فلا يملوْلح ماؤها، ولا يحمى ترابها، ولا يُعمر جنابها، ليس فيها أذىً ولا قذىً، ولا أنينٌ ولا حُمَّى؛ فنحن بأرفه عيشٍ وأرفع نعمْة! قلت: فما طعامكم فيها؟ قال: بخٍ بخ! عيشُنا والله عيشٌ تعلَّل جادبه، وطعامنا أطيب طعامٍ وأهنؤه: الهبيد والضِّباب واليرابيع، والقنافذ والحيَّات، وربَّما والله أكلْنا القدّ، واشتوينا الجلْد، فلا نعلم أحدًا أخصب منّا عيشًا، فالحمد لله على ما بسط من السَّعة، ورزق من الدَّعة، أو ما سمعت قول قائلنا وكان والله عالمًا بلذيذ العيش:
إذا ما أصبنا كلَّ يومٍ مُذيقةً وخمس تُميراتٍ صغارٍ كنائزِ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فنحن ملوك الأرض خصْبًا ونعْمةً ونحن أسود الغاب عند الهزاهزِ
وكم متمنٍّ عيْشنا لا يناله ولو ناله أضحى به حقَّ فائزِ
ولهذا خبر طويلٌ وصف فيه نُوقًا أضلَّها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته بوطنه.
قال الهاشميّ: فلمَّا فرغ من نعته قلت له: هل لك في الغذاء؟ قال: إنيّ والله غاوي إغباب، لاصقُ القلب بالحجاب، مالي عهدٌ بمضاغٍ إلا شلو يربوع وجد معمعمةً منِّي فانسلت، فأخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامَّائه وراهطائه، ثم تنفَّقتُه فأخرجته، ولا والله ما فرجتُ بشيءٍ فرحى به، فتلقَّاني رُويعٍ ببطن الخرْجاء، يُوقد نُويرةً تخبو طورًا
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وتسمو أخرى، فدسسته في إرته فخمدت نُويرتُه، ولا والله ما بلغ نُضجه حتَّى اختلس الرُّويعي منه، فغلبني على رأسه وجوْشه، وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ووركاه، وفقرتان من صُلبه، فكان ذلك ممَّا أنعم الله به عليَّ، فاغتبقتُها على نكْظٍ مُنْكظ، وبوْصٍ بائص عن عراكه إيّاي، غير أنَّ الله أعانني عليه. فلذلك والله عهدي بالطّعام، وإني لذو حاجةٍ إلى غذاء أنوِّه به فؤادي، وأشُدُّ به آدى، فقد والله بلغ مني المجهود، وأدرك منيّ المجلود.
يصف هذا البؤس والجهد، ويتحَّمل هذه الفاقة، ويصبر على الفقر، قناعةً بوطنه، وحبًّا لعطنه، واعتدادًا بما وصف من رفاغة عيشه.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وحدَّثنا سليمان بن معبد، أنَّ الوليد بن عبد الملك أراد أن يُرسل خيله، فجاء أعرابيٌّ له بفرسٍ أُنثى، فسأله أن يُدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانة أُسيْلم بن الأحنف: كيف تراها يا أسيلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، حجازيّة، لو ضمَّها مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت والله منقوص الاسم، أعوج اسم الأب! فأمر الوليد بإدخال فرسه، فلمَّا أُجريت الخيلُ سبق الأعرابيُّ على فرسه، فقال الوليد: أواهبُها لي أنت يا أعرابيّ؟ فقال: لا والله، إنّها لقديمةُ الصُّحبة، ولها حقٌّ ولكن أحملك على مُهرٍ لها سبق عامًا أوّل وهو رابضٌ. فضحك الوليدُ وقال: أعرابيٌّ مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقتْ أمُّه عامًا أوّل وهو في بطنها! فاستظرفه واحتبسه عنده فمرض، فبعث إليه الوليد بالأطباء، فأنشأ يقول:
جاء الأطبَّاء من حمصٍ تخالهم من جهلهم أن أُداوى كالمجانينِ
قال الأطبَّاء: ما يشْفيك؟ قلت لهم شمُّ الدُّخانِ من التسرير يشفيني
[ ٢ / ٣٩٧ ]
إنِّي أحنُّ إلى أدخان مُحتطبٍ من الجُنينة جزلٍ غير موزونِ
فأمر الوليد أن يُحمل إليه من رمثٍ سليخة، فوافوه وقد مات.
فهو عند الخليفة، وببلدٍ ليس في الأقاليم أريفُ منه، ولا أخصبُ جنابًا، فحنَّ إلى سليخة رمثٍ، وحبًّا للوطن.
وحكى أبو عبد الله الجعفري عن عبد الله بن إسحاق الجعفريّ قال: أمرتُ بصهريجٍ لي في بستانٍ، عليه نخلٌ مُطلٌّ أن يُملأ، فذهبت بأمِّ الحسام المرّيّة وابنتها - وهي زوجتي - فلمَّا نظرتْ أمُّ الحسام إلى الصِّهريج قعدتْ عليه وأرسلتْ رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطُوفين معنا على هذا النَّخل، لنجني ما طاب من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجبُ إليّ. فدُرنا ساعةً وتركناها، ثم انصرفنا وهي تُخضخض رجليها في الماء وتحرِّك شفتيها، فقلت: يا أمّ الحسام، لا أحسبك إلا وقد قلت شعرًا. قالت: أجل. ثم أنشدتني:
أقول لأدنى صاحبيَّ أُسرُّه وللعين دمعٌ يحدر الكُحل ساكبُه
[ ٢ / ٣٩٨ ]
لعمري لنهيٌ باللِّوى نازح القذى نقيُّ النواحي غير طرْق مشاربُه
بأجرع ممراعٍ كأنَّ رياضه سخاب من الكافور والمسك شائبُه
أحبُّ إلينا من صهاريج مُلِّئت للعبٍ فلم تملُح لديّ ملاعنُه
فيا حبّذا نجدٌ وطيبُ ترابه إذا هضبته بالعشيِّ هواضبُه
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسمَّتْ ضحىً أوسرت جُنح الظلام جنائبُه
وأنشد أبو النصر الأسديّ:
أحبُّ الأرض تسكنُها سليمى وإن كانت توارثها الجُدوبُ
وما دهري بحبِّ تراب أرضٍ ولكن من يحلُّ بها حبيبُ
وأنشدني حمَّاد بن إسحاق الموصلي:
أحبُّ بلاد الله ما بين صارةٍ إلى غطفان إذ يصوب سحابُها
[ ٢ / ٣٩٩ ]
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها
قال: ولمّا حُملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفّان ﵁، كرهت فراق أهلها، فقالت لضبّ أخيها:
ألست ترى بالله يا ضبُّ أنّني مرافقةٌ نحو المدينة أركُبا
أما كان في أولاد عوف بن عامرٍ لك الويل ما يُغني الخباء المطَّنبا
أبي الله إلاّ أن أكون غريبةً بيثرب لا أمًّا لديَّ ولا أبا
قال: وزُوِّجت من أبان في كلبٍ امرأةٌ، فنظرتْ ذات يومٍ إلى ناقةٍ قد حنَّت فذكرتْ بلادها وأنشأتْ تقول:
ألا أيُّها البكْرُ الأبانيُّ إننّي وإياك في كلبٍ لمغتربانِ
نحنُّ وأبكى ذا الهوى لصبابةٍ وإنَّا على البلوى لمصطحبانِ
وإنَّ زمانًا أيُّها البكرُ ضمَّني وإيّاك في كلبٍ لشرُّ زمانِ
وقال آخر:
ألا يا حبّذا وطني وأهلي وصحْبي حين يُدَّكَرُ الصَّحابُ
وما عسلٌ ببارد ماءِ مُزنٍ على ظمأٍ لشاربه يُشابُ
بأشهى من لقائكم إلينا فكيف لنا به، ومتى الإيابُ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وأنشد الغنويُّ لبعض الهذليين:
وأرى البلاد إذا سكنتِ بغيرها جدْبًا وإن كانت تُطلُّ وتُجنبُ
وأرى العدوَّ يحبُّكم فأحبُّه إن كان يُنسب منك أو يتنسَّبُ
وأرى السَّميَّة باسمكم فيزيدها حبًّا إلى
قال: ومن هذا أخذ الطائيُّ قوله:
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى وحنينُه أبدًا لأوّل منزلِ
وأنشد أبو عمرٍو البجلي:
تمتَّعْ من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشيّة من عرارِ
[ ٢ / ٤٠١ ]
ألا يا حبّذا نفحاتُ نجدٍ وريًا روضه غبَّ القطارِ
وعيشك إذْ يحُلُّ القومُ نجدًا وأنت على زمانك غير زارِ
شهورٌ ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ
فأما ليلهنَّ فخيرُ ليلٍ وأقصر ما يكون من النَّهارِ
وقال آخر:
ألا هل إلى شمِّ الخُزامى ونظرةٍ إلى قرقري قبل المماتِ سبيلُ
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةً يُداوي بها قبل المماتِ عليلُ
فيا أثلاثِ القاعِ، قلبي موكَّلٌ بكنَّ وجدوى خيركنَّ قليلُ
ويا أثلاث القاع قد ملَّ صُحبتي مسيري فهل في ظلِّكنَّ مقيلُ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
أُريدُ انحدارًا نحوها فيردُّني ويمنعني دينٌ، عليَّ ثقيلُ
أحدِّث نفسي عنك إذْ لستُ راجعًا إليك، فحزني في الفؤادِ دخيلُ
وأنشد للمجنون:
إلى عامرٍ أصبو، وما أرضُ عامرٍ هي الرَّملةُ الوعساء والبلد الرَّحبُ
معاشر بيضٌ لو وردت بلادهم وردت بُحورًا ماؤها للنَّدى عذبُ
إذا ما بدا للناطرين خيامُهم فثمَّ العتاقُ القُبُّ والأسل القضْبُ
وأنشدنا المازني:
اقرأ على الوشل السَّلام وقل له: كلُّ الموارد مُذ هُجرت ذميمُ
جبل يُنيف على الجبال إذا بدا بين الغدائر والرِّمال مقيمُ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
تسري الصَّبا فتبيتُ في ألواده ويبيت فيه من الجنوب نسيمُ
سقيًا لظِّلك بالعشيّ وبالضُّحى ولبرد مائك والمياه حميمُ
لو كنت أملك برد مائك لم يذقْ ما في قلاتك ما حييتُ لئيمُ
وقال امرأةٌ من عقيل:
خليليَّ من سكان ماوان هاجني هبوبُ الجُنوبِ مرُّها وابتسامُها
فلا تسألاني ما ورائي فإنَّني بمنزلةٍ أعيا الطبيب سقامُها
وقال آخر:
ألا ليت شعري والحوادثُ جمّةٌ متى تجمعُ الأيامُ يومًا لنا الشَّملا
وكلُّ غريبٍ سوف يُمسي بذلَّةٍ إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا
وقال آخر:
ألا ليت شعري يُجمع الشَّملُ بيننا بصحراء من نجران ذات ثرى جعدِ
وهل تنْفُضنَّ الرِّيحُ أفنان لمَّتى على لاحق الرِّجلين مضطمرٍ وردِ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وهل أردنَّ الدَّهر حسْي مزاحمٍ وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجدِ
وقال آخر:
وأنزلني طولُ النَّوى دار غرْبةٍ إذا شئتُ لاقيت امرأً لا أشاكلُه
فحامقتُه حتَّى يقالُ سجيّةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكنتُ أعاقلُه
ولو كنتُ في قومي وجُلِّ عشيرتي لألفيت فيهم كلّ خرقٍ أواصلُه
وأنشد لذي الرمة:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانبٍ به أهلُ ميٍّ هاج قلبي هبوبُها
هوىً تذرف العينان منه، وإنّما هوى كلِّ أرض حيث حلّ حبيبُها
وقال أبو عثمان: رأيت عبدًا أسود حبشيًّا لبني أسيد قدم من شقِّ اليمامة فصار ناورًا، وكان وحشيًّا مجنونًا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى
[ ٢ / ٤٠٥ ]
إلاّ الأكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلمَّا رآني سكن إليَّ، وسمعته يقول: لعن الله أرضًا ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: " حرُّ الثرى مُستعرب التُّراب ".
أبا عثمان، إنَّ هذه العُريب في جميع الناس كمقدار القُرحة في جلد الفرس، فلولا أنَّ الله رقَّ عليهم فجعلهم في حشاةٍ لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا! والله ما أمر الله نبيَّه ﷺ بقتلهم، إذْ لا يدينون بدينٍ، إلاّ لضنِّه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلاّ تنزيهًا لهم.
وقيل لأعرابيٍّ: ما السُّرور؟ فقال: أوبةٌ بغير خيبة، وألفةٌ بعد غيبة.
وقيل لآخر: ما السُّرور؟ قال: غيبةٌ تُفيد غنىً، وأوبةٌ تُعقب مُنىً. وأنشأ يقول:
وكنت فيهم كممطورٍ ببلدته يُسرُّ أن جمع الأوطانَ والمطرا
وأحسن ما سمعنا في حبِّ الوطن وفرحة الأوبة قوله:
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وياسرتها فاستعجلت عن قناعها وقد يستخفُّ الطامعين المُياسرُ
مشمِّرة عن ساق خدلاء حُرَّة تُجاري بنيها مرّةً وتُحاضرُ
وخبَّرها الرُّواد أن ليس بينها وبين قُرى نجران والدَّربِ صافرُ
فألقت عصاها واستقرَّت بها النوى كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ
وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذّلّة؟ قال: التنقُّل في البلدان، والتنحِّي عن الأوطان.
وقال آخر:
طلب المعاشِ مفرِّقٌ بين الأحبَّة والوطنْ
ومصيرٌ جلَّد الرجا ل إلى الضراعة والوهن
حتى يقاد كما يقا د النَّضو في ثني الرَّسنْ
ثم المنيَّة بعده فكأنه ما لم يكنْ
ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من كان أطيب عنصرًا وأنفس جوهرًا أشد حنينًا إلى وطنه، ونزاعًا إلى تربته.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وكانت الملوك على قديم الدَّهر لا تؤثر على أوطانها شيئًا.
وحكى المُوبذ أنَّه قرأ في سيرة إسْفنديار بن يستاسف بن لُهْواسف، بالفارسية، أنه لمَّا غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتلَّ بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمَّةً من تُربة بلخ، وشربةً من ماء واديها.
واعتلَّ سابور ذو الأكتاف بالرُّوم، وكان مأسورًا في القدّ، فقالت له بنت ملك الرُّوم وقد عشقتْه: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربةً من ماء دجْلة، وشمَّةً من تربة إصطخر! فغبرت عنه أيّامًا ثم أتته يومًا بماءِ الفرات، وقبضةً من تراب شاطئه، وقالت: هذا من
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ماء دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتمَّ من تلك التُّربة فنقه من مرضه.
وكان الإسكندر الرُّومي جال في البلدان وأخْرب إقليم بابل، وكنز الكنوز وأباد الخْلق، فمرض بحضْرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل رمَّته في تابوتٍ من ذهبٍ إلى بلده؛ حبًّا للوطن.
ولمَّا افتتح وهرز بن شيرزاذ بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب - كان - على اليمن، أقام بها عاملًا لأنوشروان، فبنى نجران اليمن - وهي من أحصن مدن الثغور - فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شير زاد أن يحمل إلى إصطخر ناوس أبيه، ففعل به ذلك.
فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا في أسفارهم شهوة، حنُّوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على تُربهم ومساقط رءوسهم شيئًا من الأقاليم المستفادة بالتغازي والمدن المغتصبة من ملوك الأمم.
وهؤلاء الأعراب مع فاقتهم وشدّة فقرهم يحنُّون إلى أوطانهم، ويقنعون بتُربهم ومحالِّهم.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ورأيتُ المتأدِّب من البرامكة المتفلسف منهم، إذا سافر سفرًا أخذ معه من تربة مولده في جرابٍ يتداوى به.
ومن أصدق الشواهد في حبِّ الوطن أن يوسف ﵇، لمّا أدركته الوفاة أوصى أن تُحمل رمّته إلى موضع مقابر أبيه وجدِّه يعقوب وإسحاق وإبراهيم ﵈.
وروي لنا أنَّ أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلمَّا بعث الله موسى ﵇ وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمَّته إلى تربة يعقوب بالشَّام، وقبره علمٌ بأرض بيت المقدس بقرية تسمَّى حسامي.
وكذلك يعقوب، مات بمصر فحملت رمّته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك قبر إسحاق بن إبراهيم ﵈.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ومن حبِّ الناس للوطن، وقناعتهم بالعطن، أنّ إبراهيم لمّا أتى بهاجر أُمِّ إسماعيل مكّة فأسكنها، وليس بمكّة أنيسٌ ولا ماء، ظمئ إسماعيل فدعا إبراهيم ربَّه فقال: " ربِّ إنِّي أسْكنْتُ منْ ذُرِّيَّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عنْد بيْتِكَ المُحرَّم "، أجاب الله دعاءه إذ رضى به وطنًا، وبعث جبريل ﵇ فركض موضع زمزم برجله، فنبع منه زمزم.
ومرّ بإسماعيل وأمِّه فرقةٌ من جُرهم، فقالوا: أتأْذنون لنا أن ننزل معكم؟ فقالت هاجر: نعمْ ولا حقَّ لكم في الماء، فصار إسماعيل وولده قُطَّان مكة، لدعوة إبراهيم ﵉.
نعم، وهي مع جدوبتها خير بقاع الأرض، إذ صارت حرمًا، ولإسماعيل وولده مسكنًا، وللأنبياء منسكًا ومجمعًا على غابر الدَّهر.
وممَّن تمسَّك من بني إسرائيل ﵇ بحبِّ الأوطان خاصَّةً، ولد هارون، وآل داود؛ لم يمت منهم ميِّت في إقليم بابل في أيِّ البُلدان مات، إلاَّ نبشوا قبره بعد حول، وحملت رمَّته إلى موضع يدعى الحصاصة بالشَّام فيودعُ هناك حولًا، فإذا حال الحول نُقلت إلى بيت المقدس.
وقال الفرزدق:
لكسرى كان أعقل من تميم ليالي فرَّ من بلد الضِّبابِ
فأسكن أهله ببلاد ريفٍ وجنّاتٍ وأنهارٍ عذابِ
[ ٢ / ٤١١ ]
فصار بنُو بنيه بها مُلوكًا وصرْنا نحن أمثال الكلابِ
فلا رحم الإله صدى تميمٍ فقد أزرى بنا في كلِّ بابِ
وقال آخر في حبّ الوطن:
سقى الله أرض العاشقين بغيثه وردَّ إلى الأوطان كلَّ غريبِ
وأعطى ذوي الهيئات فوق مُناهم ومتَّع محبوبًا بقرب حبيبِ
[ ٢ / ٤١٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
فصل من صدر كتابه في الحاسد والمحسود
وهب الله لك السلامة. وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك الندامة.
كتبت إلي - أيدك الله - تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو؟ وما دليله وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقل في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خص به الجيران من بين أهل جميع الأوطان.
والحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه
[ ٣ / ٣ ]
عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء. ولذلك قال النبي ﷺ: " دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء ". وقال بعض الناس لجلسائه: أي الناس أقل غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنما همه أن يصبح. فقال: إنه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنما همه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقل الناس غفلة. فقال: الحاسد، إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبدًا.
ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب اليابس.
وما أتي المحسود من حاسده إلا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله ﷿: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا ".
والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان. فقد ذم الله أهل الكتاب به فقال: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم ".
[ ٣ / ٤ ]
منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النار في الحجر.
ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه، إلا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره. وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحدًا سواه، لكان عند ذوي العقول مرحومًا، وكان لديهم في القياس مظلومًا. وقد قال بعض الأعراب: " ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم ".
[ ٣ / ٥ ]
والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور. والحاسد مغموم ومهجور، والمحسود مغشي ومزور.
والحسد - رحمك الله - أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في الأرض، خص به أفضل الملائكة فعصى ربه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: " خلقتني من نار وخلقته من طين "، فلعنه وجعله إبليسًا، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيسًا، وشوه خلقه تشويهًا، وموه على نبيه تمويهًا نسي به عزم ربه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى.
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه. وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.
لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود
[ ٣ / ٦ ]
العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخًا وأصبح عليه نادمًا صارخًا.
ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيًا أن يوبخه على المال فيقول: جمعه حرامًا ومنعه أثامًا. وألب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصمًا أعانه عليه ظلمًا، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصر خذله، وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه، وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود.
[ ٣ / ٧ ]
وإن كان المحسود عالمًا قال: مبتدع، ولرأيه متبع، حاطب ليل ومبتغي نيل، لا يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه الناس إليه، وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته، وأقل رعته، وأسوأ طعمته.
وإن كان المحسود ذا دين قال: متصنع يغزو ليوصى إليه، ويحج ليثنى بشيء عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النسك ليودع المال بيته، ويقرأ في المسجد ليزوجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته.
وما لقيت حاسدًا قط إلا تبين لك مكنونه بتغير لونه وتخوص عينه وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك والإعراض
[ ٣ / ٨ ]
عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك.
وكان عبد الله بن أبي، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همته، ونبل شيمته، وانقياد العشيرة له بالسيادة، وإذعانهم له بالرياسة. وما استوجب ذلك إلا بعدما استجمع له لبه، وتبين لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلًا، لما أطاق له حملًا. فلما بعث الله نبيه ﷺ وقدم المدينة، ورأى هو عز رسول الله ﷺ شمخ بأنفه فهدم إسلامه لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقًا حتى كان حسودًا، ولا صار حسودًا حتى صار حقودًا. فحمق بعد اللب، وجهل بعد العقل، وتبوأ النار بعد الجنة.
[ ٣ / ٩ ]
ولقد خطب النبي ﷺ بالمدينة فشكاه إلى الأنصار. فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنا كنا عقدنا له الخزر قبل قدومك لنتوجه.
ولو سلم المخذول قلبه من الحسد لكان من الإسلام بمكان. ومن السؤدد في ارتفاع. فوضعه الله لحسده، وأظهر نفاقه ولذلك قال القائل:
طال على الحاسد احزانه فاصفر من كثرة أحزانه
دعه فقد أشعلت في جوفه ما هاج من حر نيرانه
العيب أشهى عنده لذة من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله تسلم من كثرة بهتانه
[ ٣ / ١٠ ]
فصل في حسد الجيران
وذلك أن الجيران - يرحمك الله - طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى كنت بينهم معدمًا فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك فاتضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها أنت، فعظمت عليهم بلية الحسد، وصاروا منه في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إياه مستور، وهو بصنعه محجوب لم يأت عليه يوم إلا كان مقهورًا، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه مقصورًا. ولم يمس إلا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضرب منهوك.
[ ٣ / ١١ ]
فصل منه
وأنا أقول حقًا: ما خالط الحسد قلبًا إلا لم يمكنه ضبطه، ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستميله، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيد على عبده، ومن السلطان على رعيته، ومن الرجل على زوجته ومن الآسر على أسيره.
وكان ابن الزبير بالصبر موصوفًا، وبالدهاء معروفًا، وبالعقل موسومًا، وبالمداراة منهومًا، فأظهر بلسانه حسدًا كان أضب عليه أربعين سنة لبني هاشم، فما اتسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لما طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه والتفاته
[ ٣ / ١٢ ]
لأحجار المجانيق التي كانت تمر عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها.
حدثت بذلك عن علي ابن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حباب، عن سعيد بن جبير قال: قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير، قال: أنت الذي تؤنبني؟ قال: نعم، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس بمؤمن من بات شبعانًا وجاره طاو ". فقال له ابن الزبير: لمن قلت ذلك؟ إني لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل، ثم قال لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك.
ولقد أجلت الرأي ظهرًا لبطن وفكرت في جوابه لابن عباس أن أجد معنى له سوى الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم
[ ٣ / ١٣ ]
يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة. فلما خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنه في نفسه.
والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمته، وما استقبل ابن عباس بذلك إلا لما رأى عمر قدمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم، فأوسعهم حكمًا، وثقبوا منه رأيًا وفهمًا، وأشبعهم علمًا وحلمًا.
[ ٣ / ١٤ ]
فصل
وكيف يصبر من استكن الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان إخوة يوسف حلماء، وأجلة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عما قدح في قلوبهم من الحسد ليوسف، حتى أعطوا أباهم المواثيق المؤكدة، والعهود المقلدة، والأيمان المغلظة، إنهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم. فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة، وألقوه في غيابة الجب، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعًا أن يخلو لهم وجه أبيهم ويتفردوا بحبه، وظنوا أن الأيام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فأسالوا عبرته وأحرقوا قلبه.
وكيف لا تقر أعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الأرض، بصبره على أذى حساده ومقابلته إياهم بالعفو والمكافأة، وحسن العشرة والمواخاة، بعد إمكانه منهم لما أتوه ممتارين، ووفدوا عليه خائفين وهم له منكرون، فأحسن رفدهم، وأكرم قراهم،
[ ٣ / ١٥ ]
فأقروا له لما عرفوه بالإذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجدًا لما وردوا عليه وفدًا.
فإذا أحسست - رحمك الله - من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصن سرك منه تسلم من شره وعوائق ضره. وإياك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإن ذلك من حبائل نفاقه.
فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده، ويذمك بحضرته، فإنه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل، ومن خلاف المودة ما أنت عنه غافل. وهو ألح في حسده لك من الذباب، وأسرع في تهريقك من السيل إلى الحدور.
[ ٣ / ١٦ ]
وما أحب أن تكون عن حاسدك غبيًا، وعن وهمك بما في ضميره نسيًا، إلا أن تكون للذل محتملًا، وعلى الدناءة مشتملًا، ولأخلاق الكرام مجانبًا، وعن محمود شيمهم ذاهبًا، أو تكون بك إليه حاجة قد صيرتك لسهام الرماة هدفًا، وعرضك لمن أرادك غرضًا.
وقد قيل على وجه الدهر: " الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها ".
وربما كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشد احتقادًا، وأكثر تصغيرًا له من أعدائه.
فصل منه
ومتى رأيت حاسدًا يصوب إليك رأيًا إن كنت مصيبًا، أو يرشدك
[ ٣ / ١٧ ]
إلى صواب إن كنت مخطئًا، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك، أو قصر من غيبته لك.
فهو الكلب الكلب، والنمر النمر والسم القشب، والفحل القطم، والسيل العرم. إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى. حياتك موته، وموتك عرسه وسروره. يصدق عليك كل شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي. لا يحب من الناس إلا من يبغضك، ولا يبغض إلا من يحبك. عدوك بطانة وصديقك علانية.
وقلت: إنك ربما غلطت في أمره لما يظهر لك من بره. ولو كنت تعرف الجليل من الرأي، والدقيق من المعنى، وكنت في مذاهبك فطنًا نقابًا، ولم تك في عيب من ظهر لك عيبه مرتابًا،
[ ٣ / ١٨ ]
لاستغنيت بالرمز عن الإشارة، وبالإشارة عن الكلام، وبالسر عن الجهر، وبالخفض عن الرفع، وبالاختصار عن التطويل، وبالجمل عن التفصيل، وأرحتنا من طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أن قلبك لصديقك غير مستقيم، وأن ضمير قلبك له غير سليم، وإن رفعت القذى عن لحيته، وسويت عليه ثوبه فوق مركبه، وقبلت صبيه بحضرته، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته، واغتفرت له الزلة، واستحسنت كل ما يقبح من جهته، وصدقته على كذبه، وأعنته على فجرته. فما هذا العناء! كأنك لم تقرأ المعوذة، ولم تسمع مخاطبته نبيه ﷺ، في التقدمة إليه بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد.
أتطلب ويحك أثرًا بعد عين، أو عطرًا بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنبًا من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل.
[ ٣ / ١٩ ]
إنك إذًا أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم.
إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوج بعد ما قومناك، وتبلد بعد ما ثقفناك، وتضل إذ هديناك، وتنسى إذ ذكرناك، فأنت كمن أضله الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. فنعوذ بالله من الخذلان.
إنه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده حالًا أقل ما تكون مالًا، وأكثر ما تكون عيالًا، وأعظم ما تكون ضلالًا. وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدًا، وأبعد ما تكون من الناس حمدًا.
فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزمنى،
[ ٣ / ٢٠ ]
والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، والاتصال بحبله.
والغل نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنه ليس فرع إلا له أصل، ولا مولود إلا له مولد، ولا نبات إلا من أرض، ولا رضيع إلا من مرضع، وإن تغير اسمه؛ فإنه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.
ورأيت الله ﷻ ذكر الجنة في كتابه فحلاها بأحسن حلية، وزينها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحل أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما من به عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال: " إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ".
[ ٣ / ٢١ ]
فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغل والحسد من قلوبهم، فتهنوا بالجنة، وقابلوا إخوانهم على السرر، وتلذذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم، ونزع الغل من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسهم فيها النصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنه ﷿ فضل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنى العطيات.
فلما نزع الغل والحسد من قلوبهم ظن أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنة عهدًا، أنه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم دارًا بسلامة قلبه، ونزع الغل من صدره، فقرت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذنوب.
وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد
[ ٣ / ٢٢ ]
وجهه، ولا الراحة إلا في صرم مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته.
فإذا فعلت ذلك فكل هنيًا مريًا، ونم رضيًا، وعش في السرور مليًا.
ونحن نسأل الله الجليل أن يصفي كدر قلوبنا، ويجنبنا وإياك دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإياك حسن الألفة والاتفاق، ويحسن توفيقك وتسديدك. والسلام.
[ ٣ / ٢٣ ]
فصل من صدر كتابه في المعلمين
[ ٣ / ٢٥ ]
أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة. فقد استعملت في المعلمين نوك السفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكم المقتدرين، وأمن المغترين. ومن تعرض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلف ما كفيت.
فصل منه
ولولا الكتاب لاختلت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعم، والدواوين إليه أفقر.
[ ٣ / ٢٧ ]
والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسد ثغوره، وتقويم سكان مملكته، إلا بالكتاب.
ولولا الكتاب ما تم تدبير، ولا استقامت الأمور. وقد رأينا عمود صلاح الدين والدنيا إنما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب.
وليس علينا لأحد في ذلك من المنة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصرين، ورثيت لآباء الصبيان من إبطاء المعلمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلمين من إبطاء الصبيان عما يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه. والمعلمون أشقى بالصبيان من رعاة الضأن ورواض المهارة.
ولو نظرت من جهة النظر علمت أن النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها لازم واجب.
[ ٣ / ٢٨ ]
فصل منه
وأجمعوا على أنهم لم يجدوا كلمة أقل حرفًا ولا أكثر ريعًا، ولا أعم نفعًا، ولا أحث على بيان، ولا أدعى إلى تبين، ولا أهجى لمن ترك التفهم وقصر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: " قيمة كل امرىء ما يحسن ".
وقد أحسن من قال: " مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ".
وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان الاتكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتى قالوا: " الحفظ عذق الذهن ". ولأن مستعمل الحفظ لا يكون إلا مقلدًا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعز الثقة.
والقضية الصحيحة والحكم المحمود: أنه متى أدام الحفظ أضر ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضر ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف منزلة منه.
ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ
[ ٣ / ٢٩ ]
لم تعلق بقلبه، وقل مكثها في صدره.
وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متفق عليه، ألا وهو فراغ القلب للشيء، والشهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر الفضيلة.
ولصاحب الحفظ سبب آخر يتفقان عليه، وهو الموضع والوقت. فأما الموضع فأيهما يختاران إذا أرادا ذلك الفوق دون السفل.
وأما الساعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأن ذلك الوقت قبل وقت الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأن للجمام مقدارًا هو المصلحة، كما أن للكد مقدارًا هو المصلحة.
فصل منه
ويستدل أيضًا بوصايا الملوك للمؤدبين في أبنائهم، وفي تقويم
[ ٣ / ٣٠ ]
أحداثهم، على أنهم قد قلدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التمام في تأديبهم. وما قلدوهم ذلك إلا بعد أن ارتفع إليهم في الحنو حالهم في الأدب، وبعد أن كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص.
وأنت - حفظك الله - لو استقصيت عدد النحويين والعروضيين والفرضيين، والحساب، والخطاطين، لوجدت أكثرهم مؤدب كبار ومعلم صغار، فكم تظن أنا وجدنا منهم، من الرواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدهاة، ومن الحماة والكفاة، ومن القادة والذادة، ومن الرؤساء والسادة، ومن كبار الكتاب والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شاب عفيف.
ولا تعجل بالقضية حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إن كنت تعمدت تذممت، وإن كنت جهلت تعلمت، وما أظن من أحسن بك الظن إلا وقد خالف الحزم.
فصل منه
قال المعلم: وجدنا لكل صنف من جميع ما بالناس إلى تعلمه
[ ٣ / ٣١ ]
حاجة، معلمين، كمعلمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتخذون لأبنائهم من يعلمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصوالجة، والرمي في التنبوك، والمجثمة، والطير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدبوق والنفخ في السبطانة. وبعد ذلك الفروسية، واللعب بالرماح والسيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم النجوم واللحون، والطب والهندسة، وتعلم النرد والشطرنج، وضرب الدفوف وضرب الأوتار، والوقع والنفخ في أصناف المزامير.
ويأمرون بتعليم أبناء الرعية الفلاحة والنجارة، والبنيان والصياغة والخياطة، والسرد والصبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتى علموا البلابل وأصناف الطير الألحان.
[ ٣ / ٣٢ ]
وناسًا يعلمون القرود والدببة والكلاب والظباء المكية والببغاء، والسقر وغراب البين، ويعلمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف المشي، وأجناس الحضر، ويعلمون الشواهين والصقور والبوازي، والفهود، والكلاب، وعناق الأرض، الصيد.
ويعلمون الدواب الطحن، والبخاتي الجمز حتى يروضوا الهملاج والمعناق، بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع.
ووجدنا للأشياء كلها معلمين.
وإنما قيل للإنسان العالم الصغير، سليل العالم الكبير، لأن في الإنسان من جميع طبائع الحيوان أشكالًا، من ختل الذئب
[ ٣ / ٣٣ ]
وروغان الثعلب، ووثوب الأسد، وحقد البعير، وهداية القطاة. وهذا كثير، وهذا بابة.
ولأنه يحكي كل صوت بفيه، ويصور كل صورة بيده. ثم فضله الله تعالى بالمنطق والروية وإمكان التصرف.
وعلى أنا لا نعلم أن لأحد من جميع أصناف المعلمين لجميع هذه الأصناف كفضيلة المعلم من الناس الأحداث المنطق المأثور، ككلام الاحتجاج والصفات، والمناقلات من المسائل والجوابات في جميع العلامات، بين الموزون من القصائد والأرجاز، ومن المزدوج والأسجاع، مع الكتاب والحساب، وما شاكل ذلك ووافقه واتصل به، وذهب مذهبه.
وقالوا: " إنما اشتق اسم المعلم من العلم، واسم المؤدب من الأدب ". وقد علمنا أن العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع.
والأدب إما خلق وإما رواية، وقد أطلقوا له اسم المؤدب على العموم.
[ ٣ / ٣٤ ]
والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللؤم، والحلال من الحرام. والفضل من الموازنة بين أفضل الخيرين، والمقابلة بين أنقص الشرين.
فلم يعرضوا لأحد من هذه الأصناف التي اتخذ الناس لها المعلمين من جميع أنواع الحق والباطل، والسرف والاقتصاد، والجد والهزل، إلا هؤلاء الذين لا يعلمون إلا الكتاب والحساب، والشعر، والنحو، والفرائض، والعروض. وما بالسماء من نجوم الاهتداء والأنواء والسعود، وأسماء الأيام والشهور، والمناقلات.
ويمنعهم العرامة، ويأخذهم بالصلاة في الجماعة، ويدرسهم القرآن، ويهدن ألسنتهم برواية القصيد والأرجاز، ويعاقب على التهاون، ويضرب على الفرار، ويأخذهم بالمناقلة، والمناقلة من أسباب المنافسة.
لحقير بخلاف هذه السيرة، وبضد هذه المعاملة.
[ ٣ / ٣٥ ]
فصل منه
وقد ذهب قوم إلى أن الأدب حرف، وطلبه شؤم. وأنشد قول الشاعر:
ما ازددت في أدبي حرفًا أسر به إلا تزيدت حرفًا تحته شوم
إن المقدم في حذق بصنعته أنى توجه فيها فهو محروم
ولم نر شاعرًا نال بشعره الرغائب، ولا أديبًا بلغ بأدبه المراتب، ذكر يمن الأدب، ولا بركة قول الشعر. فإذا حرم الواحد منهم، والرجل الشاذ ذكر حرف الأدب وشؤم الشعر. وإن كان عدد من نال الرغائب أكثر من عدد من أخفق.
ومهما عيرنا من كان في هذه الصفة فإنا غير معايرين لأبي يعقوب الخريمي، لأنه نال بالشعر وأدرك بالأدب.
[ ٣ / ٣٦ ]
وليس الذي يحمل أكثر الناس على هذا القول إلا وجدان المعاني والألفاظ، فإنهم يكرهون أن يضيعوا بابًا من إظهار الظرف وفضل اللسان وهم عليه قادرون.
فصل
وقد قالوا: الصبي عن الصبي أفهم، وبه أشكل. وكذلك الغافل والغافل، والأحمق والأحمق، والغبي والغبي، والمرأة والمرأة. قال الله ﵎: " ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا ". لأن الناس عن الناس أفهم، وإليهم أسكن. فمما أعان الله تعالى به الصبيان، أن قرب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير عقول المعلمين.
وسمع الحجاج - وهو يسير - كلام امرأة من دار قوم، فيه تخليط وهذيان، فقال: مجنونة، أو ترقص صبيًا! ألا ترى أن أبلغ الناس لسانًا، وأجودهم بيانًا وأدقهم فطنة، وأبعدهم روية، لو ناطق طفلًا أو ناغى صبيًا، لتوخى حكاية مقادير عقول الصبيان، والشبه لمخارج كلامهم، وكان لا يجد بدًا من أن ينصرف عن كل ما فضله الله به بالمعرفة الشريفة، والألفاظ الكريمة. وكذلك تكون المشاكلة بين المتفقين في الصناعات.
[ ٣ / ٣٧ ]
فصل في رياضة الصبي
وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه. وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع.
وإنما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه، من لا يحتاج إلى تعرف جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبر، ولمصالح العباد والبلاد، والعلم بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرحى؛ ومن ليس له حظ غيره، ولا معاش سواه.
وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطر إلى شيء.
[ ٣ / ٣٨ ]
فمن الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند، ودون الهندسة وعويص ما يدخل في المساحة. وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السلطان وكتاب الدواوين.
وأنا أقول: إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل، والترقي فيه والسبب إليه، أرد عليه من البلوغ في صناعة المحررين ورءوس الخطاطين؛ لأن في أدنى طبقات الخط مع صحة الهجاء بلاغًا. وليس كذلك حال الحساب.
ثم خذه بتعريف حجج الكتاب وتخلصهم باللفظ السهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض. وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذره التكلف واستكراه العبارة؛ فإن أكرم ذلك كله ما كان إفهامًا للسامع، ولا يحوج إلى التأويل والتعقب، ويكون مقصورًا على معناه لا مقصرًا عنه، ولا فاضلًا عليه.
فاختر من المعاني ما لم يكن مستورًا باللفظ المتعقد، مغرقًا في الإكثار والتكلف. فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع
[ ٣ / ٣٩ ]
براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتسق له القول، وما زال المعنى محجوبًا لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه، وصارت العبارة لغوًا وظرفًا خاليًا.
وشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيىء المعنى، عشقًا لذلك اللفظ، وشغفًا بذلك الاسم، حتى صار يجر إليه المعنى جرًا، ويلزقه به إلزاقًا. حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسمًا غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلا به.
والآفة الكبرى أن يكون رديء الطبع بطيء اللفظ، كليل الحد، شديد العجب، ويكون مع ذلك حريصًا على أن يعد في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء. فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه له.
وبالجملة إن لكل معنىً شريف أو وضيع، هزل أو جد، وحزم أو إضاعة، ضربًا من اللفظ هو حقه وحظه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصر دونه.
ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفح دواوين الحكماء، ليستفيد
[ ٣ / ٤٠ ]
المعاني، فهو على سبيل صواب. ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل الخطأ. والخسران ها هنا في وزن الربح هناك؛ لأن من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
وإنما هي رياضة وسياسة، والرفيق: مصلح وآخر مفسد. ولا بد من هدان وطبيعة مناسبة.
وسماع الألفاظ ضار ونافع.
فالوجه النافع: أن يدور في مسامعه، ويغب في قلبه، ويختمر في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة؛ لأنها حينئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالة على فقر؛ إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره. وبين الشيء إذا عشش في
[ ٣ / ٤١ ]
الصدر ثم باض، ثم فرخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختارًا، واللفظ اعتسافًا واغتصابًا، فرق بين.
ومتى اتكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال، وعلى السرقة والاحتيال، لم ينل طائلًا، وشق عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة.
والوجه الضار: أن يتحفظ ألفاظًا بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يريد أن يعد لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا بخيلًا فقيرًا، وحائفًا سروقًا، ولا يكون إلا مستكرهًا لألفاظه، متكلفًا لمعانيه، مضطرب التأليف منقطع النظام. فإذا مر كلامه بنقاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفوا عقله، وبهرجوا علمه.
.ثم اعلم أن الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الطرف أسمج، وفي البلاغة أقبح. وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلدة في كتبه.
وخير الكتب ما إذا أعدت النظر فيه زادك في حسنه، وأوقفك على حده.
[ ٣ / ٤٢ ]
فصل في ذم اللواط
والذي يدل على أن هذه الشهوة معيبة في نفسها، قبيحة في عينها، أن الله تعالى وعز لم يعوض في الآخرة بشهوة الولدان من ترك لوجهه في الدنيا شهوة الغلمان، كما سقى في الآخرة الخمر من تركها له في الدنيا، ثم مدح خمر الجنة بأقصر الكلام، فنظم به جميع المعاني المكروهة في خمر الدنيا فقال: " لا يصدعون عنها ولا ينزفون ". كأنه ﵎ قال: " لا سكر فيها ولا خمار ".
وفي اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء انقطاع النسل، وفي انقطاع النسل بطلان جميع الدين والدنيا. وغشيان الرجل الرجل والمرأة المرأة من المنكوس المعكوس، ومن المبدل المقلوب؛ لأن الله جل ذكره إنما خلق الذكر للأنثى، وجعل بينهما أسباب التحاب وعلائق الشركة، وعلل المشاكلة وجعل الذكر طبقًا للأنثى، وجعل الأنثى سكنًا للرجل. فقلب هؤلاء الأمر وعكسوه، واستقبلوا من اختار الله لهم بالرد والزهد فيه.
[ ٣ / ٤٣ ]
فصل
ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين: عبد الله بن المقفع، ويكنى أبا عمرو، وكان يتولى لآل الأهتم، وكان مقدمًا في بلاغة اللسان والقلم والترجمة، واختراع المعاني وابتداع السير. وكان جوادًا فارسًا جميلًا، وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله، وكان يتعاطى الكلام. ولم يكن يحسن منه لا قليلًا ولا كثيرًا. وكان ضابطًا لحكايات المقالات، ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق الواثق. وإذا أردت أن تعتبر ذلك، إن كنت من خلص المتكلمين ومن النظارين، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية، فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم، ردي المدخل في مواضع الطعن عليهم.
وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم، فيظن بنفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء إلا نفذ به فيه، كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعروض، أن ادعى العلم بالكلام وبأوزان الأغاني، فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه أحد إلا بخذلان الله تعالى. فلا حرمنا الله تعالى عصمته، ولا ابتلانا بخذلانه.
فصل
وهذان الشاعران جاهليان، بعيدان من التوليد، وبنجوة من التكليف.
[ ٣ / ٤٤ ]
فصل
ومن خصال العبادة وإن كانت كلها راجحة فليس فيها شيء أرد في عاجل، ولا أفضل في آجل من حسن الظن بالله تعالى وعز وجل.
ثم اعلم أن أعقل الناس السلطان ومن احتاج إلى معاملته، وعلى قدر الحاجة إليه ينفتح له باب الحيلة، والاهتداء إلى مواضع الحجة. وما أقرب فضل الراعي على الرعية من فضل السائس على الدابة. ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضًا، كما أنه لولا المسيم لوثب السباع على السوام.
ودعني من تدريسه كتب أبي حنيفة، ودعني من قولهم: اصرفه إلى الصيارفة؛ فإن صناعة الصرف تجمع مع الكتاب والحساب المعرفة بأصناف الأموال، ولا تجد بدًا من حلة السلطان.
ودعني من قول من يقول: قد كانت قريش تجارًا؛ فإن هذا باب لا ينقاس ولا يطرد. ومن قاس تجار الكرخ وباعته، وتجار الأهواز والبصرة، على تجار قريش، فقد أخطأ مواضع القياس، وجهل أقدار العلل.
[ ٣ / ٤٥ ]
قريش قوم لم يزل الله تعالى يقلبهم في الأرحام البريئة من الآفات، وينقلهم من الأصلاب السليمة من العاهات، ويعبيهم لكل جسيم، ويربيهم لكل عظيم.
ولو علم هذا القائل ما كانت قريش عليه في التجارة لعرف اختلاف السبل، وتفاوت ما بين الطرق. ولو كانت علتهم في ذلك كعلة تجار الأبلة، ومحتكري أهل الحيرة، لثلمت دقة التجارة في أعراضهم ولنهك سخف التربح من مروءاتهم، ولصغر ذلك من أقدارهم في صدور العرب، ولوضع من علوهم عند أهل الشرف. وكيف وقد ارتحلت إليهم الشعراء كما ارتحلت إلى الملوك العظماء، فأسنوا لهم العطية، ولم يقصروا عن غاية، فسقوا الحجيج وأقاموا القرى لزوار الله تعالى، وهم بواد غير ذي زرع. فلو أنه كان معهم من الفضل ما يبهر العقول، ومن المجد ما تحرج فيه العيون، لما أصلح طبائعهم الشيء الذي يفسد جميع الأمة. ولقد أورث ذلك صدورهم من السعة بقدر ما أورث
[ ٣ / ٤٦ ]
غيرهم من الضيق. ولو كانت سبلهم عند الملوك إذا وفدوا عليهم، أو وردوا بلادهم بالتجارات، سبل غيرهم من التجار لما أوجهوهم وقربوهم، ولما أقاموا لهم قرى الملوك وحبوهم بكرامة الخاص.
وإذا كانت قريش حمسًا تنسك في دينها، وتتأله في عبادتها وكان مانعًا لهم من الغارات والسباء، ومن وطء النساء من جهة المغنم، ولذلك لم يئدوا البنات ولا ولدت منهم امرأة غيرهم من جهة السباء، ولا زوجوا أحدًا من العرب حتى يتحمس ويدين بدينهم. ولذلك لما صاروا إلى بناء الكعبة لم يخرجوا في بنائها من أموالهم إلا مواريث آبائهم ونسائهم، خوفًا من أن يخالطه شيء من حرام، إذ كانت أرباح التجارات مخوفًا عليها ذلك. فلما كانوا بواد غير ذي زرع ويحتاجون إلى الأقوات، وإقامة القرى، لم يجدوا بدًا من أن يتكلفوا ما يعيشهم ويصلح شأنهم، فأخذوا الإيلاف، ورحلوا إلى الملوك بالتجارات. فهذا هو السبب.
[ ٣ / ٤٧ ]
فانظر كم بين علتهم وعلة غيرهم! فيسرك بعد هذا أن يتحول ابنك في مسلاخ صالح الزرازريشي، أو في طباع ابن بادام، أو في عقل ابن سامري.
فإن زعموا أن أصحاب السلطان يعرض مكروه فليعلموا أن كل مسافر فبعرض مكروه، وقد قال بعض الحكماء: " المسافر ومتاعه على قلت إلا من حفظ الله "، يعني على هلاك.
وراكب البحر أشد خطرًا، ومشتري طعام الأهواز أشد تهورًا، ورافع الشراع بعرض هلكة. والمتعرض للملاحة والمعرض نفسه للسباع أقل شفقة. وسكان الجزائر والسواحل أحق بالتعرض، وأولى بالخوف. والمنهوم بالطعام الردي، والمدمن للشراب أشبه بأصحاب التغرير، والمتباري في ذلك والمتزيد منه أحق بتوقع الحدثان وحوادث الأزمان، قد جرت عليه عادة الدهر وسيرة الأيام. وهذا كله أحق بالاهتمام.
[ ٣ / ٤٨ ]
وإن كنت إلى الإشفاق تذهب، وإلى إعطاء الحزم أكثر من نصيبه، وكيف دار الأمر فإن التاجر قد استشعر الذل، وتغشى ثوب المذلة.
وصاحب السلطان قد تجاوز حد العز والهيبة. وإنما عيبه سكر السلطان، وإفراط التعظيم. قد استبطن بالعز، وظاهر بالبشر واستحكمت تجربته، وبعدت بصيرته حتى عرف مصلحة كل مصر، وإصلاح كل فاسد، وإقامة كل معوج، وعمارة كل خرب.
ولا أعلم في الأرض أعم إفلاسًا ولا أشد نكبة، ولا أكثر تحولًا من يسر إلى عسر، ولا رأينا الحوائج إلى أحد أهدى منها إلى أموال الصيارفة. فكيف يقاس شأن قوم تعمهم المعاطب بشأن قوم أهل السلامة فيهم أكثر، والنكبات فيهم أقل.
وبعد هذا فإني أرى ألا تستكرهه فتبغض إليه الأدب، ولا تهمله فيعتاد اللهو.
على أني لا أعلم في جميع الأرض شيئًا أجلب لجميع الفساد من قرناء السوء، والفراغ الفاضل عن الجمام.
[ ٣ / ٤٩ ]
درسه العلم ما كان فارغًا من أشغال الرجال، ومطالب ذوي الهمم. واحتل في أن تكون أحب إليه من أمه. ولا تستطيع أن يمحضك المقة، ويصفي لك المودة مع كراهته لما تحمل إليه من ثقل التأديب عند من لم يبلغ حال العارف بفضله.
فاستخرج مكنون محبته ببر اللسان، وبذل المال. ولهذا مقدار من جازه أفرط. والإفراط سرف. ومن قصر عنه فرط، والمفرط مضياع.
ولا تستكثرن هذا كله فإن بعض النعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة، والذي تحاول من صلاح أمر من تؤمل فيه أن يقوم في أهلك مقامك، وإصلاح ما خلفت كقيامك، لحقيق بالحيطة عليه، وبإعطائه المجهود من نفسك.
وقال زكريا ﵇: " رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين ". فعلم الله ﵎، فوهب له غلامًا، وقال الله
[ ٣ / ٥٠ ]
﷿: " وليس الذكر كالأنثى ".
اعلم أنه أعطاك ولدًا عبرة عين العدو، وقرة عين الصديق الولي. فاحمد الله وأخلص في الدعاء، وأكثر من الخير إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٥١ ]
فصل من كتاب التربيع والتدوير
[ ٣ / ٥٣ ]
فانظر في مسالمة النفوس مع تقارب منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ولم اختلف الكثير واتفق القليل؟ ولم كانت الكثرة علة للتخاذل، والقلة سببًا للتناصر؟ وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد، وبين المنافسة والتغالب، فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك.
وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل، وكيف يعرف الحدود من لم يسمع الفصول. بل يعرف كيف الحجة من الشبهة، والغدر من الحيلة، والواجب
[ ٣ / ٥٥ ]
من الممكن، والغفل من الموسوم، والمحال من الصحيح، والأسرار من المجهول ومن كبار الدلائل الخفية وما يعلم مما لا يعلم، وما يعلم باللفظ دون الإشارة مما لا يعلم إلا بالإشارة دون اللفظ، وما يعلم معتمدًا ولا يعلم مكيفًا ولا يعلم معتقدًا. وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه، والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت، وساقط معها حيث سقطت، مع الزراية والرغبة عنها. قد طلبها بفضل طلبه لنفسه، وجرى معها بقدر مناسبتها لقدره.
فاعرف الجنس من الصنف، والقسم من النصنف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ما بين الحمد والشكر، وحد الاختيار من الإمكان، والاضطرار من الإيجاب. وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابًا بابًا أنت إليه أحوج، وهو علينا أرد.
فصل
وما في الأرض إقرار أثبت، ودليل أوضح، وشاهد أصدق، من شاهدي عليك على ما ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الصنعة. وهل يكون كذلك إلا فاسد الحس ظاهر العنود، أو جاهل بالمحال.
[ ٣ / ٥٦ ]
وبعد فأنت - أبقاك الله - في يدك قياس لا يكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد لا يفل وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي إليه تنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب: أن تقول: وما علي أن يراني الناس عريضًا وأكون في حكمهم غليظًا وأنا عند الله تعالى طويل جميل، وفي الحقيقة مقدود رشيق. وقد علموا - حفظك الله - أن لك مع طول الباد راكبًا، طول الظهر جالسًا، ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف، وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل.
ومن غريب ما أعطيت، ومن بديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودًا واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقًا مستفيض الخاصرة سواك. فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت الطويل وأنت المتقارب.
فيا شعرًا جمع الأعاريض، ويا شخصًا جمع الاستدارة والطول.
بل ما يهمك من أقاويلهم، ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم، والناطقون بالفهم، يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت
[ ٣ / ٥٧ ]
الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضًا قد استغرق ما ذهب منك طولًا. ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإن كانوا قد سلموا لك بالرغم شطرًا، فقد حصلت ما سلموا وأنت على دعواك فيما لم يسلموا.
ولعمري إن العيون لتخطىء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زمامًا على الأعضاء، وعيارًا على الحواس.
ومما يثبت أيضًا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي داوود الإيادي في إبله:
سمنت فاستحش أكرعها لا ال ني ني ولا السنام سنام
ولو لم يكن فيك من العجب إلا أنك أول من عوده الله تعالى بالصبر على خطاء الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد
[ ٣ / ٥٨ ]
كنت في طولك غاية للعالمين، وفي عرضك منارًا للمضلين.
وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل عمر، ومن القصير مثل عمرو إذ زعم أنه أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضاضة، لأن إفراط عرضه غمر الاعتدال من طوله، وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار، ويفتقر إلى الاعتدال.
والمربوع بحمد الله تعالى قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة، كما اعتدلت في المنظر، فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار، وبحكم الظاهر عن الاعتلال.
وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع أحدًا ذم مربوعًا ولا أزرى عليه، ولا وقف عنده ولا شك فيه. ومن يذمه إلا من ذم الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل؛ بل من يزري على أحد بتفاقم التركيب،
[ ٣ / ٥٩ ]
وبسوء التنضيد مع قول الله ﷿: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ".
وبعد فأي قد أردأ، وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر، أو طول مجاوز للقصد. ومتى يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه، خرج الجسم من التقدير، وجاوز التعديل. فإذا خرج من التقدير تفاسد، وإذا تفاسد وجاوز التعديل تباين.
ولو جاز هذا الوصف، وحسن هذا النعت، كان لإبراهيم بن السندي من الفضيلة ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب.
وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة، واحتججت به لعرضك في الحكومة. كما أنك بإعمالك لما ينفيه
[ ٣ / ٦٠ ]
العيان، واستشهادك لما تنكره الأذهان، معترض للصدق من المتكرم، ومتحكك بالحلم من المتغافل. وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا القول.
وإذا كان هذا ناقضًا لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف. فأنشدك الله أن تغري بك السفهاء، وتنقض عزائم الحكماء.
وما أدري - حفظك الله - بأي الأمرين أنت أعظم إثمًا، وفي أيهما أنت أفحش ظلمًا: أبتعرضك للعوام، أم بإفسادك حكم الخواص.
وبعد فما يحوجك إلى هذا، وما يدعوك إليه وأشباهك من القصار كثير، ومن ينصرك منهم غير قليل.
فصل
وقلت: ولولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله تعالى وعز وجل، الجنة بالعرض دون الطول، حيث يقول: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ". فهذا برهانك الواضح.
[ ٣ / ٦١ ]
ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم، ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى ما عند الله خيرًا لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف، ويحكم لك بالتوفيق.
وأنا - أبقاك الله - أعشق إنصافك كما تعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين. ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن تعقدك سماح رجال منصفين.
وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة، ومقابلة الاختيار بالاضطرار، واليقين بالشك، واليقظة بالحلم إلا للذي خصصت به من إيثار الحق، وألهمته من فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار؛ وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرًا أشد ما تكون للحجة طلبًا. غير أن ذلك بطرف ساكن، وصوت خاضع، وقلب جامع، وجأش رابط، ونية جسور، وإرادة تامة، مع غفلة كريم، وفطنة عليم. إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق
[ ٣ / ٦٢ ]
ترفقت، غير منخوب ولا متشعب، ولا مدخول ولا مشترك، ولا ناقص النفس، ولا واهن العزم، ولا حسود ولا منافس، ولا مغالب ولا معاقب. تفل الحز وتصيب المفصل، وتقرب البعيد وتظهر الخفي، وتميز الملتبس وتلخص المشكل، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي اللفظ حظه من المعنى. وتحب المعنى إذا كان حيًا يلوح، وظاهرًا يصيح، وتبغضه مستهلكًا بالتعقيد، ومستورًا بالتغريب.
وتزعم أن شر الألفاظ ما غرق المعاني وأخفاها، وسترها وعماها، وإن راقت سمع الغمر، واستمالت قلب الريض.
أعجب الألفاظ عندك ما رق وعذب، وخف وسهل، وكان موقوفًا على معناه، ومقصورًا عليه دون ما سواه. لا فاضل ولا مقصر، ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال البلاغة، واستوفى خلال المعرفة.
[ ٣ / ٦٣ ]
فإذا كان الكلام على هذه الصفة، وألف على هذه الشريطة، لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل، والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤنة واستغنى عن الفكرة، وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقًا، وبالمجاذبة موادعة، وتهنئوا بالعلم، وتقنعوا ببرد اليقين، واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند، وتميز الناقص من الوافر وذل الخطل وعز المحصل، وبدت عورة المبطل، وظهرت براءة المحق.
وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، أو خوط آس، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمان، وكأنه سيف هندواني، وكأنه جان، وكأنه جدل عنان؛ فقد قالوا: كأنه المشتري، وكأن وجهه دينار هرقلي. وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث. وكأنه الشمس، وكأنها دارة القمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة.
[ ٣ / ٦٤ ]
وقد نراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا القضيف الطويل.
وقلت: ووجدنا الأفلاك وما فيها، والأرض وما عليها، على التدوير دون التطويل، كذلك الورق والحب، والثمر والشجر.
وقلت: والرمح وإن طال فإن التدوير عليه أغلب؛ لأن التدوير قائم فيه موصلًا ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصلا ومفصلًا. وكذلك الإنسان وجميع الحيوان.
وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفما أكره على تركيبه دون ما خلي وسوم طبيعته.
وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور، فقد بان المدور بفضله، وشارك المطول في حصته.
ومن العجب أنك تزعم أنك طويل في الحقيقة ثم تحتج للعرض والاستدارة، وقد أضربت عما عند الله صفحًا، ولهجت بما عند الناس.
[ ٣ / ٦٥ ]
٠ف - أما حور العين فقد انفردت بحسنه، وذهبت ببهجته وملحه، إلا ما أبانك الله تعالى به من الشكلة فإنها لا تكون في اللئام، ولا تفارق الكرام.
وأما سواد الناظر وحسن المحاجر، وهدب الأشفار، ورقة حواشي الأجفان، فعلى أصل عنصرك ومجاري أعراقك.
وأما إدراكك الشخص البعيد، وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل الطابع، وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبرة وتقادم الميلاد، ومع تخون الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتيا الهند، ولترك الجماع، ومن الحمية الشديدة وطول استقبال الخضرة، فأنت يا عم عندما تصلح ما أفسده الدهر، وتسترجع ما أخذته الأيام، لكما قال الشاعر:
عجوز ترجي أن تكون فتية وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدس إلى العطار سلعةأهلها ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر
[ ٣ / ٦٦ ]
وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد منعتنيه قبله. وكيف أرجو إقرارك جهرًا وقد أبيته سرًا، وكيف تجود به صحيحًا مطمعًا وقد بخلت به مريضًا مؤيسًا.
وكيف يرجو خيرك من رآك تطاول أبا جعفر وتحاسنه، وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام، وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكًا من طمعه فيك، وتعجب الناس من مجاراته لك.
وأشهد لك بعد هذا أنك ستحاسن عمرًا الجاحظ وتعاقله، ثم تظارفه وتطاوله، وتتغنى مع مخارق، وتنكر فضل زبزب، وتستجهل النظام، وتستغبي قيس بن زهير، وتستخف
[ ٣ / ٦٧ ]
الأحنف بن قيس وتبارز علي بن أبي طالب، ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى.
هذا وليس لك مساعد، ولا معك شاهد واحد، ولا رأيت أحدًا يقف في الحكم عليك، أو ينتظر تحقيق دعواك؛ ولا رأيت منكرًا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبًا يخليك من الوعيد، ولا موعدًا يخليك من الإيقاع، ولا موقعًا يرثي لك، ولا شافعًا يشفع فيك.
يا عم، لم تحملنا على الصدق؟ ولم تجرعنا مرارة الحق؟ ولم تعرضنا لأداء الواجب؟ ولم تستكثر من الشهود عليك؟ ولم تحمل الإخوان على خلاف محبتهم فيك؟ اجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما يضطر الناس أن يصدقوا فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك.
ولا بد - يرحمك الله - لمن فاته الطول من أن يلقي بيده، إنما يقول خلاف ما يجده في نفسه. فوالله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف لحسن القامة.
وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ. وإنك
[ ٣ / ٦٨ ]
لتجد مقالًا، وإنك لتعد خصالًا. فقل معروفًا فإنا من أعوانك، واقتصد فإنا من أنصارك. وهات فإنك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت، ولكنك تجيء بشيء " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا ".
لو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك.
فصل
وقد كنت - أطال الله بقاءك - في الطول زاهدًا، وعن القصر راغبًا، وكنت أمدح المربوع وأحمد الاعتدال. ولا والله لن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم.
فأما اليوم فياليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقما.
وليس دعائي لك بطول البقاء طلبًا للزيادة، لكن على جهة التعبد والاستكانة، فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا أخلى الله مكانك فإلى هذا المعنى أذهب.
[ ٣ / ٦٩ ]
وقد زعموا، جعلت فداءك، أن كل ما طال عمره من الحيوانات زائد في شدة الأركان، وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان والضباب وحمر الوحش، وكلحم النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله فإذا كان هذا حقًا وكان نافعًا، وكنت له مستعملًا وفيه متقدمًا، وتراه رأيًا، أخذنا منه بنصيب، وتعلقنا منه بسبب.
وفيك أمران غريبان، وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور النقصان والزيادة إياك. وجوهرك فلكي وتركيبك أرضي. فمنك طول البقاء، ومعك دليل الفناء. وأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. وما ظنك بخلق لا تضره الإحالة، ولا يفسده التناقض.
فصل
جعلت فداك، قد شاهدت الإنس منذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة، وأغفالًا وموسومة، وسالمة ومدخولة، فما يخفى عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا المستغلق من المبهم، ولا النادر من البديع، ولا شبه الدليل من الدليل.
وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها
[ ٣ / ٧٠ ]
مصورة. ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الاحتجاج، وشاهدت العلل وهي تولد، والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، والحقيقة من التمويه.
فصل
إنك - جعلت فداءك - كما أنك لم تكن فكنت، فكذا لا تكون بعد أن كنت. وكما زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل. وكل طويل فهو قصير، وكل متناه فهو قليل. فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث فتشرك؛ فإن للشيطان في مثلك أطماعًا لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللًا لا يجدها في غيرك.
فصل
وقد علمت أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره، كان في الدلالة على الحق كالعيان، وفي الشفاء كالسماع.
على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور ولكن تعرف به جمل الأشياء، إلا خبرك فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى علة، ولا إلى
[ ٣ / ٧١ ]
تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاء وفي كيفية الشيء مقام العيان.
وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما يقولون في رجل لم يقل قط بعد انقضاء خصومه وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا كان أمثل! فما بال عفوه أكثر من جهدكم، وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم؟ ! فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله تعالى على كل رفيع، ورحمة أنشأها الله لكل وضيع.
فخبرني عما جرى بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون، وما دار بينك وبين أرسطاطاليس، وأي نوع اعتقدت وأي شيء اخترت؟ فقد أبت نفسي غيرك، وأبت أن تتشفى إلا بخبرك.
ولولا أني كلف برواية الأقاويل، ومغرم بمعرفة الاختلاف وأني لا أستجيز مسألتك عن كل شيء، وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت إلى أحد غيرك.
[ ٣ / ٧٢ ]
اعلم، جعلت فداءك، أني لم أرد بمزاحك إلا أن أضحك سنك، ولا كانت غايتي فيك إلا لأنفق عندك. وقد كنت خفت أن لا أكون وقفت على حده، وأشفقت من المجاوزة لقدره.
والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، ولم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه، ولم يخرج بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف. ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه قليل التحفظ.
ولم نر شيئًا أبعد من شيء ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافًا ولا أكثر له خلطة، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء.
فإن كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية فبما أعرف من يمن مكالمتك، وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت أخطأت الطريق، وجاوزت المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك، ولا إنكار لحقك، ولكن حدود الأشياء إذا خفيت، ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل
[ ٣ / ٧٣ ]
تمامك، ولا مع التكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم منه بقدر نفاذه. نعم ولو كان من العلماء الموصوفين، ومن الأدباء المذكورين.
ومن المزاح - جعلت فداءك - باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى جليسه، واستماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب من المزاح إلا كز الخلق؟ ! ومن يرغب عن المفاكهة إلا ضيق العطن؟ ! وبعد فمتى أعدت النفس عذرًا كانت إلى القبيح أسرع، ومتى لم تعده كانت عنه أبطأ.
ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيرًا ممن تمازحه يضحكك وإن كنت أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته. فإن حقد ففي الحقد الداء، وإن عجل فذلك البلاء.
فإن قلت: فما أدخلك في شيء هذه سبيله، وهكذا جوهره وطريقه؟ قلت: لأني حين أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب
[ ٣ / ٧٤ ]
الإحسان، وعلمت أنك لا تقضي إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار الأمن سائقًا، والأمل قائدًا.
وأي عمل أرد، وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة، والأمن والمثوبة.
ولو كان هذا ذنبًا كنت شريكي فيه، ولو كان تقصيرًا لكنت سببي إليه، لأن دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو الشائع والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة، ويذهبان بالتحفظ؛ ولذلك قال عيينة بن حصن لعثمان بن عفان: " عمر كان خيرًا لي منك، أرهبني فاتقاني، وأعطاني فأغناني ".
فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترىء عليك إلا بك؛ وإن كنت أخطأت فلم أخطىء عليك إلا لك؛ لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب إلى قلة التحفظ، وداعية إلى ترك التحرز.
[ ٣ / ٧٥ ]
وبعد فمن وهب الكبير كيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو؟ ! ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدري هو الذي شفع لي. ولو استحققت عقابك بإقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك.
على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالإنصاف. ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل؛ والحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر.
وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في النعمة.
فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وعد إلى حسن العادة. وإن لم تفعل ذلك لحسن العادة فائت ما أنت أهله.
واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضي لي عليك، ومتى ارتفعنا إلى عدلك حسن العفو عني عندك.
[ ٣ / ٧٦ ]
وفصل ما بيننا وبينك، وفرق ما بين أقدارنا وقدرك، أنا نسيء وتغفر، ونذنب وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتعلم؛ وأن عليك الإنعام وعليك الشكر. ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف.
وإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلًا، والتعرض لعقابك بالخوف حقًا، ورغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، وصرت كمن يشفي غيظًا أو يداوي حقدًا، أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة.
ولم نجدهم - أبقاك الله - يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ويذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل.
وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله. وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك؟ فلم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح؟ ولم تكدها بالمناقشة ومذهبها المسامحة؟
[ ٣ / ٧٧ ]
سبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك، وفعلك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا، وفراستك أثقب من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من عقاب الظلمة.
وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، وتتغافل عن المناوي وتصفح عن المتهاون حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته خلاص، وهفوته بكر، وشفاعته الحرمة ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، ولا يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك صرت تتوعده بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة.
وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من
[ ٣ / ٧٨ ]
العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك.
وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن، ولا شفيع أنا به أوثق، من شدة جزعي من عتبك، وإفراط هلعي من خوفك. ولست ممن إذا جاد بالصفح ومن بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة والنجاة من الهلكة. بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة، والعطايا الجزيلة، والعز في العشيرة، والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب الذكر وشرف العقب، ومحبة الناس.
وأما ذكرى القد والخرط، والطول والعرض، وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع، والتشاجر والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد وهو مزاح.
ولو استعمل الناس الدماثة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان
[ ٣ / ٧٩ ]
الشر صراحًا خيرًا لهم، والباطل محضًا أرد عليهم. ولكن لكل شيء قدر، ولكل حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه. وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط.
فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه. فأما أن يذم حتى يكون كالظلم، وينفى حتى يصير كالغدر فلا؛ لأن المزاح مما يكون مرة حسنًا ومرة قبيحًا. فإذا صرنا إلى الجد، ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح، وجلسنا للحكم، فقد أغناك الله تعالى عن الحجة، كما سلمك من الشبهة، ولم نكلفك الاحتجاج كما نرغب بك من الاعتلال، فأصبحت لا محتجًا ولا محجوجًا، ولا غفلًا ولا موسومًا، ولا ملومًا ولا معذورًا، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى الائتلاف.
وليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة.
[ ٣ / ٨٠ ]
وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل يرد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة.
وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم، أو مجار في الحلم، أو ضد في العزم؟ وهل يبلغك الحسد أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك، وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل للطلاب غاية سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للماتح رجز إلا فيك، وهل يحدو الحادي إلا بك؟ ولولا أن يأخذ الواصف لك بنصيبه منك، وبحصته من الصدق،
[ ٣ / ٨١ ]
وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغوًا، ولكان تكلفه فضلًا.
ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يهجى بالتسليم، ولم نعد إقراره إحسانًا، وخضوعه إنصافًا؟ وهل تقع الأبصار إلا عليك، وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟ وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئًا أو يفوقه شيء؟ أو يقال: لو لم يكن كذا لكان أحسن، أو لو كان كذا لكان أتم؟ وأين الحسن الخالص والجمال الفائق، والملح المحض والحلاوة التي لا تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك، أو عندك، أو لك أو معك؟ لا بل أين الحسن المصمت والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور والفضل المشهور، إلا لك وفيك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر
[ ٣ / ٨٢ ]
من شخصه، وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه؟ ولربما رأيت الرجل حسنًا جميلًا، وحلوًا مليحًا، وعتيقًا رشيقًا، وفخمًا نبيلًا، ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا معتدل الأجزاء.
وقد تكون أيضًا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ويكون قصدًا، ومقدارًا عدلًا، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي.
فأما الوزن المتحقق، والتعديل الصحيح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جادبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام.
وكذا الحسن إذا كان حرًا مرسلًا، وعتيقًا مطلقًا، لا يتحكم
[ ٣ / ٨٣ ]
عليه الدهر، ولا يذبله الزمان، ولا يحتاج إلى تعليق التمائم، ولا إلى الصون والكن، ولا إلى المنقاش والكحل.
ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلًا، وحبب إلى القلوب تحبيبًا، وقرب إلى النفوس تقريبًا، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء، وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السمر ولا الوهم، ولا السرور الشديد، ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة، والفضيلة البينة.
ولو لم يكن لك إلا أننا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف والمدحة: لهو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس، وأبهى من الغيث، وأحسن من يوم الحلية؛ وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأن عنقه إبريق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد، وكأن فاه خاتم، وكأن
[ ٣ / ٨٤ ]
جبينه هلال. ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعًا من الهواء، ولهو أمضى من السيل، وأهدى من النجم لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين.
وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والمثل في كل شكل. وأما قول الشاعر:
يزيدك وجهه حسنًا إذا ما زدته نظرا
وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس، غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب صنعة لم نقف عليها. وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد أجزائه في تنضيد الأجزاء؟ فإن ذلك معنىً مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي في مدحك.
والجملة التي تنفي الجدال، وتقطع القيل والقال، أني لم أرك قط إلا ذكرت الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك! إلا ذكرت النار! ولا تعجب أيها السامع واعلم أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني فيما يجب له مفرط.
هو رجل طينته حرة، وعرقه كريم، ومغرسه طيب، ومنشأه
[ ٣ / ٨٥ ]
محمود، غذي في النعمة، وعاش في الغبطة، وأرهقه التأديب، ولطفه طول التفكير، وخامره الأدب، وجرى فيه ماء الحياء.
فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته، وآخره كأوله، تحكي اختياراته التوفيق، ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف، ويرغب عن التجوز، وينبل عن ترك الإنصاف. لا تمتنع عليه معرفة المبهم، ولا يلحج باستبانة المشكل، ولا يعرف الشك إلا في غيره، ولا العي إلا سماعًا.
فمن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك. وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغنى بمدحك، ولا فتاة إلا تشكو تباريح حبك، ولا محجوبة
[ ٣ / ٨٦ ]
إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقي بك.
فكم من كبد حرى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم حشًا خافق وقلب هائم، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية؟ وكم عبرى مولهة وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها الحزن، وأجمد عينها الكمد، واستبدلت بالحلي العطلة وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ضاحك؛ وبعد أن كانت نارًا تتوقد وشعلة تتوهج.
وليس حسنك - أبقاك الله - الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم،
[ ٣ / ٨٧ ]
أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتحير، أو ينهنهه زجر، أو يفيده خوف. هو - أبقاك الله - شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية، ويطوح بالعزاء، وينسى معه العواقب.
ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن الحجاج، ولركبك بأعظم مما ركب جعدة السلمى. بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما.
[ ٣ / ٨٨ ]
فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم.
وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أو إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها.
وكما أصبحنا وما ندري: آلكأس التي في يدك أجمل أم القلم، أم الرمح الذي تحمله أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ وكما أصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، أم أيها أجمل وأشكل: آللمة أم مخط اللحية، أم الإكليل أم العصابة، أم العمامة أم القناع أم القلنسوة؟
وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد
[ ٣ / ٨٩ ]
الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر عظيم، أو ركاب طرف كريم.
وأما فوك فهو الذي لا ندري: أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل: الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟ وعلى أننا لا ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى. أقلمك أبلغ أم خطك، أم لفظك؟ أم إشارتك أم عقدك؟ وأنت في ذلك فوقهم - والحمد لله - وواحدهم، وأعيذك بالله تعالى.
وقد علمنا أن القمر، وهو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، يبدو مع ذلك ضئيلًا ونضوًا، ويظهر معوجًا شختًا وأنت أبدًا قمر بدر، وفخم غمر.
ثم مع ذلك يخرق في السرار، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسًا كما يكون سعدًا، ويكون ضرًا كما يكون نفعًا، ويقرض
[ ٣ / ٩٠ ]
الكتان، ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه.
وعلى أنه محق حسنه المحاق، وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال، ولا خالص ولا متلألىء، ويعلوه برد ويكسفه ظل، ثم لا يعتبر ذلك إلا عند كماله، وليلة فخره واحتفاله.
وكثيرًا ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن بري اللون، روحاني البدن.
وإن احتجوا عليك له بالجزر والمد، احتججت عليهم بالحلم والعلم، وبأن طاعتك اختيار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة
[ ٣ / ٩١ ]
قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا يمكنه البدوات، وليس في قواه فضل للتصرف.
على أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. وكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا خير فيه.
تعير نسيم الهواء طيبًا، وتراب الأرض عبقًا.
إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تنسكت فالرهبانية والإخلاص، وإن ترزنت فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل.
وطباعك - جعلت فداءك - طباع الخمر، إلا أنك حلال كلك. وجوهرك جوهر الذهب إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله، وأخذت خصال المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من كل
[ ٣ / ٩٢ ]
شيء صفوته وشرفه، ولبابه وبهاؤه. وهل يضير القمر نباح الكلب، وهل يزعزع النخلة سقوط البعوضة؟ ! فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله.
وقد ذهب الناس في المزاح في مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان.
وسنأتي على جمل هذه الأقاويل، ثم نذكر جملة ما نقول إن شاء الله.
فأما المحامي عن الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، والمزح جمام، والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه.
[ ٣ / ٩٣ ]
والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. فقد شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر.
وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيبًا، والهزل مذمومًا، لأن صاحبه لا يكون إلا معرضًا لمجاوزة الحد، ومخاطرًا بمودة الصديق.
فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر والتجاوز للجد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين.
فقد ساواه المزح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح إنما صار قبيحًا لأن الذي يكون بعده جد، ولم يصر الجد قبيحًا لأن الذي يكون بعده مزح، وكان الجد في هذا الوزن أقبح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن، لأن ما جعل الشيء قبيحًا أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسنًا أحسن من الشيء.
فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه، كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه.
[ ٣ / ٩٤ ]
دقال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع.
وقد قسم الله تعالى الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، وأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ المباح كما شدد أمر المفروض، وجعل المباح جمامًا للقلوب، وراحة للأبدان، وعونًا على معاودة الأعمال، فصار الإطلاق كالحظر، والصبر كالشكر.
فليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء إلا وله في الضراء مثله.
ولو لم يرزق الله تعالى العباد إلا بالصواب محضًا، وبالصدق بحتًا، وبمر الحق صفحًا، لهلكت العوام، ولانتقض أمر الخاص.
[ ٣ / ٩٥ ]
ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث.
وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلمًا كما يكون النسيان للسلامة سببًا. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك يجري جميع القبض والبسط.
فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم.
ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزاح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة الهزل. والحق أن ينضح عن بعض المزح، ويحتج لجمهور الجد. وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ذاكرون.
وقد مزح رسول الله ﷺ. ولا يقال: كان فيه مزاح، ولا يقال مزاح. وكذا الأئمة ومن تبذل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار.
وقال عمر رضوان الله تعالى عليه: " إنا إذا خلونا كنا كأحدكم ".
وقد كان عمر عبوسًا قطوبًا.
[ ٣ / ٩٦ ]
وكان زياد مع كلوحه وقطوبه، يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا.
وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا شيطانًا؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! ".
فقد ذكرنا خير العالمين، وجلة من خيار المسلمين، وجبارًا عنيدًا، وكافرًا لعينًا.
وبعد فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة. وقد أتانا رسول الله ﷺ بالحنيفية السمحة، ولم يأتنا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي.
فصل
قد اعتذرنا في معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزاح، ومرة بالنسيان، ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك.
[ ٣ / ٩٧ ]
والجملة أنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا، لكان في فضلك ما يتغمدنا، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا، واعتذرنا ثم أطنبنا.
فإن تقبل، فحظك أصبت، ولنفسك نظرت. وإن لم تقبل فاجهد جهدك، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت. وأقول كما قال أخو بني منقر:
فما بقيا علي تركتماني ولكن خفتما صرد النبال
والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بإسماعيل بن علي، ولئن صلت علي بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط
[ ٣ / ٩٨ ]
لأتيهن عليك بحسبة وهب الدلال.
وأنا أرى لك أن تقبل العافية، وترغب إلى الله تعالى في السلامة. واحذر البغي فإن مصرعه وخيم، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل.
وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر، ولقيس بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر، ولطاهر إذا صال. ومن عرف قدره عرف قدر خصمه، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره.
وعليك بالجادة ودع البنيات فإن ذلك أمثل لك.
[ ٣ / ٩٩ ]
وأنت - والله يا أخي - تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الأخبار، أني أظهر منك حربًا، وألطف كيدًا، وأكثر علمًا، وأوزن حلمًا، وأخف روحًا، وأكرم عينًا، وأقل غثًا وأحسن قدًا وأبعد غورًا، وأجمل وجهًا، وأنصع ظرفًا. وأكثر ملحًا، وأنطق لسانًا وأحسن بيانًا، وأجهر جهارة، وأحسن شارة.
وأنت رجل تشدو من العلم، وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتعز من قدرك، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء، ليس عندك إلا ذاك. فلم تزاحم البحر بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ.
فأما الباد والقامة، فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يميل بين النخلة والدقل، وبين رحى الطحان وبين سيف يمان. وإنما يكون التمييل بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين
[ ٣ / ١٠٠ ]
دون المتفاوتين. فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، والفقر والغنى، فهذا مما لا يخطأ فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس.
والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي. كل ذلك سبيله التنبيه والتذكير، والتقويم والتأنيب.
والعمد نوع واحد، وسبيله القمع والحظر، والضرب والقتل. وأول ذلك أن يهجره صاحب الحكمة، ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة.
وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة عيانًا. وأنت لا ترضى بجحد العيان حتى تدعو إليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى بالعداوة حتى يكون لك في ذلك الرياسة، ولا ترضى بالرياسة دون السابقة، ولا بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري، والمواليد التي تنمي. ولا ترضى بأن يكون أولًا حتى تكون آخرًا، ولا بالمداراة دون المباداة،
[ ٣ / ١٠١ ]
ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام وأن التقصير كفر.
وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة، لأنك رجل لا عقب لك. والإمامة اليوم لا تصلح في الإخوة، واو صلحت في الإخوة كانت تصلح في ابن العم، ثم دنت من الأرحام شيئًا فصارت لا تصلح إلا في الولد. وفي هذا القياس أنها بعد أعوام لا تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه إلى آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ. وأنت رافضي ولم يكن هذا عندك.
فأهد إلي الآن من خالص التوتيا كما أهديت إليك باب التناسخ.
وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة
[ ٣ / ١٠٢ ]
المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرياسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمغالبة رفعة.
أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتًا، وأخلقهم للتوبة أصلبهم وجهًا، وأحسنهم تقية أقلهم تحرجًا، وأحسنهم إنصافًا أشدهم شغبًا.
تعشق المتهور، وتكلف بالجموح، وتصافي الوقاح. والأديب عندك من يعيب أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كل نعمة، وأنكر كل حقيقة.
جعلت فداك. إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير، واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده. وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي؛ ولأنك متى
[ ٣ / ١٠٣ ]
كنت للشيء متوقعًا، وله منتظرًا، كان أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدى إليك. وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم.
كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفًا بالاقتباس، وشحًا على نصيبي منك، وضنًا بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر.
فصل
والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئًا من حاجته.
ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز.
[ ٣ / ١٠٤ ]
وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالًا ممن لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه.
هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته.
ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة. كان يقال: " من شاب شيب له ".
وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم
[ ٣ / ١٠٥ ]
بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية.
ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ما بين النعتين.
الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطىء، وأن تعلم أن السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه.
هذا جملة ما للعذر في هذه المسألة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان والإطالة. فإن كنا أصبنا فالصواب أردنا، وإن كنا أخطأنا فما ذاك عن فساد من الضمير، ولا قلة احتفال بالتقصير. ولعل طبيعة
[ ٣ / ١٠٦ ]
خانت، أو لعل عادة جذبت، أو لعل سهوًا اعترض، أو لعل شغلًا منع.
خفض عليك أيها السامع، فإن الخطأ كثير عام، وغالب مستول، والصواب قليل خاص، ومقموع مستخف.
فوجه اللائمة إلى أهلها، وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم مشهور.
اعجب من الصواب لا تعجب من الخطأ. اعجب من أن العجب قد ذهب. اعجب ممن تعجب وفيه العجب أعجب. وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟ ! كنت أتعجب من كل فعل خرج من العادة، فلما خرجت الأفعال بأسرها من العادة صارت بأسرها عجبًا، فبدخول كلها في باب العجب خرجت بأجملها من باب العجب.
وقد ذكر الله تعالى ذكره التعجب في كتابه ﷻ. وقد تعجب رسول الله ﷺ وعلى آله في زمانه، وفي الناس
[ ٣ / ١٠٧ ]
يومئذ الناقص والوافر، والمشوب والخالص، والمستقيم والمعوج. وقال الله ﵎ لنبيه ﷺ: " وإن تعجب فعجب قولهم "، وقال له: " بل عجبت ويسخرون ".
واعلم أنه لم يبق من المتعجب الفاتك إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع الفاتك إلا حصة السمع. فأما القلوب فخاوية قاسية، وراكدة خامدة، لا تسمع داعيًا ولا تجيب سائلًا، قد أغفلها سوء العادة، واستولى عليها سلطان السكرة.
فدع عنك ما لست مثله، فإن فيما أورده عليك شغلًا شاغلًا، وهمًا داخلًا.
اعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها. ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان قد بقى بعض أمورها، وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير
[ ٣ / ١٠٨ ]
في باطنه من شبه البشري. لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخًا متتبعًا، ومستقصىً مستفرغًا، فبين حاليها جميع التضاد، وبين معنييها غاية الخلاف.
فالصواب اليوم غريب، وصاحبه مجهول. والعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ممنوع، فإن صرت عليه عونًا مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد وفرته.
ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة، ولا التأنيس ولا التعزية. وكيف أطلب منك ما قد انقطع سببه، واجتث أصله. وقد كان يقال: " من طلب عيبًا وجده ".
هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فإن أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ما عليه الزمان.
وهب الله لنا ولك الإنصاف، وأعاذنا وإياك من الظلم. والحمد لله كما هو أهله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة، وسلم.
[ ٣ / ١٠٩ ]
فصل من صدر رسالته إلى الحسن بن وهب
[ ٣ / ١١١ ]
في مدح النبيذ وصفة أصحابه
أنا - أبقاك الله - الطالب المشغول، والقائل المعذور، فإن رأيت خطأً فلا تنكر فإني بصدده وبعرض منه، بل في الحال التي توجبه، والسبب الذي يؤدي إليه. وإن سمعت تسديدًا فهو الغريب الذي لا نجده. اللهم إلا أن يكون من بركة مكاتبتك، ويمن مطالبتك. ولأن ذكرك يشحذ الذهن، ويصورك في الوهم، ويجلو العقل؛ وتأميلك ينفي الشغل.
ولا يعجبني ما رأيت من قلة إطنابك في هذا النبيذ، وقلة تلهيك بهذا الشراب وأنت تجد من فضل القول وحسن الوصف ما لا يصاب عند خطيب، ولا يوجد عند بليغ. وأنت ولو مشيت الخيلاء، وحقرت العظماء، وأرغبت الشعراء، وأعطيت الخطباء، ليكون القول منهم موصولًا غير مقطوع، ومبسوطًا غير مقصور، لكنت بعد مقصرًا في أمره، مفرطًا في واجب حقه. فلا تأديب الله قبلت، ولا قول الناصح سمعت.
[ ٣ / ١١٣ ]
قال الله ﵎: " وأما بنعمة ربك فحدث ". وقال الأول: " استدم النعمة بإظهارها، واستزد الواهب بإدامة شكره ".
بل كيف أنست بالجلساء، وأرسلت إلى الأطباء ولم يكن في قربك منه ما يغنيك، وفي النظر إليه ما يشفيك؟ ولم ملكت نفسك دون أن تهذي، ولم رأيت الوقار مروءة قبل أن تستخف ولم كان الهذيان هو الهذيان، والسخف هو المروءة، والتناقض هو الصحة وإلا بأي شيء خصصت، وبأي معنىً أتيت، ولم لم تخلع فيه العذار، ولم تخرج فيه عن كل مقدار.
وأي شيء أجرب جلدك وأمات حالك، وأضعف مسرتك، وأوحش منك رفيقك، إلا العقوبة المحضة، وإلا الغضب والعقاب، وحرمك الثواب إلا التهاون في أمره، وقلة الرعاية لحقه.
وكيف صارت أمراضي أمراض الأغنياء وأمراضك أمراض الفقراء إلا لمعرفتي بفضله، واستخفافك بقدره. ألا ترى أني منقرس مفلوج، وأنت أجرب مبسور.
[ ٣ / ١١٤ ]
فإن تبت فما أقرب الفرج، وأسرع الإجابة. وسنفرغ لك إن شاء الله قريبًا، وتفلح سريعًا.
وإن أصررت وتتايعت وتماديت أتاك والله من سفلة الأدواء، وزوي عنك من علية الأمراض، ما يضعك موضعًا لا ارتفاع معه، ويلزق بعقبك عارًا لا زوال له. ثم تتبع أشياخك السبة، وتتبعهم المذمة.
علم الله أنه استظرفك واستملحك، واستحسن قدك، واسترجح عقلك، وأحسن بك ظنًا، ورآك لنفسه أهلًا، ولاتخاذه موضعًا، وللأنس به مكانًا، وأنت لاه عنه زار عليه، متهاون به، قد أقبلت على ديوانك تشغل بملازمته، وتدع ما يجب عليك من صفاته، والدعاء إلى تعظيمه. بل هل كنت من شيعته والذابين عن دولته، والمعروفين بالانقطاع إليه، والانبتات في حبله، إلا أن يكون عندك التقصير لحقه، والتهاون بأمره اللازم، ونهي الناس عنه.
ول خرجت إلى هذا لخرجت من جميع الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية. وأحسب أنك لا تعظمه ولا ترق له. ولو لم تتعصب إلا لجماله وحسنه، ولو لم تحافظ على نقائه وعتقه لكان ذلك واجبًا، وأمرًا معروفًا. فكيف مع المناسبة التي بينكما، والشكل الذي يجمعكما. فإن كان بعضك لا يصون بعضًا وأنت لا تعظم شقيقًا، فأنت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق أنكر.
ولقد نعيت إلي لبك، وأثكلتني حفاظك، وأفسدت عندي كل
[ ٣ / ١١٥ ]
صحيح. وقد كان يقال: " لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب " قال الشاعر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى الندى وأن لا يرى شيئًا عجيبًا فيعجب
قال بكر بن عبد الله المزني: " كنا نتعجب من دهر لا يتعجب أهله من العجب فقد صرنا في دهر لا يستحسن أهله الحسن. ومن لا يستحسن الحسن لم يستقبح القبيح ".
وقال بعضهم: " العجب ترك التعجب من العجب ".
ولم أقل ذلك إلا لأن تكون به ضنينًا، وبما يجب له عارفًا. ولكنك لم توفر حقه ولم توف نصيبه.
فإن قلت: ومن يقضي واجب حقه، وينتهض بجميع شكره؟ قلنا: فهل أعذرت في الاجتهاد حتى لا يذم إلا تعجبك، وهل استغرقت الاعتذار حتى لا تعاب إلا بما زاد على قوتك. ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك. ولولا ظنك لم نحمدك عليه. ولولا معرفتك
[ ٣ / ١١٦ ]
بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقه، ولولا أن الخطأ فيك أقبح، والقبيح منك أسمج، وهو فيك أبين والناس به أكلف، والعيون إليه أسرع لكان كتابنا كتاب مطالبة، ولم يكن كتاب معاتبة، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك، والقول لك عن القول فيك.
وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك، وأجترىء عليك بفضل بسطك لي، فمنعني حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي.
وبعد فمن طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله ممن يجود بكل ثمين، ويهب كل خطير، فواجب أن يكون من الرد مشفقًا، وبالنجح موقنًا.
وإن كان - أبقاك الله - أهلًا لأن يمنع، وكنت حفظك الله أهلًا أن تبذل، وجب أن تكون باذلًا مانعًا، وساكنًا مطمئنًا، إلا أن يكون الحرب سلمًا سجالًا، والحالات دولًا.
ولهذه الخصال ما وقع الطلب، وشاع الطمع.
فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله عند من عرف قدرك، إلا أنه لا يجود بمثله إلا غني عند جميع الناس، أو عاقل فوق جميع الناس.
وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهور، وأمسك إمساك الهائب
[ ٣ / ١١٧ ]
الموقر. وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان سواه؟ ! على أن من الهذيان ما يكون مفهومًا، ومن المحال ما يكون مسموعًا.
فمن جهل ذلك ولم يعرفه، وقصر ولم يبلغه، فليسمع كلام اللهفان والثكلان، والغضبان والغيران، ومرقصة الصبيان، والمنعظ إذا دنا منه الحلقي.
حتى إذا استوهبك لم تهب له منه حتى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفع على مستوهبه، وتعجب من شاربه، ثم تطيل الكتاب بالامتنان، وتسطر فيه بتعظيم الإنعام مع ذكر مناقبه، ونشر محاسنه بقدر الطاقة. وإن لم تبلغ الغاية فاعرف وزنه، واشهد بطيبه، وأرخ ساعته، واشهر في الناس يومه.
وما ظنك بشيء لا تقدر أن تشرد في ذكره وتفرط في مدحه،
[ ٣ / ١١٨ ]
وتقصيرك واضح في لونه، مكتوب في طعمه، موجود في رائحته، إذ كان كل ممدوح يقصر عن مدحه وقدره، ويصغر في جنبه.
ولو لم يستدل على سعادة جدك، وإقبال أمرك، وأن لك زي صدق في المعلوم، وحظًا في الرزق المقسوم، وأنك ممن تبقى نعمه، ويدوم شكره، ويفهم النعمة ويربها، ويدرأ عنها ويستديمها، إلا أنه وقع في قسمك، وكان في نصيبك لكان ذلك أعظم البرهان، وأوضح الدلالة.
بل لا نقول: إنه وقع اتفاقًا وغرسًا نادرًا، حتى يكون التوفيق هو الذي قصد به، والصنع هو الذي دل عليه.
ولو لم تملك غيره لكنت غنيًا، ولو ملكت كل شيء سواه لكنت فقيرًا. وكيف لا يكون كذلك وهو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومرتع عينك، وموضع أنسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك من جميع الأقسام.
وكيف وقد جمع أهبة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البهاء،
[ ٣ / ١١٩ ]
وشرف الخير، وعز المجاهرة ولذة الاختلاس، وحلاوة الدبيب.
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره، ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة، كما أصف فضل النبيذ على سائر الأنبذة؛ لأن النبيذ إذا تمشى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، وجعلك رخي البال، خلي الذرع، قليل الشواغل، قرير العين، واسع الصدر، فسيح الهمم حسن الظن. ثم سد عليك أبواب التهم، وحسن دونك الظن وخواطر الفهم، وكفاك مئونة الحراسة، وألم الشفقة، وخوف الحدثان، وذل الطمع وكد الطلب، وكل ما اعترض على السرور وأفسد اللذة، وقاسم الشهوة، وأخل بالنعمة.
وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر.
[ ٣ / ١٢٠ ]
ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلا أنك ما دمت تمزجه بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة وكد المروءة، وصار يومه جمالًا لأيام الفكرة، وتسهيلًا لمعاودة الروية، لكان في ذلك ما يوجب الشكر، ويطيب الذكر. مع أن جميع ما وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم، وأقل الثمن.
ثم يعطيك في السفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان. ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصحو كما يطيب بالدجن، ويلذ في الصيف كما يلذ في الشتاء، ويجري مع كل حال. وكل شيء سواه فإنما يصلح في بعض الأحوال.
ويدفع مضرة الخمار، كما يجلب منفعة السرور.
إن كنت جذلًا كان بارًا بك، وإن كنت ذا هم نفاه عنك.
وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن، وما الريش السخام بأدفأ منه للمقرور.
[ ٣ / ١٢١ ]
ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء، ويعالج به الأدواء، ويحمر به الوجنتان، ويعدل به قضاء الدين.
إن انفردت به ألهاك، وإن نادمت به سواك.
ثم هو أصنع للسرور من زلزل، وأشد إطرابًا من مخارق، وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما؛ لأنه أصل اللذات وهي فرعه، وأول السرور ونتاجه.
ولله در أول من عمله وصنعه، وسقيًا لمن استنبطه وأظهره. ماذا دبر؟ وعلى أي شيء دل؟ وبأي معنىً أنعم؟ وأي دفين أثار؟ وأي كنز استخرج.
ومن استغناء النبيذ بنفسه، وقلة احتياجه إلى غيره، أن جميع ما سواه من الشراب يصلحه الثلج، ولا يطيب إلا به.
وأول ما يثنى عليه به، ويذكر منه، أنه كريم الجوهر، شريف النفس، رفيع القدر، بعيد الهم. وكذلك طبيعته المعروفة وسجيته الموصوفة. وأنه يسر النفوس ويحبب إليها الجود، ويزين لها الإحسان، ويرغبها في التوسع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر،
[ ٣ / ١٢٢ ]
ويملؤها عزًا، ويعدها خيرًا، ويحسن المسارة، ويصير به النبت خصبًا والجناب مريعًا، ومأهولًا معشبًا.
وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظرفاء، ولا أشد تألفًا للأدباء، ولا أجلب للمؤنسين، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم، ويطول به مجلسهم، منه.
وإن كل شراب وإن كان حلا ورق، وصفا ودق، وطاب وعذب، وبرد ونقخ، فإن استطابتك لأول جرعة منه أكثر، ويكون من طبائعك أوقع. ثم لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروهًا وبلية، إلا النبيذ، فإن القدح الثاني أسهل من الأول، والثالث أيسر، والرابع ألذ، والخامس أسلس، والسادس أطرب، إلى أن يسلمك إلى النوم الذي هو حياتك، أو أحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلبًا، وأخذه بالرأس تعسفًا، حتى يميت الحس
[ ٣ / ١٢٣ ]
بحدته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظته، ولا يسري في العروق لغلظه، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصميم.
ولا والله حتى يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه، فإذا امتلأسرورًا وعاد ملكًا محبورًا، خاتله السكر وراوغه، وداراه وما كره، وهازله وغانجه. وليس كما يغتصب السكر، ويعتسف الداذي، ويفترس الزبيب؛ ولكن بالتفتير والغمز، والحيلة والختل، وتحبيب النوم، وتزيين الصمت.
وهذه صفة شرابك إلا ما لا نحيط به، ونعوته تتبدل إلا ما يقبح منها الجهل به.
وخير الأشربة ما جمع المحمود من خصالها وخصال غيرها. وشرابك هذا قد أخذ من الخمر دبيبها في المفاصل، وتمشيها في العظام ولونها الغريب؛ وأخذ برد الماء ورقة الهواء، وحركة النار، وحمرة
[ ٣ / ١٢٤ ]
خدك إذا خجلت، وصفرة لونك إذا فزعت، وبياض عارضيك إذا ضحكت.
وحسبي بصفاتك عوضًا من كل حسن، وخلفًا من كل صالح.
ولا تعجب أن كانت نهاية الهمة وغاية المنية؛ فإن حسن الوجوه إذا وافق حسن القوام وشدة العقل، وجودة الرأي، وكثرة الفضل وسعة الخلق، والمغرس الطيب والنصاب الكريم، والظرف الناصع، واللسان الفخم والمخرج السهل والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة والنبل في الجلسة، والحركة الرشيقة واللهجة الفصيحة، والتمهل في المحاورة والهز عند المناقلة، والبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب، يفل الحز ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصرعنه الجهد، كان أكثر لتضاعف الحسن، وأحق بالكمال. والحمد لله.
وإن التاج بهي وهو في رأس الملوك أبهى، والياقوت الكريم حسن وهو في جيد المرأة الحسناء أحسن، والشعر الفاخر حسن وهو من في
[ ٣ / ١٢٥ ]
الأعرابي أحسن. فإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ الغاية وأقام النهاية.
وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن، والهدية منه شريفة وهي منك أشرف.
وإن كنت قدرت أني إنما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه، أو لأهبه، أو لأتحساه في الخلا، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء، وأجتر زيادة الخلطاء، أو لأبتذله لعيون الندماء، أو أعرضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظن، وذهبت من الإساءة بي في كل فن، وقصرت به فهو أشد عليك، ووضعت منه فهو أضر بك.
وإن ظننت أني إنما أريده لأطرف به معشوقة، أو لأستميل به هوى ملك، أو لأغسل به أوضار الأفئدة، أو أداوي به خطايا الأشربة، أو لأجلو به الأبصار العليلة، وأصلح به الأبدان الفاسدة، أو لأتطوع به على شاعر مفلق أو خطيب مصقع، أو أديب مدقع، ليفتق لهم المعاني، وليخرج المذاهب، ولما في جانبهم من
[ ٣ / ١٢٦ ]
الأجر، وفي أعناقهم من الشكر، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد، وليرتجعوا ما شاع لهم من الذكر؛ فإني أريد أن أضع من قدرها، وأن أكسر من بالها، فقد تاهت وتيه بها. أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرك بمكانه، وآنس بقربه، أو لأشفي به الظماء، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء، أو لأن أذكرك كلما رأيته، وأداعبك كلما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر. ولأنه والفقر لا يجتمعان في دار، ولا يقيمان في ربع. ولأتعرف به حسن اختيارك، وأتذكر به جودة اجتبائك. أو لأن أستدل به على خالص حبك، وعلى معرفتك بفضلي، وقيامك بواجب حقي فقد أحسنت بي الظن، وذكرت من الإحسان في كل فن. بل هو الذي أصونه صيانة الأعراض، وأغار عليه غيرة الأزواج.
[ ٣ / ١٢٧ ]
واعلم أنك إن أكثرت لي منه خرجت إلى الفساد، وإن أقللت أقسمت على الاقتصاد.
وأنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس وعصبة، فأقل ما أصنع إن اكترثت لي منه أن أطلب الملك، وأقل ما يصنعون بي أن أنفى من الأرض. فإن أقللت فإنك الولد الناصح، وإن أكثرت فإنك الغاش الكاشح. والسلام.
[ ٣ / ١٢٨ ]
فصل من صدر كتابه في طبقات المغنين
[ ٣ / ١٢٩ ]
ثم إنا وجدنا الفلاسفة المتقدمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أن أصول الآداب التي منها يتفرع العلم لذوي الألباب أربعة: فمنها النجوم وبروجها، وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطبائع وأيام السنة.
ومنها الهندسة وما اتصل بها من المساحة والوزن والتقدير، وما أشبه ذلك.
ومنها الكيمياء والطب اللذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان، وعلاج الأسقام، وما يتشعب من ذلك.
ومنها اللحون ومعرفة أجزائها وقسمها، ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتى يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك مما اقتصرنا من ذكره على أسمائه وجمله، اجتنابًا للتطويل، وتوخيًا للاختصار. وقصدنا للأمر الذي إليه انتهينا، وإياه أردنا. والله الموفق وهو المستعان.
ولم يزل أهل كل علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس وعلى ما يسمعون من الفارسية والهندية
[ ٣ / ١٣١ ]
إلى أن نظر الخليل البصري في الشعر ووزنه، ومخارج ألفاظه، وميز ما قالت العرب منه، وجمعه وألفه، ووضع فيه الكتاب الذي سماه العروض، وذلك أنه عرض جميع ما روي من الشعر وما كان به عالمًا، على الأصول التي رسمها، والعلل التي بينها، فلم يجد أحدًا من العرب خرج منها، ولا قصر دونها. فلما أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئًا، ورسم له رسمًا احتذى عليه من خلفه، واستتمه من عني به.
وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي أول من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله، منها معرفته بالغناء، وكثرة استماعه إياه وعلمه بحسنه من قبيحه، وصحيحه من سقيمه.
ومنها حذقه بالضرب والإيقاع، وعلمه بوزنها. وألف في ذلك كتبًا معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعبًا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة وواضحة، وشواهد عادلة. ولم نر أحدًا وجد سبيلًا إلى الطعن عليه والعيب له.
وصنع كثير من أهل زمانه أغاني كثيرة بهاجس طبعهم والاتباع لمن سبقهم، فبعض أصاب وجه صوابه، وبعض أخطأ، وبعض قصر في بعض وأحسن في بعض.
[ ٣ / ١٣٢ ]
ووجدنا لكل دهر دولة للمغنين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان زمانهم، وجواري عصرهم. وكان يكون في كل وقت من الأوقات قوم يتنادمون، ويستحسنون الغناء، ويميزون رديه من جيده، وصوابه من خطائه، ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم، وروائهم وهيئاتهم، فلم نجد هذه الطبقة ذكروا. ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقيًا.
وخصصنا في أيامنا وزماننا بفتية أشراف، وخلان نظاف، انتظم لهم من آلات الفتوة وأسباب المروءة ما كان محجوبًا عن غيرهم، معدومًا من سواهم، فحملني الكلف والمودة لهم والسرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ذي الأود منهم حتى يلحق بأهل الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، على تمييز طبقة طبقة منهم، وتسمية أهل كل طبقة بأوصافهم، وآلاتهم وأدواتهم، والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، واحتملهم إخوانهم عليها. وخلطنا جدًا بهزل، ومزجنا تقريعًا بتعريض، ولم نرد بأحد مما سمينا سوءًا، ولا تعمدنا نقدًا ولا تجاوزنا حدًا.
ولو استعملنا غير الصدق لفضلنا قومًا وحابينا آخرين. ولم نفعل
[ ٣ / ١٣٣ ]
ذلك؛ تجنبًا للحيف، وقصدًا للإنصاف. وقد نعلم أن كثيرًا منهم سيبالغ في الذم، ويحتفل في الشتم، ويذهب في ذلك غير مذهبنا.
وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم، والله حسيب من ظلم، عليه نتوكل وبه نستعين، وهو رب العرش العظيم.
ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنفنا منهم، إلا لمن أدركنا من أهل زماننا ممن حصل بمدينة السلام، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوة بعد التوبة، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين. فرحم الله أمرًا أحسن في ذلك أمرنا، وحذا فيه حذونا، ولم يعجل إلى ذمنا، ودعا بالمغفرة والرحمة لنا.
وقد تركنا في كل باب من الأبواب التي صنفنا في كتابنا، فرجًا لزيادة إن زادت، ولاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت. ومن عسى أن ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عما هو عليه منها إلى ما هو دونها، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها، ومن لعلنا نصير إلى ذكره ممن
[ ٣ / ١٣٤ ]
عزب عنا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، فنصيره في موضعه، ونلحقه بأصحابنا.
وليس لأحد أن يثبت شيئًا من هذه الأصناف إلا بعلمنا، ولا يستبد بأمر فيه دوننا. ويورد ذلك علينا فنمتحنه، ونعرفه بما عنده، ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقها، والطبقة التي يحتملها.
فلما استتب لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيابين من الجهال برب العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفة أحلامهم إلى نقض كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا، وأن يقول كل امرىء منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه، وموافقته ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذم لطبقة والحمد لأخرى، فيهجنوا كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا.
وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمه كتابنا، ونبادر إلى تفريق نسخ منها وتصييرها في أيدي الثقات والمستبصرين، الذين كانوا في هذا الشأن، ثم ختموا ذلك
[ ٣ / ١٣٥ ]
بالعزلة والتوبة منه، كصالح بن أبي صالح، وكأحمد بن سلام، وصالح مولى رشيدة.
ففعلنا ذلك وصيرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم أمناء ومستودعين وحفظة غير مضيعين ولا متهمين. وعلمنا أنهم لا يدعون صيانة ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا.
فإن شيب به شوب يخالفه، وأضيف إليه ما لا يلائمه، رجعنا إلى النسخة المنصوبة، والأصول المخلدة عند ذوي الأمانة والثقة، واقتصرنا عليها، واستعلينا بها على المبطلين، ودفعنا بها إدغال المدغلين، وتحريف المحرفين، وتزيد المتزيدين، إن شاء الله.
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٣ / ١٣٦ ]
فصل من صدر كتابه في النساء
[ ٣ / ١٣٧ ]
إنا لما ذكرنا في كتابنا هذا الحب الذي هو أصل الهوى، والهوى الذي يتفرع منه العشق، والعشق الذي يهيم له الإنسان على وجهه أو يموت كمدًا على فراشه. وأول ذلك إدخال الضيم على مروءته، واستشعار الذلة لمن أطاف بعشيقته.
ولم نطنب مع ذلك في ذكر ما يتشعب من أصل الحب من الرحمة والرقة، وحب الأموال النفيسة والمراتب الرفيعة، وحب الرعية للأئمة، وحب المصطنع لصاحب الصنيعة، مع اختلاف مواقع ذلك من النفوس، ومع تفاوت طبقاته في العواقب، احتجنا إلى الاعتذار من ذكر العشق المعروف بالصبابة، والمخالفة على قوة العزيمة، لنجعل ذلك القدر جنة دون من حاول الطعن على هذا الكتاب، وسخف الرأي الذي دعا إلى تأليفه، والإشادة بذكره. إذا كانت الدنيا لا تنفك من حاسد باغ، ومن قائل متكلف، ومن سامع طاعن، ومن منافس مقصر. كما أنها لا تنفك من ذي سلامة متسلم، ومن عالم متعلم، ومن عظيم الخطر حسن المحضر، شديد المحاماة على حقوق الأدباء، قليل التسرع إلى أعراض العلماء.
وإنما العشق اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه حب. وليس
[ ٣ / ١٣٩ ]
كل حب يسمى عشقًا، وإنما العشق اسم للفاضل عن ذلك المقدار، كما أن السرف اسم لما زاد على المقدار الذي يسمى جودًا، والبخل اسم لما نقص عن المقدار الذي يسمى اقتصادًا، والجبن اسم لما قصر عن المقدار الذي يسمى شجاعة.
وهذا القول ظاهر على ألسنة الأدباء، مستعمل في بيان الحكماء. وقد قال عروة بن الزبير: " والله إني لأعشق الشرف كما تعشق المرأة الحسناء ".
وذكر بعض الناس رجلًا كان مدقعًا محرومًا، ومنحوس الحظ ممنوعًا، فقال: " ما رأيت أحدًا عشق الرزق عشقه، ولا أبغضه الرزق بغضه! " فذكر الأول عشق الشرف، وليس الشرف بامرأة، وذكر الآخر عشق الرزق والرزق اسم جامع لجميع الحاجات.
وقد يستعمل الناس الكناية، وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة، يريدون أن يظهر المعنى بألين اللفظ، إما تنويهًا وإما تفضيلًا، كما سموا المعزول عن ولايته مصروفًا، والمنهزم عن عدوه منحازًا. نعم، حتى سمى بعضهم البخيل مقتصدًا ومصلحًا، وسمي عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصيًا.
[ ٣ / ١٤٠ ]
ولما رأينا الحب من أكبر أسباب جماع الخير، ورأينا البغض من أكبر أسباب الشر، أحببنا أن نذكر أبواب السبب الجالب للخير، ليفرق بينه وبين أبواب السبب الجالب للشر حتى نذكر أصولهما وعللهما الداعية إليهما، والموجبة لكونهما.
فتأملنا شأن الدنيا فوجدنا أكبر نعيمها وأكمل لذاتها، ظفر المحب بحبيبه، والعاشق بطلبته، ووجدنا شقوة الطالب المكدي وغمه، في وزن سعادة الطالب المنجح وسروره، ووجدنا العشق كلما كان أرسخ، وصاحبه به أكلف، فإن موقع لذة الظفر منه أرسخ، وسروره بذلك أبهج.
فإن زعم زاعم أن موقع لذة الظفر بعدوه المرصد أحسن من موقع لذة الظفر من العاشق الهائم بعشيقته.
قلنا: إنا قد رأينا الكرام والحلماء، وأهل السؤدد والعظماء، ربما جادوا بفضلهم من لذة شفاء الغيظ، ويعدون ذلك زيادة في نبل النفس، وبعد الهمة والقدر. ويجودون بالنفيس من الصامت والناطق، وبالثمين من العروض. وربما خرج من جميع ماله، وآثر طيب الذكر على الغني واليسر. ولم نر نفس العاشق تسخو بمعشوقه، ويجود بشقيقة نفسه لوالد ولا لولد بار، ولا لذي نعمة سابغة يخاف سلبها، وصرف إحسانه عنه بسببها.
[ ٣ / ١٤١ ]
ولم نر الرجال يهبون للرجال إلا ما لا بال به، في جنب ما يهبون للنساء. حتى كأن العطر والصبغ، والخضاب والكحل، والنتف والقص، والتحذيف والحلق، وتجويد الثياب وتنظيفها، والقيام عليها وتعهدها، مما لم يتكلفوه إلا لهن، ولم يتقدموا فيه إلا من أجلهن، وحتى كأن الحيطان الرفيعة، والأبواب الوثيقة، والستور الكثيفة، والخصيان والظؤورة، والحشوة والحواضن لم تتخذ إلا للصون لهن، والاحتفاظ بما يجب من حفظ النعمة فيهن.
فصل منه
وباب آخر: وهو أنا لم نجد أحدًا من الناس عشق والديه ولا ولده، ولا من عشق مراكبه ومنزله، كما رأيناهم يموتون من عشق النساء الحرام. قال الله تعالى: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ".
فقد ذكر ﵎ جملة أصناف ما خولهم من كرامته، ومن عليهم من نعمته، ولم نر الناس وجدوا بشيء من هذه الأصناف وجدهم بالنساء. ولقد قدم ذكرهن في هذه الآية على قدر تقدمهن في قلوبهم.
[ ٣ / ١٤٢ ]
فإن قال قائل: فقد نجد الرجل الحليم، والشيخ الركين، يسمع الصوت المطرب من المغني المصيب، فينقله ذلك إلى طبع الصبيان، وإلى أفعال المجانين، فيشق جيبه، وينقض حبوته، ويفدي غيره، ويرقص كما يرقص الحدث الغرير، والشاب السفيه. ولم نجد أحدًا فعل ذلك عند رؤية معشوقه.
قلنا: أما واحدة فإنه لم يكن ليدع التشاغل بشمها وبرشفها، واحتضانها، وتقبيل قدميها، والمواضع التي وطئت عليها، ويتشاغل بالرقص المباين لها، والصراخ الشاغل عنها. فأما حل الحبوة، والشد حضرًا عند رؤية الحبيبة فإن هذا مما لا يحتاج إلى ذكره، لوجوده وكثرة استعمالهم له، فكيف وهو إن خلا بمعشوقه لا يظن أن لذة الغناء تشغله بمقدار العشر من لذته، بل ربما لم يخطر له ذلك الغناء على بال.
وعلى أن ذلك الطرب مجتاز غير لابث، وظاعن غير مقيم؛ ولذة المتعاشقين راكدة أبدًا مقيمة غير ظاعنة.
وعلى أن الغناء الحسن من الوجه الحسن والبدن الحسن، أحسن،
[ ٣ / ١٤٣ ]
والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي أشهى. وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة.
وكم بين أن يفدى إذا شاع فيك الطرب مملوكك، وبين أن يفدى أمتك؟ وكم بين أن يسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله، وبين فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه.
وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء، كما رأينا رجالًا ينوحون، فصاروا دخلاء على النوائح.
وبعد، فأيما أملح وأحسن، وأشهى وأغنج، أن يغنيك فحل ملتف اللحية، كث العارضين، أو شيخ منخلع الأسنان، مغضن الوجه، ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرًا تحت كلكل خالد فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
أم تغنيك جارية كأنها طاقة نرجس، أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ياقوتة، أو من فضة مجلوة، بشعر عكاشة بن محصن:
[ ٣ / ١٤٤ ]
من كف جارية كأن بناتها من فضة قد طرفت عنابا
وكأن يمناها إذا نطقت به ألقت على يدها الشمال حسابا
فصل منه
فأما الغناء المطرب في الشعر الغزل فإنما ذلك من حقوق النساء. وإنما ينبغي أن تغني بأشعار الغزل والتشبيب، والعشق، والصبابة بالنساء اللواتي فيهن نطقت تلك الأشعار، ويهن شبب الرجال، ومن أجلهن تكلفوا القول في النسيب.
وبعد، فكل شيء وطبقه، وشكله ولفقه، حتى تخرج الأمور موزونة معدلة، ومتساوية مخلصة.
[ ٣ / ١٤٥ ]
ولو ان رجلًا من أدمث الناس وأشدهم تلخيصًا لكلامهم، ومحاسبة لنفسه، ثم جلس مع امرأة لا تزن بمنطق، ولا تعرف بحسن حديث، ثم كان يعشقها، لتناتج بينهما من الأحاديث، ولتلاقح بينهما من المعاني والألفاظ، ما كان لا يجري بين دغفل بن حنظلة، وبين ابن لسان الحمرة. وإنما هذا على قدر تمكن الغزل في الرجل.
فصل منه
والمرأة أيضًا أرفع حالًا من الرجل في أمور. منها: أنها التي تخطب وتراد، وتعشق وتطلب، وهي التي تفدى وتحمى. قال عنبسة بن سعيد للحجاج بن يوسف: أيفدي الأمير أهله؟ قال: والله إن تعدونني إلا شيطانًا، والله لربما رأيتني أقبل رجل إحداهن!
[ ٣ / ١٤٦ ]
فصل منه
وإنما يملك المولى من عبده بدنه، فأما قلبه فليس له عليه سلطان.
والسلطان نفسه وإن ملك رقاب الأمة، فالناس يختلفون في جهة الطاعة، فمنهم من يطيع بالرغبة، ومنهم من يطيع بالرهبة، ومنهم من يطيع بالمحبة، ومنهم من يطيع بالديانة.
وهذه الأصناف، وإن كان أفضلها طاعة الديانة فإن تلك المحبة ما لم يمازجها هوىً لم تقو على صاحبها قوة العشق. وفي الأثر المستفيض والمثل السائر: " إن الهوى يعمي ويصم "؛ فالعشق يقتل.
فصل منه
ومما يستدل به على تعظيم شأن النساء أن الرجل يستحلف بالله الذي لا شيء أعظم منه، وبالمشي إلى بيت الله، وبصدقة ماله، وعتق رقيقه. فيسهل ذلك عليه، ولا يأنف منه. فإن استحلف بطلاق امرأته تربد وجهه، وطار الغضب في دماغه، ويمتنع ويعصي، ويغضب ويأبى، وإن كان المحلف سلطانًا مهيبًا، ولو لم يكن يحبها، ولا يستكثر منها، وكانت نفسها قبيحة المنظر، دقيقة الحسب، خفيفة الصداق، قليلة النسب.
ليس ذلك إلا لما قد عظم الله من شأن الزوجات في صدور الأزواج.
[ ٣ / ١٤٧ ]
فصل منه في ذكر الولد
وباب آخر: وهو أنا لو خيرنا رجلًا بين الفقر أيام حياته، وبين أن يكون ممتعًا بالباه أيام حياته، لاختار الفقر الدائم مع التمتع الدائم.
وليس شيء مما يحدث الله لعباده من أصناف نعمه وضروب فوائده، أبقى ذكرًا، ولا أجل خطرًا من أن يكون للرجل ابن يكون ولي بناته، وساتر عورة حرمه، وقاضي دينه، ومحيي ذكره، مخلصًا في الدعاء له بعد موته، وقائمًا بعده في كل ما خلفه مقام نفسه.
فمن أقل أسفًا على ما فارق، ممن خلف كافيًا مجربًا، وحائطًا من وراء المال موفرًا، ومن وراء الحرم حاميًا، ولسلفه في الناس محببًا. وقال رجل لعبد الملك بن مروان، وقد ذكر ولد له: " أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى بنيك فيك ما أراك في أبيك! ".
ونظر شيخ وهو عند المهلب إلى بنيه قد أقبلوا فقال: " آنس الله بكم لاحقكم، فوالله إن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم أسباط ملحمة ".
وليست النعمة في الولد المحيي، والخلف الكافي، بصغيرة.
[ ٣ / ١٤٨ ]
فصل منه
وباب آخر: وهو أن الله تعالى خلق من المرأة ولدًا من غير ذكر، ولم يخلق من الرجل ولدًا من غير أنثى. فخص بالآية العجيبة والبرهان المنير المرأة دون الرجل، كما خلق المسيح في بطن مريم من غير ذكر.
فصل منه في ذكر القرابات
وأما أنا فإني أقول: إن تباغض الأقرباء عارض دخيل، وتحابهم واطد أصيل، والسلامة من ذلك أعم، والتناصر أظهر، والتصادق في المودة أكثر. فلذلك القبيلة تنزل معًا وترحل معًا، وتحارب من ناوأها معًا، إلا الشاذ النادر، كخروج غني وباهلة من غطفان، وكنزول عبس في بني عامر، وما أشبه ذلك. وإلا فإن القرابة يد واحدة على من ناوأهم، وسيف واحد على من عاداهم، وما صلاح شأن العشائر إلا بتقارب سادتهم في القدر، وإن تفاوتوا في الرياسة والفضل، كما قال في الأثر المستفيض: " لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا هلكوا ".
وحال العامة في ذلك كحال الخاصة.
فصل منه
وقضية واجبة: أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد، يجمع شملهم، ويكفيهم ويحميهم من عدوهم، ويمنع قويهم من ضعيفهم.
[ ٣ / ١٤٩ ]
وقليل له نظام، أقوى من كثير نشر لا نظام لهم، ولا رئيس عليهم. إذ قد علم الله أن صلاح عامة البهائم في أن يجعل لكل جنس منها فحلًا يوردها الماء ويصدرها، وتتبعه إلى الكلأ، كالعير في العانة، والفحل من الإبل في الهجمة، وكذلك النحل العسالة، والكراكي، وما يحمي الفرس الحصان الحجور في المروج، فجعل منها رءوسًا متبوعة، وأذنابًا تابعة.
ولو لم يقم الله للناس الوزعة من السلطان، والحماة من الملوك وأهل الحياطة عليهم من الأئمة لعادوا نشرًا لا نظام لهم، ومستكلبين لا زاجر لهم، ولكان من عز بز، ومن قدر قهر، ولما زال اليسر راكدًا، والهرج ظاهرًا، حتى يكون التغابن والبوار، وحتى تنطمس
[ ٣ / ١٥٠ ]
منهم الآثار؛ ولكانت الأنعام طعامًا للسباع، وكانت عاجزة عن حماية أنفسها، جاهلة بكثير من مصالح شأنها.
فوصل الله تعالى عجزها بقوة من أحوجه إلى الاستمتاع بها، ووصل جهلها بمعرفة من عرف كيف وجه الحيلة في صونها والدفاع عنها.
وكذلك فرض على الأئمة أن يحوطوا الدهماء بالحراسة لها، والذياد عنها، وبرد قويها عن ضعيفها، وجاهلها عن عالمها، وظالمها عن مظلومها، وسفيهها عن حليمها.
فلولا السائس ضاع المسوس، ولولا قوة الراعي لهلكت الرعية.
فصل منه
وانفراد السيد بالسيادة كانفراد الإمام بالإمامة. وبالسلامة من تنازع الرؤساء تجتمع الكلمة، وتكون الألفة، ويصلح شأن الجماعة. وإذا كانت الجماعة انتهت الأعداء، وانقطعت الأهواء.
فصل منه
ولسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل: إن النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين، أو بأكثر، ولكنارأينا ناسًا يزرون عليهن أشد الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسونهن أكثر حقوقهن.
[ ٣ / ١٥١ ]
وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلا بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من المحاسن.
ولولا أن ناسًا يفخرون بالجلد وقوة المنة، وانصراف النفس عن حب النساء، حتى جعلوا شدة حب الرجل لأمته، وزوجته وولده، دليلًا على الضعف، وبابًا من الخور، لما تكلفنا كثيرًا مما شرطناه في هذا الكتاب.
فصل منه
كما نحب أن يخرج هذا الكتاب تامًا، ويكون للأشكال الداخلة فيه جامعًا، وهو القول فيما للذكور والإناث في عامة أصناف الحيوان، وما أمكن من ذلك، حتى يحصل ما لكل جنس منها من الخصال المحمودة والمذمومة. ثم يجمع بين المحاسن منها والمساوىْ، حتى يستبين لقارىء الكتاب نقصان المفضول من رجحان الفاضل، بما جاء في ذلك من الكتاب الناطق، والخبر الصادق، والشاهد العدل، والمثل السائر. حتى يكون الكتاب عربيًا أعرابيًا، وسنيًا جماعيًا، وحتى يجتنب فيه العويص والطرق المتوعرة، والألفاظ المستنكرة، وتلزيق المتكلفين، وتلفيق أصحاب الهواء من المتكلمين، حتى نظرنا لمن لا يعلم مقادير ما استخزنها الله من المنافع، وغشاها من البرهانات، وألزمها من الدلالة عليه، وأنطقها به من الحجة له.
[ ٣ / ١٥٢ ]
فمنع من ذلك فرط الكبرة، وإفراط العلة، وضعف المنة، وانحلال القوة.
فلما وافق هذا الكتاب منا هذه الحال، وألفى قلوبنا على هذه الأشغال، اجتنبنا أن نقصد من جميع ذلك إلى فرق ما بين الرجل والمرأة.
فلما اعتزمنا على ما ابتدأنا به وجدناه قد اشتمل على أبواب يكثر عددها، وتبعد غايتها، فرأينا، والله الموفق، أن نقتصر منه على ما لا يبلغ بالمستمع إلى السآمة، وبالمألوف إلى مجاوزة القدر.
وليس ينبغي لكتب الآداب والرياضيات أن يحمل أصحابها على الجد الصرف، وعلى العقل المحض، وعلى الحق المر، وعلى المعاني الصعبة، التي تستكد النفوس، وتستفرغ المجهود.
وللصبر غاية، وللاحتمال نهاية.
ولا بأس بأن يكون الكتاب موشحًا ببعض الهزل. وعلى أن الكتاب إذا كثر هزله سخف، كما أنه إذا كثر جده ثقل.
ولا بد للكتاب من أن يكون فيه بعض ما ينشط القارىء، وينفي النعاس عن المستمع. فمن وجد في كتابنا هذا بعض ما ذكرنا، فليعلم أن قصدنا في ذلك إنما كان على جهة الاستدعاء لقلبه، والاستمالة لسمعه وبصره. والله تعالى نسأل التوفيق.
[ ٣ / ١٥٣ ]
فصل منه في ذكر العشق
ورجلان من الناس لا يعشقان عشق الأعراب: أحدهما الفقير المدقع، فإن قلبه يشغل عن التوغل فيه وبلوغ أقصاه.
والملك الضخم الشأن، لأن في الرياسة الكبرى، وفي جواز الأمر ونفاذ النهي، وفي ملك رقاب الأمم، ما يشغل شطر قوى العقل عن التوغل في الحب، والاحتراق في العشق.
فصل منه
كثيرًا ما يعتري العشاق والمحبين غير المحترقين، كالرجل تكون له جارية وقد حلت من قلبه محلًا، وتمكنت منه تمكنًا، ولا يجتث أصل ذلك الحب الغضبة تعرض، وكثرة التأذي بالخلاف يكون منها، فيجد الفترة عنها في بعض هذه الحالات التي تعرض، فيظن أنه قد سلا، أو يظن أنه في عزائه عنها على فقدها محتملًا، فيبيعها إن كانت أمة، أو يطلقها إن كانت زوجة، فلا ينشب ذلك الغضب أن يزول، وذلك الأذى أن ينسى، فتتحرك له الدفائن، ويثمر ذلك الغرس، فيتبعها قلبه، فإما أن يسترجع
[ ٣ / ١٥٤ ]
الأمة من مبتاعها، بأضعاف ثمنها، أو يسترجع الزوجة بعد أن نكحت. فإن تصبر وأمكنه الصبر لم يزل معذبًا، وإن أطاع هواه واحتمل المكروه فهذا هو العقابيل والنكس.
فليحذر الحازم الفترة في حب حبيبه، والغضبة التي تنسيه عواقب أمره.
فصل منه
قال ابراهيم بن السندي: حدثني عبد الملك بن صالح قال: بينا عيسى بن موسى قد خلا بنفسه، وهو قد كان استكثر من النساء حتى انقطع، إذ مرت به جارية كأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها جمارة، وكأنها قضيب فضة، فتحركت نفسه، وخاف أن تخذله قوته، ثم طمع في القوة لطول الترك، واجتماع الماء، فلما صرعها، وجلس منها ذلك المجلس خطر على باله لو عجز كيف يكون حاله؟ فلما فكر فتر، فأقبل كالمخاطب لنفسه فقال: إنك لتجلسيني هذا المجلس، وتحمليني على هذا المركب، ثم
[ ٣ / ١٥٥ ]
تخذليني هذا الخذلان وتغشيني مثل هذا الذل، ولولا حيرة الخجل لم أستعمل ما لا يقتل! وذلك أنه حين رأى أن أبلغ الحيل في توهيمها أن العجز لم يكن من قبله أن يقول لها: تعرضين لي وأنت تفلة، ثم لا ترخين باديك، ولا تستهدفين لسيدك، ولا تعينين على نفسك، حتى كأنك عند عبد يشبهك، أو سوقة لا يقدر إلا على مثلك. أما لو كنت من بنات ملوك العجم لألفاك سيدك على أجود صنعة، وعلى أحسن طاعة، إذ كل رجل ينبسط للتمتع مع التفل.
فصل منه
ولم أسمع ولم أقرأ في الأحاديث المولدة، في شأن العشاق، وما صنع العشق في القلوب والأكباد والأحشاء، والزفرات والحنين، وفي التدليه والتوليه، متى تستعر الدمعة، ومتى يورث العين الجمود.
[ ٣ / ١٥٦ ]
فصل منه
ونحن وإن رأينا أن فضل الرجل على المرأة، في جملة القول في الرجال والنساء، أكثر وأظهر، فليس ينبغي لنا أن نقصر في حقوق المرأة. وليس ينبغي لمن عظم حقوق الآباء أن يصغر حقوق الأمهات، وكذلك الإخوة والأخوات، والبنون والبنات. وأنا وإن كنت أرى أن حق هذا أعظم فإن هذه أرحم.
فصل من احتجاجه للإماء
قال بعض من احتج للعلة التي من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجال من أكثر المهيرات: أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمل منها كل شيء وعرفه، ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة. والحرة إنما يستشار في جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال وموافقتهن قليلًا ولا كثيرًا. والرجال بالنساء أبصر. وإنما تعرف المرأة من المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التي تقع بموافقة الرجال فإنها لا تعرف ذلك.
وقد تحسن المرأة أن تقول: كأن أنفها السيف، وكأن عينها عين غزال، وكأن عنقها إبريق فضة، وكأن ساقها جمارة، وكأن شعرها
[ ٣ / ١٥٧ ]
العناقيد، وكأن أطرافها المداري، وما أشبه ذلك.
وهناك أسباب أخر بها يكون الحب والبغض.
فصل منه
وقد علم الشاعر وعرف الواصف، أن الجارية الفائقة الحسن أحسن من الظبية، وأحسن من البقرة، وأحسن من كل شيء تشبه به، ولكنهم إذا أرادوا القول شبهوها بأحسن ما يجدون.
ويقول بعضهم: كأنها الشمس، وكأنها القمر! والشمس وإن كانت بهية فإنما هي شيء واحد، وفي وجه الجارية الحسناء وخلقها ضروب من الحسن الغريب والتركيب العجيب.
ومن يشك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة، وأن جيدها أحسن من جيد الظبية، والأمر فيما بينهما متفاوت، ولكنهم لو لم يفعلوا هذا وشبهه لم تظهر بلاغتهم وفطنتهم.
فصل منه
ورأيت أكثر الناس من البصراء بجواهر النساء، الذين هم جهابذة هذا الأمر، يقدمون المجدولة، والمجدولة من النساء تكون في منزلة بين السمينة والممشوقة.
ولا بد من جودة القد، وحسن الخرط، واعتدال المنكبين،
[ ٣ / ١٥٨ ]
واستواء الظهر، ولا بد أن تكون كاسية العظام، بين الممتلئة والقضيفة.
وإنما يريدون بقولهم: مجدولة، جودة العصب، وقلة الاسترخاء، وأن تكون سليمة من الزوائد والفضول.
وكذلك قالوا: خمصانة وسيفانة، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان، وكأنها قضيب خيزران.
والتثني في مشيها أحسن ما فيها، ولا يمكن ذلك الضخمة والسمينة، وذات الفضول والزوائد.
على أن النحافة في المجدولة أعم، وهي بهذا المعنى أعرف، تحبب على السمان الضخام، وعلى الممشوقات والقضاف، كما يحبب هذه الأصناف على المجدولات.
ووصفوا المجدولة بالكلام المنثور فقالوا: " أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب ".
[ ٣ / ١٥٩ ]
فصل من صدر رسالته إلى الفتح بن خاقان
في مناقب الترك وعامة جند الخلافة
[ ٣ / ١٦١ ]
وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره، ويحتمل ما فيه مما قد يصد عنه، ولا يكون حظه منه الوصف له، والمعرفة به، دون الحث عليه، والانقطاع إليه، وكشف القناع فيه، وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في أن لا يصل إلى غيرهم، والتثبت في تحقيقه لديهم؛ فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا عالمين دون أن يكونوا عاملين، وإنما علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط في وسط الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. فلذلك طلب الناس التبين.
[ ٣ / ١٦٣ ]
ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة احتملوا ثقل التعلم، وتعجلوا مكروه ثقل المعاناة.
ولقلة العاملين وكثرة الواصفين قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين.
وإنما كثرت الصفات وقلت الموصوفات لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه معجل.
وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، واحتجاجك لتدبير خليفتك، وإشفاقك من كل خلل يدخله وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل أمر خالف هواه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره. ومن تخوفك أن يجد المتأول إليه متطرقًا، والعدو عليه متعلقًا؛ فإن السلطان لا ينفك من متأول ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معزول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب برأيه، ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في مواضع الرقباء، وفي مواضع التصفح على الخلفاء والوزراء. لا يعذر وإن كان مجاز العذر ظاهرًا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملًا، ولا يصدق بأن الشاهد
[ ٣ / ١٦٤ ]
يرى ما لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من لم يعرف مستقبله.
ومن محروم قد أضعفه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان، ومن مستبطىء قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، وقلة شكره، يظن أن الذي بقي له أكثر، ولحقه أوجب.
ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمته السالفة عليه، لكان لذلك أهلًا، وله مستحقًا. قد غره الأمل، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ.
ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة نعاق في الهرج، قد أقصاه عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده، يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر ما سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممن يرب قديم مجد، ولا يحفل
[ ٣ / ١٦٥ ]
بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين.
وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله.
ثم اعلم بعد ذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه، ونعم العون أنت، إن شاء الله، على ملازمة الطاعة، والموازرة على الخير، والكفاية لأهل الحق.
وقد استدللت بالذي أرى من شدة عنايتك وفرط اكتراثك، وتفقدك لأجناس الأعداء، وبحثك عن مناقب الأولياء على أن ما ظهر من نصحك أمم في جنب ما بطن من إخلاصك. فأمتع
[ ٣ / ١٦٦ ]
الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد.
وذكرت أنك جالست أخلاطًا من جند الخلافة، وجماعات من أبناء الدعوة، وشيوخًا من جلة الشيعة، وكهولًا من أبناء رجال الدولة، المنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، ومحبة الدينونة دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلًا من عرض تلك الجماعة ارتجل الكلام ارتجال مستبد، وتفرد به تفرد معجب، وأنه تعسف المعاني وتهجم على الألفاظ فزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، وتركي، ومولىً، وعربي، وبنوي، وأنه أكثر حمد الله وشكره على إحسانه ومنته، وعلى جميع أياديه، وسبوغ نعمه، وعلى شمول عافيته، وجزيل مواهبه، حين ألف على الطاعة هذه
[ ٣ / ١٦٧ ]
القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة، وأنك اعترضت على هذا المتكلم المستبد، وعلى هذا القائل المتكلف الذي قسم هذه الأقسام، وخالف بين هذه الأركان، وفضل بين أنسابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع.
وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق، أو من شيء يقرب من الاتفاق، وأنك نفيت التباعد في النسب، والتباين في السبب.
وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيز واحد، وأن حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت، وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة، فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خراساني في الجملة، وإن تميزوا ببعض الخصائص، وافترقوا ببعض الوجوه.
وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كاختلاف ما بين الرومي والصقلبي، والزنجي والحبشي، فضلًا على ما هو أبعد جوهرًا، وأشد خلافًا، بل كاختلاف ما بين المدري والوبري، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين
[ ٣ / ١٦٨ ]
من نزل النجود، وبين من نزل الأغوار.
وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضًا في بعض الصورة، فقد نجد أن عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، وفصحاء الحجاز، خلاف لغة حمير وسكان مخاليف اليمن، وكذلك الصورة والصورة، والشمائل والشمائل، والأخلاق والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب، ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا كاختلاف ما بين
[ ٣ / ١٦٩ ]
قحطان وعدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك التربة من خصائص الغرائز، وما قسم لأهل كل جزيرة من الشكل والصورة، ومن الأخلاق واللغة.
فإن قلت: وكيف صار أولادهما جميعًا عربًا، مع اختلاف الأبوة؟ قلنا: إن الجزيرة لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، وفي الشمائل والهمة، وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكًا واحدًا، تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، حتى صار ذلك اشد تشابهًا في باب الأعم والأخص، وفي باب الوفاق والمباينة من بعض الأرحام، وجرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها. وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني اسحاق، وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبني قحطان.
ففي إجماع الفريقين على التناكح والتصاهر، ومنعهما ذلك جميع الأمم، ككسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة.
[ ٣ / ١٧٠ ]
وزعمت أنه أراد الفرقة والتحزيب، وأنك أردت الألفة والتقريب.
ثم زعمت أيضًا أن البنوي خراساني، وأن نسب الأبناء نسب آبائهم، وأن حسن صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء، وأن الموالي بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة قد نقلت الموالي إلى العرب في كثير من المعاني، لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل قوله: " مولى القوم منهم ". و" الولاء لحمة كلحمة النسب ".
ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب بهذا السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال.
على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر هاشم، وهاشم موضع العذار من خد الفرس، ومحل العقد
[ ٣ / ١٧١ ]
من لبة الكعاب. وهو الجوهر المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحة من البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن. وهم الأنف المقدم، والسنام الأكوم، والطينة البيضاء، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، والذهب الأحمر.
فقد شاركوا العرب في أنسابهم، وفضلوهم بهذا الفضل الخاص الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم.
فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون الموازنة والمكانفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة.
وذكرت أنه ذكر جملًا من مفاخر هذه الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، وأنه جمع ذلك وفصله، وأجمله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم صفحًا فلم يخبر عنهم، كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف. فذكر أن الخراساني يقول: نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف
[ ٣ / ١٧٢ ]
نجابة، وقبل المغالبة والمبادأة، وقبل كشف القناع وزوال التقية.
وبنا زال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبت ملك أوليائنا في نصابه، وبين ذلك ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضربًا وطلبا، وبضعنا بالسيوف الحداد، وعذبنا بألوان العذاب.
وبنا شفى الله تعالى الصدور، وأدرك الثأر، ومنا الاثني عشر النقباء، والسبعون النجباء. ونحن الخندقية وأبناء الخندقية، ونحن الكفية وأبناء الكفية، ومنا المستجيبة، ومن بهرج النيمية، ومنا نيم خزان، وأصحاب الجوربين، ومنا الزغندية، والآزاذمردية.
ونحن فتحنا البلاد، وقتلنا العدو بكل واد، ونحن أصل هذه الدولة، ومنبت هذه الشجرة، وأصحاب هذه الدعوة، ومن عندنا هبت هذه الريح
والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج، نصروا النبي ﷺ في أول الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان، غذانا بذلك آباؤنا، وغزونا به أبناءنا، وصار لنا نسبًا لا نعرف إلا به، ودينًا لا نوالي إلا عليه.
[ ٣ / ١٧٣ ]
ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك، نعرف بالشيعة، ودين بالطاعة، ونقتل فيها، ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف، ونحن أصحاب الرايات السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن الجبابرة، وينتزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا تقدم الخبر، وصح الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية، ويظهرون عليها، ويقتلون مقاتليها، ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: " شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب الرهبان ". فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان.
ونحن الذين ذكرنا، وذكر بلاءنا إمام الأئمة، وأبو الخلائف العشرة محمد بن علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلدان: "
[ ٣ / ١٧٤ ]
أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان، وصنائع عثمان، فليس بها من شيعتنا إلا القليل.
وأما الكوفة وسوادها فقد غلب عليها علي وشيعة علي، فليس بها من شيعتنا إلا القليل.
وأما الشام فشيعة بني مروان، وآل بني سفيان.
وأما الجزيرة فخارجة، وحرورية ومارقة.
ولكن عليكم بهذا الشرق فإن هناك صدورًا سليمة، وقلوبًا باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة ".
ثم قال: " وأنا أتفاءل إلى حيث ما تطلع ".
فكنا خير جند لخير إمام، وصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته.
وقال مرة أخرى: " إن أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل غير مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث ما تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر ".
دقالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية،
[ ٣ / ١٧٥ ]
والراشدية. ونحن أصحاب الخنادق، ونباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره.
ومنا قاتل مروان.
ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر غلاظ، وسواعد طوال.
ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوىً وضئولة، وأقل إتآمًا، وأنتق أرحامًا، وأشد عصبًا، وأتم عظامًا. وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ للعيون.
[ ٣ / ١٧٦ ]
ونحن أكثر مادة، وأكثر عددًا وعدة، ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النهر منا لظهروا عليهم بالعدد.
فأما الأيد وشدة الأسر فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين مثل أيدنا وأسرنا.
ولو أن خيول الآفاق، وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة لكنا أكثر في العيون، وأهول في الصدور.
ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنا لم نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان.
ولو أن أهل تبت، ورجال الزابج، ورجال وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح، والهرب في البلاد.
ونحن أصحاب اللحى، وأرباب النهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في الرأي، والبعد من الطيش.
[ ٣ / ١٧٧ ]
ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل محرم.
ونحن ناس لنا أمانة، وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة، والصبر على الخدمة، وعلى التجمير وبعد الشقة.
ولنا الطبول المهولة والبنود العظام.
ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازفكند، واللبود الطوال، والأغماد المعقفة والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، ولنا الكافركوبات، والطبرزينات في الأكف، والخناجر في الأوساط.
[ ٣ / ١٧٨ ]
ولنا تعليق السيوف وحسن الجلسة على ظهور الخيل، ولنا الأصوات التي تسقط الحبالى.
وليس في الأرض صناعة غريبة، من أدب وحكمة وحساب وهندسة، وارتفاع بناء وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء، وبذت فيها العلماء.
ولنا صنعة السلاح، عدة للحرب، وتثقيفًا ودربة للمجاولة والمشاولة، وللكر بعد الفر، مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغارًا، ومثل الطبطاب والصوالجة كبارًا. ثم رمى المجثمة والبرجاس والطائر الخاطف. فنحن أحق بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة.
قلت: وزعم أن العربي يقول: إن تكن القربة تستحق بالأنساب
[ ٣ / ١٧٩ ]
الثابتة، والأرحام الشابكة، وبالقدمة، وبطاعة الآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الباقي، وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر. وبالكلام المنثور، والقول المأثور، وبصفة مخرج الدولة، والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفًا لسوى العرب، ونحن نرتبطها بالشعر المقفي، ونقيدها بحفظ الأميين الذين لا يتكلون على الكتب المدونة، والخطوط المطرسة.
ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم مقنع، وكاهن سجاع.
ونحن أصحاب التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب.
ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا، وتقييدها أيضًا بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف
[ ٣ / ١٨٠ ]
من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره.
وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق. وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا فيه حادث. وهذا باب يتقدم التالد القديم الطارف الحديث.
وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم العرب، ومن صليبة هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد بن ابراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى
[ ٣ / ١٨١ ]
بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مشاجع المرئي. ومن كان يجري مجرى النقباء ولم يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المرئي.
وبعد، فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟ ومن فتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقية إلا محمد بن الأشعث؟ وقات: وقال: ويقول الموالي لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة. ونحن موضع الثقة عند الشدة، وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق؛ لأن شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره، وبوده أن خصال الكرم كلها اجتمعت فيه، لأن ذلك كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو بها أشرف وأنبل، ومولاك أسلم لك صدرًا، وأود ضميرًا، وأقل حسدًا.
[ ٣ / ١٨٢ ]
وبعد، فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي.
قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر، وللمولى في هذه المكرمة ما ليس لأحد، ونحن أخص مدخلًا، وألطف في الخدمة مسلكًا. ولنا مع الطاعة والخدمة، والإخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر.
وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ولا ذا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة، وبني الأعمام والإخوة.
ويتذاكرون إكرام رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جنة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها.
ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار.
[ ٣ / ١٨٣ ]
ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه كأبي أنسة وشقران، وفلان وفلان.
قالوا: ولنا صاحب الدولة: أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأبو سلمة حفص بن سليمان. وأبو مسلم مولى الإمام، وعليهما دارت رحى الدولة، وتم الأمر واتسق نظام الملك.
قالوا: ولنا من رءوس النقباء: أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن أعين مولى خزاعة، وأبو حمزة عمرو بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط.
فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة. ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم. ولا ينكره مؤمن. خدمناهم كبارًا، وحملناهم على عواتقنا صغارًا.
هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في تلك العراص التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في الملوك.
فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ثم تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سابقونا إليه.
[ ٣ / ١٨٤ ]
قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء، وهم بنا آنس، وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحن. ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه.
وقلت: وذكرت أن البنوي قال: نحن أصل خراساني، وهو مخرج الدولة، ومطلع الدعوة، ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم القديم، وشفي من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى.
وهذه بغداد وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الجولة، وفيها بقية رجال الدعوة، وأبناء أبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة وموضع المادة.
وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادًا فيه من جدي، وأحق بهذا الفضل من المولى والعربي.
ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف
[ ٣ / ١٨٥ ]
القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا، وانقطاع الصفائح، ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون.
ونحن حماة المستلحم، وأبناء المضايق، ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرمح، ويختال بين الصفين، ونحن أصحاب الفتك والإقدام.
ولنا بعد التسلق ونقب المدن، والتقحم على ظبات السيوف، وأطراف الرماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر تحت الجراح، وعلى جر السلاح، إذا طار قلب الأعرابي، وساء ظن الخراساني.
ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المسألة، واجتماع العقل، وصحة الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بجبل العقابين،
[ ٣ / ١٨٦ ]
والبعد من الإقرار، وقلة الخضوع للدهر، والخضوع عند جفوة الزوار، وجفاء الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق ورءوس القناطر.
ونحن الموت الأحمر عند أبواب النقب، ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على قتال السجون. فسل عن ذلك الخليدية والكتفية والبلالية، والحزبية، ونحن أصحاب المكابرات، وأرباب البيات، وقتل الناس جهارًا في الأسواق والطرقات.
ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، والمطارد القصار ما كنا فرسانًا. فإن صرنا كمنًا فالحتف القاضي، والسم الزعاف، وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل في الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة.
[ ٣ / ١٨٧ ]
ونحن أفتك وأخشب. ونحن أقطع للطريق، وأذكر في الثغور، مع حسن القدود، وجودة الخرط، ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة، وأصحاب الباطل والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية.
ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقة بها، وصائرة إلى مغناها، فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها، وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها.
ونحن تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، فأخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نتهم بغيرهم، ولم يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض عليهم. فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له.
إن ذهبنا - حفظك الله - بعقب هذه الاحتجاجات، وعند منقطع
[ ٣ / ١٨٨ ]
هذه الاستدلالات نستعمل المفاوضة بمناقب الأتراك، والمقارنة بين خصالهم وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم.
وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم إن كانت مختلفة، ولنزيد في الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم، لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب كم مقدار الخلاف في الحسب، لئلا يغير بعضهم مغير، ويفسده عدو بأباطيل مموهة، وشبهات مزورة، فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم قد يصور لمن دونه الباطل في صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم.
إلا أنا على كل حال، سنذكر جملًا من أحاديث رويناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وقصصًا تلقفناها من أفواه الحكماء وسمعناها.
وسنذكر ما حفظ لجميع الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب حسبًا،
[ ٣ / ١٨٩ ]
وأيقظ عينًا، وأزكى نفسًا، وأشد غورًا، وأعم خواطر، وأكثر نفعًا في الحروب وضرًا، وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراسًا، وألطف احتيالًا، حتى يكون الخيار في يد الناظر في هذا الكتاب، المتصفح لمعانيه، والمقلب لوجوهه، والمفكر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره. ولا نكون نحن انتحلنا شيئًا دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل لعلنا أن لا نخبر عن خاصة ما عندنا بحرف واحد.
فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعًا على هذه الصفة كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى.
وقد ظن ناس كثير أن أسماء أصناف الأجناد لما اختلف فيالصورة والخط والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على ما يتوهمون.
ألا ترى أن اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والخط والهجاء اسم الجندي فإن المعنى فيهما ليس ببعيد، لأنهم يرجعون إلى معنىً واحد، وعلم واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء وتأييد السلطان.
وإذا كان المولى منقولًا إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولًا
[ ٣ / ١٩٠ ]
منهم في عامة الأسباب لم يكن بأعجب من جعل الخال والدًا، والحليف من الصميم، وابن الأخت من القوم.
وقد جعل الله ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبًا إلى أمه، وقد جعل إسماعيل وهو ابن أعجميين عربيًا، لأن الله تعالى لما فتق لهاته بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، وفطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوء والتمرين، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، وركبه اختراعًا على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك الصيغة، ثم حماه من طبائعهم، ومنعه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأسناها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانًا على رسالته، ودليلًا على نبوته، وصار أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب.
وكما جعل إبراهيم أبًا لمن لم يلد، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة.
ولو أحاط علمنا بأن زيدًا لم يخلق من نجل عمرو إلا عهارًا لنفيناه عنه، وإن أيقنا أنه لم يخلق إلا من ماء صلبه.
وكما جعل النبي أزواجه أمهات المؤمنين، وهن لم يلدنهم
[ ٣ / ١٩١ ]
ولا أرضعنهم. وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " على قوله: " ملة أبيكم إبراهيم "، وجعل المرأة من جهة الرضاع أمًا، وجعل امرأة البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والدًا. وجعل العم في كتاب الله أبًا. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه.
وله أن يجعل من عباده من شاء عربيًا، ومن شاء أعجميًا، ومن شاء قرشيًا، ومن شاء زنجيًا. كما أن له أن يجعل من شاء ذكرًا ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أخرجه من ذلك فجعله لا ذكرًا ولا أنثى ولا خنثى.
وكذلك خلق الملائكة، وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. ولم يجعل لآدم أبًا ولا أمًا، وخلقه من طين ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم، وجعلها له زوجًا وسكنا.
وخلق عيسى من غير ذكر، ونسبه إلى أمه التي خلقه منها.
وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير
[ ٣ / ١٩٢ ]
نطفة، وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء. وخلق إسحاق من عاقر.
وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صبي، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل. وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس.
والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بكلام أهل الجنة، على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟ ! وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على حال القحطانية أشد.
فأما جواب العدناني فسلس النظام، سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله تعالى مثل هذه الأعجوبة.
وما الذي قسم الله بين الناس من ذلك إلا كما صنع الله في طينة
[ ٣ / ١٩٣ ]
الأرض، فجعل بعضها حجرًا، وبعض الحجر ياقوتًا، وبعضه ذهبًا، وبعضه نحاسًا، وبعضه رصاصًا، وبعضه صفرًا، وبعضه حديدًا، وبعضه ترابًا، وبعضه فخارًا. وكذلك الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيشا، والمغناطيس.
ومن يحصي عدد جواهر الأرض وأصناف الفلز؟ ! وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولىً والمولى عربي، فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي شيئًا واحدًا. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرًا لما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر، وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. فالأتراك خراسانية،
[ ٣ / ١٩٤ ]
وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار فضل الترك إلى الجميع راجعًا، وصار شرفهم زائدًا في شرفهم.
وإذا عرف سائر الأجناد ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب الاستثقال، فلم يبق إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة، وفي الصناعة، وفي المجاورة.
على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر أفشى وأعم من التخاذل والتعادي.
ولحب التناصر والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعض، ينزلون معًا، ويظعنون معًا. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر، ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل وتمنى انقطاعها وزوالها.
ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير.
وليس يكون أن تصفو الدنيا، وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع الخلاف، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.
[ ٣ / ١٩٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب كتبته أيام المعتصم بالله
﵁ ونضر وجهه
فلم يصل إليه لأسباب يطول ذكرها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها، وأحببت أن يكون كتابًا قصدًا، ومذهبًا عدلًا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين؛ فإن الكتاب إذا كان كذلك شابه الكذب وخالطه التزيد، وبني أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق.
وأنفع المدائح للمادح، وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرًا وأحسنها ذكرًا، أن يكون المديح صدقًا، ولظاهر حال الممدوح موافقًا، وبه لائقًا، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه.
وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذكر مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب أحزم.
[ ٣ / ١٩٦ ]
وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل لا يقوم إلا بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، وهو معصية وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع؛ وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع.
ولكل الناس نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب، وإنما يتفاضل بكثرة المحاسن وقلة المساوىء. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوىء، دقيقها وجليلها، ظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف فيهم.
فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس وأهل المعايش من دهماء الجماعة يرون ذلك واجبًا في الأخلاق، ومصلحة في المعاش، وتدبيرًا في التعامل، على ما فيهم من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر، والرئيس الأعظم مع الأعراق الكريمة، والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في العزم والحزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة لم يكن الله ليجلله لباس الخلافة، ويحبوه ببهاء الأمة، وبأعظم نعمة
[ ٣ / ١٩٧ ]
وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل، ولا حلم ذي حلم.
ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيما انتهى إلينا من القول في الأتراك.
زعم محمد بن الجهم وثمامة بن الأشرس والقاسم بن سيار في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعًا: بينا حميد بن عبد الحميد جالسًا ومعه إخشيد الصغدي، وأبو شجاع شبيب بن بخار خداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب، من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة بصناعة الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: يقول لكم مفترقين ومجتمعين: فليثبت كل
[ ٣ / ١٩٨ ]
رجل منكم دعواه وحجته، يقول لكم: أيما أحب إلى كل قائد منكم، إذا كان في مائة من نخبته وثقاته: أن يلقى بهم مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم جميعًا: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت، فلما فرغ القوم جميعًا من حججهم قال الرسول لحميد: قد قال القوم فقل واكتب قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأني وجدت الخصال التي فضل بها التركي جميع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر المقاتلة. وذلك بأن التركي بان من الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي من الخارجي أعظم خطرًا وأقل نفعًا مما شاركه الخارجي في بعضه.
ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس: صدق الشدة عند أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون بها ما أملوا.
والثانية: الصبر على الخبب، وعلى طول السرى حتى يصبحوا القوم الذين مرقوا بهم غارين، فيهجموا عليهم وهم بسوء
[ ٣ / ١٩٩ ]
ولحم على وضم، فيعجلوا بهم عن الروية؛ وعن رد النفس بعد الجولة والنزوة، لا يظنون أن أحدًا يقطع في ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد.
والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب أدرك، وإن طلب فات.
والرابعة: خفة الأزواد، وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل، وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعًا ولا مستغلات، ولا جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم، ولا مال معهم، فيرغب الجند في لقائهم، وإنما هم كالطير لا تدخر، ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والبزور ما يقوتها. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والطعم،
[ ٣ / ٢٠٠ ]
فإن يمتنع عليهم ففي بنات أعوج وبنات شحاج، وخفة الأثقال، والقوة على طول الخبب ما يأتيها بأرزاقها، وأكثر من أرزاقها.
والخامسة: أن الملوك إذا أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أزوادهم وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم، لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج. وإن كثفوا الجيش وضاعفوا العدد ثقلوا عن طلبهم، وعن الغوث إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرفهم، أو ليصيب الغرة أو ليثبتهم، فعل ذلك، ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف، وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم.
[ ٣ / ٢٠١ ]
قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي بها كره القواد لقاءهم.
قال القاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وحشتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر:
إذا ما البخيل والمحاذر للقرى رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف
هذه زيادة القاسم بن سيار.
فأما حميد فإنه قال:
فأما الشدة فالتركي فيها أحمد أثرا، وأجمع أمرًا، وأحكم شأنا؛ لأن التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم، ومنقسم الخواطر، قد عود برذونه أن لا ينثني وإن ثناه، أن يملأ فروجه، إلا أن يديره مرة أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه، وإنما أراد التركي أن يوئس نفسه من البدوات،
[ ٣ / ٢٠٢ ]
ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة، لأنه إذا علم أنه قد صير برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني، ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئًا بين الصفين فيه عطبه، لم يقدم على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصر بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم يدع جهدًا ولم يدخر حيلة، ولينفي عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرجوع.
وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان. والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقًا واحدًا صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النوع من الشد؟ ! والخوارج والأعراب، ليست لهم رماية مذكورة على ظهور الخيل، والتركي يرمي الوحش، والطير، والبرجاس، والناس، والمجثمة، والمثل الموضوعة، والطير الخاطف، ويرمي وقد ملأ فروج دابته
[ ٣ / ٢٠٣ ]
مدبرًا ومقبلًا، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهمًا واحدًا. ويركض دابته منحدرًا من سهل، أو متسفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض.
والتركي له أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه.
وللخارجي عيب في مستدبر الحرب، وللخراساني عيب في مستقبل الحرب.
فعيب الخراسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، فإن ركبوا أكساءهم كانت هزيمتهم، وكثيرًا ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في الشدة.
والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، وليس لهم بعد الفر كر إلا ما لا يعد.
والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم الناقع، والحتف القاضي، لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر، كما يصيب بسهمه وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاث قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك.
والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه، لنفسه، ولسلاحه، ولدابته، وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب ومواصلة السير، وعلى طول السرى وقطع البلاد فعجيب جدًا.
فواحدة: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي.
والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي أحذق من البيطار، وأجود تقويمًا لبرذونه على ما يريد من الراضة، وهو استنتجه، وهو رباه فلوًا، ويتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه، قد عوده ذلك حتى عرفه، كما يعرف الفرس: اجدم، والناقة: حلى، والجمل: جاه، والبغل: عدس، والحمار: سأسأ؛ وكما يعرف المجنون لقبه، والصبي اسمه.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
ولو حصلت مدة عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر الأرض نادرًا. والتركي يركب فحلًا أو رمكة، ويخرج غازيًا أو مسافرًا، أو متباعدًا في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاكها؛ إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها واحتاج إلى طعام فصد دابة من دوابه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة ركب أخرى، من غير أن ينزل إلى الأرض.
وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتقض عن اقتيات اللحم وحده غيره، وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس، ولا يكنها من برد.
قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان، والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. والتركي لا يبقى معه مع طول الغاية إلا الصميم من دوابه، والذي يقتله التركي بإتعابه له. وينفيه عند غزاته هو الذي لا يصبر
[ ٣ / ٢٠٦ ]
معه فرس الخارجي، ولايبقى معه كل برذون بخاري، ولو ساير خارجيًا لاستفرغ جهده قبل أن يبلغ الخارجي عفوه.
والتركي هو الراعي، وهو السائس، وهو الرائض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو الفارس. فالتركي الواحد أمة على حدة.
قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك فسار القوم عشرة أميال سار التركي عشرين ميلًا، لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويصعد في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية، في طلب الصيد، وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ووقع.
قال: والتركي لم يسر في العسكر سير الناس قط، ولا سار مستقيمًا قط.
قال: وإذا طالت الدلجة، واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء من شدة الحر، وجمد كل شيء من شدة البرد، وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالًا
[ ٣ / ٢٠٧ ]
أو علمًا استبشر به، وظن أنه قد بلغ المنزل، وإذا بلغه الفارس نزل وهو متفحج، كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال، وقد سار ضعف ما ساروا، وقد أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى بقرب المنزل عيرًا أو ظبيًا، أو عرض له ثعلب أو أرنب، كيف يركض ركض مبتدىء مستأنف، حتى كأن الذي سار ذلك السير، وتعب ذلك التعب غيره.
وإن بلغ الناس واديًا فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك السنن، وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه الوعل، وأنت تحسبه مخاطرًا بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ذلك مخاطرًا لما دامت له السلامة، مع تتابع ذلك منه.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب فات.
والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت، لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا يطمع فيه؟ ! فهذا دليل على أنا قد علمنا أن العلة التي عمت بالخوارج بالنجدة استواء حالاتهم في أشد الديانة، واعتقادهم بأن القتال دين؛ لأننا حين وجدنا السجستاني، والجزري، واليماني، والمغربي، والعماني، والأزرقي منهم والنجدي، والإباضي، والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، والعبيد والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب، وتباين البلدان علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم في ذلك، كما أن كل حجام في الأرض من أي جنس كان، ومن أهل أي بلد كان، فهو يحب النبيذ. وكما أن
[ ٣ / ٢٠٩ ]
أصحاب الخلقان، والسماكين، والنخاسين والحاكة، في كل بلد ومن كل جنس، شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حتى صاروا من بين جميع الناس كذلك.
قال: ورأيناه في بلاده ليس يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على ملك ولا على خراج، ولا على عصبية، ولا على غيرة دون الحرمة، ولا على حمية ولا على عداوة، ولا على وطن ولا على منع دار ولا مال، وإنما يقاتل على السلب والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرًا. وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم.
وهو الطالب غير المطلوب، ومن كان كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا يحتاج إلى مجهوده، ثم مع ذلك لا يقوم له شيء، ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك بمن هذه صفته، أن لو اضطره إحراج أو غيرة، أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامي من العلل والأسباب.
قال: وقناة الخارجي طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف.
والقنا الجوف القصار أشد طعنة، وأخف محملا. والعجم تجعل القنا الطوال للرجالة، وهي قنا الأبناء على أبواب الخنادق والمضايق.
[ ٣ / ٢١٠ ]
والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية، لأن الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق، وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان، وعلى أصحاب الخيل والفرسان يدور أمر الفروسية. لهم الفر والكر. والفارس هو الذي يطوي الجيش طي السجل، ويفرقهم فرق الشعر. وليس يكون الكمين ولا الطليعة ولا الساقة إلا الكبار منهم. وهم أصحاب الأيام المذكورة، والحروب الكبار، والفتوح العظام.
فصل منها
والشح على الوطن، والحنين إليه، والصبابة به، مذكور في القرآن، مخطوط في الصحف بين جميع الناس، غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنينًا، وأكثر نزوعًا.
وباب آخر مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل ثني العزم والعادة المنقوضة: وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر والجثوم،
[ ٣ / ٢١١ ]
وطول البث والمكث، وقلة التصرف والتحرك. وأصل بنيتهم إنما وضع على الحركة، وليس للسكون فيهم نصيب، وفي قوى أرواحهم فضل على قوى أبدانهم، لأنهم أصحاب توقد وحرارة، واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم. وكانوا يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلدة، والراحة عقلة والقناعة من قصر الهمة، وأن ترك الغزو يورث الذلة.
وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: " حب الهوينى يكسب النصب ".
والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ".
وقال أكثم بن صيفي: " ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا "، قيل: ولم؟ قال: " أخاف عادة العجز ".
فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع، والحنين إلى الوطن.
ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود، ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، وإغفالهم موضع الرد عليهم، والانتفاع
[ ٣ / ٢١٢ ]
بهم، ولأنهم حين جعلوهم أسوة أجنادهم لم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة، ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم، وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لم يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم. فلما صادفوا ملكًا حكيمًا، وبأقدار الناس عليمًا، لا يميل إلى سوء عادة، ولا يجنح إلى هوىً، ولا يتعصب لبلد على بلد، يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحزم حيثما أقام أقاموا إقامة من منح الحظ، ودان بالحق، ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف.
ثم اعلم بعد ذلك كله أن كل أمة وقرن وجيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب أو في تأسيس الملك، أو في البصر في الحرب. فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك
[ ٣ / ٢١٣ ]
الأمور، وتصلح لتلك المعاني، لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، متشعب النفس، غير موفر على ذلك الشيء، ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئًا بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، والساسان في الملك، والأتراك في الحروب.
ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجارًا ولا صناعًا بأكفهم، ولا أصحاب زرع وفلاحة، وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وكد. وكانت الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جمامًا للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورًا يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع، كالقرسطونات، والقبانات،
[ ٣ / ٢١٤ ]
والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكسيران، والبركار، وكأصناف المزامير والمعازف، والطب والحساب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب، وكالمجانيق، والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلاة النفاطين، وغير ذلك مما يطول ذكره.
وكانوا أصحاب حكمة، ولم يكونوا فعلة. يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، يرغبون في التعليم، ويرغبون عن العمل.
فأما سكان الصين فإنهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنجر والتصاوير،
[ ٣ / ٢١٥ ]
والنسج والخط، ورفق الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه.
فاليونانيون يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فعلة.
وكذلك العرب لم يكونوا تجارًا ولا صناعًا، ولا أطباء ولا حسابًا ولا أصحاب فلاحة، فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم، وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلًا قط فيميت قلوبهم، ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف، وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا اللثق، ولا البخار ولا الغلظ،
[ ٣ / ٢١٦ ]
ولا العفن، ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة. فحين حملوا حدهم، ووجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر، ولأيامهم أذكر.
وكذلك الترك، أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش. وهم أعراب العجم، كما أن هذيلًا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغارة والغزو والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، وتدويخ البلاد. وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب المسخرة، ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم في الحرب وفخرهم، وحديثهم وسمرهم.
فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة،
[ ٣ / ٢١٧ ]
وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكالساسان في الملك والسياسة.
ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستفرغوه، وبلغوا أقصى غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه ولا يحسنه، ولا يدعيه ولا يتكلفه؛ لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه ويصفيه ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله، والذي يمده ويمطله غير الذي يطبعه ويسوي متنه، ويقيم خشيبته، والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي يسقيه ويرهفه، غير الذي يركب قبيعته، ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير السيلان، وشاربي القبيعة ونعل السيف غير الذي ينحت خشب غمده. والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ويركب نصله غير الذي يخرز حمائله.
[ ٣ / ٢١٨ ]
وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح، وجميع السلاح مما هو جارح أو جنة.
والتركي يعمل هذا كله بنفسه، من ابتدائه إلى غايته، ولا يستعين برفيق، ولا يفزع إلى رأي صديق، ولا يختلف إلى صائغ، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه.
وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني حكيمًا، ولا كل صيني حاذقًا، ولا كل أعرابي شاعرًا فائقًا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وفيهم أظهر وأكثر.
قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع الأمم، وفي العلل التي من أجلها نظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة، فمنها ما يقضى لأهله بالكرم، وببعد الهمة، وطلب الغاية. ومنها ما يدل على الأدب السديد، والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة، والبصيرة النافذة.
ألا ترى أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ومن الثقافة وقلة الغفلة، وكثرة التجربة؟ ولا بد من الصبر بالخيل والسلاح، والخبرة بالرجال والبلاد،
[ ٣ / ٢١٩ ]
والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح الأمور كلها.
والملك يحتاج إلى أواخ شداد، وأسباب متان، ومن أمتنها سببًا، وأعمها نفعًا، ما ثبته في نصابه، وسكنه في قراره، وزاده في تمكينه وبهائه، وقطع أسباب المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه، فضلًا عن البسط عليه.
قد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا، وبلغه علمنا، فإن وقع بالموافقة فبتوفيق من الله تعالى وصنعه، عز ذكره. وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا، وأسماعنا. فأما حسن النية، والذي نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة العجز وضعف القوة فرق.
ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابنا كبيرًا، كثير الورق عظيمًا. ولكن القليل الذي يجمع، خير من الكثير الذي يفرق.
ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
فصل من صدر كتابه في حجج النبوة
[ ٣ / ٢٢١ ]
الحمد لله الذي عرفنا نفسه، وعلمنا دينه، وجعلنا من الدعاة إليه، والمحتجين له. فنحن نسأله تمام النعمة، والعون على أداء شكره، وأن يوفقنا للحق برحمته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والمرغوب إليه فيه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
ثم إنا قائلون في الأخبار، ومخبرون عن الآثار، ومفرقون بين أسباب الشبهة، وأسباب الحجة، ثم مفرقون بين الحجة التي تلزم الخاصة دون العامة، ومخبرون عن الضرب الذي يكون الخاصة فيه حجة على العامة، وعن الموضع الذي يكون القليل فيه أحق بالحجة من الكثير، ولم شاع الخبر وأصله ضعيف؟ ولم خفي وأصله قوي؟ وما الذي يؤمن من فساده وتبديله مع تقادم عصره، وكثرة الطاعنين فيه، وعن الحاجة إلى رواية الآثار، وإلى سماع الأخبار، وعن أخلاق الناس وآبائهم، ومذاهب أسلافهم، وعن سير الملوك قبلهم، وما صنعت الأيام بهم، وعن شرائع أنبيائهم، وأعلام رسلهم، وعن أدب حكمائهم، وأقاويل أئمتهم وفقهائهم، وعن حالات من غاب عن أبصارهم في دهرهم، ولم كان الإخبار على الناس أخف من الكتمان؟ ولم
[ ٣ / ٢٢٣ ]
كان الصمت أثقل عليهم من الكلام؟ وما الضرب الذي يقدرون على كتمانه وطيه، والضرب الذي لا يقدرون إلا على إذاعته ونشره؟ ولم اجتمعت الأمم على الصدق في أمور، واختلفت في غيرها؟ ولم حفظت أمورًا ونسيت سواها؟ ولم كان الصدق أكثر من الكذب؟ ولم كان الصمت أثقل والقول أفضل؟ والعجب من ترك الفقهاء تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف الناس النبي من المتنبي، والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، والفريضة من النافلة، والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من الاستفاضة، والرد من المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة من المصلحة.
فإذا نزلت الأخبار منازلها وقسمتها، ذكرت حجج رسول الله ﷺ، ودلائله وشرائعه وسننه، ثم جنست الآثار على أقدارها، ورتبتها في مراتبها، وقربت ذلك واختصرته، وأوضحت عنه وبينته، حتى يستوي في معرفتها من قل سماعه وساء حفظه، ومن كثر سماعه وجاد حفظه، بالوجوه الجليلة، والأدلة الاضطرارية.
ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول ﵇، وتفصيلها والقول فيها، لنقض مسها، أولوهن كان في أصلها من ناقليها
[ ٣ / ٢٢٤ ]
والمخبرين عنها، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها، ونقض قواها. ولكن لأمور سأذكرها وأحتج.
وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية، وتنقص عن التمام، والله تعالى المتوكل بها، ومسخر أصناف البرية ومهيج النفوس على إبلاغها، وقد أخبر بذلك عن نفسه في محكم كتابه عز ذكره، حين قال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ". وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة على من ضاره وخالف عليه.
وقال عز ذكره: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ".
وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود، ولم يكن ليأمر الأقصى إلا كما يأمر الأدنى ويأمر الغائب على الحاضر، قال الله تعالى لنبيه ﵇: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ".
فأقول: إن كل مطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر،
[ ٣ / ٢٢٥ ]
وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في أصله وفرعه منه. ولا بد من التصادق في أصله، والتعارف في فرعه. فالعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن بالعقل، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر.
والعقل نوع واحد، والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على غائب، والآخر مجيء خبر يدل على صدق.
ثم رجع الكلام إلى الإخبار عن دلائل النبي ﷺ وأعلامه، والاحتجاج لشواهده وبرهانه، فأقول: إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف بعد أن كان متفرقًا في الصدور، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد، بعد أن كان غيرها مطلقًا غير محظور، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا جمعوا علامات النبي ﷺ، وبرهانه، ودلائله وآياته وصنوف بدائعه، وأنواع عجائبه في مقامه وظعنه، وعند دعائه واحتجاجه في الجمع العظيم، وبحضرة العدد الكثير
[ ٣ / ٢٢٦ ]
الذي لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل، والعدو المائل، لما استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها، لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ولا متطرف ماجن، ولا ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور؛ ولكان مشهورًا في عوامنا كشهرته في خواصنا، ولكان استبصار جميع أعياننا في حقهم كاستبصارهم في باطل نصاراهم ومجوسهم، ولما وجد الملحد موضع طمع في غني يستميله، وفي حدث يموه له.
ولولا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا، الذين نطقوا بألسنتنا، واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر، وإظهار البارز، والاحتجاج الواضح.
إلا أن الذي دعا سلفنا إلى ذلك، الاتكال على ظهورها واستفاضة أمرها.
وإذ كان ذلك كذلك فلم يؤت من أتي من جهالنا وأحداثنا، وسفهائنا وخلعائنا إلا من قبل ضعف العناية، وقلة المبالاة، ومن قبل الحداثة والغرارة، ومن قبل أنهم حملوا على عقولهم من دقيق الكلام قبل العلم بجليله ما لم تبلغه قواهم، وتتسع له صدورهم، وتحمله أقدارهم، فذهبوا عن الحق يمينًا وشمالًا، لأن من لم يلزم الجادة تخبط، ومن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سقط، ومن خرق بنفسه
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وكلفها فوق طاقتها، ولم ينل ما لا يقدر عليه تفلت منه ما كان يقدر عليه.
فإذا كانوا كذلك فإنما أتوا من قبل أنفسهم، ولم يؤتوا من سلفهم، أو لأن الله ﵎ صرف أسلافنا بنسيان أو غيره ليمتحن بذلك غيرهم في آخر الزمان، وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه، والاحتجاج لنبيه ﷺ، وليجري هذا الخير على أيديهم، كما أجرى أكثر منه على أيدي أسلافهم، لئلا يبخس أحد خليقته من العلماء والفقهاء، ولأن يجعل فضله مقسمًا بين جميع الأولياء، وإن كان الأول أحق بالتقديم، والآخر أحق بالتأخير، للذي قدموا من الاحتمال، وأعطوا من المجهود، ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق بالقوة من الفرع. وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا لنا، وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دوننا المرار، ومنحونا روح الكفاية. ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه ﷺ، ولأن القرآن نطق بفضيلتهم؛ والله تعالى أعلم بمن بعدهم، والذي جمع أسلافنا الذين جمعوا الناس على قراءة زيد، دون أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، والذين رأوا من قول عبد الله في المعوذتين، وقول أبي في سورتي الحفد والخلع.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
ومن تعلق الناس بالاختلاف، فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف الشاذ، ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا أن تحصينه لا يتم إلا بحمل الناس على المقروء عندهم، المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك لم ينقطع الطمع، ولم ينزجر الطير، لأن رجلًا من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين.
ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان.
ورأوا بفهمهم وبتوفيق الله تعالى لهم أن يحصنوه مما يشكل، ويمكن أن يفتعل مثله من الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين،
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وقد كانوا عرفوا الابتداع الكثير على البلغاء والشعراء، وخافوا إن هم لم يتقدموا في ذلك أن يتطرفوا عليه، كما تطرفوا على الرواية، لأنهم حين رأوا كثرة الرواية في غير ذوي السابقة، ورأوا كثرة اختلافها، والغرائب التي لا يعرفونها، لم يكن لهم إلا تحصين الشيء الذي عليه مدار الأمر، وإن كانوا يعلمون أن الله بالغ أمره.
فعلى الأئمة أن تحوط هذه الأمة، كما حاط السلف أولها، وأن يعملوا بظاهر الحيطة، إذ كان على الناس الاجتهاد، وليس عليهم علم الغيوب. وإنما ذلك كنحو رجل أبصر نبيًا يحيي الموتى فعرف صدقه، فلما انصرف سأله عنه بعض من لم ير ذلك ولا صح عنده، فعليه أن لا يكتمه، وإن كان يعلم أن الله تعالى سيعلمه ذلك من قبل غيره، وأنه عز ذكره سيسمعه صحته على حبه وكرهه.
ورأوا أن قراءة زيد أحق بذلك، إذ كانت آخر العرض، ولأن الجمع الذين سمعوا آخر العرض أكثر ممن سمع أوله، فحملوا الناس على قراءة زيد، دون أبي وعبد الله، وإن كان الكل حقًا، إذ كان رب حق في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، وأجدر أن يميت الخلاف، ويحسم الطمع. فتركوا حقًا إلى حق العمل به أحق.
ولو أن فقيهًا رأى إطباق العلماء على صوم يوم عرفة، واستنكارهم الإفطار فيه، فأفطر وأظهر ذلك ليعلمهم موضع الفريضة من النافلة،
[ ٣ / ٢٣٠ ]
أو خاف أن يلحق الفرض على تطاول الأيام ما ليس فيه كان مصيبًا، ولكان قد ترك حقًا إلى أحق منه.
وللحق درجات، وللخلاف درجات، وللحرام درجات. ألا ترى أن لولي المقتول أن يقتل ويصفح، وأنه إن قتل قتل بحق، وإن صفح صفح بحق، والصفح أفضل من القتل.
ولو أن رجلًا أخرج ساكنًا بيتًا له، أو اقتضى دينًا له ساعة محله، أو طلق زوجته وما دخل بها لكان ذلك له، ولحق فعل. وغير ذلك الحق أولى به.
وكيف لا يكون أولى به وهو أحسن، والثواب فيه أعظم، وإلى سلامة الصدور أقرب.
وقد يكون الأمران حسنين، وأحدهما أحسن. وقد يكون الأمران قبيحين، وأحدهما أقبح.
وبعد، فعلى الناس طاعة الأئمة في كل ما أمروا به، إلا فيما تبين أنه معصية. فأما غير ذلك فإنه واجب مفروض، ولازم غير مرفوع.
وعلموا أيضًا أنهم لا يبقون إلى آخر الزمان، وأن من يجيء بعدهم لا يقوم مقامهم، ولا يفصل الأمور تفصيلهم. ولو عرفوا كمعرفتهم، وأرادوا ذلك كإرادتهم، لما أطيعوا كطاعتهم.
وعلموا أن الأكاذيب والبدع ستكثر، وأن الفتن ستفتح، وأن
[ ٣ / ٢٣١ ]
الفساد سيفشو، فكرهوا أن يجعلوا للمتطرفين علة، ولأهل الزيغ حجة.
بل لا شك أنهم لو تركوا الناس عامة يقرءون على حرف فلان وكل ما أجاز فيه فلان عن فلان، لألحق قوم في آخر الزمان بهم ما ليس منهم، ولا يجري مجراهم، ولا يجوز مجازهم.
فصل منه في الاحتجاج للجمع على قراءة زيد
ولو كان زيد من آل أبي العاص، أو من عرض بني أمية، لوجد ابن مسعود متعلقًا.
ولو كان بدا زيد عبد الرحمن بن عوف لوجد إلى القول سبيلًا.
ولو كان ابن مسعود رجلًا من بني هاشم لوجد للطعن موضعًا.
ولو كان عثمان رضي الله تعالى عنه استبد بذلك الرأي على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وسعد وطلحة والزبير ﵏، وجميع المهاجرين والأنصار، لوجد للتهمة مساغًا.
فأما والأمر كما وصفنا ونزلنا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة الحق، وعجل على صاحبه. ولكل بني آدم من الخطأ نصيب، والله عز ذكره يغفر له ويرحمه.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
والذي يخطىء عثمان في ذلك فقد خطأ عليًا وعبد الرحمن وسعدًا، والزبير وطلحة، وعلية الصحابة.
ولو لم يكن ذلك رأي علي لغيره، ولو لم يمكنه التغيير لقال فيه، ولو لم يمكنه في زمن عثمان لأمكنه في زمن نفسه، وكان لا أقل من إظهار الحجة إن لم يملك تحويل الأمة، وكان لا أقل من التجربة إن لم يكن من النجح على ثقة، بل لم يكن لعثمان في ذلك ما لم يكن لجميع الصحابة، وأهل القدم والقدوة. ومع أن الوجه فيما صنعوا واضح، بل لا نجد لما صنعوا وجهًا غير الإصابة والاحتياط، والإشفاق والنظر للعواقب، وحسم طعن الطاعن.
ولو لم يكن ما صنعوا لله تعالى فيه رضًا لما اجتمع عليه أول هذه أول الأمة وآخرها. وإن أمرًا اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة، والخوارج والمرجئة، لظاهر الصواب، واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم، وبغيتهم لكل ما ورد عليهم.
فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك وتنكره، وتطعن فيه، وترى تغييره.
قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير حجتنا، وفقهاؤه غير فقهائنا وإمامه غير إمامنا،
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ولا هو منا.
ولأي شيء حامت عن قراءة ابن مسعود، فوالله ما كان أحد أفرط في العمرية منه، ولا أشد على الشيعة منه، ولقد بلغ من حبه لعمر ﵁ أن قال: لقد خشيت الله تعالى في حبي لعمر. فلم يحامون عنه وهو كان شجاهم لو أدركهم.
فصل منه
فآمن الله رجلًا فارقهم ولزم الجماعة، فإن فيها الأنسة والحجة، وترك الفرقة فإن فيها الوحشة والشبهة. والحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين أئمتنا، كما جعلنا لا نفرق بين أنبيائنا.
فصل منه
والذي دعانا إلى تأليف حجج الرسول ونظمها، وجمع وجوهها وتدوينها أنها متى كانت مجموعة منظومة، نشط لحفظها وتفهمها من كان عسى أن لا ينشط لجمعها، ولا يقدر على نظمها، وجمع متفرقها، وعلى اللفظ المؤثر عنها، ومن كان عسى أن لا يعرف وجه مطلبها، والوقوع عليها.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
ولعل بعض الناس يعرف بعضها ويجهل بعضها.
ولعل بعضهم وإن كان قد عرفها بحقها وصدقها فلم يعرفها من أسهل طرقها، وأقرب وجوهها.
ولعل بعضهم أن يكون قد عرف فنسي، أو تهاون بها فعمي، بل لا نشك أنها إذا كانت مجموعة محبرة، مستقصاة مفصلة، أنها ستزيد في بصيرة العالم، وتجمع الكل لمن كان لا يعرف إلا البعض، وتذكر الناسي، وتكون عدة على الطاعن.
ولعل بعض من ألحد في دينه، وعمي عن رشده، وأخطأ موضع حظه أن يدعوه العجب بنفسه، والثقة بما عنده، إلى أن يلتمس قراءتها، ليتقدم في نقضها وإفسادها، فإذا قرأها فهمها، وإذا فهمها انتبه من رقدته، وأفاق من سكرته، لعز الحق، وذل الباطل، ولإشراف الحجة على الشبهة، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن نازع صاحبه وجاثاه، لأن الإنسان لا يباهي بنفسه،
[ ٣ / ٢٣٥ ]
والحق بعد قاهر له. ومع التلاقي يحدث التباهي، وفي المحافل يقل الخضوع، ويشتد النزوع.
ثم رجع الكلام إلى حاجة الناس إلى استماع الأخبار، والتفقه في تصحيح الآثار، فأقول: إن الناس لو استغنوا عن التكرير، وكفوا مئونة البحث والتنقير لقل اعتبارهم. ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه قل فضله، ومن قل فضله كثر نقصه، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه، ولم يذم على شر جناه، ولم يجد طعم العز، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين، ولا راحة الأمن.
وكيف يشكر من لا يقصد، وكيف يلام من لا يتعمد، وكيف يقصد من لا يعلم. وما عسى أن يبلغ قدر سروره من لا يحسن من السرور إلا ما سر به حواسه ومسه جلده.
وكيف يأتي أربح الأفعال، وأبعد الشرين من ركب في شراسة السباع وغباوة البهائم، ثم لم يعط الآلة التي بها يستطيع التفرقة بين ما عليه وله، والعلم بمصالحه ومفاسده، فيقوى بها على عصيان طبائعه، ومخالفة شهواته، وبها يعرف عواقب الأمور، وما تأتي به
[ ٣ / ٢٣٦ ]
الدهور، وفضل لذة القلب على لذة البدن.
وإن سرور الجاهل لا يحسن في جنب سرور العالم، وإن لذة البهائم لا تعشر لذة الحكيم العالم.
وأي سرور كسرور العز والرياسة، واتساع المعرفة، وكثرة صواب الرأي، والنجح الذي لا سبب له إلا حسن النظر والتقدم في التدبير، ثم العلم بالله وحده، وأنك بعرض ولايته والجاه عنده، وأنه الذي يرعاك ويكفيك، وأنك إذا علمت اليسير أعطاك الكثير، ومتى تركت له الفاني أعطاك الباقي، ومتى أدبرت عنه دعاك، ومتى رجعت إليه اجتباك، ويحمدك على حقك، ويعطيك على نظرك، لنفسك ولا يفنيك إلا ليبقيك، ولا يميتك إلا ليحييك، ولا يمنعك إلا ليعطيك. وأنه المبتدىء بالنعمة قبل السؤال، والناظر لك في كل حال.
وهذا كله لا ينال إلا بغريزة العقل. على أن الغريزة لا تنال ذلك بنفسها، بما باشرته حواسها، دون النظر والتفكر، والبحث والتصفح.
ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على
[ ٣ / ٢٣٧ ]
الفكرة، وعلى طلب الحيلة. ولذلك وضع الله تعالى في الإنسان طبيعة الغضب، وطبيعة الرضا، وطبيعة البخل والسخاء، والجزع والصبر، والرياء والإخلاص، والكبر والتواضع، والسخط والقناعة، فجعلها عروقًا. ولن تفي قوة غريزة العقل بجميع قوى طبائعه وشهواته، حتى يقيم ما اعوج منها، ويسكن ما تحرك، دون النظر الطويل الذي يشدها، والبحث الشديد الذي يشحذها، والتجارب التي تحنكها، والفوائد التي تزيد فيها. ولن يكثر النظر حتى تكثر الخواطر، ولن تكثر الخواطر حتى تكثر الحوائج، ولن تبعد الرؤية إلا لبعد الغاية وشدة الحاجة.
ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم، ولم يهاجوا بالحاجة على طلب مصلحتهم والتفكر في معاشهم، وعواقب أمورهم، وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي تولد مباشرة حواسهم، دون أن يسمعهم الله تعالى خواطر الأولين، وأدب السلف المتقدمين، وكتب رب العالمين، لما أدركوا من العلم إلا اليسير، ولما ميزوا من الأمور إلا القليل.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
ولولا أن الله تعالى أراد تشريف العالم وتربيته، وتسويد العاقل ورفع قدره، وأن يجعله حكيمًا، وبالعواقب عليمًا، لما سخر له كل شيء، ولم يسخره لشيء، ولما طبعه الطبع الذي يجيء منه أريب حكيم، وعالم حليم.
كما أنه عز ذكره لو أراد أن يكون الطفل عاقلًا، والمجنون عالمًا، لطبعهم طبع العاقل، ولسواهم تسوية العالم، كما أراد أن يكون السبع وثابًا، والحديد قاطعًا، والسم قاتلًا، والغذاء مقيمًا؛ فكذلك أراد أن يكون المطبوع على المعرفة عالمًا، والمهيأ للحكمة حكيمًا، وذو الدليل مستدلًا، وذو النعمة مستنفعًا بها.
فلما علم الله ﵎ أن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم، ولا يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، دون أن يرد عليهم آداب المرسلين، وكتب الأولين، والأخبار عن القرون، والجبابرة الماضين طبع كل قرن من الناس على أخبار من يليه، ووضع القرن الثاني دليلًا يعلم به صدق خبر الأول؛ لأن كثرة السماع للأخبار العجيبة، والمعاني الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن الأمور.
وأكثر الناس سماعًا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرًا، وأكثرهم تفكرًا أكثرهم علمًا، وأكثرهم علمًا أرجحهم عملًا. كما أن أكثر البصراء رؤية للأعاجيب أكثرهم تجارب، ولذلك
[ ٣ / ٢٣٩ ]
صار البصير أكثر خواطر من الأعمى، وصار السميع البصير أكثر خواطر من البصير.
وعلى قدر شدة الحاجة تكون الحركة، وعلى قدر ضعف الحاجة يكون السكون، كما أن الراجي والخائف دائبان، والآيس والآمن وادعان.
وإذا كان الله تعالى لم يخلق عباده في طبع عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، وآدم أبي البشر، صلوات الله عليهم أجمعين، وخلقهم منقوصين، وعن درك مصالحهم عاجزين، وأراد منهم العبادة، وكلفهم الطاقة، وترك العنان للأمل البعيد، وأرسل إليهم رسله، وبعث فيهم أنبياءه، وقال: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، ولم يشهد أكثر عباده حجج رسله ﵈، ولا أحضرهم عجائب أنبيائه، ولا أسمعهم احتجاجهم، ولا أراهم تدبيرهم لم يكن بد من أن يطلع المعاينين على أخبار الغائبين، وأن يسخر أسماع الغائبين لأخبار المعاندين، وأن يخالف بين طبائع
[ ٣ / ٢٤٠ ]
المخبرين، وعلل الناقلين، ليدل السامعين، ومن يجيب من الناس.
على أن العدد الكثير المختلفي العلل، المتضادي الأسباب، المتفاوتي الهمم، لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد، وكما لا يتفقون على الخبر الواحد على غير التلاقي والتراسل إلا وهو حق. فكذلك لا يمكن مثلهم في مثل عللهم التلاقي عليه، والتراسل فيه.
ولو كان تلاقيهم ممكنًا، وتراسلهم جائزًا لظهر ذلك وفشا، واستفاض وبدا.
ولو كان ذلك أيضًا ممكنًا، وكان قولًا متوهمًا لبطلت الحجة، ولنقضت العادة، ولفسدت العبرة، ولعادت النفس بعلة الأخبار جاهلة، ولكان للناس على الله أكبر الحجة. وقد قال الله جل وعز: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "، إذ كلفهم طاعة رسله، وتصديق أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان بجنته وناره، ولم يضع لهم دليلًا على صدق الأخبار، وامتناع الغلط في الآثار، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
[ ٣ / ٢٤١ ]
واعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم، ولم يحب أن يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم؛ لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب المختلفة، وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة، لجاز أن يختاروا بأجمعهم التجارة والصناعة، ولجاز أن يطلبوا بأجمعهم الملك والسياسة. وفي هذا ذهاب العيش، وبطلان المصلحة، والبوار والتواء.
ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب، مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة أجمعين، والبيطرة، والقصابة، والدباغة. ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ما هم فيه، ومسهل ذلك عليهم. فالحائك إذا رأى تقصيرًا من صاحبه أو سوء حذق أو خرقا قال له: يا حجام! والحجام إذا رأى تقصيرًا من صاحبه قال له: يا حائك! ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة، والبيطرة والقصابة.
ولولا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سببًا للاتفاق والائتلاف، لما جعل واحدًا قصيرًا والآخر طويلًا، وواحدًا حسنًا وآخر قبيحًا، وواحدًا غنيًا وآخر فقيرًا، وواحدًا عاقلًا وآخر مجنونًا، وواحدًا ذكيًا وآخر غبيًا. ولكن خالف بينهم ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون، وبالطاعة يسعدون. ففرق بينهم ليجمعهم، وأحب أن يجمعهم على
[ ٣ / ٢٤٢ ]
الطاعة ليجمعهم على المثوبة. فسبحانه وتعالى، ما أحسن ما أبلى وأولى، وأحكم ما صنع، وأتقن ما دبر! لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة لبقينا عراة. ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء. ولو رغبوا عن الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطل أصل المعاش. فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من غير دعاء.
ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها، ومن البلاد إلا أعدلها، ومن الأمصار إلا أوسطها. ولو كانوا كذلك لتناجزوا على طلب الأواسط، وتشاجروا على البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم صلح. فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة.
وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل إلى الجبال، وساكني الجبال إلى البحار، وساكني الوبر إلى المدر، لأذاب قلوبهم الهم، ولأتى عليهم فرط النزاع.
وقد قيل: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ".
وقال عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى: " ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم ".
وقال معاوية في قوم من اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من
[ ٣ / ٢٤٣ ]
الشام منزلًا خصبًا، وفرض لهم في شرف العطاء: " يصلون أوطانهم بقطيعة أنفسهم ".
وقال الله جل وعز: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ". فقرن الضن بالأوطان إلى الضن بمهج النفوس.
وليس على ظهرها إنسان إلا وهو معجب بعقله، لا يسره أن له بجميع ما له ما لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمدًا، ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى أنه حاسد في شيء فهو يرى أنه محسود في شيء.
ولولا اختلاف الأسباب لتنازعوا بلدة واحدة، واسمًا واحدًا، وكنية واحدة. فقد صاروا كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة إلى الأسماء القبيحة، والألقاب السمجة. والأسماء مبذولة، والصناعات مباحة، والمتاجر مطلقة، ووجوه الطرق مخلاة، ولكنها مطلقة في الظاهر، مقسمة في الباطن، وإن كانوا لا يشعرون بالذي دبر الحكيم من ذلك، ولا بالمصلحة فيه.
فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمي ابنه محمدًا، وحبب إلى آخر أن يسميه شيطانًا، وحبب إلى آخر أن يسميه عبد الله، وحبب
[ ٣ / ٢٤٤ ]
إلى آخر أن يسميه حمارًا، لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم في اختيار الأسماء والكنى، جاز أن يجتمعوا على شيء واحد، وكان في ذلك بطلان العلامات، وفساد المعاملات.
وأنت إذا رأيت ألوانهم وشمائلهم واختلاف صورهم، وسمعت لغاتهم ونغمهم علمت أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة، على حسب أمورهم الظاهرة.
وبعض الناس وإن كان مسخرًا للحياكة فليس بمسخر للفسق والخيانة، وللإحكام والصدق والأمانة.
وقد يسخر الله الملك لقوم بأسباب قديمة وأسباب حديثة، فلا يزال ذلك الملك مقصورًا عليهم، ما دامت تلك الأسباب قائمة، إذا كانوا للملك مسخرين، وكان الناس لهم مسخرين، بالجبرية والنخوة، والفظاظة والقسوة، ولطول الاحتجاب والاستتار، وسوء اللقاء والتضييع.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
وقد يكون الإنسان مسخرًا لأمر، ومخيرًا في آخر.
ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها، وخفيها وظاهرها؛ لأن بني الإنسان إنما سخروا له إرادة العائدة إليهم، ولم يسخروا للمعصية، كما لم يسخروا للمفسدة.
وقد تستوي الأسباب في مواضع، وتتفاوت في مواضع. كل ذلك ليجمع الله تعالى لهم مصالح الدنيا، ومراشد الدين.
ألا ترى أن أمة قد اجتمعت على أن عيسى ﵇ هو الله، وأمة قد اجتمعت على أنه ابن الله، وأمة اجتمعت على أن الآلهة ثلاثة، عيسى أحدها. ومنهم يتبدد، ومنهم من يتدهر، ومنهم من يتحول نسطوريًا بعد أن كان يعقوبيًا، ومنهم من أسلم بعد أن كان نصرانيًا. ولست واجدًا هذه الأمة مع اختلاف مذاهبها، وكثرة تنقلها، انتقلت مرة واختلفت مرة، متعمدة أو ناسية، في يوم واحد، فجعلته - وهو الجمعة - يوم السبت، ولم تخطب في يوم جمعة بخطبة يوم خميس، ولا غلطت في كانون الأول فجعلته كانون الآخر، ولا بين الصوم والإفطار؛ لأن الباب الأول في باب الإمكان
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وتعديل الأسباب والامتحان، والباب الثاني داخل في باب الامتناع وتسخير النفوس وطرح الامتحان.
وقد زعم ناس من الجهال، ونفر من الشكاك، ممن يزعم أن الشك واجب في كل شيء، إلا في العيان، أن أهل المنصورة وافوا مصلاهم يوم خميس على أنه يوم الجمعة، في زمن منصور بن جمهور وأن أهل البحرين جلسوا عن مصلاهم يوم الجمعة على أنه يوم خميس، في زمن أبي جعفر، فبعث إليهم وقومهم.
وهذا لا يجوز ولا يمكن في أهل الأمصار، ولا في العدد الكثير من أهل القرى، لأن الناس من بين صانع لا يأخذ أجرته ولا راحة له دون الجمعة، وبين تجار قد اعتادوا الدعة في الجمع، والجلوس عن الأسواق. ومن معلم كتاب لا يصرف غلمانه إلا في الجمع. وبين معني بالجمع يتلاقى هناك مع المعارف والإخوان والجلساء. وبين معني بالجمع حرصًا على الصلاة، ورغبة في الثواب. ومن رجل عليه موعد ينتظره. ومن صيرفي يصرف ذلك اليوم سفاتجه وكتب
[ ٣ / ٢٤٧ ]
أصحابه. ومن جندي فهو يعرف بذلك نوبته. وبعض كالسؤال والمساكين والقصاص، الذين يمدون أعناقهم للجمعة انتظارًا للصدقة والفائدة، في أمور كثيرة، وأسباب مشهورة.
ولو جاز ذلك في أهل البحرين والمنصورة لجاز ذلك على أهل البصرة والكوفة، ولو جاز ذلك في الأيام لكان في الشهور أجوز، ولو جاز ذلك في الشهور لكان في السنين أجوز. وفي ذلك فساد الحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والأعياد.
ولو كان ذلك جائزًا لجاز أن يتفق الشعراء على قصيدة واحدة، والخطباء على خطبة واحدة، والكتاب على رسالة واحدة، بل جميع الناس على لفظة واحدة.
وإنما نزلت لك حالات الناس، وخبرتك عن طبائعهم، وفسرت لك عللهم لتعلم أن العدد الكثير لا يتفقون على تخرص الخبر الواحد في المعنى الواحد في الزمن الواحد، على غير التشاعر، فيكون باطلًا. وسأوجدك موضع اختلافهم واتفاقهم، وأنه لم يخالف بينهم في بعض الوجوه إلا إرهاصًا لمصلحتهم، ولتصح أخبارهم.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
ألا ترى أن أحدًا لم يبع قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن ذلك الدرهم خير له من سلعته. ولم يشتر أحد قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن تلك خير له من درهمه. ولو كان صاحب السلعة يرى في سلعته ما يرى فيها صاحب الدرهم، وكان صاحب الدرهم يرى في الدرهم ما يرى فيه صاحب السلعة ما اتفق بينهم شراء أبدًا. وفي هذا جميع المفسدة، وغاية الهلكة.
فسبحان الذي حبب إلينا ما في أيدي غيرنا، وحبب إلى غيرنا ما في أيدينا، ليقع التبايع. وإذا وقع التبايع وقع الترابح، وإذا وقع الترابح وقع التعايش.
ويدلك أيضًا على اختلاف طبائعهم وأسبابهم: أنك تجد الجماعة وبين أيديهم الفاكهة والرطب، فلا تجد يدين تلتقيان على رطبة بعينها، وكل واحد من الجميع يرى ما حواه الطبق، غير أن شهوته وقعت على واحدة غير التي آثرها صاحبه. ولربما سبق الرجل إلى الواحدة، وقد كان صاحبه يريدها في نفسه، غير أن ذلك لا يكون إلا في الفرط، ولو كانت شهواتهم ودواعيهم تتفق على واحدة بعينها لكان في ذلك التمانع والتجاذب، والمبادرة وسوء المخالطة والمؤاكلة. وكذلك هو في شهوة النساء والإماء، والمراكب والكسى. وهذا كثير، والعلم به قليل. وبأقل مما قلنا يعرف العاقل صواب مذهبنا. والله تعالى نسأل التوفيق.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وهو الذي خالف بين طبائعهم وأسبابهم، حتى لا يتفق على تخرص خبر واحد، لأن في اتفاق طبائعهم وأسبابهم في جهة الإخبار فساد أمورهم، وقلة فوائدهم واعتبارهم، وفي فساد أخبارهم فساد متاجرهم والعلم بما غاب عن أبصارهم، وبطلان المعرفة بأنبيائهم ورسلهم ﵈، ووعدهم ووعيدهم، وأمرهم ونهيهم وزجرهم، ورغبتهم، وحدودهم، وقصاصهم الذي هو حياتهم، والذي يعدل طبائعهم، ويسوي أخلاقهم، ويقوي أسبابهم، والذي به يتمانعون من تواثب السباع، وقلة احتراس البهائم، وإضاعة الأعمار. وبه تكثر خواطرهم وتفكيرهم، وتحسن معرفتهم.
ولم نقل أن العدد الكثير لا يجتمعون على الخبر الباطل، كالتكذيب والتصديق، ونحن قد نجد اليهود والنصارى، والمجوس والزنادقة، والدهرية وعباد البددة يكذبون النبي ﷺ، وينكرون آياته وأعلامه، ويقولون: لم يأت بشيء، ولا بان بشيء. وإنما قلنا: إن العدد الكثير لا يتفقون على مثل إخبارهم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، التهامي الأبطحي ﵇ خرج بمكة، ودعا إلى كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وأباح كذا،
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وجاء بهذا الكتاب الذي نقرؤه، فوجب العمل بما فيه، وأنه تحدى البلغاء والخطباء والشعراء، بنظمه وتأليفه، في المواضع الكثيرة، والمحافل العظيمة. فلم يرم ذلك أحد ولا تكلفه، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه، ولا ادعى أنه قد فعل، فيكون ذلك الخبر باطلًا.
وليس قول جمعهم إنه كان كاذبًا معارضة لهذا الخبر، إلا أن يسموا الإنكار معارضة. وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة، فمتى قابلونا بأخبار في وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها، فقد عارضونا ووازنونا وقابلونا، وقد تكافينا وتدافعنا. فأما الإنكار فليس بحجة، كما أن الإقرار ليس بحجة، ولا تصديقنا النبي ﷺ حجة على غيرنا، ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا، وإنما الحجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله.
فإن قلت: وأي مجيء أثبت خبر الأنصاري عن عيسى بن مريم ﵇؟ وذلك أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال: إني إله.
قلنا: قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم، والذين كانوا يلونهم. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه، أن عيسى ﵇ لو قال: إني إله لما أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، والمشي على الماء. على أن في عيسى ﵇ دلالة في نفسه، أنه ليس بإله، وأنه عبد مدبر، ومقهور ميسر، وليس
[ ٣ / ٢٥١ ]
خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد كان جاء بالآيات والعلامات. وكإخبار المنانية عن القرن الذي كان يليهم منه أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات. وكإخبار المجوس عن آبائهم الذين كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات. وقد علمنا أن هؤلاء النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم، ولا الزنادقة ولا المجوس. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن الله جل وعز لا يعطي العلامات من لا يعرفه، لأن بولس إن كان عنده أن عيسى ﵇ إله فهو لا يعرف الله تعالى، بل لا يعرف الربوبية من العبودية، والبشرية من الإلهية.
فصل منه
وللنصارى خاصة رياء عجيب، وظاهر زهد، والناس أبطأ شيء عن التصفح، وأسرع شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت، وظاهر العمل أدعى لهم من العلم.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
فصل منه على ذكرهم
وكل قوم بنوا دينهم على حب الأشكال، وشبه الرجال، يشتد وجدهم به وحبهم له، حتى ينقلب الحب عشقًا، والوجد صبابة، للمشاكلة التي بين الطبائع، والمناسبة التي بين النفوس.
وعلى قدر ذلك يكون البغض والحقد، لأن النصارى حين جعلوا ربهم إنسانًا مثلهم بخعت نفوسهم بالهيبة له لتوهمهم الربوبية، وأسمحت بالمودة لتوهمهم البشرية، فلذلك قدروا من العبادة على ما لم يقدر عليه من سواهم. وبمثل هذا السبب صارت المشبهة منا أعبد ممن ينفي التشبيه، حتى ربما رأيته يتنفس من الشوق إليه، ويشهق عند ذكر الزيارة، ويبكي عند ذكر الرؤية، ويغشى عليه عند ذكر رفع الحجب. وما ظنك بشوق من طمع في مجالسة ربه ﷿، ومحادثة خالقه عز ذكره.
ولقد غالت القوم غول، ودعاهم أمر، فانظر ما هو؟ وإن سألتني عنه خبرتك: إنما هو نتيجة أحد أمرين: إما تقليد الرجال، وإما طلب تعظيمهم. ولذلك السبب لم ترض اليهود من إنكار حقه بتكذيبه، حتى طلبت قتله وصلبه، والمثلة به، ثم لم ترض بذلك حتى زعمت
[ ٣ / ٢٥٣ ]
أنه لغير رشدة، فلو كانت دون هذه المنزلة منزلة لما انتهت اليهود دون بلوغها، ولو كانت فوق ما قالت النصارى منزلة لما انتهت دون غايتها.
وبذلك السبب صارت الرافضة أشد صبابة وتحرقًا، وأفرط غضبًا، وأدوم حقدًا. وأحسن تواصلًا من غيرهم أيضًا.
ورب خبر قد كان فاشيًا فدخل عليه من العلل ما منعه من الشهرة، ورب خبر ضعيف الأصل، واهن المخرج، قد تهيأ له من الأسباب ما يوجب الشهرة.
فصل منه
واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظًا، كالبيت يحظى ويسير، حتى يحظى صاحبه بحظه، وغيره من الشعر أجود منه. وكالمثل يحظى ويسير، وغيره من الأمثال أجود. وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي. واعتبر ذلك من نفسك، وصديقك وجليسك.
وأمر الأسباب عجيب. ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة والحماة، ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته، فأضرب الناس عن ذكرهم، وجهلت العوام مواضعهم، وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه فوق كل فارس مشهور، وقائد مذكور.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول، والثاني، والثالث. وأمر المطيبين والأحلاف، ومقتل أبي أزيهر، ومجيء الفيل، وكل يوم جمع كان لقريش، فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكرًا.
فإن قلت: إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول، فكل من قتله على ابن أبي طالب رضوان الله عليه أنبل منه وأحق بالشهرة، ولكن أشعار ابن دأب، ومناقلة الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتاه ما ترى وتسمع.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
فصل منه في أمر الأخبار
وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفًا ثم يعود قويًا، ويكون أصله قويًا فيعود ضعيفًا، للذي يعتريه من الأسباب، ويحل به من الأعراض، من لدن مخرجه وفصوله، إلى أن يبلغ مدته، ومنتهى أجله، وغاية التدبير فيه، والمصلحة عليه.
فلما كان هذا مخوفًا، وكان غير مأمون على المتقادم منه وضع الله تعالى لنا على رأس كل فترة علامة، وعلى غاية كل مدة أمارة، ليعيد قوة الخبر، ويجدد ما قد هم بالدروس، بالأنبياء والمرسلين ﵈ أجمعين. لأن نوحًا ﵇ هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبين آدم ﵉، حتى منعها الخلل، وحماها النقصان بالشواهد الصادقة، والأمارات القائمة. وليس أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست واختلت، بل حين همت بذلك وكادت. بعثه الله ﷿ بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه، ولذلك سموا آخر الدهر الفترة. وبين الفترة والقطعة فرق. فاعرف ذلك.
ثم بعث الله جل وعز إبراهيم ﵇ على رأس الفترة الثانية التي كانت بينه وبين دهر نوح، وإنما جعلها الله تعالى أطول فترة كانت في الأرض، لأن نوحًا كان لبث في قومه يحتج ويخبر، ويؤكد ويبين، ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات، وهي الطوفان، الذي أغرق الله تعالى به جميع أهل الأرض
[ ٣ / ٢٥٦ ]
غيره وغير شيعته، وإنما أفار الماء من جوف تنور، ليكون أعجب للآية، وأشهر للقصة، وأثبت للحجة.
ثم ما زالت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بعضهم على إثر بعض في الدهر الذي بين إبراهيم، وبين عيسى ﵉. فلترادف حججهم، وتظاهر أعلامهم، وكثرة أخبارهم، واستفاضة أمورهم، ولشدة ما تأكد ذلك في القلوب، ورسخ في النفوس، وظهر على الألسنة، لم يدخلها الخطل والنقص والفساد، في الدهر الذي كان بين النبي ﵇ وبين عيسى ﵇.
فحين همت بالضعف، وكادت تنقص عن التمام، وانتهت قوتها، بعث الله تعالى محمدًا ﷺ، فجدد أقاصيص آدم ونوح، وموسى وهارون، وعيسى ويحيى، ﵈، وأمورًا بين ذلك، وهو الصادق، بالشواهد الصادقة، وأن الساعة آتية، وأنه ختم الرسل ﵈ به، فعلمنا عند ذلك أن حجته ستتم إلى مدتها، وبلوغ أمر الله ﷿ فيها.
فصل
ثم رجع الكلام إلى القول في الأخبار، فأقول: إن الناس موكلون بحكاية كل عجيب، وميسرون للإخبار عن
[ ٣ / ٢٥٧ ]
فى جنب ثانى
كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى منهم للقبيح، ولا لما ينفع أحكى منهم لما يضر، وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم.
ألا ترى أن رجلًا من الخلفاء لو ضرب عنق رجل من العظماء لما أمسى وفي عسكره وبلدته جاهل ولا عالم إلا وقد استقر ذلك عنده وثبت في قلبه، لأن الناس بين حاسد فهو يحكي ذلك الذي دخل عليه من الثكل وقلة العدد، وبين واجد يعجب الناس، وبين واعظ معتبر، وبين قوم شأنهم الأراجيف بالفاسد والصالح. ولو كان ضرب عنقه في يوم عيد، أو حلبة، أو استمطار، أو موسم، لكان أشد لاستفاضته، وأسرع لظهوره.
ولو جاز أن يكتم الناس هذا وشبهه على الإيثار للكتمان، وعلى جهة النسيان، لكنا لا ندري: لعله قد كان في زمن صفين والجمل والنهروان حرب مثلها أو أشد منها، ولكن الناس آثروا الكتمان، واتفقوا على النسيان.
فإذا كان قتل الملك الرجل من العظماء بهذه المنزلة من قلوب الأعداء، ومن قلوب الحكماء والغوغاء، فما ظنك بمن لو أبصروا رجلًا قد أحياه بعد أن ضرب عنقه، وأبان رأسه من جسده، أليس كان يكون تعجبهم من إحيائه أشد من تعجبهم من قتله، وكان يكون إخبارهم من خلفوا في منازلهم ومن ورد عليهم عن القتل ليكون سببًا للإخبار عن الإحياء، إذ كان الأول صغيرًا في جنب الثاني.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
فهذا يدل على أن أعلام الرسل ﵈ وآياتهم أحق بالظهور والشهرة، والقهر للقلوب والأسماع، من مخارجهم وشرائعهم. بل قد نعلم أن موسى ﵇ لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته. وكذلك عيسى ﵇، ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده.
وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامهما وأعاجيبهما، وأنت لم تسمع بذكرهما قط، دون ما ذكر من أعلامهما.
فإذا كان شأن الناس الإخبار عن كل عجيب، وحكاية كل عظيم، والإطراف بكل طريف، وإيراد كل غريب من أمور دنياهم، فما لا يمتنع في طبائعهم، ولا يخرج من قوى الخليقة في البطش والحيلة، أحق بالإخبار والإذاعة، وبالإظهار والإفاضة، هذا على أن يترك الطباع وما يولد عليه، والنفوس وما تنتج، والعلل وما يسخر.
فكيف إن كان الله ﷿ قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله ﵈ من تهييج الناس على الإخبار عنها، ومن تسخير الأسماع لحفظها، بخاصة لم يجعلها لغيرها.
فصل منه
فإن قال القائل: إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وتخرج من حد الطاقة، كإحياء الموتى، والمشي على الماء، وكفلق البحر، وكإطعام الثمار في غير أوان الثمار، وكإنطاق السباع، وإشباع الكثير من القليل، وكل ما كان جسمًا مخترعًا، وجرمًا مبتدعًا. وكالذي لا يجوز أن يتولاه إلا الخالق، ولا يقدر عليه إلا الله عز ذكره.
فأما الأخبار التي هي أفعال العباد، وهم تولوها، وبهم كانت وبقولهم حدثت، فلا يجوز أن يكون حجة، إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة، وما لا يتوهم من جميع البرية.
قلنا: إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجون علينا بها، وإنما زعمنا أن مجيئها حجة، والمجيء ليس هو أمر يتكلفه الناس ويختارونه على غيره، ولو كان كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له، ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم في الحق. والمجيء أيضًا ليس هو فعلًا قائمًا فيستطيعوه أو يعجزوا عنه، وإنما هو الإنسان، يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئًا، ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، أنهم قد صدقوا. إذ كان مثلهم لا يتواطأ على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب، وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. فليس بين هذا وبين إحياء الموتى والمشي على الماء فرق، إذ كان الناس لا يقدرون عليه، ولا يطمعون فيه، والمجيء إنما هو معنىً
[ ٣ / ٢٦٠ ]
معقول، وشيء موهوم. إذ كان كيف يكون ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن يقدروا، ولا يستطيعون فعله. وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة. فمتى وجدت أمرًا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهي حجة. ثم لا عليك جوهرًا كان أو عرضًا، أو موجودًا أو متوهمًا معقولًا. ألا ترى أن فلق البحر ليس هو من جنس اختراع الثمار، لأن الفلق هو انفراج أجزاء، والثمار أجرام حادثة.
وكذلك لو ادعى رجل أن الله ﷿ أرسله وجعل حجته علينا الإخبار بما أكلنا وادخرنا وأضمرنا، لكان قد احتج علينا.
فإن قلتم: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير، وبالأمر المستور، وببعض ما يكون.
قلنا: أما واحدة فإن خطأ المنجمين كثير، وصوابهم قليل، بل هو أقل من القليل. وأنتم لا تقدرون أن تقفونا من أخبار المرسلين ﵈ في كثير أخبارهم على خطاء واحد، والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم، لأنهم لو قالوا فأخطئوا أبدًا لما كان
[ ٣ / ٢٦١ ]
عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن أعجب العجب أن يوافق قولهم بعض ما يكون.
وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة، ويخطئون في أكثرها. وقد نجد الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون، في الأمور الكثيرة المعاني، والمختلفة في الوجوه، حتى لا يخطىء في شيء من ذلك. وليس في الأرض منجم ذكر شيئًا أو وافق ضميرًا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله وأكثر منه.
فإن قلت: إن الناس يكذبون في الإخبار عن الأعراب والكهان من كل جيل؟ قلنا: فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب.
وبعد، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطاياهم وخدعهم، والناس يستعظمون اليسير من المرسلين ﵈. وكلما كان الرجل في عينك أعظم، وكان عن الكذب أزجر، كان كذبه عندك أعظم. وإنما المنجم عند العوام كالطبيب الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله، وإن برأ كان هو أبرأه. على أن صوابهم أكثر، ودليلهم أظهر.
وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم، دون أن يولدوا لهم، ويضعوا الأعاجيب عن ألسنتهم.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
وكل ملحد في الأرض للرسول طاعن عليه، عائب له، يرى أن يصدق عليه كل كذاب يريد ذمه، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه.
وبعد، فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين ﵈، الذي هو حجة، لما كان خبر المنجمين حجة.
فإن قلت: ولم ذاك؟ قلت: لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة، وعلى غير حساب وتجربة، أو على نظر ومعاينة لم يكن الأمر من قبل الوحي؛ لأنك لو قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل، وأنت تعلم أنه ليس بمنجم، وأنشدكها كلها، لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي.
ومثل ذلك رجل اشتد وجع عينه فعالجه طبيب فبرأ، فلو جعل الطبيب ذلك حجة على نبوته لوجب علينا تكذيبه، ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه: اللهم إن كنت صادقًا عليك فاشفه الساعة، فبرأ من ساعته لعلمنا أنه صادق.
فإن قالوا: وما علمنا أن محمدًا ﵇ لم يكن منجمًا؟ قلنا: إن علمنا بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعليًا وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم أجمعين، لم يكونوا منجمين، ولا أطباء متكهنين. وكيف يجوز أن يصير إنسان عالمًا بالنجوم من غير أن يختلف
[ ٣ / ٢٦٣ ]
إلى المنجمين، أو يختلفوا إليه، أو يكون علم النجوم فاشيًا في أهل بلاده، أو يكون في أهله واحد معروف به. ولو بلغ إنسان في علم النجوم، وليست معه علة من هذه العلل، وكان ذلك يخفى، لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات.
ومتى رأينا حاذقًا بالكلام، أو بالطب، أو بالحساب، أو بالغناء، أو بالنجوم، أو بالعروض، خفي على الناس موضعه وسببه؟ ! وجميع ما ذكرنا، فعناية الناس به وعداوتهم، وشهرته في نفسه، دون محمد ﷺ.
وهل نصب أحد قط لأحد إلا بدون ما نصب له رهطه، وأدانى أهله، ومن معه في بيته وربعه.
وما أعرف - يرحمك الله - المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب، ينكر أن محمدًا ﷺ لم يكن منجمًا ولا طبيبًا. وإذا قال الجاهل: إنه قد كان يعلم الخط فخفي له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفي له ذلك، وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفي ذلك، أليس مع قوله ما يعلم خلافه، يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمه والأبرص، والمشي على الماء، إذ كان ذلك لا يجوز، ولا يمكن في الطبائع والعقل والتجربة.
وافهم يرحمك الله ما أنا واصفه لك: هل يجد التارك لتصديقه
[ ٣ / ٢٦٤ ]
أنه لا يدري بزعمه، لعله كان أعلم الخلق بالنجوم، ناظرًا لنفسه، غير معاند لحجة عقله. وهو لم يجد أحدًا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه بكل ما حكينا وفسرنا.
وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم، وأن فيهم من ليس بطبيب، إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى الله عليه وآله منه.
وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه؟ ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه، وإفراطهم عليه، أن نافقوا وأحالوا، لأنهم كانوا يقولون له: أنت ساحر، وأنت مجنون! وإنما يقال للرجل: ساحر، لخلابته وحسن بيانه، ولطف مكايده، وجودة مداراته وتحببه. ويقال: مجنون، لضد ذلك كله.
فصل منه
وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق، ولا تصادق إلا مع كثرة السماع، والعلم بالأصول؛ لأن رجلًا لو نازع في الأخبار، وفي الوعد والعيد، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والفريضة والنافلة، والسنة والشريعة، والاجتماع والفرقة، ثم حسنت نيته، وناضح عن نفسه، لما عرف حقائق باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه، وسمع الجمل، وعرف الموازنة، وما كان في الطبائع، وما يمتنع فيها. وكيف أيضًا يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل؟ وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق؟
[ ٣ / ٢٦٥ ]
واعلم أن من عود قلبه التشكك اعتراه الضعف، والنفس عروف، فما عودتها من شيء جرت عليه.
والمتحير إلى تقوية قلبه ورد قوته عليه وإفهامه موضع رأيه، وتوقيفه على الأمر الذي أثقل صدره، أحوج منه إلى المنازعة في فرق ما بين المجيء الذي يكذب مثله، والمجيء الذي لا يكذب مثله.
وسنتكلف من علاج دائه، وترتيب إفهامه إن أعان على نفسه، بما لا يبقي سببًا للشك، ولا علة للضعف. والله تعالى المعين على ذلك، والمحمود عليه.
فصل منه
ومتى سمعنا نبي الله ﵇ اتكل على عدالته، وعلى معرفة قومه بقديم طهارته، وقلة كذبه، دون أن جاءهم بالعلامات والبرهانات؟ ولعمري لو لم نجد الحافظ ينسى، والصادق يكذب، والمؤمن يبدل، لقد كان ما ذهبوا إليه وجهًا.
فصل منه في ذكر دلائل النبي
﵊
وباب آخر يعرف به صدقه، وهو إخباره عما يكون، وإخباره عن
[ ٣ / ٢٦٦ ]
ضمائر الناس، وما يأكلون وما يدخرون، ولدعائه المستجاب الذي لا تأخير فيه، ولا خلف له. وذلك أن النبي ﷺ حين لقي من قريش والعرب ما لقي من شدة أذاهم له، وتكذيبهم إياه، واستعانتهم عليه بالأموال والرجال، دعا الله جل وعز أن يجدب بلادهم، وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال صلى الله عليه وآله: " اللهم سنين كسني يوسف. اللهم اشدد وطأتك على مضر ".
فأمسك الله ﷿ عنهم المطر حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وقلت المزارع، وماتت المواشي، وحتى اشتووا القد والعلهز.
فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد، وهو حين ضمنه عن قومه، وأرهنه قوسه. فلما أصاب مضر خاصة الجهد، ونهكهم الأزل، وبلغت الحجة مبلغها، وانتهت الموعظة منتهاها، عاد بفضله ﷺ، على الذي بدأهم به، فسأل ربه الخصب وإدرار الغيث، فأتاهم منه ما هدم بيوتهم، ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: " الله حوالينا ولا علينا ". فأمطر الله ﷿ ما حولهم، وأمسك عنهم.
وكتب إلى كسرى يدعوه إلى نجاته وتخليصه من كفره، فبدأ باسمه على اسمه، فأنف من ذلك كسرى لشقوته، وأمر بتمزيق الكتاب،
[ ٣ / ٢٦٧ ]
فلما بلغه ﷺ قال: " اللهم مزق ملكه كل ممزق ". فمزق الله جل وعز ملكه، وجد أصله، وقطع دابره، لأن كل ملك في الأرض، وإن كان قد أخرج من معظم ملكه، فهو مقيم على بقية منه، وذلك أن الإسلام لم يترك ملكًا بحيث تناله الحوافر والأخفاف والأقدام، إلا أزاله عنه، وأخرجه منه إلى عقاب يعتصم بها، ومعاقل يأوي إليها، أو طرده إلى خليج منيع، لا يقطعه إلا السفن، فهم من بين هارب قد دخل في وجار، أو اختفى في غيضة، أو مقيم على فم شعب، ورأس مضيق، قد سخت نفسه عن كل سهل، وأسلم كل مرج أو ملك لا قرار له، وليس بذي مدر فيؤتى، وإنما أصحابه أكراد يطلبون النجعة، أو كخوارج يطلبون الغرة. فأما أن يكون ملك يصحر لهم، ويقيم بإزائهم، ويغاديهم الحرب ويمسيهم، ويساجلهم الظفر ويناهضهم، كما كانت ملوك الطوائف، وكالذي كان بين فارس والروم فلا، وذلك لقوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله " إلى قوله عز ذكره: " المشركون ". فلم يرض أن أظهر دينه حتى جعل أهله الغالبين بالقدرة، والظاهرين بالمنعة، والآخذين الإتاوة.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي، وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن: أن احمل إلى هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي، واجترأ علي، ودعاني إلى غير ديني! فأتاه فيروز فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال ﷺ: " إن ربي خبرني أنه قد قتل ربك البارحة، فأمسك علي ريثما يأتيك الخبر، فإن تبين لك صدقي، وإلا فأنت على أمرك ". فراع ذلك فيروز وهاله، وكره الإقدام عليه، والاستخفاف به، فإذا الخبر قد أتاه: أن شيرويه قد وثب عليه في تلك الليلة فقتله. فأسلم وأخلص، ودعا من معه من بقية الفرس إلى الله عز ذكره فأسلموا.
فصل منه في ذكر النبي
صلى الله عليه وآله
ثم إن الذي تقدمه صلى الله عليه وآله من البشارات في الكتب المتقادمة، في الأزمان المتباعدة، والبلدان الموجودة بكل مكان، على شدة عداوة أهلها، وتعصب حامليها، ومع قوة حسدهم، وشدة بغيهم.
وما ذلك ببديع منهم ومن آبائهم، على أنهم أشبه بآبائهم منهم بأزمانهم. وكل الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم. وآباؤهم الذين قتلوا أنبياءهم ﵈، وتعنتوا رسلهم صلى الله عليهم، حتى خلاهم الله ﷿ من يده، وأفقدهم عصمته وتوفيقه.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
ولم استدل على ذكره في التوراة والإنجيل والزبور، وعلى صفته والبشارة به في الكتب إلا لأنك متى وجدت النصراني واليهودي يسلم بأرض الشام وجدته يعتل بأمور، ويحتج بأشياء مثل الأمور التي يحتج بها من أسلم بالعراق. وكذلك من أسلم بالحجاز، ومن أسلم من اليمن، من غير تلاق ولا تعارف، ولا تشاعر. وكيف يتلاقون ويتراسلون، وهم غير متعارفين ولا متشاعرين؟ ولو كانوا كذلك لظهر ذلك ولم ينكتم، كما حكينا قبل هذا. ولو قابلت بين أخبارهم واحتجاجهم مع كثرة الألفاظ واختلاف المعاني، لوجدتها متساوية.
فصل منه
فإن قال قائل: لم كانت أعلام موسى ﵇ في كثرتها مع غي بني إسرائيل، ونقصان أحلام القبط، في وزن أعلام محمد ﷺ وفي قدرها، مع أحلام قريش، وعقول العرب.
ومتى أحببت أن تعرف غي بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط، ورجحان عقول العرب، وأحلام كنانة، فأت بواديهم ورباعهم. وانظر إلى بنيهم وبقاياهم، كما نظرت إلى بني إسرائيل من اليهود وغي بني من مضى من القبط تعتبر ذلك وتعرف
[ ٣ / ٢٧٠ ]
ما أقول. ثم انظر في أشعار العرب الصحيحة، والخطب المعروفة، والأمثال المضروبة، والألفاظ المشهورة، والمعاني المذكورة، مما نقلته الجماعات عن الجماعات، وكلام العرب ومعانيهم في الجاهلية.
ثم تفقد، وسل أهل العلم والخبرة عن بني إسرائيل، فإن وجدت لهم مثلًا سائرًا كما تسمع للقبط والفرس، فضلًا عن العرب فقد أبطلنا فيما قلنا.
وقد كان الرجل من العرب يقف المواقف، ويسير عدة أمثال، كل واحد منها ركن يبنى عليه، وأصل يتفرع منه.
أو هل تسمع لهم بكلام شريف، أو معنىً يستحسنه أهل التجربة، وأصحاب التدبير والسياسة، أو حكم أو حكمة، أو حذق في صناعة، مع ترادف الملك فيهم، وتظاهر الرسالة في رجالهم.
وكيف لا تقضي عليهم بالغي والجهل، ولم تسمع لهم بكلمة فاخرة، أو معنىً نبيه، لا ممن كان في المبدى، ولا ممن كان في المحضر، ولا من قاطني السواد، ولا من نازلي الشام؟ ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم فينا، وكونهم معنا، هل غير
[ ٣ / ٢٧١ ]
ذلك من أخلاقهم وشمائلهم، وعقولهم، وأحلامهم، وآدابهم، وفطنهم؟ فقد صلح بنا كثير من أمور النصارى وغيرهم.
وليس النصارى كاليهود، لأن اليهود كلهم من بني إسرائيل إلا القليل.
وبعد، فلم يضرب فيهم غيرهم، لأن مناكحهم مقصورة فيهم، ومحبوسة عليهم، فصور أولهم مؤداة إلى آخرهم، وعقول أسلافهم مردودة على أخلافهم، ثم اعتبر بقولهم لنبيهم ﵇: " اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة " حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. وكقولهم: " أرنا الله جهرة "، وكعكوفهم على عجل صنع من حليهم، يعبدونه من دون الله، بعد أن أراهم من الآيات ما أراهم.
وكقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون "، فكان الذي جاء به موسى ﵇، مع نقص بني إسرائيل والقبط، مثل الذي جاء به محمد ﷺ، مع رجحان قريش والعرب.
وكذلك وعد محمد ﵇ بنار الأبد، كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء الهلاس على زروعهم، والهم على أفئدتهم، وتسليط الموتان على ماشيتهم، وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم
[ ٣ / ٢٧٢ ]
عدوهم. فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم، وردعهم عما يريد بهم، وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد المؤخر لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب في المذاهب.
فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم، ومراشدهم في دينهم، مع أن محمدًا ﷺ مخصوص بعلامة لها في العقل موقع، كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتم في تكذيبي.
ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، والأسجاع والمنثور.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقدًا، وأبعدهم مطلبًا، وأذكرهم لخير أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر.
ومحال في التعارف، ومستنكر في التصادق، أن يكون الكلام أخصر عندهم، وأيسر مئونة عليهم، وهو أبلغ في تكذيبهم وأنقض لقوله، وأجدر أن يعرف ذلك أصحابه فيجتمعوا على ترك استعماله، والاستغناء به، وهم يبذلون مهجهم وأموالهم، ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمره، وفي توهين ما جاء به، ولا يقولون، بل لا يقول واحد من جماعتهم: لم تقتلون أنفسكم، وتستهلكون أموالكم، وتخرجون من دياركم، والحيلة في أمره يسيرة، والمأخذ في أمره قريب؟ ! ليؤلف واحد من شعرائكم وخطبائكم كلامًا في نظم كلامه، كأقصر سورة يخذلكم بها، وكأصغر آية دعاكم إلى معارضتها. بل لو نسوا، ما تركهم حتى يذكرهم، ولو تغافلوا ما ترك أن ينبههم، بل لم يرض بالتنبيه دون التوقيف.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكونوا عرفوا عجزهم، وأن مثل ذلك لا يتهيأ لهم، فرأوا أن الإضراب عن ذكره، والتغافل عنه في هذا الباب وإن قرعهم به، أمثل لهم في التدبير، وأجدر أن لا يتكشف أمرهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يجدوا إلى الدعوى سبيلًا، وإلى اختداع الأنبياء سببًا، فقد ادعوا القدرة بعد المعرفة بعجزهم عنه، وهو قوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ".
وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز، والتوقيف على النقص، ثم لا يبذلون مجهودهم، ولا يخرجون مكنونهم وهم أشد خلق الله ﷿ أنفة، وأفرط حمية، وأطلبه بطائلة، وقد سمعوه في كل منهل وموقف. والناس موكلون بالخطابات، مولعون بالبلاغات. فمن كان شاهدًا فقد سمعه، ومن كان غائبًا فقد أتاه به من لم يزوده.
وإما أن يكون غير ذلك.
ولا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها،
[ ٣ / ٢٧٥ ]
لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحلماء، مع اختلاف عللهم، وبعد هممهم، وشدة عداوتهم الإطباق على بذل الكثير، وصون اليسير.
وهذا من ظاهر التدبير، ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على العقلاء، وأهل المعارف فكيف على الأعداء، لأن تحبير الكلام أهون من القتال، ومن إخراج المال.
ولم يقل: إن القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه، بعد أن كثرت خصومتهم في غيره.
ويدلك على ذلك قوله ﷿: " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " وقوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله "، وقوله تعالى جل ذكره: " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ".
ويدلك كثرة هذه المراجعة، وطول هذه المناقلة، على أن التقريع لهم بالعجز كان فاشيًا، وأن عجزهم كان ظاهرًا.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ولو لم يكن النبي ﷺ تحداهم بالنظر والتأليف، ولم يكن أيضًا أزاح علتهم، حتى قال تعالى: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " وعارضوني بالكذب، لقد كان في تفصيله له وتركيبه، وتقديمه له واحتجاجه، ما يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه.
ولو لم يكن تحداهم من كل ما قلنا، وقرعهم بالعجز عما وصفنا وهل هذا إلا بمديحه له، وإكثاره فيه لكان ذلك سببًا موجبًا لمعارضته ومغالبته وطلب تكذيبه، إذ كان كلامهم هو سيد عملهم، والمئونة فيه أخف عليهم، وقد بذلوا النفوس والأموال. وكيف ضاع منهم، وسقط على جماعتهم نيفًا وعشرين سنة، مع كثرة عددهم، وشدة عقولهم، واجتماع كلمتهم؟ ! وهذا أمر جليل الرأي، ظاهر التدبير.
فصل منه في ذكر امتناعهم من معارضة القرآن
لعلمهم بعجزهم عنها
والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء، وإسحاق بن
[ ٣ / ٢٧٧ ]
طالوت، والنعمان بن المنذر، وأشباههم من الأرجاس، الذين استبدلوا بالعز ذلًا، وبالإيمان كفرًا، والسعادة شقوة، وبالحجة شبهة.
بل لا شبهة في الزندقة خاصة. فقد كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويطعنون في القرآن، ويسألون عن متشابهه، وعن خاصه وعامه، ويضعون الكتب على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي، ولا معاند ذكي.
فصل منه
ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر، ولم يكن أصحابه قط في زمان أشد استحكامًا فيه منهم في زمانه، بعث الله موسى ﵇ على إبطاله وتوهينه، وكشف ضعفه وإظهاره، ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم، ولمن نشأ على ذلك من السفلة والطغام.
لأنه لو كان أتاهم بكل شيء، ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة والحيلة، لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة، ولاعتل به أصحاب الأشغاب، ولشغلوا به بال الضعيف، ولكن الله تعالى جده، أراد حسم الداء، وقطع المادة، وأن لا يجد المبطلون متعلقا،
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلًا، مع ما أعطى الله موسى ﵇ من سائر البرهانات، وضروب العلامات.
وكذلك زمن عيسى ﵇ كان الأغلب على أهله، وعلى خاصة علمائه الطب، وكانت عوامهم تعظم على ذلك خواصهم، فأرسله الله ﷿ بإحياء الموتى، إذ كانت غايتهم علاج المرضى.
وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرمد، مع ما أعطاه الله ﷿ من سائر العلامات، وضروب الآيات؛ لأن الخاصة إذا بخعت بالطاعة، وقهرتها الحجة، وعرفت موضع العجز والقوة، وفصل ما بين الآية والحيلة، كان أنجع للعامة، وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية.
وكذلك دهر محمد ﷺ، كان أغلب الأمور عليهم، وأحسنها عندهم، وأجلها في صدورهم، حسن البيان، ونظم ضروب الكلام، مع علمهم له، وانفرادهم به. فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله ﷿، فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فلم يزل يقرعهم بعجزهم، وينتقصهم على نقصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم. وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبيًا قط، مع سائر ما جاء به من الآيات، ومن ضروب البرهانات.
ولكل شيء باب ومأتىً، واختصار وتقريب. فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما يفحم أعجب الأمور عندهم، ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم.
فصل في ذكر أخلاق النبي
ﷺ
وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة، ومتى ذكرت الخاصة فالعامة في ذلك مثل الخاصة. وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجتمع لبشر قط قبله، ولا تجتمع لبشر بعده.
وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا كزهده، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كصدق لهجته، وكرم عشرته، ولا كتواضعه، ولا كعلمه، ولا كحفظه، ولا كصمته إذا صمت، ولا كقوله إذا قال، ولا كعجيب منشئه، ولا كقلة
[ ٣ / ٢٨٠ ]
تلونه، ولا كعفوه، ولا كدوام طريقته، وقلة امتنانه.
ولم نجد شجاعًا قط إلا وقد جال جولة، وفر فرة، وانحاز مرة، من معدودي شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية، كفلان وفلان.
وبعد، فقد نصر النبي ﷺ وهاجر معه قوم، ولم نر كنجدتهم نجدة، ولا كصبرهم صبرًا. وقد كانت لهم الجولة والفرة، كما قد بلغك عن يوم أحد، وعن يوم حنين، وغير ذلك من الوقائع والأيام.
فلا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهري، أن يحدث أن محمدًا ﵇ جال جولة قط، ولا فر فرة قط، ولا خام عن غزوة، ولا هاب حرب من كاثره.
[ ٣ / ٢٨١ ]
فصل من صدر كتابه في خلق القرآن
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ثبتك الله بالحجة، وحصن دينك من كل شبهة، وتوفاك مسلمًا، وجعلك من الشاكرين.
وقد أعجبني، حفظك الله، استهداؤك العلم وفهمك له، وشغفك بالإنصاف وميلك إليه، وتعظيمك الحق وموالاتك فيه، ورغبتك عن التقليد وزرايتك عليه، ومواترة كتبك على بعد دارك، وتقطع أسبابك، وصبرك إلى أوان الإمكان، واتساعك عند تضايق العذر.
وفهمت، حفظك الله، كتابك الأول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث، والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين.
وقلت: اكتب إلي كتابًا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك، وخواطر الشبهات، دون الذي عليه أكثر المتكلمين من التطويل، ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب.
وقلت: كن كالمعلم الرفيق، والمعالج الشفيق، الذي يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة الترداد.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وقلت: اجعل تجارتك التي إياها تؤمل، وصناعتك التي إياها تعتمد إصلاح الفساد، ورد الشارد.
وقلت: ولا بد من استجماع الأصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الأمر. إن كان لا بد من عوارض العجز، ولواحق التقصير، فالبر لها أجمل، والضرر علينا في ذلك أيسر.
وقلت: ابدأ بالأقرب فالأقرب، وبكل ما كان آنق في السمع، وأحلى في الصدر، وبالباب الذي منه يؤتى الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر علمًا، وأنفذ كيدا.
وسألتني بتقبيح الاستبداد، والعجلة إلى الاعتقاد، وصفة الأناة ومقدارها، ومقدمات العلوم ومنتهاها. وزعمت أن من اللفظ ما لا يفهم معناه دون الإشارة، ودون معرفة السبب والهيئة، ودون إعادته وكره وتحريره واختياره.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
وقلت: فإن أنت لم تصور ذلك كله صورة تغني عن المشافهة، وتكتفي بظاهرها عن المراسلة أحوجتنا إلى لقائك، على بعد دارك، وكثرة أشغالك، وعلى ما تخاف من الضيعة وفساد المعيشة.
فكتبت لك كتابًا، أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان. فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة.
فلما ظننت أني قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك، أتاني كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن. وكانت مسألتك مبهمة، ولم أك أن أحدث لك فيها تأليفًا، فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، وأغمضهما معنىً وأطولهما.
ولولا ما اعتللت به من اعتراض الرافضة، واحتجاج القوم علينا بمذهب معمر، وأبي كلدة، وعبد الحميد، وثمامة، وكل من
[ ٣ / ٢٨٧ ]
زعم أن أفعال الطبيعة مخلوقة على المجاز دون الحقيقة، وأن متكلمي الحشوية والنابتة قد صار لهم بمناظرة أصحابنا، وبقراءة كتبنا بعض الفطنة لما كتبت لك، رغبة بك عن أقدارهم، وضنًا بالحكمة عن إعثارهم، وإنما يكتب على الخصوم والأكفاء، وللأولياء على الأعداء، ولمن يرى للنظر حقًا، وللعلم قدرًا، وله في الإنصاف مذهب، وإلى المعرفة سبب.
وزعمت أنك لم تر في كتب أصحابنا إلا كتابًا لا تفهمه، أو كتابًا وجدت الحجة على واضع الكتاب فيه أثبت.
وقلت: وإياك أن تتكل على مقدار ما عندهم، دون أن تعتصر قوى باطلهم، وتوفيهم جميع حقوقهم، وإذا تقلدت الإخبار عن خصمك فحطه كحياطتك لنفسك، فإن ذلك أبلغ في التعليم، وآيس للخصوم.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وقلت: وزعموا أنه يلزمك أن تزعم أن القرآن ليس بمخلوق إلا على المجاز، كما ألزم ذلك نفسه معمر وأبو كلدة وعبد الحميد وثمامة، وكل من ذهب مذهبهم، وقاس قياسهم.
فتفهم - فهمك الله - ما أنا واصفه لك، ومورده عليك: اعلم أن القوم يلزمهم ما ألزموه أنفسهم، وليس ذلك إلا لعجزهم عن التخلص بحقهم، وإلا لذهابهم عن قواعد قولهم، وفروع أصولهم، فليس لك أن تضيف العجز الذي كان منهم إلى أصل مقالتهم، وتحمل ذلك الخطأ على غيرهم. فلرب قول شريف الحسب، جيد المركب، وافر العرض، بريء من العيوب، سليم من الأفن، قد ضيعه أهله، وهجنه المفترون عليه، فألزموه ما لا يلزمه، وأضافوا إليه ما لا يجوز عليه.
ولو زعم القوم على أصل مقالتهم أن القرآن هو الجسم دون الصوت والتقطيع، والنظم والتأليف، وأنه ليس بصوت ولا تقطيع ولا تأليف، إذ كان الصوت عندهم لا يخترع كاختراع الأجسام المصورة، ولا يحتمل التقطيع كاحتمال الأجرام المتجسدة، والصوت عرض، لا يحدث من جوهر إلا بدخول جوهر آخر عليه، ومحال أن يحدث إلا وهناك جسمان قد صك أحدهما صاحبه، ولا بد من مكانين: مكان زال عنه، ومكان آل إليه. ولا بد من هواء بين المصطكين. والجسم قد يحدث وحده ولا شيء غيره، والصوت على خلاف ذلك.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
والعرض لا يقوم بنفسه، ولا بد من أن يقوم بغيره، والأعراض من أعمال الأجسام، لا تكون إلا منها، ولا توجد إلا بها وفيها.
والجسم لا يكون إلا من جسم، ولا يكون إلا من مخترع الأجسام.
وليست لكون الجسم من الله علة توجيه، ولا يحدث إذا حدث إلا اختيارًا، وإلا ابتداعًا واختراعًا. والصوت لا يكون إلا عن علة موجبة، ولا يكون إلا تولدًا ونتيجة، ولا يحدث إلا من جرمين، كاصطكاك الحجرين، وكقرع اللسان باطن الأسنان، وإلا من هواء يتضاغط، وريح تختنق، ونار تلتهب. والريح عندهم هواء تحرك، والنار عندهم ريح حارة. هكذا الأمر عندهم.
فلو قالوا: لا يكون الشيء مخلوقًا في الحقيقة، دون المجاز وعلى مجازي اللغة، إلا وقد بان الله ﷿ باختراعه، وتولاه بابتداعه، وكان منه على اختيار، والابتداع: الذي يمكن تركه وإنشاء عقيبه بدلًا منه، على ما كان يوكده، ونتيجته من أجسام يستحيل أن يخلق من أفعالها، ويجلبها الله تعالى منها.
والقرآن على غير ذلك، جسم وصوت، وذو تأليف وذو نظم، وتوقيع وتقطيع، وخلق قائم بنفسه، مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء، ومرئي في الورق، ومفصل وموصل، واجتماع وافتراق،
[ ٣ / ٢٩٠ ]
ويحتمل الزيادة والنقصان، والفناء والبقاء، وكل ما احتملته الأجسام، ووصفت به الأجرام. وكل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل اللغة.
فلو كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس، ووافقوا أهل الحق، وكانوا مع الجماعة، ولم يضاهوا أهل الخلاف والفرقة، ولم يصموا أنفسهم بقول المشبهة، إذ كان ظاهر قولهم على التشبيه أدل، وبه أشبه.
ولا يجوز أن أذكر موافقتي لهم، ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب، لأن التدبير في وضع الكتاب، والسياسة في تعليم الجهال أن يبدأ بالأوضح فالأوضح، والأقرب فالأقرب، وبالأصول قبل الفروع، حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس.
وآخر الكلام لا يفهم - أرشدك الله - ولا يتوهم إلا على ترتيب الأمور، وتقديم الأصول. فإذا رتبنا الأمور، وقدمنا الأصول صارت أواخر المعاني في الفهم كأوائلها، ودقيقها كجليلها.
فصل منه
وقد علمنا أن بعض ما فيه الاختلاف بين من ينتحل الإسلام أعظم فرية، وأشد بلية، وأشنع كفرًا، وأكبر إثمًا من كثير مما أجمعوا على أنه كفر.
[ ٣ / ٢٩١ ]
وبعد، فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأسرار. ولو كان كل كشف هتكًا، وكل امتحان تجسسًا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس كشفًا لعورة.
والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجسامًا وأجرامًا غلاظًا. فإن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كان قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى الكفر. وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين المذهبين أبين الفرق.
وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم، يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمخلصين، إعذارًا وإنذارًا: امتحنتني وأنت تعرف ما في المحنة، وما فيها من الفتنة، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة! قال المعتصم: أخطأت، بل كذبت، وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك، ولو لم يخفك على الإسلام ما عرض لك، فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة، ولا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة، إذ كانت حالك هذه الحال، وسبيلك هذه السبيل.
وقيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره، ويعاينوا انقطاعه، فينقض ذلك استبصارهم، فلا يمكنه
[ ٣ / ٢٩٢ ]
جحد ما أقر به عندهم؟ فأبى أن يقبل ذلك، وأنكره عليهم، وقال: لا أريد أن أوتى بقوم إن اتهمتهم ميزت فيهم بسيرتي فيهم، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم الله فيهم، وهم ما لم أوت بهم كسائر الرعية، وكغيرهم من عوام الأمة، وما من شيء أحب إلي من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق.
وما زال به رفيقًا، وعليه رقيقًا، ويقول: لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق! حتى رآه يعاند الحجة، ويكذب صراحًا عند الجواب. وكان آخر ما عاند فيه، وأنكر الحق وهو يراه، أن أحمد بن أبي دواد قال له: أليس لا شيء إلا قديم أو حديث؟ قال: نعم. قال: أو ليس القرآن شيئًا؟ قال: نعم. قال: أو ليس لا قديم إلا الله؟ قال: نعم. قال: فالقرآن إذًا حديث؟ قال: ليس أنا متكلم.
وكذلك كان يصنع في جميع مسائله، حتى كان يجيبه في كل ما سأل عنه، حتى إذا بلغ المخنق، والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برىء منه صاحبه قال: ليس أنا متكلم!
[ ٣ / ٢٩٣ ]
فلا هو قال في أول الأمر: لا علم لي بالكلام، ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة، خضع للحق. فمقته الخليفة، وقال عند ذلك: أف لهذا الجاهل مرة، والمعاند مرة.
وأما الموضع الذي واجه فيه الخليفة بالكذب، والجماعة بالقحة، وقلة الاكتراث وشدة التصميم، فهو حين قال له أحمد بن أبي دواد: تزعم أن الله رب القرآن؟ قال: لو سمعت أحدًا يقول ذلك لقلت. قال: أفما سمعت ذلك قط من حالف ولا سائل، ولا من قاص، ولا في شعر، ولا في حديث؟ ! قال: فعرف الخليفة كذبه عند المسألة، كما عرف عنوده عند الحجة.
وأحمد بن أبي دواد - حفظك الله - أعلم بهذا الكلام، وبغيره من أجناس العلم، من أن يجعل هذا الاستفهام مسألة، ويعتمد عليها في مثل تلك الجماعة. ولكنه أراد أن يكشف لهم جرأته على الكذب، كما كشف لهم جرأته في المعاندة. فعند ذلك ضربه الخليفة.
وأية حجة لكم في امتحاننا إياكم، وفي إكفارنا لكم.
وزعم يومئذ أن حكم كلام الله كحكم علمه، فكما لا يجوز أن
[ ٣ / ٢٩٤ ]
يكون علمه محدثًا ومخلوقًا، فكذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقًا محدثًا. فقال له: أليس قد كان الله يقدر أن يبدل آية مكان آية، وينسخ آية بآية، وأن يذهب بهذا القرآن، ويأتي بغيره، وكل ذلك في الكتاب مسطور؟ قال: نعم. قال: فهل كان يجوز هذا في العلم، وهل كان جائزًا أن يبدل الله علمه، ويذهب به، ويأتي بغيره؟ قال: ليس.
وقال له: روينا في تثبيت ما نقول الآثار، وتلونا عليك الآية من الكتاب، وأريناك الشاهد من النقول التي بها لزم الناس الفرائض، وبها يفصلون بين الحق والباطل، فعارضنا أنت الآن بواحدة من الثلاث. فلم يكن ذلك عنده، ولا استخزى من الكذب عليه في غير هذا المجلس، لأن عدة من حضره أكثر من أن يطمع أحدًا أن يكون الكذب يجوز عليه. وقد كان صاحبكم هذا يقول: لا تقية إلا في دار الشرك. فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فقد أعمل التقية في دار الإسلام، وقد أكذب نفسه. وإن كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه، وليس منكم. على أنه لم ير سيفًا مشهورًا، ولا ضرب ضربًا كثيرًا، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطًا مقطوعة الثمار، مشعثة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مرارًا. ولا كان في مجلس
[ ٣ / ٢٩٥ ]
ضيق، ولا كانت حاله حال مؤيسة، ولا كان مثقلًا بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد. ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ويحلمون ويطيش.
وعبتم علينا إكفارنا إياكم، واحتجاجنا عليكم بالقرآن والحديث. وقلتم: تكفروننا على إنكار شيء يحتمله التأويل، ويثبت بالأحاديث، فقد ينبغي لكم أن لا تحتجوا في شيء من القدر والتوحيد بشيء من القرآن، وأن لا تكفروا أحدًا خالفكم في شيء وأنتم أسرع الناس إلى إكفارنا، وإلى عداوتنا والنصب لنا.
فصل منه
وأصحابنا - حفظك الله - إذا قاسوا خطأهم، ومروا على غلطهم فإنما ينقضون به شيئًا من العرض والجوهر، وشيئًا من قولهم في المعلوم والمجهول فقط. وهم قوم يكفيهم من التنبيه أقله، ومن القول أيسره. وخطأ النابتة وقول الرافضة تشبيه مصرح، وكفر مجلح، فليس هذا الجنس من ذلك الجنس. والحمد لله.
وأما إخبارهم عن عيبنا إياهم حين لم يقولوا: إن الله تعالى رب القرآن، وفينا من يقول: إن الله ﵎ رب الكفر والإيمان،
[ ٣ / ٢٩٦ ]
فإنا لم نسألهم عن ذلك من جهة ما يتوهمون، وإنما سألناهم عنه بجحدهم ما يرون بأبصارهم، ويسمعون بآذانهم، في الأشعار المعروفة، وفي الخطب المشهورة، وفي الابتهال عند الدعاء، وعلى ألسنة العوام والدهماء، وعند العهود والأيمان، وعند تعظيم القرآن، وبما يسمعون من السؤال في الطرقات، ومن القصاص في المساجد، لا يرون عائبًا، ولا يسمعون زاريا. وليس أنا جعلنا هذا مسألة على من أنكر خلق القرآن، ولكنا أردنا أن نبين للضعفاء معاندتهم، وفرارهم من البهت، ومكابرتهم إذا سمعوا أنهم لم يسمعوا الناس يقولون: ورب القرآن، ورب ياسين، ورب طه، وأشباه ذلك.
ولعمري أن لو سمعوا الناس يقولون عند أيمانهم وابتهالهم إلى ربهم، على غير قصد إلى خلاف ولا وفاق: ورب الزنى والسرق، ورب الكفر والكذب، كما سمعوهم يقولون: ورب القرآن، ورب يس، ورب طه! ثم ألزمناهم خلق القرآن بمثل ما لهم علينا في خلق الزنى لقد كان ذلك معارضة صحيحة، وموازنة معروفة.
وأما قولهم: إن معنا العامة، والعباد، والفقهاء، وأصحاب الحديث، وليس معهم إلا أصحاب الأهواء، ومن يأخذ دينه من أول
[ ٣ / ٢٩٧ ]
الرجال، فأي صاحب هو - يرحمك الله - أبعد من الجماعة من الرافضة، وهم في هذا المعنى أشقاؤهم وأولياؤهم، لأن ما خالفوهم فيه صغير في جنب ما وافقوهم عليه، والذين سموهم أصحاب أهواء هم المتكلمون، والمصلحون والمستصلحون، والمميزون. وأصحاب الحديث والعوام هم الذين يقلدون ولا يحصلون، ولا يتخيرون، والتقليد مرغوب عنه في حجة العقل، منهي عنه في القرآن، قد عكسوا الأمور كما ترى، ونقضوا العادات. وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث، وقابل ووازن، أحق بالتبين، وأولى بالحجة.
وأما قولهم: منا النساك والعباد، فعباد الخوارج وحدهم أكثر عددًا من عبادهم، على قلة عدد الخوارج في جنب عددهم، على أنهم أصحاب نية، وأطيب طعمة، وأبعد من التكسب، وأصدق ورعًا، وأقل رياءً، وأدوم طريقة، وأبذل للمهجة، وأقل جمعًا ومنعا، وأظهر زهدًا وجهدًا. ولعل عبادة عمرو بن عبيد تفي بعبادة عامة عبادهم.
وأما قولهم: إن للقرآن قلبًا وسنامًا ولسانًا وشفتين، وأنه يقدس ويشفع ويمحل، فإن هذا كله قد يجوز أن يكون مثلا، ويجوز أن
[ ٣ / ٢٩٨ ]
يجعله الله كذلك إذا كان جسمًا، والله على ذلك قادر، وهو له غير معجز، ومنه غير مستحيل. وكل فعل لا يكون عيبًا، ولا ظلمًا ولا بخلًا ولا كذبًا، ولا خطاءً في التدبير، فهو جائز، والتعجب منه غير جائز.
فصل منه
وما أكثر من يجيب في المسائل، ويؤلف الكتب على قدر ما يسنح له في وهمه، وعلى قدر ما يتصور له في حاله تلك، لا يعمل على أصل، أو لا يشعر بالذي انبنى عليه ذلك الأصل، وإن كان ممن يعمل على أصل.
وإنما صار علماؤنا إلى ما صاروا إليه لأنهم لا يقفون من القول في خلق القرآن على جواب مهذب، ومذهب مصفى، وعلى قول مفروغ منه، وعلى جوابات بأعيانها. فقد رددوا فيها النظر، وامتحنوها بأغلظ المحن، وقلبوها أكثر التقليب، وتبطنوا معانيها بأبلغ التفكير، وتعرفوا كل ما فيها، واعتصروا جميع قواها، وسهلوا سبلها، وذللوا العبارة عنها، احتقارًا منهم لمن خالفهم، واتكالًا على طول السلامة منهم، وثقة بطول الظفر بهم.
ومن تمام أمر صاحب الحق أن لا يتكل على عجز الخصم، وأن لا يعجب بظهوره على من لا حظ له في العلم.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وعلى العلماء أن يخافوا دول العلم، كما يخاف الملوك دول الملك. وقد رأيت البكرية، والجبرية، والفضلية، والشمرية، وإنهم لأحقر عند المعتزلة من جعل مما زالوا يستقون من علمائهم، ويستمدون من كبرائهم، ويدرسون كتبهم، ويأخذون ألفاظهم في جميع أمورهم، حتى رأيت شبيبتهم ونابتتهم، يدعون أنهم أكفاء، ويجمع بينهم في البلاء. والنابتة اليوم في التشبيه مع الرافضة، وهم دائبون في التألم من المعتزلة. غدرهم كثير، ونصبهم شديد، والعوام معهم، والحشو يطيعهم.
الآن معك أمران: السلطان وميلهم إليه، وخوفهم منه.
والعاقبة للمتقين.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
فصل من صدر كتابه في الرد على النصارى
[ ٣ / ٣٠١ ]
الحمد لله الذي من علينا بتوحيده، وجعلنا ممن ينفي شبهة خلقه وسياسة عباده، وجعلنا لا نفرق بين أحد من رسله، ولا نجحد كتابًا أوجب علينا الإقرار به، ولا نضيف إليه ما ليس منه، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد.
أما بعد فقد قرأت كتابكم، وفهمت ما ذكرتم فيه من مسائل النصارى قبلكم، وما دخل على قلوب أحداثكم وضعفائكم من اللبس، والذي خفتموه على جواباتهم من العجز، وما سألتم من إقرارهم بالمسائل، ومن حسن معونتهم بالجواب.
وذكرتم أنهم قالوا: إن الدليل على أن كتابنا باطل، وأمرنا فاسد، أننا ندعي عليهم ما لا يعرفونه فيما بينهم، ولا يعرفونه من أسلافهم، لأنا نزعم أن الله جل وعز قال في كتابه على لسان نبيه محمد ﷺ: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "، وأنهم زعموا أنهم لم يدينوا قط بأن
[ ٣ / ٣٠٣ ]
مريم إله في سرهم، ولا ادعوا ذلك قط في علانيتهم. وأنهم زعموا أنا ادعينا عليهم ما لا يعرفون، كما ادعينا على اليهود ما لا يعرفون، حين نطق كتابنا، وشهد نبينا: أن اليهود قالوا: إن عزيرًا ابن الله، وإن يد الله مغلولة، وإن الله فقير وهم أغنياء. وهذا ما لا يتكلم به إنسان، ولا يعرف في شيء من الأديان.
ولو كانوا يقولون في عزير ما نحلتمون وادعيتموه، لما جحدوه من دينهم، ولما أنكروا أن يكون من قولهم، ولما كانوا بإنكار بنوة عزير أحق منا بإنكار بنوة المسيح، ولما كان علينا منكم بأس بعد عقد الذمة، وأخذ الجزية.
وذكرتم أنهم قالوا: ومما يدل على غلطكم في الأخبار، وأخذكم العلم عن غير الثقات، أن كتابكم ينطق: أن فرعون قال لهامان: " ابن لي صرحًا ". وهامان لم يكن إلا في زمن الفرس، وبعد زمن فرعون بدهر طويل، وإن ذلك معروف عند أصحاب الكتب، مشهور عند أهل العلم. وإنما اتخذ صرحًا ليكون إذا علاه أشرف على الله.
وفرعون لا يخلو من أن يكون جاحدًا لله تعالى، أو مقرًا به. فإن كان دينه عند نفسه وأهل مملكته نفي الله وجحده، فما وجه اتخاذ الصرح وطلب الإشراف، وليس هناك شيء ولا إله؟
[ ٣ / ٣٠٤ ]
وإن كان مقرًا بالله عارفًا به، فلا يخلو من أن يكون مشبهًا أو نافيًا للتشبيه. فإن كان ممن ينفي الطول والعرض والعمق والحدود والجهات، فما وجه طلبه له في مكان بعينه، وهو عنده بكل مكان؟ وإن كان مشبهًا فقد علم أنه ليس في طاقة بني آدم أن يبنوا بنيانًا، أو يرفعوا صرحًا يخرق سبع سموات بأعماقهن، والأجزاء التي بينهن، حتى يحاذي العرش ثم يعلوه.
وفرعون وإن كان كافرًا فلم يكن مجنونًا، ولا كان إلى نقص العقل من بين الملوك منسوبًا. على أن الحكم قد يقوم بعقول الملوك بالفضيلة على عقول الرعية.
وذكرتم أنهم قالوا: تزعمون أن الله تعالى ذكر يحيى بن زكريا يخبر أنه " لم يجعل له من قبل سميًا "، وأنهم يجدون في كتبهم وفيما لا يختلف فيه خاصتهم وعامتهم أنه كان من قبل يحيى بن زكريا غير واحد يقال له يحيى، منهم: يوحنا بن فرح.
وزعمتم أنهم قالوا لكم: إنكم ذكرتم أن الله قال في كتابه لنبيكم: " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "، وإنما عنى بقوله: " أهل الذكر ":
[ ٣ / ٣٠٥ ]
أهل التوراة، وأصحاب الكتب يقولون: إن الله قد بعث من النساء نبيات، منهم مريم بنت عمران، وبعث منهم حنة، وسارى، ورفقى.
وذكرتم أنهم قالوا: زعمتم أن عيسى تكلم في المهد، ونحن على تقديمنا له، وتقريبنا لأمره، وإفراطنا بزعمكم فيه، على كثرة عددنا، وتفاوت بلادنا، واختلافنا فيما بيننا، لا نعرف ذلك ولا ندعيه، وكيف ندعيه ولم نسمعه عن سلف، ولا ادعاه منا مدع.
ثم هذه اليهود لا تعرف ذلك، وتزعم أنها لم تسمع به إلا منكم، ولا تعرفه المجوس، ولا الصابئون، ولا عبادة البددة من الهند وغيرهم،
[ ٣ / ٣٠٦ ]
ولا الترك والخزر، ولا بلغنا ذلك عن أحد من الأمم السالفة، والقرون الماضية، ولا في الإنجيل، ولا في ذكر صفات المسيح في الكتب والبشارات به على ألسنة الرسل.
ومثل هذا لا يجوز أن يجهله الولي والعدو، وغير الولي وغير العدو، ولا يضرب به مثل، ولا يروح به الناس، ثم يجمع النصارى على رده، مع حبهم لتقوية أمره. ولم يكونوا ليضادوكم فيما يرجع عليهم نفعه. وكيف لم يكذبوكم في إحيائه الموتى، ومشيه على الماء، وإبراء الأكمه والأبرص؟ ! بل لم يكونوا ليتفقوا على إظهار خلاف دينهم، وإنكار أعظم حجة كانت لصاحبهم، ومثل هذا لا ينكتم ولا ينفك ممن يخالف وينم.
والكلام في المهد أعجب من كل عجب، وأغرب من كل غريب، وأبدع من كل بديع؛ لأن إحياء الموتى والمشي على الماء، وإقامة المقعد، وإبراء الأعمى، وإبراء الأكمه قد أتت به الأنبياء، وعرفه الرسل، ودار في أسماعهم. ولم يتكلم صبي قط، ولا مولود في المهد.
وكيف ضاعت هذه الآية، وسقطت حجة هذه العلامة من بين كل علامة؟ ! وبعد، فكل أعجوبة يأتي بها الرجال، والمعروفون بالبيان،
[ ٣ / ٣٠٧ ]
والمنسوبون إلى صواب الرأي، تكون الحيلة في الظن إليها أقرب، وخوف الخدعة عليها أغلب. والصبي المولود عاجز في الفطرة، ممتنع من كل حيلة، لا يحتاج فيه إلى نظر، ولا يشبهه من شاهده بدخل.
فصل منه
وسنقول في جميع ما ورد علينا من مسائلكم، وفيما لا يقع إليكم من مسائلهم، بالشواهد الظاهرة، والحجج القوية، والأدلة الاضطرارية، ثم نسألهم بعد جوابنا إياهم عن وجوه يعرفون بها انتقاض قولهم، وانتشار مذهبهم، وتهافت دينهم.
ونحن نعوذ بالله من التكلف وانتحال ما لا نحسن، ونسأله القصد في القول والعمل، وأن يكون ذلك لوجهه، ولنصرة دينه، إنه قريب مجيب.
فأنا مبتدىء في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من المجوس، وأسلم صدورًا عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، وأصغر كفرًا، وأهون عذابًا.
ولذلك أسباب كثيرة، ووجوه واضحة، يعرفها من نظر، ويجهلها من لم ينظر.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعداوة الجيران شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط. وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد.
فلما صار المهاجرون لليهود جيرانًا، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين، والاجتماع بعد الافتراق، والتواصل بعد التقاطع، وشبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ومالئوا الأعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة، إلى المناجزة والمنابذة بالعداوة، فجمعوا كيدهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم، وإخراجهم من ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر، وترادف لذلك الغيظ، وتضاعف البغض، وتمكن الحقد.
وكانت النصارى لبعد ديارهم، من مبعث النبي ﷺ ومهاجره، لا يتكلفون طعنا، ولا يثيرون كيدًا،
[ ٣ / ٣٠٩ ]
ولا يجمعون على حرب. فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، ولينها على النصارى.
ثم كان من أمر المهاجرين إلى الحبشة، واعتمادهم على تلك الجنبة ما حببهم إلى عوام المسلمين. وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على أعدائهم، وبقدر ما نقص من بغض النصارى زاد في بغض اليهود.
ومن شأن الناس حب من اصطنع إليهم خيرًا أو جرى على يديه، أراد الله بذلك أو لم يرده، وبقصد كان أم باتفاق.
وأمر آخر، وهو من أمتن أسبابهم وأقوى أمورهم، وهو تأويل آية غلطت فيها العامة حتى نازعت الخاصة، وحفظتها النصارى واحتجت، واستمالت قلوب الرعاع والسفلة، وهو قول الله تعالى: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ". إلى قوله: " وذلك جزاء المحسنين ". وفي نفس الآية أعظم الدليل على أن الله تعالى لم يعن هؤلاء النصارى ولا أشباههم: الملكانية واليعقوبية، وإنما عنى
[ ٣ / ٣١٠ ]
ضرب بحيرا، وضرب الرهبان الذين كان يخدمهم سلمان.
وبين حمل قوله: " الذين قالوا إنا نصارى " على الغلط منهم في الأسماء، وبين أن نجزم عليهم لأنهم نصارى فرق.
كما ذكر اليهود أنه جاء الإسلام وملوك العرب رجلان: غساني ولخمي، وهما نصرانيان، وقد كانت العرب تدين لهما، وتؤدي الإتاوة لهما، فكان تعظيم قلوبهم لهما راجعًا إلى تعظيم دينهما.
وكانت تهامة، وإن كانت لقاحًا لا تدين الدين، ولا تؤدي
[ ٣ / ٣١١ ]
الإتاوة، ولا تدين للملوك، فإنها كانت لا تمتنع من تعظيم ما عظم الناس، وتصغير ما صغروا.
ونصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب، معروفة عند أهل النسب، ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة، والأخبار الصحيحة.
وقد كانت تتجر إلى الشام، وينفذ رجالها إلى ملوك الروم، ولها رحلة في الشتاء والصيف، في تجارة مرة إلى الحبشة، ومرة قبل الشام، ومرة بيثرب، ومصيفها بالطائف، ومرة منيحين مستأنفًا بحمده، فكانوا أصحاب نعمة، وذلك مشهور مذكور في القرآن، وعند أهل المعرفة.
وقد كانت تهاجر إلى الحبشة، وتأتي باب النجاشي وافدة، فيحبوهم بالجزيل، ويعرف لهم الأقدار، ولم تكن تعرف كسرى، ولا تأنس بهم. وقيصر والنجاشي نصرانيان، فكان ذلك أيضًا للنصارى، دون اليهود.
والآخر من الناس تبع للأول في تعظيم من عظم، وتصغير من صغر.
[ ٣ / ٣١٢ ]
وأخرى: أن العرب كانت النصرانية فيهل فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون: العباد، فإنهم كانوا نصارى، وهم مغمورون مع نبذ يسير في بعض القبائل. ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام.
وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها: على لخم، وغسان، والحارث بن كعب بنجران، وقضاعة، وطي، في قبائل كثيرة، وأحياء معروفة. ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة.
وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة، إلا ما كان من ناس من اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة. ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب وحمير وتيماء ووادي القرى، في ولد هارون، دون العرب.
فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم، والقرابة التي كانت لهم. ثم رأت عوامنا أن فيها ملكًا قائمًا، وأن فيهم عربًا كثيرة، وأن بنات الروم ولدن لملوك الإسلام، وأن في
[ ٣ / ٣١٣ ]
النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين، فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء، ولم يروا ذلك في اليهود.
وإنما اختلفت أحوال اليهود والنصارى في ذلك لأن اليهود ترى أن النظر في الفلسفة كفر، والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة، وأنه لا علم إلا ما كان في التوراة وكتب الأنبياء، وأن الإيمان بالطب، وتصديق المنجمين من أسباب الزندقة والخروج إلى الدهرية، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة، حتى إنهم ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون كلام من سلك سبيل أولئك.
ولو علمت العوام أن النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان، ولا بعد روية، إلا حكمة الكف، من الخرط والنجر والتصوير، وحياكة البزيون لأخرجتهم من حدود الأدباء، ولمحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء؛ لأن كتاب المنطق والكون والفساد، وكتاب العلوي، وغير ذلك، لأرسطاطاليس، وليس برومي ولا نصراني.
وكتاب المجسطي لبطليموس، وليس برومي ولا نصراني.
وكتاب إقليدس لإقليدس، وليس برومي ولا نصراني.
[ ٣ / ٣١٤ ]
وكتاب الطب لجالينوس، ولم يكن روميًا ولا نصرانيًا.
وكذلك كتب ديمقراط وبقراط وأفلاطون، وفلان وفلان.
وهؤلاء ناس من أمة قد بادوا وبقيت آثار عقولهم، وهم اليونانيون، ودينهم غير دينهم، وأدبهم غير أدبهم، أولئك علماء، وهؤلاء صناع أخذوا كتبهم لقرب الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ملتهم. إلا ما كان من مشهور كتبهم، ومعروف حكمهم، فإنهم حين لم يقدروا على تغيير أسمائها زعموا أن اليونانيين قبيل من قبائل الروم، ففخروا بأديانهم على اليهود، واستطالوا بها على العرب، وبذخوا بها على الهند، حتى زعموا أن حكماءنا أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على أمثالهم، فهذا هذا.
ودينهم - يرحمك الله - يضاهي الزندقة، ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية، وهم من أسباب كل حيرة وشبهة.
والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر زندقة من النصارى، ولا أكثر متحيرًا أو مترنحًا منهم.
وكذلك شأن كل من نظر في الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة: ألا ترى أن أكثر من قتل في الزندقة ممن كان ينتحل الإسلام ويظهره،
[ ٣ / ٣١٥ ]
هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى.
على أنك لو عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك.
ومما عظمهم في قلوب العوام، وحببهم إلى الطغام، أن منهم كتاب السلاطين، وفراشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة.
ولا تجد اليهودي إلا صباغًا، أو دباغًا، أو حجامًا، أو قصابًا، أو شعابًا.
فلما رأت العوام اليهود والنصارى توهمت أن دين اليهود في الأديان كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر الكفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم.
وإنما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود، على شدة مساخة النصارى، لأن الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي، وكل مناكحهم مردودة فيهم، ومقصورة عليهم، وكانت الغرائب لا تشوبهم، وفحولة الأجناس لا تضرب ولا تضرب فيهم، لم ينجبوا في عقل ولا أسر ولا ملح. وإنك لتعرف ذلك في الخيل والإبل، والحمير والحمام.
ونحن - رحمك الله - لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى، وأن فيهم ملكًا قائمًا، وأن ثيابهم أنظف، وأن صناعتهم أحسن.
[ ٣ / ٣١٦ ]
وإنما خالفنا في فرق ما بين الكفرين والفرقتين، في شدة المعاندة واللجاجة، والإرصاد لأهل الإسلام بكل مكيدة، مع لؤم الأصول، وخبث الأعراق.
فأما الملك والصناعة والهيئة، فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية، والخيل العتاق، واتخذوا الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحذفوا المديني، ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا الشاكرية، وتسموا بالحسن والحسين، والعباس وفضل وعلي، واكتنوا بذلك أجمع، ولم يبق إلا أن يتسموا بمحمد، ويكتنوا بأبي القاسم. فرغب إليهم المسلمون، وترك كثير منهم عقد الزنانير، وعقدها آخرون دون ثيابهم، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع أقدارهم من دفعها وسبوا من سبهم، وضربوا من ضربهم.
[ ٣ / ٣١٧ ]
وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه، وقضاتنا أو عامتهم يرون أن دم الجاثليق والمطران والأسقف وفاء بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة.
ويرون أن النصراني إذا قذف أم النبي ﷺ بالغواية أنه ليس عليه إلا التعزير والتأديب، ثم يحتجون أنهم إنما قالوا ذلك لأن أم النبي ﷺ لم تكن مسلمة. فسبحان الله العظيم! ما أعجب هذا القول وأبين انتشاره! ومن حكم النبي ﷺ: أن لا يساوونا في المجلس، ومن قوله: " وإن سبوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم ".
وهم إذا قذفوا أم النبي ﵇ بالفاحشة لم يكن له عند أمته إلا التعزير والتأديب. وزعموا أن افتراءهم على النبي ليس بنكث للعهد، ولا بنقض للعقد.
وقد أمر النبي ﵇ أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا منهم، وعقدنا لذمتهم، دون إراقة دمهم. وقد حكم الله تعالى عليهم بالذلة والمسكنة.
[ ٣ / ٣١٨ ]
أو ما ينبغي للجاهل أن يعلم أن الأئمة الراشدين، والسلف المتقدمين لم يشترطوا عند أخذ الجزية، وعقد الذمة عدم الافتراء على النبي ﷺ وأمته، إلا لأن ذلك عندهم أعظم في العيون، وأجل في الصدور من أن يحتاجوا إلى تخليده في الكتب، وإلى إظهار ذكره بالشرط، وإلى تثبيته بالبينات، بل لو فعلوا ذلك لكان فيه الوهن عليهم، والمطمعة فيهم، ولظنوا أنهم في القدر الذي يحتاج فيه إلى هذا وشبهه.
وإنما يتواثق الناس في شروطهم، ويفسرون في عهودهم ما يمكن فيه الشبهة، أو يقع فيه الغلط، أو يغبى عنه الحاكم، وينساه الشاهد، ويتعلق به الخصم، فأما الواضح الجلي، والظاهر الذي لا يخيل فما وجه اشتراطه، والتشاغل بذكره.
وأما ما احتاجوا إلى ذكره في الشروط، وكان مما يجوز أن يظهر في العهد فقد فعلوه، وهو كالذلة والصغارة، وإعطاء الجزية، ومقاسمة الكنائس، وأن لا يعينوا بعض المسلمين على بعض، وأشباه ذلك. فأما
[ ٣ / ٣١٩ ]
أن يقولوا لمن هو أذل من الذليل، وأقل من القليل، وهو الطالب الراغب في أخذ فديته، والإنعام عليه بقبض جزيته وحقن دمه: نعاهدك على أن لا تفتري على أمة رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين. فهذا ما لا يجوز في تدبير أوساط الناس، فكيف بالجلة والعلية، وأئمة الخليقة، ومصابيح الدجى، ومنار الهدى، مع أنفة العرب، وبأو السلطان، وغلبة الدولة، وعز الإسلام، وظهور الحجة، والوعد بالنصرة.
على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود، ولا المجوس، ولا الصابئين كما ابتليت بالنصارى. وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف بالأسناد من روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا، مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين، والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما تبرءوا إلى علمائنا، وأهل الأقدار منا، ويشغبون على القوي، ويلبسون على الضعيف.
ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم، وأنه ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد.
وبعد، فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى
[ ٣ / ٣٢٠ ]
أغبيائنا وظرفائنا، ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية، والديصانية، والمرقونية، والفلانية، ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ، ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها، ومخلاة في أيدي ورثتها. فكل سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها.
وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح، وذكرهم للسياحة، وزرايتهم على كل من أكل اللحمان، ورغبتهم في أكل الحبوب، وترك الحيوان، وتزهيدهم في النكاح، وتركهم لطلب الولد، ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان، بترك النكاح وطلب النسل، وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسبًا، وأنهم يحنون إلى ذلك المذهب.
[ ٣ / ٣٢١ ]
والعجب أن كل جاثليق لا ينكح، ولا يطلب الولد. وكذلك كل مطران، وكل أسقف. وكذلك كل أصحاب الصوامع من اليعقوبية، والمقيمين في الديارات والبيوت من النسطورية. وكل راهب في الأرض وراهبة، مع كثرة الرهبان والرواهب، ومع تشبه أكثر القسيسين بهم في ذلك، ومع ما فيهم من كثرة الغزاة، وما يكون فيهم مما يكون في الناس، من المرأة العاقر، والرجل العقيم.
على أن من تزوج منهم امرأة لم يقدر على الاستبدال بها، ولا على أن يتزوج أخرى معها، ولا على التسري عليها. وهم مع هذا قد طبقوا الأرض، وملئوا الأفاق، وغلبوا الأمم بالعدد، وبكثرة الولد. وذلك مما زاد في مصائبنا، وعظمت به محنتنا.
ومما زاد فيهم، وأنمى عددهم، أنهم يأخذون من سائر الأمم، ولا يعطونهم، لأن كل دين جاء بعد دين، أخذ منه الكثير، وأعطاه القليل.
فصل منه
ومما يدل على قلة رحمتهم، وفساد قلوبهم أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم ما ركب به إنسان ثم يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم، ولا دفع عندهم.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
ولا نعرف قومًا يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا إلا ببلاد الروم والحبشة، وهم في غيرهما قليل، وأقل قليل.
على أنهم لم يتعلموا إلا منهم، ولا كان السبب في ذلك غيرهم، ثم خصوا أبناءهم وأسلموهم في بيعهم. وليس الخصاء إلا في دين الصابئين، فإن العابد ربما خصى نفسه، ولا يستحل خصاء ابنه. فلو تمت إرادتهم في خصاء أولادهم في ترك النكاح وطلب النسل كما حكيت لك قبل هذا لانقطع النسل، وذهب الدين، وفتن الخلق.
والنصراني وإن كان أنظف ثوبًا، وأحسن صناعة، وأقل مساخة، فإن باطنه ألأم وأقذر وأسمج، لأنه أقلف، ولا يغتسل من الجنابة، ويأكل لحم الخنزير، وامرأته جنب لا تطهر من الحيض، ولا من النفاس، ويغشاها في الطمث، وهي مع ذلك غير مختونة.
وهم مع شرارة طبائعهم، وغلبة شهواتهم ليس في دينهم مزاجر كنار الأبد في الآخرة، وكالحدود والقود والقصاص في الدنيا، فكيف يجانب ما يفسده، ويؤثر ما يصلحه من كانت حاله كذلك. وهل يصلح الدنيا من هو كما قلنا؟ وهل يهيج على الفساد إلا من وصفنا؟
[ ٣ / ٣٢٣ ]
ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه، حتى تعرف به حد النصرانية، وخاصة قولهم في الإلهية.
وكيف تقدر على ذلك وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولًا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف أخيه وصنوه. وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية. ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية، كما نعرف جميع الأديان.
على أنهم يزعمون أن الدين لا يخرج في القياس، ولا يقوم على المسائل، ولا يثبت في الامتحان، وإنما هو بالتسليم لما في الكتب، والتقليد للأسلاف. ولعمري، إن من كان دينه دينهم ليجب عليه أن يعتذر بمثل عذرهم.
وزعموا أن كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو معذور، ما لم يتعمد الباطل، ويعاند الحق. فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم بالمعاندة، وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة.
فصل منه
فأما مسألتهم في كلام عيسى في المهد: أن النصارى مع حبهم لتقوية أمره لا يثبتونه، وقولهم: إنا تقولناه ورويناه عن غير الثقات،
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وأن الدليل على أن عيسى لم يتكلم في المهد أن اليهود لا يعرفونه، وكذلك المجوس، وكذلك الهند والخزر والديلم. فنقول في جواب مسألتهم عند إنكارهم كلام المسيح في المهد مولودًا.
يقال لهم: إنكم حين سويتم المسألة وموهتموها، ونظمتم ألفاظها، ظننتم أنكم قد أنجحتم، وبلغتم غايتكم. ولعمري لئن حسن ظاهرها، وراع الأسماع مخرجها، إنها لقبيحة المفتش، سيئة المعرى.
ولعمري أن لو كانت اليهود تقر لكم بإحياء الأربعة الذين تزعمون، وإقامة المقعد الذي تدعون، وإطعام الجمع الكثير من الأرغفة اليسيرة، وتصيير الماء جمدًا، والمشي على الماء، ثم أنكرت الكلام في المهد من بين جميع آياته وبراهينه لكان لكم في ذلك مقال، وإلى الطعن سبيل. فأما وهم يجحدون ذلك أجمع، فمرة يضحكون، ومرة يغتاظون ويقولون: إنه صاحب رقىً ونيرجات، ومداوي
[ ٣ / ٣٢٥ ]
مجانين، ومتطبب، وصاحب حيل وتربص خدع، وقراءة كتب، وكان لسنًا مسكينًا، ومقتولًا مرحومًا، ولقد كان قبل ذلك صياد سمك، وصاحب شبك، وكذلك أصحابه. وأنه خرج على مواطأة منهم له، وأنه لم يكن لرشدة.
وأحسنهم قولًا، وألينهم مذهبًا من زعم أنه ابن يوسف النجار. وأنه قد كان واطأ ذلك المقعد قبل إقامته بسنين، حتى إذا شهره بالقعدة، وعرف موضعه في الزمنى، مر به في جمع من الناس كأنه لا يريده، فشكا إليه الزمانة وقلة الحيلة، وشدة الحاجة، فقال: ناولني يدك. فناوله يده، فاجتذبه فأقامه، فكان تجمع لطول القعود، حتى استمر بعد ذلك.
وأنه لم يحي ميتًا قط، وإنما كان داوى رجلًا يقال له لا عازر إذ أغمي عليه يومًا وليلة، وكانت أمه ضعيفة العقل، قليلة المعرفة، فمر بها، فإذا هي تصرخ وتبكي، فدخل إليها
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ليسكتها ويعزيها، وجس عرقه فرأى فيه علامة الحياة، فداواه حتى أقامه، فكانت لقلة معرفتها لا تشك أنه قد مات، ولفرحها بحياته تثني عليه بذلك، وتتحدث به.
فكيف تستشهدون قومًا هذا قولهم في صاحبكم، حين قالوا: كيف يجوز أن يتكلم صبي في المهد مولودًا، فيجهله الأولياء والأعداء.
ولو كانت المجوس تقر لعيسى بعلامة واحدة، وبأدنى أعجوبة، لكان لكم أن تنكروا علينا بهم، وتستعينوا بإنكارهم. فأما وحال عيسى في جميع أمره عند المجوس كحال زرادشت في جميع أمره عند النصارى فما اعتلالهم به، وتعلقهم في إنكارهم؟ وأما قولكم: وكيف لم تعرف الهند والخزر والترك ذلك؟ فمتى أقرت الهند لموسى بأعجوبة واحدة، فضلًا عن عيسى؟ ومتى أقرت لنبي بآية، أو روت له سيرة، حتى تستشهدوا الهند على كلام عيسى في المهد؟ ومتى كانت الترك والديلم والخزر والببر والطيلسان مذكورة في شيء من هذا الجنس، محتجًا بها على هذا الضرب؟
[ ٣ / ٣٢٧ ]
فإن سألونا عن أنفسهم فقالوا: ما لنا لا نعرف ذلك ولم يبلغنا عن أحد بتة؟ أجبناهم بعد إسقاط نكيرهم وتشنيعهم، وتزوير شهودهم.
وجوابنا: أنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس: اثنان منهم من الحواريين بزعمهم: يوحنا، ومتى. واثنان من المستجيبة وهما: مارقش ولوقش، وهؤلاء الأربعة لا يؤمن عليهم الغلط ولا النسيان، ولا تعمد الكذب، ولا التواطؤ على الأمور، والاصطلاح على اقتسام الرياسة، وتسليم كل واحد منهم لصاحبه حصته التي شرطها له.
فإن قالوا: إنهم كانوا أفضل من أن يتعمدوا كذبًا، وأحفظ من أن ينسوا شيئًا، وأعلى من أن يغلطوا في دين الله تعالى، أو يضيعوا عهدا.
قلنا: إن اختلاف رواياتهم في الإنجيل، وتضادها في كتبهم، واختلافهم في نفس المسيح، مع اختلاف شرائعهم، دليل على صحة قولنا فيهم، وغفلتكم عنهم.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
وما ينكر من مثل لوقش أن يقول باطلًا، وليس من الحواريين، وقد كان يهوديًا قبل ذلك بأيام يسيرة، ومن هو عندكم من الحواريين خير من لوقش عند المسيح في ظاهر الحكم بالطهارة، والطباع الشريفة، وبراءة الساحة.
فصل منه
سألتم عن قولهم: إذا كان تعالى قد اتخذ عبدًا من عباده خليلًا، فهل يجوز أن يتخذ عبدًا من عباده ولدًا، يريد بذلك إظهار رحمته له، ومحبته إياه، وحسن تربيته وتأديبه له، ولطف منزلته منه، كما سمى عبدًا من عباده خليلًا، وهو يريد تشريفه وتعظيمه، والدلالة على خاص حاله عنده.
وقد رأيت من المتكلمين من يجيز ذلك ولا ينكره، إذا كان ذلك على التبني والتربية والإبانة له بلطف المنزلة، والاختصاص له بالمرحمة والمحبة، لا على جهة الولادة، واتخاذ الصاحبة. ويقول: ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية والمحبة.
وزعم أن الله تعالى يحكم في الأسماء بما أحب، كما أن له أن يحكم في المعاني بما أحب.
وكان يجوز دعوى أهل الكتاب على التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء صلوات الله عليهم في قولهم: إن الله قال: " إسرائيل
[ ٣ / ٣٢٩ ]
بكري " أي هو أول من تبنيت من خلقي. وأنه قال: " إسرائيل بكري، وبنوه أولادي ". وأنه قال لداود: " سيولد لك غلام، ويسمى لي ابنًا، وأسمى له أبًا ". وأن المسيح قال في الإنجيل: " أنا أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم "، وأن المسيح أمر الحواريين أن يقولوا في صلواتهم: " يا أبانا في السماء، تقدس اسمك ". في أمور عجيبة، ومذاهب شنيعة، يدل على سوء عبادة اليهود، وسوء تأويل أصحاب الكتب، وجهلهم مجازات الكلام، وتصاريف اللغات، ونقل لغة إلى لغة، وما يجوز على الله، وما لا يجوز. وسبب هذا التأويل كله الغي والتقليد، واعتقاد التشبيه.
وكان يقول: إنما وضعت الأسماء على أقدار المصلحة، وعلى قدر ما يقابل من طبائع الأمم. فربما كان أصلح الأمور وأمتنها أن يتبناه الله أو يتخذه خليلًا، أو يخاطبه بلا ترجمان، أو يخلقه من غير ذكر، أو يخرجه من بين عاقر وعقيم. وربما كانت المصلحة غير ذلك
[ ٣ / ٣٣٠ ]
كله. وكما تعبدنا أن نسميه جوادًا ونهانا أن نسميه سخيًا أو سريًا وأمرنا أن نسميه مؤمنًا ونهانا أن نسميه مسلمًا، وأمرنا أن نسميه رحيمًا ونهانا أن نسميه رفيقًا.
وقياس هذا كله واحد، وإنما يتسع ويسهل على قدر العادة وكثرتها. ولعل ذلك كله قد كان شائعًا في دين هود وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ كان شائعًا في كلام العرب في إثبات ذلك وإنكاره.
وأما نحن - رحمك الله - فإنا لا نجيز أن يكون لله ولد، لا من جهة الولادة، ولا من جهة التبني، ونرى أن تجويز ذلك جهل عظيم، وإثم كبير؛ لأنه لو جاز أن يكون أبًا ليعقوب لجاز أن يكون جدًا ليوسف، ولو جاز أن يكون جدًا وأبًا، وكان ذلك لا يوجب نسبا، ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه، ولا ينقص من عظم، ولا يحط من بهاء، لجاز أيضًا أن يكون عمًا وخالًا؛ لأنه إن جاز أن يسميه من أجل المرحمة والمحبة والتأديب أبًا، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد أخًا، ولجاز أن يجد له صاحبًا وصديقًا، وهذا ما لا يجوزه إلا من لا يعرف عظمة الله، وصغر قدر الإنسان.
وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده، ووضع من قدره في التوفر على غيره. وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسيء إلى
[ ٣ / ٣٣١ ]
نفسك، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب. وكثير الحمد لا يقوم بقليل الذم، ولم يحمد الله ولم يعرف إلهيته من جوز عليه صفات البشر، ومناسبة الخلق، ومقاربة العباد.
وبعد، فلا يخلو المولى في رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين: إما أن يكون لا يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه، ويكون على ذلك قادرًا، مع وفارة العظمة، وتمام البهاء.
وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه فهذا هو العجز، وضيق الذرع.
وإن كان على ذلك قادرًا فآثر ابتذال نفسه والحط من شرفه فهذا هو الجهل الذي لا يحتمل.
والوجهان عن الله ﷻ منفيان.
ووجه آخر يعرفون به صحة قولي، وصواب مذهبي، وذلك أن الله ﵎ لو علم أنه فد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل: إن أباكم كان بكري وابني، وإنكم أبناء بكري لما كان تغضب عليهم إذ قالوا: نحن أبناء الله، فكيف لا يكون ابن ابن الله ابنه،
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وهذا من تمام الإكرام، وكمال المحبة، ولا سيما إن كان قال في التوراة: بنو إسرائيل أبناء بكري.
وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات الله كيف استعظم الله تعالى ذلك وأكبره، وغضب على أهله، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل الملائكة بناته على الولادة واتخاذ الصاحبة، فكيف يجوز مع ذلك أن يكون الله قد كان يخبر عباده قبل ذلك بأن يعقوب ابنه، وأن سليمان ابنه، وأن عزيرًا ابنه، وأن عيسى ابنه؟.
فالله تعالى أعظم من أن يكون له أبوة من صفاته، والإنسان أحقر من أن يكون بنوة الله من أنسابه.
والقول بأن الله يكون أبًا وجدًا وأخًا وعمًا، للنصارى ألزم، وإن كان للآخرين لازمًا، لأن النصارى تزعم أن الله هو المسيح بن مريم، وأن المسيح قال للحواريين: " إخوتي ". فلو كان للحواريين أولاد لجاز أن يكون الله عمهم! بل قد يزعمون أن مرقش هو ابن شمعون الصفا، وأن زوزري ابنته، وأن النصارى تقر أن في إنجيل مرقش: " ما زاذ أمك وإخوتك على الباب " وتفسيرها: ما زاذ: معلم. فهم لا يمتنعون من أن يكون الله ﵎ أبًا وجدًا وعمًا.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
ولولا أن الله قد حكى عن اليهود أنهم قالوا: إن " عزيرًا ابن الله "، " ويد الله مغلولة "، و" إن الله فقير ونحن أغنياء " وحكى عن النصارى أنهم قالوا: " المسيح ابن الله " وقال: " قالت النصارى المسيح ابن الله ". وقال: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " لكنت لأن أخر من السماء أحب إلي من أن ألفظ بحرف مما يقولون. ولكني لا أصل إلى إظهار جميع مخازيهم، وما يسرون من فضائحهم، إلا بالإخبار عنهم، والحكاية منهم.
فإن قالوا: خبرونا عن الله، وعن التوراة، أليست حقًا؟ قلنا: نعم. قالوا: فإن فيها " إسرائيل بكري " وجميع ما ذكرتم عنا معروف في الكتب.
قلنا: إن القوم إنما أتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام، ومن سوء الترجمة، مع الحكم بما يسبق إلى القلوب. ولعمري أن لو كانت لهم عقول المسلمين ومعرفتهم بما يجوز في كلام العرب، وما يجوز على الله، مع فصاحتهم بالعبرانية، لوجدوا لذلك الكلام تأويلًا حسنًا، ومخرجًا سهلًا، ووجهًا قريبًا. ولو كانوا أيضًا لم يعطلوا في سائر ما ترجموا لكان لقائل مقال، ولطاعن مدخل، ولكنهم يخبرون أن
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الله ﵎ قال في العشر الآيات التي كتبتها أصابع الله: " إني أنا الله الشديد، وإني أنا الله الثقف، وأنا النار التي تأكل النيران، آخذ الأبناء بحوب الآباء، القرن الأول والثاني والثالث إلى السابع ". وأن داود قال في الزبور: " وافتح عينك يا رب " وقم يا رب "، و" أصغ إلي سمعك يا رب ". وأن داود خبر أيضًا في مكان آخر عن الله تعالى: " وانتبه الله كما ينتبه السكران الذي قد شرب الخمر ". وأن موسى قال في التوراة: " خلق الله الأشياء بكلمته، وبروح نفسه ". وأن الله قال في التوراة لبني إسرائيل: " بذراعي الشديدة أخرجتكم من أهل مصر ". وأنه قال في كتاب إشعياء: " احمد الله حمدًا جديدًا، احمده في أقاصي الأرض، يملأ الجزائر وسكانها، والبحور والقفار وما فيها، ويكون بنو قيدار في القصور، وسكان الجبال - يعني قيدار بن إسماعيل - ليصيحوا ويصيروا لله الفخر والكرامة، ويسبحوا بحمد الله في الجزائر ".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وأنه قال على إثر ذلك: " ويخرج الرب كالجبار، وكالرجل الشجاع المجرب، ويزجر ويصرخ، ويهيج الحرب والحمية، ويقتل أعداءه، يفرح السماء والأرض ".
وأن الله قال أيضًا في كتاب إشعياء: " سكت. قال: هو متى أسكت، مثل المرأة التي قد أخذها الطلق للولادة أتلهف، وإن تراني أريد أحرث الجبال والشعب، وآخذ بالعرب في طريق لا يعرفونه ".
وكلهم على هذا اللفظ العربي مجمع. ومعنى هذا لا يجوزه أحد من أهل العلم، ومثل هذا كثير تركته لمعرفتكم به.
وأنت تعلم أن اليهود لو أخذوا القرآن فترجموه بالعبرانية لأخرجوه من معانيه، ولحولوه عن وجوهه، وما ظنك بهم إذا ترجموا: " فلما آسفونا انتقمنا منهم "، و" لتصنع على عيني "، و" السموات مطوية بيمينه "، و" على العرش استوى "، و" ناضرة. إلى ربها ناظرة "، وقوله: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا "،
[ ٣ / ٣٣٦ ]
و" كلم الله موسى تكليمًا "، و" جاء ربك والملك صفًا صفًا ".
وقد يعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة، وأعلم بوجوه الكلام من اليهود، ومتأولي الكتاب، ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على الله في صفته، ولا عند المتكلمين في مقاييسهم، ولا عند النحويين في عربيتهم. فما ظنك باليهود مع غباوتهم وغيهم، وقلة نظرهم وتقليدهم؟ وهذا باب قد غلطت فيه العرب أنفسها، وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها، وأخطأت عقولها، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها؟ سمع بعض العرب قول جميع العرب: " القلوب بيد الله "، وقولهم في الدعاء: " نواصينا بيد الله " وقوله جل ذكره: " بل يداه مبسوطتان "، وقولهم: " هذا من أيادي الله ونعمه عندنا " وقد كان من لغتهم أن الكف أيضًا يد، كما أن النعمة يد، والقدرة يد، فغلط الشاعر فقال:
هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وقد كان إبراهيم بن سيار النظام يجيب بجواب، وأنا ذكره إن شاء الله. وعليه كانت علماء المعتزلة، ولا أراه مقنعًا ولا شافيًا.
وذلك أنه كان يجعل الخليل مثل الحبيب، مثل الولي، وكان يقول: خليل الرحمن مثل حبيبه ووليه وناصره. وكانت الخلة والولاية والمحبة سواء.
قالوا: ولما كانت كلها عنده سواء جاز أن يسمي عبدًا له ولدًا، لمكان التربية التي ليست بحضانة، ولمكان الرحمة التي لا تشتق من الرحم، لأن إنسانًا لو رحم جرو كلب فرباه لم يجز أن يسميه ولدًا ويسمي نفسه أبًا. ولو التقط صبيًا فرباه جاز أن يسميه ولدًا ويسمي نفسه له أبًا، لأنه شبيه ولده، وقد يولد لمثله مثله. وليس بين الكلاب والبشر أرحام، فإذا كان شبه الإنسان أبعد من الله تعالى من شبه الجرو بالإنسان، كان الله أحق بألا يجعله ولده، وينسبه إلى نفسه.
قلنا لإبراهيم النظام عند جوابه هذا وقياسه الذي قاس عليه، في المعارضة والموازنة بين قياسنا وقياسه: أرأيت كلبًا ألف كلابه، وجامى وأحمى دونه، هل يجوز أن يتخذه بذلك كله خليلًا، مع بعد التشابه والتناسب؟
فإذا قال: لا. قلنا: فالعبد الصالح أبعد شبهًا من الله من ذلك الكلب المحسن إلى كلابه، فكيف جاز في قياسك أن يكون الله خليل
[ ٣ / ٣٣٨ ]
من لا يشاكله لمكان إحسانه، ولا يجوز للكلاب أن يسمي كلبه خليلًا أو ولدًا لمكان حسن تربيته له، وتأديبه إياه، ولمكان حسن الكلب وكسبه عليه، وقيامه مقام الولد الكاسب والأخ، والبار.
والعبد الصالح لا يشبه الله في وجه من الوجوه، والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة، بل ما أشبهه به مما خالفه فيه، وإن كانت العلة التي منعت من تسمية الكلب خليلًا وولدًا بعد شبهه من الإنسان.
فلو قلتم: فما الجواب الذي أجبت فيه، والوجه الذي ارتضيته؟ قلنا: إن إبراهيم صلوات الله عليه، وإن كان خليلًا، فلم يكن خليله بخلة كانت بينه وبين الله تعالى، لأن الخلة والإخاء والصداقة والتصافي والخلطة وأشباه ذلك منفية عن الله تعالى عز ذكره، فيما بينه وبين عباده، على أن الإخاء والصداقة داخلتان في الخلة، والخلة أعم الاسمين، وأخص الحالين. ويجوز أن يكون إبراهيم خليلًا بالخلة التي أدخلها الله على نفسه وماله، وبين أن يكون خليلًا بالخلة وأن يكون خليلًا بخلة بينه وبين ربه فرق ظاهر، وبون واضح. وذلك أن إبراهيم ﵇ اختل في الله تعالى اختلالًا لم يختلله أحد قبله. لقذفهم إياه في النار، وذبحه ابنه، وحمله على ماله في الضيافة والمواساة والأثرة، وبعداوة قومه، والبراءة من أبويه في حياتهما، وبعد موتهما، وترك وطنه، والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه. فصار لهذه الشدائد مختلًا في الله، وخليلًا في الله. والخليل والمختل سواء في كلام
[ ٣ / ٣٣٩ ]
العرب. والدليل على أن يكون الخليل من الخلة كما يكون من الخلة قول زهير بن أبي سلمى، وهو يمدح هرمًا:
وإن أتاه خليل يوم مسبغة يقول لا عاجز مالي ولا حرم
وقال آخر:
وإني إلى أن تسعفاني بحاجة إلى آل ليلى مرة لخليل
وهو لا يمدحه بأن خليله وصديقه يكون فقيرًا سائلًا، يأتي يوم المسألة ويبسط يده للصدقة والعطية، وإنما الخليل في هذا الموضع من الخلة والاختلال، لا من الخلة والخلال.
وكأن إبراهيم ﵇ حين صار في الله مختلًا أضافه الله إلى نفسه، وأبانه بذلك عن سائر أوليائه، فسماه خليل الله من بين الأنبياء، كما سمى الكعبة: بيت الله من بين جميع البيوت، وأهل مكة: أهل الله من بين جميع البلدان. وسمى ناقة صالح ﵇: ناقة الله من بين جميع النوق. وهكذا كل شيء عظمه الله تعالى، من خير وشر، وثواب وعقاب. كما قالوا: دعه في لعنة الله، وفي نار الله وفي حرقه. وكما قال للقرآن: كتاب الله، وللمحرم: شهر الله. وعلى هذا المثال قيل لحمزة رحمة الله ورضوانه عز ذكره عليه: أسد الله، ولخالد رحمة الله عليه: سيف الله تعالى.
وفي قياسنا هذا لا يجوز: أن الله خليل إبراهيم، كما يقال: إن إبراهيم خليل الله.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
فإن قال قائل: فكيف لم يقدموه على جميع الأنبياء، إذ كان الله قدمه بهذا الاسم الذي ليس لأحد مثله؟ قلنا: إن هذا الاسم اشتق له من عمله وحاله وصفته، وقد قيل لموسى ﵇: كليم الله، وقيل لعيسى: روح الله، ولم يقل ذلك لإبراهيم، ولا لمحمد صلوات الله عليهما، وإن كان محمد ﷺ أرفع درجة منهم، لأن الله تعالى كلم الأنبياء ﵈ على ألسنة الملائكة، وكلم موسى كما كلم الملائكة، فلهذه العلة قيل: كليم الله. وخلق في نطف الرجال أن قذفها في أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب العالم، وطباع الدنيا، وخلق في رحم مريم روحًا وجسدًا، على غير مجرى العادة، وما عليه المناكحة. فلهذه الخاصة قيل له: روح الله.
وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة، ولا تكون تلك الخصلة بعينها في نبي أرفع درجة منه، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في الآخر. وكذلك جميع الناس، كالرجل يكون له أبوان، فيحسن برهما وتعاهدهما، والصبر عليهما، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد، وفقير لا يقدر على الإنفاق. ويكون آخر لا أب له ولا أم له، وهو ذو مال كثير، وخلق سوي، وجلد طاهر، فأطاع هذا بالجهاد والإنفاق، وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما.
والكلام إذا حرك تشعب، وإذا ثبت أصله كثرت فنونه، واتسعت طرقه. ولولا ملالة القارىء، ومداراة المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم للدليل، وأجمع للكتاب، ولكنا إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر النصرانية فقط.
[ ٣ / ٣٤١ ]
فصل منه
قلنا في جواب آخر: إن كان المسيح إنما صار ابن الله لأن الله خلقه من غير ذكر، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك، إن كانت العلة في اتخاذه ولدًا أنه خلقه من غير ذكر.
وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى، وداود، وجميع الأنبياء. وهل تأويل: رباه إلا غذاه، ورزقه، وأطعمه، وسقاه، فقد فعل ذلك بجميع الناس. ولم سميتم سقيه لهم وإطعامه إياهم تربية؟ ولم رباه وأنتم لا تريدون إلا غذاه ورزقه، وهو لم يحضنه، ولم يباشر تقليبه، ولم يتول بنفسه سقيه وإطعامه، فيكون ذلك سببًا له دون غيره، وإنما سقاه لبن أمه في صغره، وغذاه بالحبوب والماء في كبره.
فصل منه
والأعجوبة في آدم ﵇ أبدع، وتربيته أكرم، ومنقلبه أعلى وأشرف، إذ كانت السماء داره، والجنة منزله، والملائكة خدامه. بل هو المقدم بالسجود، والسجود أشد الخضوع. وإن كان بحسن التعليم والتثقيف؛ فمن كان الله تعالى يخاطبه، ويتولى مناجاته دون أن يرسل إليه ملائكته ويبعث إليه رسله، أقرب منزلة، وأشرف مرتبة، وأحق بشرف التأديب وفضيلة التعليم.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
وكان الله تعالى يكلم آدم كما كان يكلم ملائكته، ثم علمه الأسماء كلها؛ ولم يكن ليعلمه الأسماء كلها إلا بالمعاني كلها، فإذا كان ذلك كذلك فقد علمه جميع مصالحه ومصالح ولده، وتلك نهاية طباع الآدميين، ومبلغ قوى المخلوقين.
فصل منه
فأما قولهم إنا نقول على الناس ما لا يعرفونه، ولا يجوز أن يدينوا به، وهو قولنا إن اليهود قالت: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء. وأنها قالت: إن يد الله مغلولة، وإنها قالت: إن عزيرًا ابن الله، وهم مع اختلافهم وكثرة عددهم، ينكرون ذلك ويأبونه أشد الإباء.
قلنا لهم: إن اليهود لعنهم الله تعالى كانت تطعن على القرآن، وتلتمس نقضه، وتطلب عيبه، وتخطىء فيه صاحبه، وتأتيه من كل وجه، وترصده بكل حيلة، ليلتبس على الضعفاء، وتستميل قلوب الأغبياء.
فلما سمعت قول الله تعالى لعباده الذين أعطاهم، قرضًا، وسألهم قرضًا على التضعيف، فقال عز من قائل: " من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له ". قالت اليهود على وجه الطعن والعيب والتخطئة والتعنت: تزعم أن الله يستقرض منا، وما استقرض منا
[ ٣ / ٣٤٣ ]
إلا لفقره وغنانا! فكفرت بذلك القول إذ كان على وجه التكذيب والتخطئة، لا على وجه أن دينها كان في الأصل أن الله فقير، وأن عباده أغنياء. وكيف يعتقد إنسان أن الله عاجز عما يقدر عليه، مع إقراره بأنه الذي خلقه ورزقه، وإن شاء حرمه، وإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. وقدرته على جميع ذلك كقدرته على واحد.
ومجاز الآية في اللغة واضح، وتأويلها بين؟ وذلك أن الرجل منهم كان يقرض صاحبه لإرفاقه، ليعود إليه مع أصل ماله اليسير من ربحه، ثم هو مخاطر به إلى أن يعود في ملكه. فقال لهم بحسن عادته ومنته: آسوا فقراءكم، وأعطوا في الحق أقرباءكم، من المال الذي أعطيتكم، والنعمة التي خولتكم، بأمري إياكم وضماني لكم، فأعتده منكم قرضًا وإن كنت أولى به منكم، فأنا موفيكم حقوقكم إلى ما لا ترتقي إليه همة ولا تبلغه أمنية. على أنكم قد أمنتم من الخطار، وسلمتم من التغرير.
والرجل يقول لعبده: أسلفني درهمًا، عند الحاجة تعرض له، وهو يعلم أن عبده وماله له. وإنما هذا كلام وفعال يدل على حسن الملكة، والتفضل على العبد والأمة، وإخبار منه لعبده أنه سيعيد عليه ما كانت سخت به نفسه.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وهذا ليس بغلط في الكلام ولا بضيق فيه ولكن المتعنت يتعلق بكل سبب، ويتشبث بكل ما وجد.
وأما إخباره عن اليهود أنها قالت: " يد الله مغلولة "، فلم يذهب إلى أن اليهود ترى أن ساعده مشدودة إلى عنقه بغل. وكيف يذهب إلى هذا ذاهب، ويدين به دائن؟ ! لأنه لا بد أن يكون يذهب إلى أنه غل نفسه أو غله غيره. وأيهما كان، فإنه منفي عن وهم كل بالغ يحتمل التكليف، وعاقل يحتمل التثقيف، ولكن اليهود قوم جبرية، والجبرية تبخل الله مرة، وتظلمه مرة، وإن لم تقر بلسانها، وتشهد على إقرارها، بقولهم: " يد الله مغلولة " يعنون بره وإحسانه. وقولهم: مغلولة، لا يعني أن غيره حبسه ومنعه، ولكن إذا كان عندهم أنه الذي منع أياديه، وحبس نعمه؛ فهي محبوسة بحبسه، وممنوعة بمنعه.
والذي يدل على أنهم أرادوا باليدين النعمة والإفضال، دون
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الساعد والذراع، جواب كلامهم حين قال: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ". دليلًا على ما قلنا، وشاهدًا على ما وصفنا.
فإن قالوا: فكيف لم نقل إن اليهود بخلت الله وجحدت إحسانه، دون أن يقال إن يد الله مغلولة؟ قلنا: إن أراد الله الإخبار عن كفر قوم وسخط عليهم، فليس لهم عليه أن يعبر عن دينهم وعيوبهم بأحسن المخارج، ويجليها بأحسن الألفاظ. وكيف وهو يريد التنفير عن قولهم، وأن يبغضهم إلى من سمع ذلك عنهم.
ولو أراد الله تعالى تليين الأمر وتصغيره وتسهيله، لقال قولًا غير هذا. وكل صدق جائز في الكلام. فهذا مجاز مسألتهم في اللغة، وهو معروف عند أهل البيان والفصاحة.
وأما قولهم: إن اليهود لا تقول إن عزيرًا ابن الله. فإن اليهود في ذلك على قولين: أحدهما خاص، والآخر عام في جماعتهم.
فأما الخاص، فإن ناسًا منهم لما رأوا عزيرًا أعاد عليهم التوراة من تلقاء نفسه، بعد دروسها وشتات أمرها غلوا فيه، وقالوا ذلك، وهو مشهور من أمرهم. وإن فريقًا من بقاياهم لباليمن والشام وداخل بلاد الروم. وهؤلاء بأعيانهم يقولون: إن إسرائيل الله ابنه، وإذا كان ذلك على خلاف تناسب الناس، وصار ذلك الاسم لعزير
[ ٣ / ٣٤٦ ]
بالطاعة والعلامة، والمرتبة لأنه من ولد إسرائيل.
والقول الذي هو عام فيهم، أن كل يهودي ولده إسرائيل، فهو ابن الله، إذ لم يجدوا ابن ابن قط إلا وهو ابن.
فصل منه
فإن قالوا: ليس المسيح روح الله وكلمته، كما قال عز ذكره: " وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " أو ليس قد أخبر عن نفسه حين ذكر أمه أنه نفخ فيها من روحه؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر عن حصانة فرجها وطهارتها؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر أنه لا أب له، وأنه كان خالقًا، إذ كان يخلق من الطين كهيئة الطير، فيكون حيًا طائرًا؟ فأي شيء بقي من الدلالات على مخالفته لمشاكلة جميع الخلق، ومباينة جميع البشر؟ قلنا لهم: إنكم إنما سألتمونا عن كتابنا، وما يجوز في لغتنا وكلامنا، ولم تسألونا عما يجوز في لغتكم وكلامكم. ولو أننا جوزنا ما في لغتنا ما لا يجوز، وقلنا على الله تعالى ما لا نعرف، كنا بذلك عند الله والسامعين في حد المكاثرين، وأسوأ حالًا من المنقطعين، وكنا قد أعطيناكم أكثر مما سألتم، وجزنا بكم فوق أمنيتكم.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ولو كنا إذا قلنا: عيسى روح الله وكلمته، وجب علينا في لغتنا أن يجعله الله ولدًا، ونجعله مع الله تعالى إلهًا، ونقول: إن روحًا كانت في الله فانفصلت منه إلى بدن عيسى وبطن مريم.
فكنا إذا قلنا: إن الله سمى جبريل روح الله وروح القدس، وجب علينا أن نقول فيه ما يقولون في عيسى. وقد علمتم أن ذلك ليس من ديننا، ولا يجوز ذلك بوجه من الوجوه عندنا، فكيف نظهر للناس قولًا لا نقوله، ودينًا لا نرتضيه.
ولو كان قوله جل ذكره: " فنفخنا فيه من روحنا " يوجب نفخًا كنفخ الزق، أو كنفخ الصائغ في المنفاخ، وأن بعض الروح التي كانت فيه انفصلت فاصلة إلى بطنه وبطن أمه، لكان قوله في آدم يوجب له ذلك؛ لأنه قال: " وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله ". . إلى قوله: " ونفخ فيه من روحه " وكذلك قوله: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ".
والنفخ يكون من وجوه، والروح يكون من وجوه: فمنها ما أضافه إلى نفسه، ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. وإنما
[ ٣ / ٣٤٨ ]
يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور، فمما سمى روحًا وأضافه إلى نفسه، جبريل الروح الأمين، وعيسى بن مريم. والتوفيق كقول موسى حين قال: إن بني فلان أجابوا فلانًا النبي ولم يجيبوك. فقال له: " إن روح الله مع كل أحد ".
وأما القرآن فإن الله سماه روحًا، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم وأبدانهم، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه ﷺ: " وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا " وقال: " تنزل الملائكة والروح ".
فصل منه
قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم، بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم، ليكون الدليل تامًا، والجواب جامعًا؛ وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا الجواب، أنا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم، وأن الإدلال بالحجة، والثقة بالفلج والنصرة، هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، وألا نقول في مسألتهم بمعنىً لم ينتبه له منتبه، أو يشر إليه مشير، وألا يوردوا فيما يستقبلون، على
[ ٣ / ٣٤٩ ]
ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئًا إلا والجواب قد سلف فيهم، وألسنتهم قد مذلت به.
وسنسألهم إن شاء الله، ونجيب عنهم، ونستقصي لهم في جواباتهم، كما سألنا لهم أنفسنا، واستقصينا لهم في مسائلهم.
فيقال لهم: هل يخلو المسيح أن يكون إنسانًا بلا إله، أو إلهًا بلا إنسان؟ أو أن يكون إلهًا وإنسانًا؟ فإن زعموا أنه كان إلهًا بلا إنسان، قلنا لهم: فهو الذي كان صغيرًا فشب والتحى، والذي كان يأكل ويشرب، وينجو ويبول، وقتل بزعمكم وصلب، وولدته مريم وأرضعته، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما وصفنا؟ فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا؟ وكيف يكون إلهًا بلا إنسان، وهو الموصوف بجميع صفات الإنسان. وليس القول في غيره ممن صفته كصفته إلا كالقول فيه كاشتمالها على غيره؟ وإن زعموا أنه لم ينقلب عن الإنسانية ولم يتحول عن جوهر البشرية، ولكن لما كان اللاهوت فيه، صار خالقًا وسمي إلهًا. قلنا لهم: خبرونا عن اللاهوت. أكان فيه وفي غيره، أم كان فيه دون غيره؟
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فإن زعموا أنه كان فيه وفي غيره، فليس هو أولى بأن يكون خالقًا ويتسمى إلهًا من غيره. وإن كان فيه دون غيره، فقد صار اللاهوت جسمًا.
وسنقول في الكسر عليهم إذا صرنا إلى القول في التشبيه، وهو قول معظمهم، والذي كان عليه جماعتهم، إلا من خالفهم من متكلميهم ومتفلسفيهم، فإنهم يقولون بالتشبيه والتجسيم، فرارًا من كثرة الشناعة، وعجزًا عن الجواب. وكفى بالتشبيه قبحًا، وهو قول يعم اليهود وإخوانهم من الرافضة، وشياطينهم من المشبهة والحشوية والنابتة، وهو بعد متفرق في الناس. والله تعالى المستعان.
[ ٣ / ٣٥١ ]
الجزء الرابع
فصل من صدر كتابه في الرد على المشبهة
أما بعد، فقد اختلف أهل الصلاة في معنى التوحيد، وإن كانوا قد أجمعوا على انتحال اسمه. فليس يكون كل من انتحل اسم التوحيد موحدًا إذا جعل الواحد ذا أجزاء، وشبهه بشيء ذي أجزاء.
ولو أن زاعمًا زعم أن أحدًا لا يكون مشبهًا وإن زعم أن الله يرى بالعيون، ويوجد ببعض الحواس، حتى يزعم أنه يرى كما يرى الإنسان، ويدرك كما تدرك الألوان كان كمن قال: لا يكون العبد لله مكذبًا، وإن زعم أنه يقول ما لا يفعل، حتى يزعم أنه يكذب.
ولا يكون العبد لله مجورًا، وإن زعم أنه يعذب من لم يعطه السبب الذي به ينال طاعته، حتى يزعم أنه يجور.
ولو أن رجلًا قال لفلان: عندي جذر مائة، كان عندنا كقوله:
[ ٤ / ٥ ]
لفلان عشرة. وكذلك إذا قال: فلان قد ناقض في كلامه، فهو عندنا كقوله: فلان قد أحال في كلامه.
ولو قال: ناقض ولم يحل، له عندي جذر مائة وليس له عندي عشرة؛ كان كالذي يقول: ركبت عيرًا ولم أركب حمارًا، وشربت المدامة ولم أشرب خمرًا.
وللمعاني دلالات وأسماء، فمن دل على المعنى بواحدة منها، وباسم من أسمائها، لم نسأله أن يوفينا الجميع؛ وأن يأتي على الكل، ولم يلتفت إلى منع ما منع، إذا كان الذي منع مثل الذي أعطى.
وقد أنبأ الله عن نفسه، على لسان نبيه ﷺ، فقال " ليس كمثله شيء " فأقر القوم بظاهر هذا الكلام؛ ثم جعلوه في المعنى يشبه كل شيء، إذ جعلوه جسمًا، فقد جعلوه محدثًا ومخلوقًا؛ لأن دلالة الحدوث، والشهادة على التدبير، ثابتان في الأجسام، وإنما لزمها ذلك لأنهما أجسام لا لغير ذلك؛ لأن الجسم إذا تحرك وسكن، وعجز وقوي، وبقي وفني، وزاد ونقص، ومازج الأجسام وتخلص لأنه جسم؛ ولولا أنه جسم لاستحال ذلك منه، ولما جاز عليه
[ ٤ / ٦ ]
هذه الأمور التي أوجبتها الجسمية، وهي الدالة على حدوث الأجسام. فواجب أن يكون كل جسم كذلك، إذا كانت الأجسام مستوية في الجسمية، وإذا كان كل جسم منها أيضًا لزمه ذلك.
وقد اختلف أصحاب التشبيه في مذاهب التشبيه.
فقال بعضهم: نقول: إنه جسم، وكل جسم طويل.
وقال آخرون: نقول: إنه جسم، ولا نقول إنه طويل، لأنا إنما جعلناه جسمًا لنخرجه من باب العدم؛ إذ كنا متى أخبرنا عن شيء، فقد جعلناه معقولا متوهمًا، ولا معقول ولا متوهم إلا الجسم. وليست بنا حاجة إلى أن نجعله طويلًا، وليس في كونه جسمًا إيجاب لأن يكون طويلًا. لأن الجسم يكون طويلًا وغير طويل، كالمدور، والمثلث، والمربع، وغير ذلك، ولا يكون الشيء إلا معقولا، ولا المعقول إلا جسمًا. فلذلك جعلناه جسمًا، ولم نجعله طويلا.
فينبغي - يرحمك الله - لصاحب هذه المقالة، إن لم يجعله طويلًا أن يجعله عريضًا، وإن لم يجعله عريضًا أن يجعله مدورًا، وإن لم يجعله مدورًا أن يجعله مثلثًا، وإن لم يجعله مثلثًا أن يجعله مربعًا. وإن أقر بهيئة من الهيئات فقد دخل فيما كره.
ولا أعلم المدور، والمثلث، والمربع، والمخمس، والمصلب، والمزوى، وغير ذلك من الهيئات، إلا أشنع في اللفظ، وأحقر في الوهم.
[ ٤ / ٧ ]
فصل منه
وقال أصحاب الرؤية: اعتللتم علينا بقول الله تعالى: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار "، وقلتم: هذه الآية مبهمة، وخرجت مخرج العموم، والعام غير الخاص.
وقد صدقتم، كذلك العام إلى أن يخصه الله بآية أخرى؛ وذلك أن الله تعالى لو كان قال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " ثم لم يقل: " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " لعلمنا أنه قد استثنى أخرة من جميع الأبصار.
قالوا: وإنما ذلك مثل قوله: " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " ومثل قوله: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب " وهذه الأخبار مبهمة عامة، فلما قال: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا " ولما قال، أيضًا: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " علمنا أن القول الثاني قد خص القول الأول. وكذلك أيضًا قوله: " لا تدركه الأبصار ".
[ ٤ / ٨ ]
قلنا للقوم: إن الله تعالى لما قال: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ". بعد أن قال: " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ". علمنا أن ذلك استثناء لبعض ما قال إني لا أطلعكم على الغيب. وهذا الاستثناء لا اختلاف في لفظه ولا في معناه، ولا يحتمل ظاهر لفظه غير معناه عندنا.
وعند خصومنا فيه أشد الاختلاف. وظاهر لفظه يحتمل وجهًا آخر غير ما ذهبوا إليه. والفقهاء وأصحاب التفسير يختلفون في تأويله وهم لا يختلفون في تأويل قوله: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك " قال: ذكر ابن مهدي عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " أنه قال: تنتظر ثواب ربها.
وذكر أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح
[ ٤ / ٩ ]
مثل ذلك. وأبو صالح ومجاهد من كبار أصحاب ابن عباس، ومن العاملية، ومن المتقدمين في التفسير.
فهذا فرق بين.
وبعد، ففي حجج العقول أن الله لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه؛ فإذا كان مرئيًا فقد أشبهه في أكثر الوجوه.
وإذا كان قولهم في النظر يحتمل ما قلتم، وما قال خصمكم، مع موافقة أبي صالح ومجاهد في التأويل، وكان ذلك أولى بنفي التشبيه الذي قد دل عليه العقل، ثم القرآن: " ليس كمثله شيء " كان التأويل ما قال خصمكم دون ما قلتم.
فصل منه
ثم رجع الكلام إلى أول المسألة، حيث جعلنا القرآن بيننا قاضيًا، واتخذناه حاكمًا، فقلنا:
قد رأينا الله استعظم الرؤية استعظامًا شديدًا، وغضب على من طلب ذلك وأراده، ثم عذب عليه، وعجب عباده ممن سأله ذلك، وحذرهم أن يسلكوا سبيل الماضين، فقال في كتابه لنبيه ﷺ: " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ".
فإن كان الله تعالى - في الحقيقة - يجوز أن يكون مرئيًا، وببعض الحواس مدركًا، وكان ذلك عليه جائزًا، فالقوم إنما سألوا أمرًا
[ ٤ / ١٠ ]
ممكنًا، وقد طمعوا في مطمع، فلم غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية.
فإن قالوا: لأن ذلك كان لا يجوز في الدنيا؛ فقدرة الله تعالى على ذلك في الدنيا كقدرته عليه في الآخرة.
فإن قالوا: ليس لذلك استعظم سؤالهم، ولكن لأنهم تقدموا بين يديه.
قلنا: لم صار هذا السؤال تقدمًا عليه واستخفافًا به، والشيء الذي طلبوه هو مجوز في عقولهم، وقد أطمعهم فيه أن جوزوه عندهم، والقوم لم يسألوا ظلمًا ولا عبثًا ولا محالا. ومن عادة المسئول التفضل، وأنه فاعل ذلك بهم يومًا.
فإن قالوا: إنما صار ذلك الطلب كفرًا وذنبًا عظيمًا لأنه قد كان قال لهم: إني لا أتجلى لأحد في الدنيا.
قلنا: فإن كان الأمر على ما قلتم لكان في تفسيره إنكاره لطلبهم دليل على ما يقولون، ولذكر تقدمهم بعد البيان، بل قال: " فقد سألوا
[ ٤ / ١١ ]
موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " لا غير ذلك.
فإن قالوا: إنما غضب الله عليهم لأنه ليس لأحد أن يظن أن الله تعالى يرى جهرة.
قلنا: وأي شيء تأويل قول القائل: رأيت الله جهرة إلا المعاينة، أو إعلان المعاينة؛ قال الله عز ذكره: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ". والجهر هو الإعلان والرفع والإشاعة؛ فهل يراه أهل الجنة إذا رفع عنهم الحجب، ودخلوا عليه وجلسوا على الكرسي عنده إلا جهرة؟ كما تأولتم الحديث الذي رويتموه عن النبي ﷺ: " لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في القمر ليلة البدر "، إلا أن يزعموا أنهم يرون ربهم سرًا، لأنه ليس إلا السر والجهر، وليس إلا الإعلان والإخفاء، وليس إلا المعاينة.
فإن قالوا: نحن لا نقول بالمعاينة، ونقول: نراه، ولا نقول نعاينه.
قلنا: ولم، وأنتم ترونه بأعينكم؟ فمن جعل لكم أن تقولوا نراه بالعين، ومنعكم أن تقولوا نعاينه بالعين؟ وهل اشتقت المعاينة إلا من العين؟
[ ٤ / ١٢ ]
فإن قالوا: لا يجوز أن يلفظ بالمعاينة إلا في الشيء الذي تقع عينه علي، وتقع عيني عليه. فأما إذا كان أحدنا ذا عين، والآخر ليس ذا عين، فغير جائز أن تسمى الرؤية معاينة، وإنما المعاينة مثل المخاصمة؛ ولا يجوز أن أقول: خاصمت إلا وهناك من يخاصمني.
قلنا: قد يقول الناس أسلم فلان حين عاين السيف، وليس للسيف عين، وليس هناك من يقاتله. على أنكم قد تزعمون أن لله عينًا لا كالعيون ويدًا لا كالأيدي، وله عين بلا كيف، وسمع بلا كيف.
فصل منه
وقالت - أيضًا - المشبهة: الدليل على أنه جسم قوله عز ذكره: " وجاء ربك والملك صفًا صفًا ". قالوا: فلا يجيء إلا إلى مكان هو فيه؛ ولو جاز أن يجيء إلى مكان هو فيه جاز أن يخرج منه وهو فيه. فإذا أخبر الله أنه في السموات والأرض، وقلتم إن الدنيا كلها لا تخلو منه، وإنه فيها، فإذا كان الأمر كذلك، وكانت الدنيا محدودة، كان الذي يكون في بعضها أو في كلها محدودًا، إذا كان لم يجاوزها. ولو جاوزها لخرج إلى مكان، ولا يجوز أن يخرج منها إلا إلى مكان.
[ ٤ / ١٣ ]
وقالوا: قد أخبر الله أنه في السموات والأرض، والله لا يخاطب عباده إلا بما يعقلون، ولو خاطبهم بما لا يعقلون لكان قد كلفهم ما لا يطيقون، ومن خاطب من لا يفي بالفهم عنه فقد وضع المخاطبة في غير موضعها. فهذا ما قال القوم.
ونحن نقول: إن الشيء قد يكون في الشيء على وجوه، وسنذكر لك الوجوه، ونلحق كل واحد منها بشكله وبما يجوز فيه، إن شاء الله تعالى.
قلنا للقوم: أليس قد خاطب الله الصم البكم الذين لا يعقلون، والذين خبر أنهم لا يستطيعون سمعًا؟ فإن قالوا: إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى، والمتصامم أصم، ويقولون لمن عمل عمل من لا يعقل: لا يعقل؛ وإنما الكلام محمول على كلام. وذلك أن المتعامي إذا تعامى، صار في الجهل كالأعمى، فلما أشبهه من وجه سمي باسمه.
قلنا: قد صدقتم؛ ولكن ليس الأصل. والمستعمل في تسميتهم بالعمى إنما هو الذي لا ناظر له. فإذا قالوا ذلك، قلنا: فلم زعمتم أن له ناظرًا، وأخذتم بالمجاز والتشبيه، وتركتم الأصل الذي هذا الاسم محمول عليه؟ فإن قالوا: إنما قلنا من أجل أن الأول لا يجوز على الله تعالى، والثاني جائز عليه، والله لا يتكلم بكلام إلا ولذلك الكلام وجه إما
[ ٤ / ١٤ ]
أن يكون هو الأصل والمحمول عليه؛ وإما أن يكون هو الفرع والاشتقاق الذي تسميه العرب مجازًا.
فإذا نظرنا في كلام الله وهو عندنا عادل غير جائر، وهو ﷻ يقول: " صم بكم عمي فهم لا يعقلون " علمنا أنهم لو كانوا منقوصين غير وافرين، كانوا قد كلفوا ما لا يطيقون، والمكلف لعباده ما لا يطيقون جائر ظالم. فإذا كان لا يليق ذلك به علمنا أنهم قد كانوا وافرين غير عاجزين ولا منقوصين. وإذا كانوا كذلك، صار الواجب أن نحكم بالفرع والمجاز، وندع الأصل والمحمول عليه وقلنا: هم عمي وصم ولا يعقلون على أنهم تعاموا وتصاموا وعملوا عمل من لا يعقل.
فإذا قالوا ذلك قلنا لهم: فإنا لم نعد هذا المذهب في قوله: " ناضرة "، " وجاء ربك والملك صفًا صفًا " وفي قوله: " وهو الله في السموات وفي الأرض ".
وقد يقولون: جاءنا فلان بنفسه، ويقولون: جاءنا بولده، وجاءنا بخير كثير. وذلك على معان مختلفة.
[ ٤ / ١٥ ]
ويقولون: جاءتنا السماء بأمر عظيم، والسماء في مكانها.
وقد يقولون - أيضًا -: جاءتنا السماء، وهم إنما يريدون الغيم الذي يكون به المطر من شق السماء وناحيتها ووجهها.
[ ٤ / ١٦ ]
فصل من صدر كتابه في مقالة العثمانية
[ ٤ / ١٧ ]
زعمت العثمانية أن أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة. وكان أول ما دلهم عند أنفسهم على فضيلته، وخاصة منزلته، وشدة استحقاقه إسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد من عالمه وفي عصره. وذلك أن الناس اختلفوا في أول الناس إسلامًا: فقال قوم: أبو بكر بن أبي قحافة. وقال آخرون: زيد بن حارثة. وقال نفر: خباب بن الأرت.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ على أنا إذا تفقدنا أخبارهم، وأحصينا أحاديثهم، وعددنا رجالهم، وصحة أسانيدهم، كان الخبر في تقديم أبي بكر أعم، ورجاله أكثر، وإسناده أصح؛ وهو بذلك أشهر، واللفظ به أظهر. مع الأشعار الصحيحة، والأمثال المستفيضة، في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته. وليس بين الأشعار وبين الأخبار فرق إذا امتنع في مجيئها وأصل مخرجها التشاعر، والاتفاق والتواطؤ.
ولكنا ندع هذا المذهب جانبًا، ونضرب عنه صفحًا، اقتدارًا على الحجة، وثقة بالفلج والقوة، ونقتصر على أدنى منازل أبي بكر،
[ ٤ / ١٩ ]
وننزل على حكم الخصم، مع سرفه وميطه، فنقول: لما وجدنا من يزعم أن خبابًا وزيد أسلما قبله، فأوسط الأمور وأعدلها وأقربها من محبة الجميع ورضى المخالف، أن نجعل إسلامهم كان معًا؛ إذ ادعوا أن الأخبار في ذلك متكافئة، والآثار متدافعة؛ وليس في الأشعار دلالة، ولا في الأمثال حجة. ولم يجدوا إحدى القضيتين أولى في حجة العقل من الأخرى.
؟؟؟؟ وقالوا: فإن قال لنا قائل: فما بالكم لم تذكروا عليًا في هذه الطبقة، وقد تعلمون كثرة مقدميه والرواية فيه؟
قلنا: لأنا قد علمنا بالوجه الصحيح، والشهادة القائمة أنه أسلم وهو حدث غرير، ولم نكذب الناقلين. ولم نستطع أن نزعم أن إسلامه كان لاحقًا بإسلام البالغين؛ لأن المقلل زعم أنه أسلم وهو ابن خمس سنين، والمكثر زعم أنه أسلم وهو ابن تسع سنين، والقياس يوجب أن يؤخذ بأوسط الروايتين، وبالأمر بين الأمرين. وإنما يعرف حق ذلك من باطله بأن تحصي سنيه التي ولي فيها، وسني عثمان، وسني أبي بكر، وسني الهجرة ومقام النبي ﷺ بمكة، بعد أن دعا إلى الله وإلى رسالته، وإلى أن هاجر إلى المدينة، ثم
[ ٤ / ٢٠ ]
تنظر في أقاويل الناس في عمره، وفي قول المقلل والمكثر، فنأخذ بأوسطها، وهو أعدلها، وتطرح قول المقصر والغالي، ثم تطرح ما حصل في يديك من أوسط ما روي من عمره وسنيه، وسني عثمان، وسني عمر، وسني أبي بكر، والهجرة، ومقام النبي ﷺ بمكة، إلى وقت إسلامه. فإذا فعلت وجدت الأمر على ما قلنا، وكما فسرنا.
؟؟؟؟؟؟ وهذه التأريخات والأعمار معروفة، لا يستطيع أحد جهلها، والخلاف عليها؛ لأن الذين نقلوا التاريخ لم يعتمدوا تفضيل بعض على بعض، وليس يمكن ذلك، مع عللهم وأسبابهم. فإذا ثبت عندك بالذي أوضحنا وشرحنا، أنه كان ابن سبع سنين، أقل بسنة وأكثر بسنة علمت بذلك أنه لو كان ابن أكثر من ذلك بسنتين وثلاث وأربع، لا يكون إسلامه إسلام المكلف العارف بفضيلة ما دخل فيه، ونقصان ما خرج منه.
؟؟؟؟؟ والتأويل المجمع عليه أن عليًا قتل سنة أربعين في رمضان.
وقالوا: وإن قالوا: فلعله وهو ابن سبع سنين وثمان، فقد بلغ من فطنته وذكائه، وصحة لبه، وصدق حسه، وانكشاف العواقب
[ ٤ / ٢١ ]
له، وإن لم يكن جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، أن يعرف جميع ما يجب على البالغ معرفته والإقرار به.
قلنا: إنما نتكلم على ظاهر الأحكام، وما شاهدنا عليه طباع الأطفال، فوجدنا حكم ابن سبع سنين وثمان سنين، وتسع سنين، حيث رأيناه وبلغنا خبره ما لم نعلم مغيب أمره، وخاصة طباعه حكم الأطفال. وليس لنا أن نزيل ظاهر حكمه، والذي نعرف من شكله بلعل وعسى، لأنا كنا لا ندري، لعله قد كان ذا فضيلة في الفطنة، فلعله قد كان ذا نقص فيها. أجاب منهم بهذا الجواب من يجوز أن يكون علي في المغيب قد أسلم إسلام البالغ المختار. غير أن الحكم فيه عنده على مجرى أمثاله وأشكاله، الذين إذا أسلموا وهم في مثل سنه، كان إسلامهم عن تربية الحاضن، وتلقين القيم، ورياضة السائس.
فأما علماء العثمانية ومتكلموهم، وأهل القدم والرياسة فيهم، فإنهم قالوا: إن عليًا لو كان، وهو ابن ست سنين، وثمان سنين، وتسع سنين، يعرف فصل ما بين الأنبياء والكهنة، وفرق ما بين الرسل والسحرة، وفرق ما بين المنجم والنبي، وحتى يعرف الحجة من الحيلة، وقهر الغلبة من قهر المعرفة، ويعرف كيد الأريب، وبعد غور المتنبي،
[ ٤ / ٢٢ ]
وكيف يلبس على العقلاء ويستميل عقول الدهماء، ويعرف الممكن في الطباع من الممتنع فيها، وما قد يحدث بالاتفاق مما يحدث بالأسباب، ويعرف أقدار القوى في مبلغ الحيلة ومنتهى البطش وما لا يحتمل إحداثه إلا الخالق، وما يجوز على الله مما لا يجوز في توحيده وعدله، وكيف التحفظ من الهوى، وكيف الاحتراس من تقدم الخادع في الحيلة كان كونه بهذه الحال وهذه الصفة، مع فرط الصبا والحداثة، وقلة التجارب والممارسة، خروجًا من نشو العادة، والمعروف مما عليه تركيب الأمة.
ولو كان على هذه الصفة، ومع هذه الخاصة، كان حجة على العامة وآية تدل على المباينة. ولم يكن الله تعالى ليخصه بمثل هذه الآية، وبمثل هذه الأعجوبة إلا وهو يريد أن يحتج بها له، ويخبر بها عنه، ويجعلها قاطعة لعذر الشاهد، وحجة الغائب، ولا يضيعها هدرًا، ولا يكتمها باطلا.
ولو أراد الاحتجاج له بها شهر أمرها وكشف قناعها، وحمل
[ ٤ / ٢٣ ]
النفوس على معرفتها، وسخر الألسنة لنقلها. والأسماع لإدراكها، لئلا يكون لغوًا ساقطًا، ونسيًا منسيًا؛ لأن الله تعالى لا يبتدع أعجوبة، ولا يخترع آية، ولا ينقض العادة إلا للتعريف والإعذار، والمصلحة والاستبصار. ولولا ذلك لم يكن لفعلها معنىً، ولا لرسالته حجة. والله تبارك اسمه، تعالى أن يترك الأمور سدىً، والتدبير نشرًا.
وأنتم تزعمون أنه لا يصل أحد إلى معرفة نبي، وكذب متنبىء، حتى تجتمع له هذه المعارف التي ذكرنا، والأسباب التي فصلنا.
ولولا أن الله تعالى أخبر عن يحيى بن زكريا أنه آتاه الحكم صبيًا، وأنه أنطق عيسى في المهد رضيعًا، ما كانا في الحكم إلا كسائر البشر فإذ لم ينطق لعلي بذلك، ولا جاء الخبر به مجيء الحجة القاطعة والشهادة الصادقة، فالمعلوم عندنا في الحكم والمغيب جميعًا أن طباعه كطباع عميه العباس وحمزة. وهما أمس بمعدن جميع الخير منه، وكطباع أخويه جعفر وعقيل، وكطباع أبويه ورجال عصره وسادة رهطه.
ولو أن إنسانًا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر، أو لعمه حمزة أو العباس - وهو حليم قريش - ما كان عندنا في أمره إلا مثل ما عندنا فيه.
ولو لم تعلم الروافض ومن يذهب مذهبها في هذا، باطل هذه الدعوى، وفساد هذا المعنى، إذا صدقت نفسها، ولم تقلد رجالها،
[ ٤ / ٢٤ ]
وتحفظت من الهوى وآثرت التقوى، إلا بترك علي - رضوان الله عليه - ذكر ذلك لنفسه، والاحتجاج على خصمه وأهل دهره، مذ نازع الرجال، وخاصم الأكفاء، وجامع أهل الشورى، ولي وولي عليه، والناس بين معاند يحتاج إلى التقريع، ومرتاد يحتاج إلى المادة، وغفل يحتاج إلى أن يكثر له من الحجة، ويتابع له من الأمارات والدلالات، مع حاجة القرن الثاني إلى معرفة الحق ومعدن الأمر؛ لأن الحجة إذا لم تصح لعلي في نفسه، ولم تقم على أهل دهره، فهي عن ولده أعجز، وعنهم أضعف.
ثم لم ينقل ناقل واحد أن عليًا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا قام به خطيبًا، ولا أدلى به واثقًا، ولا همس به إلى موافق، ولا احتج به على مخالف، فقد ذكر فضائله وفخر بقرابته وسابقته، وكاثر بمحاسنه ومواقفه مذ جامع الشورى وناضلهم، إلى أن ابتلي بمساورة معاوية وطمعه فيه، وجلوس أكثر أصحاب رسول الله - ﷺ - وأهله عن عونه. والشد على عضده، كما قال عامر الشعبي: لقد وقعت الفتنة، وبالمدينة عشرون ألفًا من أصحاب رسول الله، ما خف فيها منهم عشرون. ومن زعم أنه شهد الجمل ممن
[ ٤ / ٢٥ ]
شهد بدرًا أكثر من أربعة فقد كذب، كان علي وعمار في شق، وطلحة والزبير في شق.
وكيف يجوز عليه ترك الاحتجاج، وتشجيع الموافق وقد نصب نفسه للخاصة والعامة وللمولى والمعادي ومن لا يحل له في دينه ترك الإعذار إليهم، إذ كان يرى أن قتالهم كان واجبًا، وقد نصبه الرسول مفزعا ومعلما، ونص عليه قائمًا، وجعله للناس إمامًا، وأوجب طاعته، وجعله حجة في الناس، يقوم مقامه.
وأعجب من ذلك أنه لم يدع هذا له أحد في دهره كما لم يدعه لنفسه، مع عظيم ما قالوا فيه في عسكره، وبعد وفاته، حتى يقول إنسان واحد: إن الدليل على إقامته أن النبي - ﷺ - دعاه إلى الإسلام، فكلف التصديق قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره، وحجة له ولولده على من بعده.
وقد كان علي أعلم بالأمور من أن يدع ذكر أكثر حججه والذي بان به من شكله، ويذكر أصغر حججه، والذي يشاكله فيه غيره.
وقد كان في عسكره من لا يألو في الإفراط، زيادة في القدر.
[ ٤ / ٢٦ ]
والعجب له - إن كان الأمر على ما ذكرتم - كيف لم يقف يوم الجمل. أو يوم صفين، أو يوم النهر، في موقف يكون فيه من عدوه بمرأى ومسمع فيقول: " تبًا لكم وتعسًا! كيف تقاتلوني، وتجحدون فضيلتي، وقد خصصت بآية، حتى كنت كيحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم " فلا يمتنع الناس من أن يموجوا، فإذا ماجوا تكلموا على أقدار عللهم، وعللهم مختلفة، فلا يثبت أمرهم أن يعود إلى فرقة، فمن ذاكر قد كان ناسيًا، ومن نازع قد كان مصرًا، ومن مترنح قد كان غالطًا، مع ما كان يشيع من الحجة في الآفاق، ويستفيض في الأطراف، وتحمله الركبان، ويتهادى في المجالس. فهذا كان أشد على طلحة والزبير وعائشة، ومعاوية، وعبد الله بن وهب، من مائة ألف سنان طرير وسيف شهير.
ومعلوم عند ذوي التجربة والعارفين بطبائع الأتباع وعلل الأجناد أن العساكر تنتقض مرائرها، وينتشر أمرها، وتنقلب على قائدها بأيسر من هذه الحجة وأخفى من هذه الشهادة.
[ ٤ / ٢٧ ]
وقد علمتم ما صنعت المصاحف في طبائع أصحاب علي رضوان الله عليه، حين رفعها عمرو أشد ما كان أصحاب علي استبصارًا في قتالهم، ثم لم ينتقض على علي من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس والبصيرة.
وكما علمت من تحول شطر عسكر عبد الله بن وهب حين اعتزلوا مع فروة بن نوفل لكلمة سمعوها من عبد الله بن وهب كانت تدل عندهم على ضعف الاستبصار، والوهن في اليقين.
وهذا الباب أكثر من أن يحتاج مع ظهوره، ومعرفة الناس له إلى أن نحشو به كتابنا.
فأما إسلامه وهو حدث غرير، وصبي صغير، فهذا ما ندفعه؛ غير أنه إسلام تأديب وتلقين وتربية. وبين إسلام التكليف والامتحان، وبين التلقين والتربية، فرق عظيم، ومحجة واضحة.
وقالت العثمانية: إن قالت الشيع: إن الأمر ليس كما حكيتم ولا كما هيأتموه لأنفسكم، بل نزعم أنه قد كانت هنالك في أيام حداثته وصباه فضيلة ومزيد ذكاء، ولم يبلغ الأمر حد الأعجوبة والآية، قلنا: إن
[ ٤ / ٢٨ ]
الذي ذهبتم إليه - أيضًا - لا بد فيه من أحد وجهين: إما أن يكون قد كان لا يزال يوجد في الصبيان مثله في الفطنة والذكاء، وإن كان ذلك عزيزًا قائلًا، وكان وجود ذلك ممتنعًا، ومن العادة خارجًا. فإذا كان قد يوجد مثله - على عزته وقلته - فما كان إلا كبعض من نرى اليوم ممن يتعجب من كيسه وفطنته، وحفظه وحكايته، وسرعة قبوله، على صغر سنه، وقلة تجربته. فإن كانت حاله هذه الحال، وطبقته على هذا المثال، فإنا لم نجد صبيًا قط وإن أفرط كيسه، وحسنت فطنته، وأعجب به أهله يحتمل ولاية الله وعداوته، والتمييز بين الأمور التي ذكرنا. مع أنه ما جاءنا ولا جاء عند أحد منا بخبر صادق، ولا كتاب ناطق، أنه قد كان لعلي خاصة، دون قريش عامة، في صباه، من إتقان الأمور، وصحة المعارف، وجودة المخارج، ما لم يكن لأحد من إخوته، وعمومته وآبائه.
وإن كان القدر الذي كان عليه علي من المعرفة والذكاء القدر الذي لا نجد له فيه مثلًا، ولا رأينا له شكلًا، فهذا هو البديع الذي يحتج به على المنكرين، ويفلج على المعارضين، ويبين للمسترشدين. وهذا باب قد فرغنا منه مرة.
[ ٤ / ٢٩ ]
ولو كان الأمر في علي كما يقولون لكان ذلك حجة للرسول في رسالته ولعلي في إمامته.
والآية إذا كانت للرسول وخليفة الرسول كان أشهر لها؛ لأن وضوح أمر الرسول يزيد على ما للإمام، ويزيده إشراقًا واستنارة وبيانًا.
ولا يجوز أن يكون الله تعالى قد عرف أهل عصرهما ذلك، وهم الشهداء على من بعدهم من القرون، ثم أسقط حجته. فلا تخلو تلك الحجة، وتلك الشهادة من ضربين: إما أن تكون ضاعت وضلت، وإما أن تكون قد قامت وظهرت. فإن كانت قد ضاعت فلعل كثيرًا من حجج الرسول قد ضاع. وما جعل الباقي أولى بالتمام من الساقط، والساقط من شكل الثابت، لأنه حجة على شيئين، والثابت حجة على شيء. ولا يخلو أمر الساقط من ضربين: إما أن يكون الله - ﵎ - لم يرد تمامه، أو يكون قد أراده. وأي هذين كان، ففساده واضح عند قارىء الكتاب، وإن كانت الآية فيه قد تمت؛ إذ كانت الشهادة قد قامت علينا بها، كما كانت شهادة العيان قائمة عليهم فيها. فليس في الأرض عثماني إلا وهو يكابر عقله، ويجحد علمه.
[ ٤ / ٣٠ ]
ولعمري، إنا لنجد في الصبيان من لو لقنته، أو كتبت له أغمض المعاني وألطفها، وأغمض الحجج وأبعدها، وأكثرها لفظًا وأطولها، ثم أخذته بدرسه وحفظه لحفظه حفظًا عجيبًا، ولهذه هذًا ذليقا.
فأما معرفة صحيحه من سقيمه، وحقه من باطله، وفصل ما بين المقر به والدليل، والاحتراس من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظ من مكر الخادعين، وتأتي المجرب، ورفق الساحر، وخلابة المتنبىء، وزجر الكهان، وأخبار المنجمين. وفرق ما بين نظم القرآن وتأليفه، فليس يعرف فروق النظم، واختلاف البحث والنثر إلا من عرف القصيد من الرجز، والمخمس من الأسجاع، والمزدوج من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ارتفاعه، من العجز الذي هو صفة في الذات.
فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام ثم لا يكتفي بذلك حتى يعرف عجزه وعجز أمثاله عن مثله، وأن حكم البشر حكم واحد في العجز الطبيعي، وإن تفاوتوا في العجز العارض.
[ ٤ / ٣١ ]
وهذا ما لا يوجد عند صبي ابن تسع سنين، أو ثمان سنين، أو سبع سنين أبدًا، عرف ذلك عارف أو جهله جاهل.
ولا يجوز أن يعرف عارف معنى الرسالة إلا بعد الفراغ من هذه الوجوه، إلا أن يجعل جاعل التقليد والنشو والإلف لما عليه الآباء، وتعظيم الكبراء معرفة ويقينًا.
وليس بيقين ما اضطرب، ودخله الخلاج عند ورود معاني لعل وعسى، مما لا يمكن في المعقول إلا بحجة تخرج القلب إلى اليقين عن التجويز.
ولقد أعيانا أن نجد هذه المعرفة إلا في الخاص من الرجال وأهل الكمال في الأدب؛ فكيف بالطفل الصغير، والحدث الغرير! مع أنك لو أدرت معاني بعض ما وصف لك على أذكى صبي في الأرض، وأسرعه قبولًا وأحسنه حكاية وبيانًا، وقد سويته له ودللته، وقربته منه، وكفيته مؤونة الروية، ووحشة الفكرة، لم يعرف قدره، ولا فصل حقه من باطله، ولا فرق بين الدلالة وشبيه الدلالة. فكيف له بأن يكون هو المتولي لتجربته وحل عقده وتخليص متشابهه، واستثارته من معدنه؟
[ ٤ / ٣٢ ]
وكل كلام خرج من التعارف فهو رجيع بهرج، ولغو ساقط.
وقد نجد الصبي الذكي يعرف من العروض وجهًا، ومن النحو صدرًا، ومن الفرائض أبوابًا، ومن الغناء أصواتًا. فأما العلم بأصول الأديان، ومخارج الملل وتأويل الدين، والتحفظ من البدع، وقبل ذلك الكلام في حجج العقول، والتعديل والتجوير، والعلم بالأخبار وتقدير الأشكال، فليس هذا موجودًا إلا عند العلماء. فأما الحشو والطغام، فإنما هم أداة للقادة، وجوارح للسادة؛ وإنما يعرف شدة الكلام في أصول الأديان من قد صلي به، وسال في مضايقه، وجاثى الأضداد ونازع الأكفاء.
فصل منه
وقد علمتم ما صنع أبو بكر في ماله، وكان المال أربعين ألفًا، فأنفقه على نوائب الإسلام وحقوقه، ولم يكن ماله ميراثًا لم يكد فيه، فهو غزير لا يشعر بعسر اجتماعه، وامتناع رجوعه، ولا كان هبة
[ ٤ / ٣٣ ]
ملك فيكون أسمح لطبيعته، وأخرق في إنفاقه، بل كان ثمرة كده وكسب جولانه وتعرضه.
ثم لم يكن خفيف الظهر، قليل النسل، قليل العيال، فيكون قد جمع اليسارين؛ لأن المثل الصحيح السائر المعنى: " قلة العيال أحد اليسارين "، بل كان ذا بنين وبنات وزوجة، وخدم وحشم، يعول مع ذلك أبويه وما ولدا. ولم يكن فتىً حدثًا فتهزه أريحية الشباب، وغرارة الحداثة. ولم يكن بحذاء إنفاقه طمع يدعوه، ولا رغبة تحدوه.
ولم يكن للنبي ﷺ قبل ذلك يد مشهورة فيخاف العار في ترك مواساته، وإنفاقه عليه، ولا كان من رهطه دنيا فيسب بترك مكانفته ومعاونته وإرفاقه. فكان إنفاقه على الوجه الذي لا يجد أبلغ في غاية الفضل منه، ولا أدل على غاية البصيرة منه.
وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي ﷺ ببطن مكة من المشركين، وقد تعلمون حسن صنيع كثير منهم، كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه، فبلغ في هامته، في نصرة النبي ﷺ، وأبو جهل يومئذ أمنع أهل البطحاء، وهو رأس الكفر.
[ ٤ / ٣٤ ]
ثم صنيع عمر حيث يقول يوم أسلم: " والله لا نعبد الله سرًا بعد هذا اليوم "، حتى قال بعد موته عبد الله بن مسعود: " وما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر ".
فصل منه
ولو كان في ذلك الزمان القتال ممكنًا، والوثوب مطمعًا، لقاتل أبو بكر ونهض كما نهض في الردة، وإنما قاتل علي في الزمان الذي قد أقرن فيه أهل الإسلام لأهل الشرك، وطمعوا أن تكون الحرب سجالًا، وقد أعلمهم الله أن العاقبة للمتقين، وأبو بكر مفتون مفرد ومطرود مشرد ومضروب معذب، في الزمان الذي ليس بالإسلام وأهله نهوض ولا حركة، ولذلك قال أبو بكر ﵁: " طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام "، يقول: في أيام ضعفه وقلته، بحيث كانت الطاعة أعظم لفرط الامتحان، والبلاء أغلظ لشدة الجهد، لأن الاحتمال كلما كان أشد وأدوم، كانت الطاعة أفضل، والعزم فيه أقوى.
ولا سواء مفتون مشرد لا حيلة عنده، ومضروب معذب لا انتصار به، ولا دفع عنده، ومباطش مقرن يشفي غيظه، ويروي غليله، وله مقدم يكنفه ويشجعه.
[ ٤ / ٣٥ ]
ولا سواء مقهور لا يغاث، ولم ينزل القرآن بعد بظفره. وقد هتك اليأس لما ألفى حجاب قلبه ونقض قوى طمعه حتى بقي وليس معه إلا احتسابه؛ ومقاتل في عسكره معه عز الرجال، وقوة الطمع، وطيب نفس الآمل.
فصل منه
وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إمامًا، وأن يقيموا خليفة؟
قيل لهم: إن قولكم الناس يحتمل الخاصة والعامة. فإن كنتم قصدتم إليهما، ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة. وتأويل الخلافة، ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شيء ارتدت، ولأي أمر أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم. ولعلها بالمبطلين أقر عينًا منها بالمحقين، وإنما العامة أداة للخاصة تبتذلها للمهن، وتزجي لها الأمور، وتصول بها على العدو، وتسد بها الثغور.
ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من الإنسان، فإن الإنسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم، وإذا عزم تحرك أو سكن، وهما بالجوارح دون القلب.
[ ٤ / ٣٦ ]
وكما أن الجوارح لا تعرف قصد النفس، ولا تروي في الأمور، ولم يخرجها ذلك من الطاعة للعزم، فكذلك العامة، لا تعرف قصد القادة ولا تدبير الخاصة، ولا تروي معها، وليس يخرجها ذلك من عزمها، وما أبرمت من تدبيرها.
والجوارح والعوام، وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور تصرفها، وأسباب تنقضها، كاليد يعرض لها الفالج واللسان يعتريه الخرس، فلا تقدر النفس على تسديدهما وتقويتهما، ولو اشتد عزمها، وحسن تأتيها ورفقها. وكذلك العامة عند نفورها وتهيجها، وغلبة الهوى والسخف عليها، وإن حسن تدبير الخاصة، وتعهد السياسة. غير أن معصية الجارحة أيسر ضررًا، وأهون أمرًا، لأن العامة إذا انتكثت للخاصة، وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة، كان البوار الذي لا حيلة له، والفناء الذي لا بقاء معه.
وصلاح الدنيا، وتمام النعمة في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال المنفعة وتمام درك الحاجة بصواب قصد النفس؛ لأن
[ ٤ / ٣٧ ]
النفس لو أدركت كل بغية، وأوفت كل غاية، وفتحت كل مستغلق، واستثارت كل دفين، ثم لم يعطها اللسان بحسن العبارة واليد بحسن الكتابة، كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره - وعدمه سواء.
فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة، وكذلك القلب والجارحة، وإنما هم جند للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس للنجار. وليس مضي سيف صارم بكف امرىء صارم، بأمضى من شجاع أطاع أميره، وقلد إمامه.
وما كلب أشلاه ربه، وأحمشه كلابه، بأفرط نزقًا ولا أسرع تقدمًا، ولا أشد تهورًا من جندي أغراه طمعه، وصاح به قائده.
وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من الصواب، فلباب كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه. ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب، وأكثر الناس اختيارًا أكثرهم صوابًا، وأكثرهم أسبابًا موجبه أقلهم اختيارًا، وأقلهم اختيارًا أقلهم صوابًا.
[ ٤ / ٣٨ ]
فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام أن لا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ولا مطيعين.
قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يعصون ويطيعون.
فإن قالوا: فما الأمر الذي يعرفون من الأمر الذي يجهلون؟ قيل لهم: أما الذي يعرفون، فالتنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغيرها، وما جل من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الأسماع، وكرروه على الأفهام.
وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل وتفسير المجمل، وغامض السنن التي حملتها الخواص عن الخواص، من حملة الأثر وطلاب الخبر مما يتكلف معرفته، ويتبع في مواضعه، ولا يهجم على طالبه، ولا يقهر سمع القاعد عنه.
والخبر خبران: خبر ليس للخاصة فيه فضل على العامة، وهو كما سن الرسول ﷺ في الحلال والحرام، وأبواب القضاء والطلاق، والمناسك، والبيوع، والأشربة، والكفارات، وأشباه ذلك.
وباب آخر يجهله العوام، ويخبط فيه الحشو ولا تشعر بعجزها ولا موضع دائها. ومتى جرى سببه، أو ظهر شيء منه تسنمت
[ ٤ / ٣٩ ]
أعلاه، وركبت حومته، كالكلام في الله، وفي التشبيه، والوعد والوعيد؛ لأنها قد عجزت عن دعوى الفتيا، ولا تتهافت فيها، ولا تتسكع فيما لا يعرف منها، ولا تتوحش من الكلام في التعديل والتجوير، ولا تفرغ من الكلام في الاختيار والطباع، ومجيء الآثار، وكل ما جرى سببه من دقيق الكلام وجليله، في الله تعالى وفي غيره.
ولو برز عالم على جادة منهج وقارعة طريق، فنازع في النحو واحتج في العروض، وخاض في الفتيا، وذكر النجوم والحساب، والطب والهندسة، وأبواب الصناعات، لم يعرض له، ولم يفاتحه إلا أهل هذه الطبقات.
ولو نطق بحرف في القدر حتى يذكر العلم والمشيئة، والتكليف والاستطاعة، وهل خلق الله تعالى الكفر وقدره أو لم يخلقه ولم يقدره، لم يبق حمال أغثر، ولا بطال غث، ولا خامل غفل ولا غبي
[ ٤ / ٤٠ ]
كهام، ولا جاهل سفيه، إلا وقف عليه ولاحاه وصوبه وخطأه ثم لا يرضى حتى يتولى من أرضاه، ويكفر من خالف هواه، فإن جاراه محق، وأغلظ له واعظ، واتفق أن يكون بحضرته أشكاله استغوى أمثاله، فأشعلوها فتنة وأضرموها نارًا.
فليس لمن كانت هذه حاله أن يتحيز مع الخاصة، مع أنه لو حسنت نيته، لم تحتمل فطرته معرفة الفصول، وتمييز الأمور.
فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله، كما لا يعرفون عدله من جوره، وتشبيهه بخلقه من نفي ذلك عنه. وكما لا يعرفون القرآن وتفسير جمله، وتأويل منزله.
قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين، ومحمولة على تصديق المرسلين، بالتنبيه على مواضع الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ومنعها عن الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير، وشغل عن التحصيل، من وسوسة أو نزاع شهوة؛ لأن الإنسان ما لم يكن معتوهأ أو طفلأ، فمحجوج على ألسنة المرسلين، عند
[ ٤ / ٤١ ]
جميع المسلمين. ولا يكون محجوجًا حتى يكون عالمًا بما أمر به، عارفًا بما نهي عنه؛ لأن من لم يعلم في أي الضربين سخط الله، وفي أي نوع رضاه، ثم ركب السخط أو أتى الرضا لم يكن ذلك منه إلا على اتفاق. وإنما الاستحقاق مع القصد. والله تبارك يتعالى عن أن يعاقب من لم يرد خلافه، ولم يعرف رضاه. أو يحمد من لم يعتمد رضاه، ولم يقصد إليه.
ولم يكن الله تعالى ليعدل صنعته ويسوي أداته ويفرق بينه وبين المنقوص في بنيته وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وبين الطفل والمعتوه. وليس للمعرفة وجه إلا لتبصيره وتخييره، ولولا ذلك لم يكن للذي خص به من الإبانة وتعديل الصنعة، وإحكام البنية معنىً. والله تعالى عن فعل ما لا معنى له.
وفي قول الله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " دليل على ما قلنا. وليس لأحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة، ولا حجة إلا في عقل، أو في كتاب، أو خبر.
فإن قالوا: فإن كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة والاختيار، فلم قلتم: إنهم غير مأمورين بإقامة الأئمة والاختيار مع
[ ٤ / ٤٢ ]
الأمة، وحكمهم حكم المسلمين المتعبدين. وإنما الإمام إمام المسلمين المتعبدين؟ قلنا: إنما يلزم الناس الأمر فيما عرفوا سبيله. وليس للعوام - خاصة - معرفة بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها، أو يجري عليها أمر أو نهي.
والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول، فإنه لم يبلغ من قوة عقولها، وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء ولم يبلغ من ضعف عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال.
وأقدار طبائع العوام والخواص، ليست مجهولة فيحتاج إلى الإخبار عنها بأكثر من التنبيه عليها؛ لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع الخلفاء، وطبائع الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من الفضل، وطبقاتهم من التركيب، في البخل والسخاء، والبلادة والذكاء، والغدر والوفاء، والجبن والنجدة، والصبر والجزع، والطيش والحلم، والكبر والتيه، والحفظ والنسيان، والعي والبيان.
ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة، كانت العامة خاصة، وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين طبائعهم لسقط الامتحان وبطل الاختيار، ولم يكن في الأرض اختيار، وإنما خولف بينهم في الغريزة ليصبر بها صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة، ولذلك كان الاختلاف، وهو سبب الائتلاف.
[ ٤ / ٤٣ ]
؟ فصل من صدر كتاب المسائل والجوابات في المعرفة
[ ٤ / ٤٥ ]
بالله نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا بالله.
اختلف الناس في المعرفة اختلافًا شديدًا، وتباينوا فيها تباينًا مفرطًا. فزعم قوم أن المعارف كلها فعل الفاعلين إلا معرفة لم يتقدمها سبب منهم، ولم يوجبها علة من أفعالهم. ولم يرجعوا إلى معرفة الله ورسوله، والعلم بشرائعه، ولا إلى كل ما فيه الاختلاف والمنازعة، وما لا يعرف حقائقه إلا بالتفكر والمناظرة، دون درك الحواس الخمس.
فزعموا أن ذلك أجمع فعلهم، على الأسباب الموجبة، والعلل المتقدمة، وجعلوا مع ذلك سبيل المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم بالأمصار القائمة، والأيام الماضية، كبدر وأحد والخندق، وغير ذلك من الوقائع والأيام، وكالعلم بفرغانة والأندلس، والصين والحبشة، وغير ذلك من القرى والأمصار سبيل الاكتساب والاختيار؛ إذ كانوا هم الذين نظروا حتى عرفوا فصل ما بين المجيء الذي لا يكذب مثله، والمجيء الذي يمكن الكذب في مثله.
[ ٤ / ٤٧ ]
فزعموا أن جميع المعارف سبيلها سبيل واحد، ووجوه دلائلها وعللها متساوية، إلا ما وجد الحواس بغتة، وورد على النفوس في حال عجز أو غفلة، وكان هو القاهر، للحاسة، والمستولي على القوة، من غير أن يكون من البصر فتح، ومن السمع إصغاء ومن الأنف شم، ومن الفم ذوق ومن البشرة مس، فإن ذلك الوجود فعل الله دون الإنسان، على ما طبع عليه البشر، وركب عليه الخلق.
قالوا: فإذا كان درك الحواس الخمس إذا تقدمته الأسباب، وأوجبته العلل فعل المتقدم فيه والموجب له، ودرك الحواس أصل المعارف، وهو المستشهد على الغائب، والدليل على الخفي، وبقدر صحته تصح المعارف، وبقدر فساده تفسد فالذي تستخرجه الأذهان منه، وتستشهده عليه، كعلم التوحيد، والتعديل والتجوير، وغامض التأويل، وكل ما أظهرته العقول بالبحث، وأدركته النفوس بالفكر من كل علم، وصناعة الحساب والهندسة، والصياغة والفلاحة أجدر أن يكون فعله والمنسوب إلى كسبه.
قالوا: فالدليل على درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترطنا، من إيجاب الأسباب، وتقدم العلل: أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك. فلما كان البصر قد يوجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك دليلًا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح، ولم يكن لعلة البصر؛ لأنه لو كان لعلة صحة البصر كانت الصحة لا توجد أبدًا إلا والإدراك موجود. فإذا كانت الصحة قد توجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع
[ ٤ / ٤٨ ]
وجود الفتح، كان ذلك شاهدًا على أنه إنما كان لعلة الفتح دون صحة البصر.
وقالوا: ولأن طبيعة البصر قد كانت غير عاملة حتى جعلها الفاتح بالفتح عاملة، ولأن الفتح علة الإدراك ومقدمة بين يديه، وتوطئة له. وليس الإدراك علة للفتح ولا مقدمة بين يديه، ولا توطئة له، فواجب أن يكون فعل الفاتح، لأن السبب إذا كان موجبًافالمسبب تبع له.
فصل منه
ثم قالوا بعد الفراغ من درك الحواس في معرفة الله ورسوله وكل ما فيه الاختلاف والتنازع، أن ذلك أجمع لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون يحدث من الإنسان لعلة النظر المتقدم، أو يكون يحدث على الابتداء، لا عن علة موجبة وسبب متقدم.
فإن كانوا أحدثوه على الابتداء، فلا فعل أولى بالاختيار، ولا أبعد من الاضطرار منه.
وإن كان إنما كان لعلة النظر المتقدم، كما قد دللنا في صدر الكلام على أن درك الحواس فعل الإنسان إذا تقدم في سببه، فالعلم
[ ٤ / ٤٩ ]
بالله وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله. إذ كان من أجل نظره علم، ومن جهة بحثه أدرك.
فهذه جمل دلائل هؤلاء القوم. ورئيسهم بشر بن المعتمر.
ثم هم بعد ذلك مختلفون في درك الحواس إلا ما اعتمد إدراكه بعينه وقصد إليه بالفتح والإرادة؛ لأن الفتح نفسه لو لم يكن معه قصد وإرادة ما كان فعل الفاتح. فكيف يجوز أن يكون الإدراك فعله من غير قصد.
ولو جاز أن يكون الفتح فعل الإنسان من غير أن يكون أراده وقصد إليه، ما كان بين فعل الإنسان وبين فعل غيره فرق؛ لأنه كان لا يجوز أن يكون ذهاب الحجر إذا لم يدفعه، ولم يقصد إليه، ولم يخطر له على بال، فعله. فكذلك الإدراك إذا لم يخطر على باله، ولم يقصد إليه، ولم يتعمده، لا يكون فعله.
فصل منه
وليس على المخبر بقصة خصمه والواصف لمذهب غيره، أن يجعل باطلهم حقًا، وفاسدهم صحيحًا، ولكن عليه أن يقول بقدر ما تحتمله النحلة، وتتسع له المقالة، وعليه أن لا يحكي عن خصمه ويخبر عن مخالفه إلا وأدنى منازله ألا يعجز عما بلغوه، ولا يغبى عما أدركوه.
[ ٤ / ٥٠ ]
فصل منه
وقد زعم آخرون أن المعارف ثمانية أجناس: واحد منها اختيار، وسبعة منها اضطرار. فخمسة منها درك الحواس الخمس، ثم المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم بالقرى والأمصار، والسير والآثار، ثم معرفة الإنسان إذا خاطب صاحبه أنه موجه بكلامه إليه، وقاصد به نحوه.
وأما الاختيار فكالعلم بالله ورسوله، وتأويل كتبه، والمستنبط من علم الفتيا وأحكامه، وكل ما كان فيه الاختلاف والمنازعة. وكان سبيل علمه النظر والفكرة. ورئيس هؤلاء أبو إسحاق.
وزعم معمر أن العلم عشرة أجناس: خمسة منها درك الحواس، والعلم السادس كالسير الماضية والبلدان القائمة، والسابع: علمك بقصد المخاطب إليك وإرادته إياك، عند المحاورة والمنازعة. وقبل ذلك: وجود الإنسان لنفسه، وكان يجعله أول العلوم، ويقدمه على درك الحواس. وكان يقول: ينبغي أن يقدم وجود الإنسان لنفسه على وجوده لغيره. وكان يجعله علمًا خارجًا من درك الحواس؛ لأن الإنسان لو كان أصم لأحس نفسه ولم يحس صوته، ولو كان أخشم لأحس نفسه ولم يحس رائحته. وكذلك سبيل المذاقات والملامس. فلما كان المعنى
[ ٤ / ٥١ ]
كذلك وجب أن يفرد من درك الحواس، ويجعل علمًا ثامنًا على حياله وقائمًا بنفسه.
ثم جعل العلم التاسع: علم الإنسان بأنه لا يخلو من أن يكون قديمًا أو حديثًا.
وجعل العلم العاشر: علمه بأنه محدث وليس بقديم.
فصل منه
ولست آلو جهدًا في الكلام والإيجاز في الإدخال على بشر بن المعتمر في درك الحواس، ثم على أبي إسحاق في ذلك، وفي غيره مما ذكرت من مذاهبه، وتركه قياس ما بنى عليه إن شاء الله، لنصير إلى الكلام في المعرفة، فإني إليه أجريت، وإياه اعتقدت، ولكني أحببت أن أبدي فساد أصولهم قبل فروعهم، فإن ذلك أقتل للداء وأبلغ في الشفاء، وأحسم للعرق، وأقطع للمادة، وأخف في المؤونة على من قرأ الكتاب، وتدبر المسألة والجواب. وبالله ذي المن والطول نستعين.
[ ٤ / ٥٢ ]
فصل من رده على أبي إسحاق النظام وأصحابه
يقال لهم: حدثونا عن العلم بالله ورسوله وتأويل كتبه، وعن علم القدر وعلم المشيئة، والأسماء والأحكام. أباكتساب هو أم باضطرار؟ فإن زعموا أنه باكتساب قيل لهم: فخبرونا عن علمكم بأن ذلك أجمع اكتساب، أباكتساب هو أم باضطرار؟ فإن قالوا: باكتساب. قيل لهم: أو ليس اعتقاد خلاف ذلك أجمع باكتساب؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإذا كان اعتقاد الحق واعتقاد الباطل باكتساب أفليس كل واحد من المكتسبين عند نفسه على الصواب؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: أو ليس كل واحد منهما ساكن القلب إلى مذهبه واختياره؟ فإذا قالوا نعم قيل لهم: فما يؤمن المحق من الخطأ؟ وليس سكون القلب وثقته علامة للحق، لأن ذلك لو كان علامة لكان المبطل محقًا، إذ كان قد يجد من السكون والثقة ما لا يجد المحق.
وقلنا: وما معنى خلافه إلا أن يكون المبطل شاكًا، أو يكون عارفًا بتقصيره، أو يكون مكترثًا لوهن يجده. فإذا لم يكن كذلك فلا فرق بين المعقودين.
[ ٤ / ٥٣ ]
فإن قالوا: إن فرق ما بينهما أن سكون قلب المحق حق في عينه، وسكون قلب المبطل باطل في عينه.
قلنا: أو ليس ذلك غير محول لسكون المبطل عن الثقة إلى الاضطراب ولا مغيره إلى الاكتراث؟ فإذا قالوا ذلك، قيل لهم: فما يؤمن المحق أن يكون سكونه أيضًا باطلًا في عينه إذا كان سكونه لا ينقص عن سكون المبطل. ولئن كان فرق السكون بينهما ظاهر الاجتهاد والعبادة، فمن أظهر اجتهادًا من الرهبان في الصوامع، والخوارج في بذل النفوس؟ فإن قالوا: الفرق بينهما أن المحق قد استشهد الضرورات، والمبطل لم يستشهدها.
قلنا: فهل يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات. حتى لو سأله سائل فقال: ما يؤمنك من الخطأ؟ لقال: استشهادي للضرورات.
فإن زعموا أن المبطل لا يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات، لأن ذلك هو علامة الحق، والفصل بينه وبين الباطل.
قلنا: وهل رأيتم أحدًا اكتسب علمًا قط، أو نظر في شيء إلا وأول نظره إنما هو على أصل الاضطرار؛ لأن المفكر لا يبلغ من جهله
[ ٤ / ٥٤ ]
أن يستشهد الخفي، بل من شأن الناس أن يستدلوا بالظاهر على الباطن إذا أرادوا النظر والقياس؛ ثم هم بعد ذلك يخطئون أو يصيبون.
وقلنا: فينبغي أن يكون كل مبطل في الأرض قد علم حين يقال له: ما يؤمنك أن تكون مبطلا؟ أنه لم يستشهد الضرورات، وأنكر أصله الذي قاس عليه واستنبط منه ضرورة، وأنه إنما قال بالعسف أو بالتقليد. وإذا كانوا كذلك فهل يخلو أمرهم من أن يكونوا قد علموا أنهم على خطاء أو يكونوا شكاكًا، أو يكونوا عند أنفسهم مستشهدين للضرورات، وإن كانوا قد تركوا ذلك عند بعض المقدمات. فإن كانوا قد علموا أنهم لم يستشهدوا الضروريات، وإن كانوا شكاكًا فيها؛ فليس على ظهر الأرض مخطىء إلا وهو عالم بموضع خطائه، أو شاك فيه. أو كانوا عند أنفسهم مستشهدين للضرورات، فما يؤمنكم أن تكونوا كذلك؟ فإن قالوا: ليس أحد يعرف أن علامة الحق استشهاد الضرورات غيرنا.
قلنا: أو لستم معشر أبي إسحاق النظام تختلفون في أمور كثيرة، وقد كنتم تخالفون صاحبكم خلافًا كثيرًا، وكلكم إذا سأله سائل: ما يؤمنك أن تكون على باطل؟ قال: لأني مستشهد للضرورات. فهل
[ ٤ / ٥٥ ]
يخلو أمركم من أحد وجهين: إما أن تكونوا صادقين على أنفسكم، أو كاذبين عليها؟ فإن كنتم صادقين فقد صار قلب المحق كقلب المبطل؛ إذ كان كل واحد عند نفسه مستشهدًا للضرورات.
وإن كنتم كاذبين فهل منكم محق إلا وهو يلقى الخصم بمثل دعواه في استشهاد الضرورات؟ وهل منكم واحد على حياله محقًا أو مبطلا إلا وجوابه لنا مثل جواب صاحبه. فإذا كانت القلوب قد تكون عند أنفسها مستشهدة للضرورات، وهي غير مستشهدة لها، وكون القلب كذلك هو علامة الحق، فما الفرق بين قلب المحق والمبطل؟ ومع ذلك إنا وجدنا صاحبكم قبلكم ووجدناكم بعده قد رجعتم عن أقاويل كثيرة، بعد أن كان جوابكم لمن سألكم ما يؤمنكم أن تكونوا على باطل، أن تقولوا: استشهادنا للضرورات. ونحن لو سألناكم عما رجعتم عنه، فقلنا لكم: لعلكم على خطأ، ولعلكم من هذه الأقاويل على غرر، لم يعد جوابكم استشهاد الضرورات.
[ ٤ / ٥٦ ]
فصل من هذا الكتاب في الجوابات
ثم إني واصل قولي في المعرفة ومجيب خصمي في معنى الاستطاعة وفي أي أوجهها يحسن التكليف وتثبت الحجة؛ ومع أيها يسمج التكليف وتسقط الحجة.
فأول ما أقول في ذلك: أن الله - جل ذكره - لا يكلف أحدًا فعل شيء ولا تركه إلا وهو مقطوع العذر، زائل الحجة.
ولن يكون العبد كذلك إلا وهو صحيح البنية، معتدل المزاج، وافر الأسباب، مخلى السرب، عالم بكيفية الفعل، حاضر النوازع، معدل الخواطر، عارف بما عليه وله.
ولن يكون العبد مستطيعًا في الحقيقة دون هذه الخصال المعدودة، والحالات المعروفة، التي عليها مجاري الأفعال، ومن أجلها يكون الاختيار ولها يحسن التكليف، ويجب الفرض، ويجوز العقاب، ويحسن الثواب.
ولو كان الإنسان متى كان صحيحًا كان مستطيعًا، لكان من لا سلم له للصعود مستطيعًا.
[ ٤ / ٥٧ ]
ولن يكون أيضًا مع ذلك كله للفعل مختارًا، وله في الحقيقة دون المجاز مستطيعًا، إلا وجميع أوامره في وزن جميع زواجره، حتى إذا ما قابلت بين مرجوهما ومخوفهما، وبين تقديم اللذة وخوف الآخرة، وبين تعجيل المكروه وتأميل العاقبة، وجدتهما في الحدر والرفع، وفي القبض والبسط سواء.
ولا يكون أيضًا كذلك إلا وبقاؤه في الحال الثانية معلوم، لأن الفعل حارس والطباع محروسة، والنفس عليها موقفة. فإن كان الحارس أقوى من طباعها كان ميل النفس معه طباعًا؛ لأن من شأن النفس الميل إلى أقوى الحارسين، وأمتن السببين.
ومتى كانت القوتان متكافئتين كان الفعل اختياريًا، ومن حد الغلبة خارجًا، وإن كانت الغلبة تختلف في اللين والشدة، وبعضها أخفى وبعضها أظهر، كفرار الإنسان من وهج السموم إذا لم يحضره دواعي الصبر، وأسباب المكث. وهو من لهب الحريق أشد نفرة، وأبعد وثبة، وأسرع حركة.
ومتى قويت الطبيعة على العقل أوهنته وغيرته، ومتى توهن وتغير تغيرت المعاني في وهمه، وتمثلت له على غير حقيقتها. ومتى كان
[ ٤ / ٥٨ ]
كذلك كل عن إدراك ما عليه في العاقبة، وزينت له الشهوات ركوب ما في العاجلة.
ومتى - أيضًا - فضلت قوى عقله على قوى طبائعه أوهنت طبائعه، ومتى كانت كذلك آثر الحزم والآجلة على اللذة العاجلة، طبعًا لا يمتنع منه، وواجبًا لا يستطيع غيره.
وإنما تكون النفس مختارة في الحقيقة، ومجانبة لفعل الطبيعة إذا كانت أخلاطها معتدلة، وأسبابها متساوية، وعللها متكافئة، فإذا عدل الله تركيبه وسوى أسبابه، وعرفه ما عليه وله، كان الإنسان للعقل مستطيعًا في الحقيقة، وكان التكليف لازمًا له بالحجة.
ولولا أنك تحتاج إلى التعريف بأن المأمور المنهي لا بد له من التسوية والتعديل لما قال الله تعالى: " والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها ".
ولو جاز أن يعلم موضع غيها ورشدها من غير أن يسويها ويهيئها لكان ذكر التسوية فضلًا من القول. والله يتعالى عن هذا وشبهه علوًا كبيرًا.
[ ٤ / ٥٩ ]
فصل في جواب من يسأل عن المعرفة
باضطرار هي أم باكتساب
قلنا: إن الناس لم يعرفوا الله إلا من قبل الرسل، ولم يعرفون من قبل الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والزيادة والنقصان.
على أنا لا نشك أن رجالًا من الموحدين قد عرفوا وجوهًا من الدلالة على الله بعد أن عرفوه من قبل الرسل، فتكلفوا من ذلك ما لا يجب عليهم، وأصابوا من غامض العلم ما لا يقدر عليه عوامهم، من غير أن يكونوا تكلفوا ذلك لشك وجدوه، أو حيرة خافوها؛ لأن أعلام الرسل مقنعة، ودلائلها واضحة، وشواهدها متجلية، وسلطانها قاهر، وبرهانها ظاهر.
فإن قال: أباكتساب علموا صدق الرسل أم باضطرار؟ قلنا: باضطرار.
فإن قالوا: فخبرونا عن من عاين النبي ﷺ وحجته، والمتنبي وحيلته، كيف يعلم صدق النبي من كذب المتنبي، وهو لم ينظر ولم يفكر؟ فإن قلتم: إنه نظر، وفكر، فقد رجعتم إلى الاكتساب.
وإن قلتم: إنه لم ينظر ولم يفكر فلم عرف الفصل بينهم دون أن يجهله؟ وكيف علم ذلك وهو لا يعرف الحجة من الحيلة؟ وما يؤمنه
[ ٤ / ٦٠ ]
أن يكون مبطلًا إذا كان لم ينظر في أمور الدنيا، ولم يختبر معانيها حتى يعرف الممتنع من الممكن، وما لا يزال يكون بالاتفاق مما لا يمكن ذلك فيه؟ وكيف ولم يعرف العادة وجرى الطبيعة وإلى أين تبلغ الحيلة وأين تعجز الحيلة، وعند أي ضرب يسقطان، وعلى أي ضرب يقومان؟ ولم عرف صدق النبي ﷺ حين عاين شاهده وأبصر أعاجيبه، من غير امتحان لها وتعقب لمعانيها، دون أن يعتقد صدق المتنبي إذا أورد عليه أعاجيبه وخدعه وحيله؟ بل كيف لم يعرف الله حين وقع بصره على الدنيا من غير فكرة فيها وتقليب لأمرها.
والدنيا بأسرها دلالة عما عرف صدق النبي حين أبصر دلالته من غير تفكير فيها أو تقليب لأمرها.
وقد علمنا أن الدنيا دالة على أن شواهد النبي دالة، ومتى كان ظاهر أحدهما يغني عن التفكير كان الآخر مثله، إذ لم يكن في القياس بينهما فرق، ولا في المعقول فضل.
قلنا: إن تجارب البالغ قبل أن يهجم على دلالات الرسل تأتي على جميع ذلك. ولعمري أن لو كان هجومه عليها قبل المعرفة بمجاري وتصريف الدهور وعلاقات الدنيا، والتجربة لتصريف أمورها، لما
[ ٤ / ٦١ ]
وصل إلى معرفة صدق النبي إلا بعد مقدمات كثيرة، وترتيبات منزلة؛ لأن مشاهد الشواهد إنما تضطره المشاهدة لها إذا كان قد جرب الدنيا، وعرف تصرفها وعادتها قبل ذلك.
ولو لم يكن جربها قبل ذلك حين عرف منتهى قوة بطش الإنسان وحيلته، وعرف الممكن من الممتنع، وما يمكن قوله بالاتفاق مما لا يمكن، لما عرف ذلك.
فإن قالوا: وكيف جرب ذلك وعقله، وأتقنه وحفظه، وهو طفل غرير وحدث صغير؛ لأن غير البالغ طفل إلى أن يبلغ، وحين يبلغ فقد هجم على النبي ﷺ وشواهده، أو هجم عليه النبي بشواهده، إما بخبر مقنع أو بعيان شاف. ففي أية الحالين جرب وعرف، وميز وحفظ، في حال الطفولة والغرارة؟ وهذا غير معروف في التجربة والعادة، والذي عليه ركبت الطبيعة.
أما في حال البلوغ والتمام فحال البلوغ هي الحال التي أبلغه الله الرسالة، وقاده إلى رؤية الحجة، واستماع البرهان ومخرج الرسالة.
فإذا كان الأمر، كما تقولون فقد كان ينبغي أن لا يصل إلى العلم بصدق النبي وقد أراه برهانه، وأسمعه حججه، حتى يمكث بعد ذلك دهرًا يمتحن الدنيا ويتعقب أمورها، ويعمل التجربة فيها. فإن كان ذلك كذلك فلم سميتموه بالغًا، وليس في طاقته بعد العلم يفصل ما بين النبي والمتنبي؟
[ ٤ / ٦٢ ]
قلنا: إن التجربة على ضربين: أحدهما: أن يقصد الرجل إلى امتحان شيء ليعرف مخبره عما عرف منظره.
والآخر: أن يهجم على علم ذلك من غير قصد.
وقد يسمى الإنسان مجربًا، قاصدًا أو هاجمًا، فيزعم أن البالغ قد سقط من بطن أمه إلى أن يبلغ، مقلبًا في الأمور المختلفة، ومصرفًا في خلال الحالات، بالمعرفة التي تلقحه الدنيا، بما تورد عليه من عجائبها، ويزداد في كل ساعة معرفة، وتفيده الأيام في كل يوم تجربة، كما يزداد لسانه قوة، وعظمه صلابة، ولحمه شدة، من أم تناغيه، وظئر تلهيه، وطفل يلاعبه، وطبيب يعالجه، ونفس تدعوه، وطبيعة تعينه، وشهوة تبعثه، ووجع يقلقه، كما يزيده الزمان في قوته، ويشد من عظمه ولحمه، ويزيده الغذاء عظما، وكثرة الغضب والتقليب جلدا. فإذا درج وحبا، وضحك وبكى، وأمكنه أن يكسر إناءً أو يكفئه، أو يسود ثوبًا، أو يضرب دابرة الخادم، وانتهره القيم. فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الإغراء والزجر، والتغذية والانتهار، كما يعرف الكلب اسمه إذا ألح الكلاب عليه به. وكما يعرف المجنون لقبه، وكما يحضر الفرس من وقع السوط من كثرة وقعه بعد رفعه عليه.
[ ٤ / ٦٣ ]
فصل منه في هذا المعنى
فإذا استحكمت هذه الأمور في قلبه، وثبتت في خلده وصحت في معرفته، فهو حينئذ بالغ محتمل. وعند ذلك يسخر الله سمعه للخبر المثلج، أو بصره لمعاينة الشاهد المقنع، على يدي الرسول الصادق، ولا يتركه هملا، ولا يدعه غفلا، وقد عدل طبعه وأحكم صنعه، ووفر أسبابه، فلا يحتاج عند معاينته رسولًا يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويفلق البحر، إلى تفكير، ولا تمييل ولا امتحان ولا تجربة، لأنه قد فرغ من ذلك أجمع، واستحكم عنده العلم الذي أدب به، وهيئ له وأورد عليه.
فإن كان لم يكن لذلك عامدًا، ولا إليه قاصدًا ولا به معنيًا، وإنما هو عبد عبأه سيده، ورشحه مولاه، وهيأه خالقه لأمر لا يشعر به من مصلحته، ولا يخطر على باله من الصنع له حين غذاه به، وقاده إليه، وهيأه له.
فإذا أورد عليه دعوى رسول، وأمته تشهد له بإحياء الموتى وفلق البحر، وبكل شيء قد عرف عجز البشر عن فعله والقوة عليه، علم بتجاربه المتقدمة بعادة الدنيا، أن ذلك ليس من صنع البشر، وأن مثله
[ ٤ / ٦٤ ]
لا يقع اتفاقًا، وأن الحيل لا تبلغه، فلا يمتنع مع رؤية البرهان وفهم الدعوى، أن يعلم أن الرسول صادق، وأن الراد عليه كاذب.
فصل منه
ولولا أن هذا كلام لم يكن من ذكره بد، لأنه تأسيس لما بعده، ومقدمة لما بين يديه، وتوطئة له، لاقتضبت الكلام في المعرفة اقتضابا، ولكن يمنعني عجز أكثر الناس عن فهم غايتي فيه إلا بنزيله وترتيبه.
وكل كلام أتيت على فرعه، ولم تخبر عن أصله فهو خداع لا غناء عنده، وواهن لا ثبات له.
[ ٤ / ٦٥ ]
فصل من صدر كتابه في المعاد والمعاش
[ ٤ / ٦٧ ]
أما بعد فإن جماعات أهل الحكمة قالوا: واجب على كل حكيم أن يحسن الارتياد لموضع البغية، وأن يتبين أسباب الأمور، ويمهد لعواقبها.
فإنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفاقهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم.
فأما معرفة الأمور عند تكشفها، وما يظهر من خفياتها. فذلك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالم والجاهل.
وإني قد عرفتك - أكرمك الله - في أيام الحداثة، وحيث سلطان الهوى المخلط للأعراض أغلب على نظرائك، وسكر الشباب
[ ٤ / ٦٩ ]
والجدة المتحيفين للدين والمروءة مستول على لداتك، ففقتهم ببسطة المقدرة، وحميا الحداثة، وفضل الجدة، مع ما تقدمتهم به من الوسامة في الصورة، والجمال في الهيئة.
وهذه أسباب تكاد أن توجب الانقياد للهوى، وتلجج في المهالك ولا يسلم معها إلا المنقطع القرين في صحة الفطرة، وكمال العقل.
فاستعبدتهم الشهوات حتى أعطوها أزمة أديانهم، وسلطوها على مروءاتهم وأباحوها أعراضهم، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذل العدم، وفقد عز الغني في العاجل، مع الندامة الطويلة والحسرة في الآجل.
وخرجت نسيج وحدك أوحديًا في نفسك، حكمت وكيل الله عندك - وهو عقلك - على هواك، وألقيت إليه أزمة أمرك، فسلك بك طريق السلامة، وأسلمك إلى العاقبة المحمودة، وبلغ بك من نيل اللذات أكثر مما بلغوا، ونال بك من الشهوات أكثر مما نالوا، وصرفك
[ ٤ / ٧٠ ]
من صنوف النعم في أكثر مما تصرفوا، وربط عليك من نعم الله التي خولك ما أطلقه من أيديهم إيثار اللهو، وتسليطهم الهوى على أنفسهم فخاض بك تلك اللجج، واستنقذك من تلك المعاطب، فأخرجك سليم الدين، وافر المروءة، نقي العرض، كثير الشراء، بين الجدة. وذلك سبيل من كان ميله إلى الله أكثر من ميله إلى هواه.
فلم أزل في أحوالك كلها تلك بفضيلتك عارفًا، ولك بنعم الله عندك غابطًا، أرى ظواهر أمرك المحمودة تدعوني إلى الانقطاع إليك، وأسأل عن بواطن أحوالك فيزيدني رغبة في الاتصال بك، ارتيادًا مني لموضع الخيرة في الأخوة، والتماسًا لإصابة الاصطفاء في المودة، وتخيرًا لمستودع الرجاء في النائبة.
فلما محصتك الخبرة، وكشف الابتلاء عن المحمدة، وقضت لك التجارب بالتقدمة، وشهدت لك قلوب العامة بالقبول والمحبة، وقطع الله عذر من كان يطلب الاتصال بك، طلبت الوسيلة إليك والاتصال بحبلك، ومتت بحرمة الأدب وذمام كرمك.
[ ٤ / ٧١ ]
وكان من نعمة الله عندي أن جعل أبا عبد الله - حفظه الله - وسيلتي إليك، فوجدت المطلب سهلًا، والمراد محمودًا، وأفضيت إلى ما يجوز الأمنية ويفوت الأمل. فوصلت إخاي بمودتك، وخلطتني بنفسك، وأسمتني في مراعي ذوي الخاصة بك تفضلا لا مجازاة، وتطولًا لا مكافاة، فأمنت الخطوب، واعتليت على الزمان، واتخذتك للأحداث عدة، ومن نوائب الدهر حصنًا منيعًا.
فلما جرت المؤانسة، وتقلبت من فضلك في صنوف النعمة، وزاد تصرفي في مواهبك في السرور والحبرة، أردت خبرة المشاهدة فبلوت أخلاقك، وامتحنت شيمك، وعجمت مذاهبك، على حين غفلاتك، وفي الأوقات التي يقل فيها تحفظك، أراعي حركاتك، وأراقب مخارج أمرك ونهيك، فأرى من استصغارك لعظيم النعمة التي تنعم بها، واستكثارك لقليل الشكر من شاكريك، ما أعرف به وبما قد بلوت من غيرك وما قد شهدت لي به عليك التجارب، أن ذلك منك طبع غير تكلف.
هيهات ما يكاد ذو التكلف أن يخفى على أهل الغباوة، فكيف على مثلي من المتصفحين؟
[ ٤ / ٧٢ ]
فصل منه
ولم أزل - أبقاك الله - بالموضع الذي عرفت من جمع الكتب ودراستها والنظر فيها. ومعلوم أن طول دراستها إنما هو تصفح عقول العالمين، والعلم بأخلاق النبيين - صلوات الله تعالى عليهم أجمعين - وذوي الحكمة من الماضين والباقين من جميع الأمم، وكتب أهل الملل.
فرأيت أن أجمع لك كتابًا من الأدب، جامعًا لعلم كثير من أمر المعاد والمعاش، أصف لك فيه علل الأشياء، وأخبرك بأسبابها، وما اتفقت عليه محاسن الأمم. وعلمت أن ذلك من أعظم ما أبرك به، وأرجح ما أتقرب به إليك.
وكان الذي حداني إلى ذلك ما رأيت الله تعالى قسم لك من العقل والفهم، وركب فيك من الطبع الكريم.
وقد اجتمعت الحكماء على أن العقل المطبوع والكرم الغريزي، لا يبلغان غاية الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب، ومثلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح والدهن، وذلك أن العقل الغريزي آلة والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك.
ورأيت كثيرًا من واضعي الأدب قبلي، قد عهدوا إلى الغابرين بعدهم في الآداب عهودًا قاربوا فيها الحق، وأحسنوا فيها الدلالة. إلا
[ ٤ / ٧٣ ]
أني رأيت أكثر ما رسموا من ذلك فروعًا لم يبينوا عللها، وصفات حسنة لم يكشفوا أسبابها، وأمورًا محمودة لم يدلوا على أصولها.
فإن كان ما فعلوا من ذلك روايات رووها عن أسلافهم، ووراثات ورثوها عن أكابرهم فقد قاموا بأداء الأمانة، ولم يبلغوا فضيلة من طب لمن استطب، وإن كانوا تركوا الدلالة على علل الأمور، التي بمعرفة عللها يوصل إلى مباشرة اليقين فيها، وينتهى إلى غاية الاستبصار منها، فلم يعدوا في ذلك منزلة الظن بها.
ولم تجد وصايا أنبياء الله تعالى أبدًا إلا مبينة بالأسباب، مكشوفة العلل، مضروبة معها الأمثال.
فصل منه
ولن أدع من تلك المواضع الخفية موضعًا إلا أقمت لك بها بإزاء كل شبهة منه دليلًا، ومع كل خفي من الحق حجة ظاهرة، تستنبط بها غوامض البرهان، وتستثير بها دفائن الصواب، وتستشف بها سرائر القلوب، فتأتي بما تأتي عن بينة، وتدع ما تدع
[ ٤ / ٧٤ ]
عن خبرة، ولا يكون بك وحشة إلى معرفة كثير ما يغيب عنك إذا عرفت العلل والأسباب، حتى كأنك مشاهد لضمير كل امرىء لمعرفتك بطبعه وما ركب عليه.
فصل منه
اعلم أنك إذا أهملت ما وصفت لك عرضت تدبيرك إلى الاختلاط، وإن آثرت الهوينى، واتكلت على الكفاية في الأمر الذي لا يجوز فيه إلا نظرك، وزجيت أمرك على رأي مدخول، وأصل غير محكم، رجع ذلك عليك بما لو حكم فيه عدوك كان ذلك غاية أمنيته وشفاء غيظه.
واعلم أن إجراءك الأمور مجاريها، واستعمالك الأشياء على وجوهها، يجمع لك ألفة القلوب، فيعاملك كل من عاملك بمودة، وأخذ وإعطاء، وهو على ثقة من بصرك بمواضع الإنصاف، وعلمك بموارد الأمور.
[ ٤ / ٧٥ ]
فصل منه
فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يتقرب بحرمة، ويمت بدالة، يطلب المكافأة بأكثر مما يستوجب، فدعاك الكرم والحياء إلى تفضيله على من هو أحق به، إما خوفًا من لسانه، أو مداراة لغيره، فلا تدع الاعتذار إلى من هو فوقه من أهل البلاء والنصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم؛ فإن أهل خاصتك والمؤتمنين على أسرارك، هم شركاؤك في العيش، فلا تستهينن بشيء من أمورهم، فإن الرجل قد يترك الشيء من ذلك اتكالًا على حسن رأي أخيه، فلا يزال ذلك يجرح في القلب وينمو، حتى يولد ضغنًا ويحول عداوة.
فتحفظ من هذا الباب، واحمل إخوانك عليه بجهدك.
وستجد من يتصل بك ممن يغلبه إفراط الحرص، وحميا الشره، ولين جانبك له، على أن ينقم العافية، ويطلب اللحوق بمنازل من ليس مثله، ولا له مثل دالته، فتلقاه لما تصنع به مستقلًا. ولمعروفك مستصغرا.
وصلاح من كانت هذه حاله بخلاف ما فسد عليه أمره.
[ ٤ / ٧٦ ]
فاعرف طرائفهم وشيمهم، وداو كل من لا بد لك من معاشرته، بالدواء الذي هو أنجع فيه، إن لينًا فلينًا، وإن شدة فشدة، فقد قيل في مثل:
من لا يؤدبه الجمي ل ففي عقوبته صلاحه
فصل منه
واعلم أن المقادير ربما جرت بخلاف ما تقدر الحكماء، فينال بها الجاهل في نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر، فلا يدعونك ما ترى من ذلك إلى التضييع والاتكال على مثل تلك الحال؛ فإن الحكماء قد اجتمعت على أن من أخذ بالحزم وقدم الحذر، فجاءت المقادير خلاف ما قدر، كان عندهم أحمد رأيًا، وأوجب عذرًا ممن عمل بالتفريط، وإن اتفقت له الأمور على ما أراد.
ولا تكونن بشيء مما في يدك أشد ضنًا، ولا عليه أشد حدبًا منك بالأخ الذي قد بلوته بالسراء والضراء فعرفت مذاهبه، وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناحيته، فإنه شقيق روحك، وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك وتوأم عقلك.
[ ٤ / ٧٧ ]
ولست منتفعًا بعيش مع الوحدة، ولا بد من المؤانسة.
وكثرة الاستبدال يهجم بصاحبه على المكروه.
فإن صفا لك أخ فكن به أشد ضنًا منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدنك فيه أن ترى خلقًا أو خلقين تكرههما، فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد، فكيف بنفس غيرك.
وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره. وقد قالت الحكماء: " من لك بأخيك كله ". و: " أي الرجال المهذب ".
فصل منه
واعلم أنك موسوم بسيما من قارنت، ومنسوب إليك أفاعيل من صاحبت. فتحرز من دخلاء السوء، وأظهر مجانبة أهل الريب، وقد جرت لك في ذلك الأمثال، وسطرت فيه الأقاويل، فقالوا: " المرء حيث يجعل نفسه ".
[ ٤ / ٧٨ ]
وقالوا: " يظن بالمرء ما يظن بقرينه ".
وقالوا: " المرء بشكله "، و" المرء بأليفه ".
ولن تقدر أن تتحرز من الناس، ولكن أقل المؤانسة إلا بأهل البراءة من كل دنس.
واعلم أن المرء بقدر ما يسبق إليه يعرف، وبالمستفيض من أفعاله يوصف. فإن كان بين ذلك كثير من أخلاقه ألغاه الناس، وحكموا عليه بالغالب من أمره.
فاجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفعالك كل ما يحمده العوام ولا تذمه الجماعات، فإن ذلك يعفي على كل خلل إن كان.
فبادر ألسنة الناس واشغلها بمحاسنك، فإنهم إلى كل سيىء سراع، واستظهر على من دونك بالتفضل، وعلى نظائرك بالإنصاف، وعلى كل من فوقك بالإجلال، تأخذ بوثائق الأمور وبأزمة التدبير.
[ ٤ / ٧٩ ]
فصل من صدر رسالته إلى محمد بن عبد الملك
في الجد والهزل
[ ٤ / ٨١ ]
جعلت فداك، ليس من اختياري، النخل على الزرع. أقصيتني، ولا على ميلي إلى الصدقة دون إعطاء الخراج عاقبتني، ولا لبغض دفع الإتاوة والرضا بالجزية حرمتني. ولست أدري لم كرهت قربي، وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي، واستطلت عمري وأيام مقامي؟ ولم سرتك سيئتي ومصيبتي، وساءتك حسنتي وسلامتي؟ نعم، حتى ساءك عزائي وتجملي، بقدر ما سرك جزعي وتضجري، وحتى تمنيت أن أخطىء عليك، فتجعل خطائي حجة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفًا من أن تجعله ذريعة إلى تقريبي.
فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك، فليس - أبقاك الله - هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.
[ ٤ / ٨٣ ]
فصل منه
فأي شيء أبقيت للعدو المكاشف، وللموافق الملاطف، وللمعتمد المصر، وللقادر المدل؟ ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة المعلن. ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة السرقة، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذاك في باب العقاب، خرج إلى مثله في باب الثواب.
ومن خرج من جميع الأوزان، وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب أحق، وبه أولى.
والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك، قوة حركتك، وإبطاء فترتك، وبعد الغاية في احتيالك.
ومن البرهان على بيان الغضب وعلى عظم الذنب، تمكن الحقد ورسوخ الغيظ، وبعد الوثبة وشدة الصولة. وهذا البرهان صحيح ما صح النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب.
ولا أعلم نارًا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوى الأبدان من طلب الطوائل، مع قلة الهدوء، والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء الحالات أقسامها من التدبير.
[ ٤ / ٨٤ ]
ولا أعلم تجارة أكثر خسرانًا ولا أخف ميزانًا، من عداوة العاقل العالم، وإطلاق لسان الجليس والمداخل، والشعار دون الدثار، والخاص دون العام.
والطالب - أبقاك الله - بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة.
ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر الفضلة التي يتيحها له الإخراج، ولا بد - أيضًا - من حزم يحذرك مصارع البغي، ويخوفك ناصر المطلوب.
فصل منها
والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا، مخافة جواذبه إلى سرف الهوى، فما ظنك بسرف الغضب. وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن تعود إهمال النفس ولم يعودها الصبر، ولم يعرفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو. وإنما المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.
[ ٤ / ٨٥ ]
وقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور، فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال الناس: " لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في طول الكفاية إذا كان يؤدي إلى المعجزة. ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة ".
جعلت فداك إن داء الحزن، وإن كان قاتلا، فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء الغيظ سفيه طياش، وعجول فحاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية.
فصل منها
وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جعلت حظه وصارت هي حقه، والدالة عليه دون غيره، كالعزم والعلم، والحلم والرفق؛ والأناة والمداراة، والقصد والعدل، وكالانتهاز والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة والتسرع، والغلو والتقصير.
[ ٤ / ٨٦ ]
ورب كلمة تدور مع واصلتها، وتتقلب مع جارتها، وإزاء صاحبتها، وعلى قدر ما تقابل من الحالات وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم والإرادة، والإقبال والإدبار، والجد والفتور. لأن كل هذا الباب الأخير يكون في الخير والشر، ويكون محمودًا ويكون مذمومًا.
وصاحب العجلة - أبقاك الله - صاحب لتغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عاقل، وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى مدرجة اللائمة.
وصاحب الأناة، إن ظفر نفع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وطاب ذكره ودام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم فمبسوط عذره ومصوب رأيه مع انتفاعه بعلمه، وما يجد من عز حزمه، ونبل صوابه.
[ ٤ / ٨٧ ]
فصل منها
ومن كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على ما يهوى، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف الملول المبعد من المستطرف المقرب، ولم يخف أن تجتذبه العادة وتتحكم عليه الطبيعة فليرسم حججهما ويصور صورهما في كتاب مقروء أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول. على أن لا يختار إلا من لا يدري أي النوعين يتقي، وأيهما يحامي، وأيهما داؤه، وأيهما دواؤه. فإن لم يستعمل ذلك لم يزل متورطًا في الخطاء مغمورًا بالذنب.
سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، أو كأنك تشير علي من غير أن تنصني، وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها
[ ٤ / ٨٨ ]
للتخرم، وكيف لا يمنعها من التخرق؟ ! وعلى أن الدفتر إذا انقطعت حزامته وانحل شداده، وتخرمت ربطه، ولم تكن دونه وقاية، ولا دونه جنة، تفرق ورقه، واشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وضاع أكثره.
والدفتان أجمع، وضم الجلود لها أصون والحزم لها أصلح.
وينبغي للأشكال أن تنظم، والأشباه أن تؤلف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنًا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة.
فصل منها
أنت - أبقاك الله - شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير،
[ ٤ / ٨٩ ]
وأنت ركين وأنا عجول. وأنت تدبر نفسك وتقيم أود غيرك، وتتسع لجميع الرعية، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة. وأنا أعجز عن تدبيري وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة. وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا أصف. وأنت متقدم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا لكان أجود، ولو تركت قول كذا كان أحسن. وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها، على مقادير حقوقها، فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ندمت، وإن جاريت أبدعت.
فصل منها
وقد منحتك جلد شبابي كملًا؛ وغرب نشاطي مقتبلا، فكان لك مهناه، وثمرة قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، فكان لك غنمه وعلي غرمه.
[ ٤ / ٩٠ ]
وأعطيتك عند إدبار بدني قوة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن الكبر وإسقام الهرم.
وخير شركائك من أعطاك ما صفا وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك مؤونته وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه ونشاطه لك.
وأكرم دخلائك وأشكر مواليك من لا يظن أنك تسمي جزيل ما تحتمل في بذلك ومؤانستك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة. بل يرى أن نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة الواد المخلص، فوق نعمة الجواد المغني.
[ ٤ / ٩١ ]
فصل من صدر كتابه في الوكلاء
[ ٤ / ٩٣ ]
وفقك الله للطاعة، وعصمك من الشبهة، وأفلجك بالحجة، وختم لك بالسعادة.
غبرت - أصلحك الله - أزمان وأنت عندي ممن لا يمضي القول إلا بعد التثبت، ولا يخرج الكتاب إلا بعد التصفح، وكنت حريًا بتهيئة الرأي الفطير، جديرًا أن تميل بنفسك عاقبة التفريط. ولولا كثرة مرور أيام المطالبة عليك لما ثقل عليك التثبت، ولولا قصر أيام التحصيل لما وثقت بأول خاطر، ولولا سوء العادة لما كذبك رائد النظر واتهمت الرأي.
واعترام الغضبان يهور الأعمار، فإن الغضبان أسوأ أثرًا
[ ٤ / ٩٥ ]
على نفسه من السكران، ولولا أن نار الغضب تخبو قبل إفاقة المعتوه، وضباب السكر ينكشف قبل انكشاف غروب عقل المدله، وأن حكم الظاعن خلاف حكم المقيم، وقضية المجتاز خلاف قضية الماكث، لكانت حال الغضبان أسوأ مغبة، وجهله أوبى، على أن الحكم له ألزم والناس له ألوم.
وما أكثر ما يقحم الغضب المقاحم التي لا يبلغها جناية الجنون، وفرط جهل المصروع.
فصل منه
وإن الغمر لا يكون إلا عديم الآلة، منقطع المادة، يرى الغي رشدأً والغلو قصدًا. فلو كنت إذا جنيت لم تقم على الجناية، وإذا عزمت على القول لم تخلده في الكتب، وإذا خلدته لم تظهر التبجح به، والاستبصار فيه، كان علاج ذلك أيسر، وكانت أيام سقمك أقصر.
فأخزى الله التصميم إلا مع الحزم، والاعتزام إلا بعد التثبت والعلم إلا مع القريحة المحمودة، والنظر إلا مع استقصاء الروية.
وأخلق بمن كان في صفتك، وأحر بمن جرى على دربك، ألا يكون سبب تسرعه، وعلة تشحنه إلا من ضيق الصدر.
وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر. فقد صح الآن أن سعة الصدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع.
[ ٤ / ٩٦ ]
وقد رأيتك - حفظك الله - خونت جميع الوكلاء وفجرتهم، وشنعت على جميع الوراقين وظلمتهم، وجمعت جميع المعلمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم، وتناسيت محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلة، حتى صوب نفسك عند السامع لكلامك، والقارىء كتابك، أنك ممن ينكر الحق جهلا، أو يتركه معاندة له. وقد علم الناس أن من تركه جهلًا به أصغر إثمًا ممن تركه عمدًا.
ولعمري إن العلم لطوع يديك، والمتصرف مع خواطرك، والمستملي من بديهتك، كما يستملي من ثمرة فكرك، والمحصل من رويتك. ولكن الرأي لك أن لا تثق بما يرسمه العلم في الخلا، وتتوقاه في الملا.
اعلم أنك متى تفردت بعلمك استرسلت إليه. ومتى ائتمنت على نفسك نواجم خطرك، فقد أمكنت العدو من ربقة عنقك. وبنية الطبائع وتركيب النفوس، والذي جرت عليه العادة، إهمال النفس في الخلا، واعتقالها في الملا.
فتوقف عند العادة، واتهم النفس عند الاسترسال والثقة. قال ابن هرمة:
[ ٤ / ٩٧ ]
إن الحديث تغر القوم خلوته حتى يكون له عي وإكثار
وبئس الشيء العجب، وحسن الظن بالبديهة! واعلم أن هذه الحال التي ارتضيتها لشأنك هي أمنية العدو، وتهزة الخصم، ومتى أبرزت كتابك على هذه الصورة وأفرغته هذا الإفراغ، ثم سبكته هذا السبك، فليس بعدوك حاجة إلى التكذيب عليك، وقول الزور فيك، لأنك قد مكنته من عرضك، وحكمته في نفسك.
وبعد، فمن يعجز عن عيب كتاب لم يحرس بالتثبت، ولم يحصن بالتصفح، ولم يغب بالمعاودة والنظر، ولم يقلب فيه الطرف من جهة الإشفاق والحذر. فكيف يوفق الله الواثق بنفسه، والمستبد برأيه لأدب ربه، ولما وصى به نبيه ﷺ حين قال لرجل خاصم عنده رجلا فقال في بعض كلامه: حسبي الله! فقال النبي ﷺ: " أبل الله من نفسك عذرًا، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله "
[ ٤ / ٩٨ ]
وزعمت في أول تشنيعك عليهم، فقلت: قال يعقوب بن عبيد لبعض ولده حين قال له في مرضه: أي شيء تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
وقد كان ترك التجارة من سوء معاملتهم وفحش خبائثهم.
[ ٤ / ٩٩ ]
فصل من جوابه عن الوكلاء
قد فهمنا عذرك وسمعنا قولك، فاسمع الآن ما نقول: اعلم أن الوكيل، والأجير، والأمين، والوصي، في جملة الأمر، يجرون مجرىً واحدًا. فأيش لك أن تقضي على الجميع بإساءة البعض. ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع الأمناء، واتهمنا جميع الأوصياء وأسقطناهم، ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد وفسدت المستغلات، واضطربت التجارات، وعادت النعمة بلية والمعونة حرمانًا، والأمر مهملًا، والعهد مريجًا.
ولو أن التجار وأهل الجهاز صاحبوا الجمالين والمكارين
[ ٤ / ١٠٠ ]
والملاحين، حتى يعاينوا ما نزل بأموالهم في تلك الطرق والمياه، والمسالك والخانات، لكان عسى أن يترك أكثرهم الجهاز.
فصل منه
وقد قال الله ﷿: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض "، وقال: " فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم " وقال: " ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ".
وقال يوسف النبي ﷺ لفرعون وفرعون كافر: " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ".
وقالت بنت شعيب في موسى بن عمران: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ": فجمع جميع ما يحتاج إليه في الكلمتين.
وفي قياسك هذا إسقاط جميع ما أدبنا الله به، وجعله رباطًا لمراشدنا في ديننا، ونظامًا لمصالحنا في دنيانا.
والذي يلزمني لك أن لا أعمهم بالبراءة، والذي يلزمك أن لا تعمهم بالتهمة، وأن تعلم أن نفعهم عام، وخيرهم خاص.
وقالوا: مثل الإمام الجائر مثل المطر، فإنه يهدم على الضعيف، ويمنع المسافر.
[ ٤ / ١٠١ ]
وقال النبي - ﷺ - " حوالينا ولا علينا ".
والمطر وإن أفسد بعض الثمار، وأضر ببعض الأكرة فإن نفعه غامر لضرره.
وليس شيء من الدنيا يكون نفعه محضًا، وشره صرفا. وكذلك الإمام الجائر، وإن استأثر ببعض الفيء، وعطل بعض الحكم، فإن مضاره مغمورة بمنافعه.
قالوا: وكذلك أمر الوكلاء والأوصياء والأمناء، لا تعلم قومًا الشر فيهم أعم ولا الغش فيهم أكثر من الأكرة، وما يجوز لنا مع هذا أن نعمهم بالحكم مع أن الحاجة إليهم شديدة، ونزع هذه العادة وهذا الخلق منهم أشد.
فصل منه
وأنا أظن أن الذنب مقسوم بينك وبين وكلائك. فارجع إلى نفسك فلعلك أن ترى أنك إنما أتيت من قبل الفراسة، أو من قبل أنك لم تقطع لهم الأجرة السنية، وحملتهم على غاية المشقة في أداء الأمانة وتمام النصيحة.
[ ٤ / ١٠٢ ]
فصل منه
ولا بد في باب البصر بجواهر الرجال من صدق الحس، ومن صحة الفراسة، ومن الاستدلال في البعض على الكل، كما استدلت بنت شعيب - صلوات الله عليه - حين قضت لموسى ﵇ بالأمانة والقوة، وهما الركنان اللذان تبنى عليهما الوكالة.
فصل منه
وقد قالوا: ليس مما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء، ولا أضر بالخاصة والعامة، من قولهم: " ما ترك الأول للآخر شيئًا ".
ولو استعمل الناس معنى هذا الكلام فتركوا جميع التكلف، ولم يتعاطوا إلا مقدار ما كان في أيديهم لفقدوا علمًا جمًا ومرافق لا تحصى، ولكن أبى الله إلا أن يقسم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل، يعطي كل قرن وكل أمة حصتها ونصيبها، على تمام مراشد الدين، وكمال مصالح الدنيا.
فهؤلاء ملوك فارس نزلوا على شاطىء الدجلة، من دون الصراة
[ ٤ / ١٠٣ ]
إلى فوق بغداد؛ في القصور والبساتين؛ وكانوا أصحاب نظر وفكر، واستخراج واستنباط، من لدن أزدشير بن بابك إلى فيروز بن يزدجرد.
وقبل ذلك ما نزلها ملوك الأشكان، بعد ملوك الأردوان.
فهل رأيتم أحدًا اتخذ حراقة، أو زلالة، أو قاربًا؟ ! وهل عرفوا الخيش مع حر البلاد ووقع السموم؟ ! وهل عرفوا الجمازات لأسفارهم ومنتزهاتهم؟ !
[ ٤ / ١٠٤ ]
وهل عرف فلاحوهم الثمار المطعمة، وغراس النخل على الكردات المسطرة؟ وأين كانوا عن استخراج فوه العصفر؟ وأين كانوا عن تغليق الدور والمدن، وإقامة ميل الحيطان والسواري المائلة الروس، الرفيعة السموك المركبة بعضها على بعض؟ ! وأين كانوا عن مراكب البحر في ممارسة العدو الذي في البحر، إن طارت البوارج أدركتها، وإن أكرهتها فاتتها بعد أن كان القوم أسرى في بلاد الهند، يتحكمون عليهم ويتلعبون بهم؟ وأين كانوا عن الرمي بالنيران؟ ! نعم، وكانوا يتخذون الأحصار وينفقون عليها الأموال، رجالهم دسم العمائم، وسخة القلانس، وكان الرجل منهم إذا مر بالعطار، أو جلس إليه، فأراد كرامته دهن رأسه ولحيته، لايحتشم من ذلك الكبير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللحم غرفوا للجار والجارة غرفة غرفة.
[ ٤ / ١٠٥ ]
فصل من صدر كتابه في الأوطان والبلدان
[ ٤ / ١٠٧ ]
زينك الله بالتقوى، وكفاك المهم من أمر الآخرة والأولى، وأثلج صدرك باليقين، وأعزك بالقناعة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من الشاكرين.
سألت - أبقاك الله - أن أكتب لك كتابًا في تفاضل البلدان، وكيف قناعة النفس بالأوطان، وما في لزومها من الفشل والنقص، وما في الطلب من علم التجارب والعقل.
وذكرت أن طول المقام من أسباب الفقر، كما أن الحركة من أسباب اليسر، وذكرت قول القائل: " الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ".
ونسيت - أبقاك الله - عمل البلدان، وتصرف الأزمان، وأثارهما في الصور والأخلاق، وفي الشمائل والآداب، وفي اللغات والشهوات، وفي الهمم والهيئات، وفي المكاسب والصناعات، على ما دبر الله تعالى من ذلك بالحكمة اللطيفة، والتدابير العجيبة.
فسبحان من جعل بعض الاختلاف سببًا للائتلاف، وجعل الشك داعية إلى اليقين، وسبحان من عرفنا ما في الحيرة من الذلة، وما في
[ ٤ / ١٠٩ ]
الشك من الوحشة، وما في اليقين من العز، وما في الإخلاص من الأنس.
وقلت: ابدأ لي بالشام ومصر، وفضل ما بينهما، وتحصيل جمالهما، وذكرت أن ذلك سيجر العراق والحجاز، والنجود والأغوار، وذكر القرى والأمصار، والبراري والبحار.
واعلم - أبقاك الله - أنا متى قدمنا ذكر المؤخر وأخرنا ذكر المقدم، فسد النظام وذهبت المراتب. ولست أرى أن أقدم شيئًا من ذكر القرى على ذكر أم جميع القرى. وأولى الأمور بنا ذكر خصال مكة، ثم خصال المدينة.
ولولا ما يجب من تقديم ما قدم الله وتأخير ما أخر لكان، الغالب على النفوس ذكر الأوطان وموقعها من قلب الإنسان.
وقد قال الأول: " عمر الله البلدان بحب الأوطان "، وقال ابن الزبير: " ليس الناس بشيء من أقسامهم أقتنع منهم بأوطانهم ".
ولولا ما من الله به على كل جيل منهم من الترغيب في كل ما تحت أيديهم، وتزيين كل ما اشتملت عليه قدرتهم، وكان ذلك مفوضًا إلى العقول، وإلى اختيارات النفوس ما سكن أهل الغياض والأدغال في الغمق واللثق، ولما سكنوا مع البعوض والهمج، ولما سكن سكان
[ ٤ / ١١٠ ]
القلاع في قلل الجبال، ولما أقام أصحاب البراري مع الذئاب والأفاعي وحيث من عز بز، ولا أقام أهل الأطراف في المخاوف والتغرير، ولما رضي أهل الغيران وبطون الأودية بتلك المساكن، ولالتمس الجميع السكنى في الواسطة، وفي بيضة العرب، وفي دار الأمن والمنعة. وكذلك كانت تكون أحوالهم في اختيار المكاسب والصناعات وفي اختيار الأسماء والشهوات. ولاختاروا الخطير على الحقير، والكبير على الصغير.
ألا تراهم قد اختاروا ما هو أقبح على ما هو أحسن من الأسماء والصناعات، ومن المنازل والديارات، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا.
ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية، وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمة، لذهبت المعاملات، وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التجارب، ولصاروا غرضًا للتفاني، وأكلة للبوار.
فالحمد لله أكثر الحمد وأطيبه على نعمه، ما ظهر منها وما بطن، وما جهل منها وما علم!
[ ٤ / ١١١ ]
ذكر الله تعالى الديار فخبر عن موقعها من قلوب عباده، فقال: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ". فسوى بين موقع قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". فسوى بين موقع الخروج من ديارهم وبين موقع هلاك أبنائهم.
فصل منه
فقسم الله تعالى المصالح بين المقام والظعن، وبين الغربة وإلف الوطن، وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطلب. وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب، والبعد في المسافة، ليفيدك الأمور، فيمكن الاختبار ويحسن الاختيار.
والعقل المولود متناهي الحدود، وعقل التجارب لا يوقف منه على حد. ألا ترى أن الله لم يجعل إلف الوطن عليهم مفترضًا، وقيدًا مصمتًا، ولم يجعل كفاياتهم مقصورة عليهم، محتسبة لهم في أوطانهم؟ ألا تراه يقول: " فاقرءوا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ". فقسم الحاجات فجعل أكثرها في البعد. وقال عز ذكره: " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من
[ ٤ / ١١٢ ]
فضل الله " فأخرج الكلام والإطلاق على مخرج العموم، فلم يخص أرضًا دون أرض، ولا قربًا دون بعد.
فصل منه
ونحن، وإن أطنبنا في ذكر جملة القول في الوطن، وما يعمل في الطبائع، فإنا لم نذكر خصال بلدة بعينها، فنكون قد خالفنا إلى تقديم المؤخر وتأخير المقدم.
قالوا: ولم نجهل ولم ننكر أن نفس الإلف يكون من صلاح الطبيعة، حتى إن أصحاب الكلاب ليجعلون هذا من مفاخرنا على جميع ما يعاشر الناس في دورهم من أصناف الطير وذوات الأربع: وذلك أن صاحب المنزل إذا هجم منزله واختار غيره، لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار، ولا ديك ولا دجاجة، ولا حمامة ولا حمام، ولا هر ولا هرة، ولا شاة، ولا عصفور؛ فإن العصافير تألف دور الناس، ولا تكاد تقيم فيها إذا خرجوا منها. والخطاطيف تقطع إليهم لتقيم فيها إلى أوان حاجتها إلى الرجوع إلى أوطانها، وليس شيء من هذه الأنواع مما تبوأ في الدور باجتلابهم لها، ولا ما تبوأ في دورهم مما ينزع إليهم أحن من الكلب، فإنه يؤثره على وطنه، ويحميه ممن يغشاه.
[ ٤ / ١١٣ ]
فذكروا الكلب بهذا الخلق الذي تفرد به دون جميع الحيوان.
وقالوا في وجه آخر: أكرم الصفايا أشدها ولهًا إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنها إلى أعطانها، وأكرم الأفلاء أشدها ملازمة لأمهاتها، وخير الناس آلفهم للناس.
فصل منه
وقلتم: خبرونا عن الخصال التي بانت بها قريش عن جميع الناس. وأنا أعلم أنك لم ترد هذا، وإنما أردت الخصال التي بانت بها قريش من سائر العرب، كما ذكرنا في الكتاب الأول الخصال التي بانت بها العرب عن العجم؛ لأن قريشًا والعرب قد يستوون في مناقب كثيرة. قد يلفى في العرب الجواد المبر وكذلك الحليم الشجاع، حتى يأتي على خصال حميدة؛ ولكنا نريد الخصائص التي في قريش دون العرب.
فمن ذلك أنا لم نر قريشيًا انتسب إلى قبيلة من قبائل العرب، وقد رأينا في قبائل العرب الأشراف رجالًا - إلى الساعة - ينتسبون في قريش، كنحو الذي وجدنا في بني مرة بن عوف، والذي وجدنا من ذلك في بني سليم، وفي خزاعة، وفي قبائل شريفة.
[ ٤ / ١١٤ ]
ومما بانت قريش أنها لم تلد في الجاهلية ولدًا قط لغيرها ولقد أخذ ذلك منهم سكان الطائف، لقرب الجوار وبعض المصاهرة، ولأنهم كانوا حمسًا، وقريش حمستهم.
ومما بانت به قريش من سائر العرب أن الله تعالى جاء بالإسلام وليس في أيدي جميع العرب سبية من جميع نساء قريش، ولا وجدوا في جميع أيدي العرب ولدًا من امرأة من قريش.
ومما بانت به قريش من سائر العرب أنها لم تكن تزوج أحدًا من أشراف العرب إلا على أن يتحمس، وكانوا يزوجون من غير أن يشترط عليهم، وهي عامر بن صعصعة، وثقيف، وخزاعة، والحارث بن كعب، وكانوا ديانيين، ولذلك تركوا الغزو لما فيه من الغصب والغشم، واستحلال الأموال والفروج.
ومن العجب أنهم مع تركهم الغزو كانوا أعز وأمثل، مثل أيام الفجار وذات كهف.
[ ٤ / ١١٥ ]
ألا ترى أنهم عند بنيان الكعبة قال رؤساؤهم: لا تخرجوا في نفقاتكم على هذا البيت إلا من صدقات نسائكم، ومواريث آبائكم! أرادوا مالًا لم يكسبوه ولا يشكون أنه لم يدخله من الحرام شيء.
ومن العجب أن كسبهم لما قل من قبل تركهم الغزو، ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعترهم من بخل التجار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطباع، فأعطوا الشعراء كما يعطي الملوك، وقروا الأضياف، ووصلوا الأرحام، وقاموا بنوائب زوار البيت، فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد، والراجل والراكب وأطعموا بدل الحيس الفالوذج. ألا ترى أمية بن أبي الصلت يقول، ويذكر عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعل وحفص فوق دارته ينادي
[ ٤ / ١١٦ ]
إلى ردح من الشيزي ملاء لباب البر يلبك بالشهاد
فلباب البر هو هذا النشا، والشهاد يعني به العسل.
ألا ترى أن عمر بن الخطاب يقول: " أتروني لا أعرف طيب الطعام؟ لباب البر بصغار المعزى "، يعني خبز الحوارى بصغار الجداء.
ولقد مدحتهم الشعراء كما يمدح الملوك، ومدحتهم الفرسان والأشراف وأخذوا جوائزهم؛ منهم: دريد بن الصمة، وأمية بن أبي الصلت.
ومن خصالهم أنهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ شهواتهم؛ وكانوا لا يأكلون الضباب، ولا شيئًا من الحشرات؛ ألا ترى أن النبي - ﷺ - أتوا خوانه بضب فقال: " ليس من طعام قومي "، لأنهم لم يكونوا يحرشون الضباب، ويصيدون اليرابيع، ويملون القنافذ، أصحاب الخمر والخمير، وخبز التنانير.
وقال رسول الله - ﷺ -: " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر ".
وذلك أن جميع قبائل العرب إنما كانت القبيلة لا تكاد ترى
[ ٤ / ١١٧ ]
وتسمع إلا من قبيلتها ورجالها، فليس عندهم، إلا عند قبيل واحد، من البيان والأدب والرأي والأخلاق، والشمائل، والحلم والنجدة والمعرفة، إلا في الفرط.
وكانت العرب قاطبة ترد مكة في أيام المواسم، وترد أسواق عكاظ وذا المجاز؛ وتقيم هناك الأيام الطوال، فتعرف قريش، لاجتماع الأخلاق لهم والشمائل والألفاظ، والعقول والأحلام، وهي وادعة وذلك قائم لها، راهن عندها في كل عام، تتملك عليهم فيقتسمونهم، فتكون غطفان للميرة، وبنو عامر لكذا، وتميم لكذا، تغلبها المناسك وتقوم بجميع شأنها.
فصل منه
وفتح مكة يسمى فتح الفتوح؛ وهو بيت الله، وأهله وحجاجه زوار الله؛ وهو البيت العتيق والبيت الحرام؛ وفيه الحجر، والحجر الأسود.
وله زمزم، وهي هزمة جبريل - صلوات الله عليه -، ومقام إبراهيم. وماء زمزم لما شرب له، العاكف فيه والبادي سواء.
[ ٤ / ١١٨ ]
وبسبب كرامته أرسل الله طير الأبابيل وحجارة السجيل. وأهله حمس ولقاح لا يؤدون إتاوة؛ ولهم السقاية، ودار الندوة، والرفادة، والسدانة.
قال: وأقسم الله تعالى بها، قال: " لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد ". وقوله جل ذكره: " لا أقسم " أي: أقسم، وإنما قوله " لا " في هذا الموضع صلة، ليس علة معنى " لا " الذي هو خلاف " نعم ".
وقالوا: ولو كان قوله: " وليطوفوا بالبيت العتيق " يراد به تقادم البنيان، وما تعاوره من كرور الزمان، لم يكن فضله على سائر البلدان، لأن الدنيا لم تخل من بيت ودار، وسكان وبنيان. وقد مرت الأيام على مصر، وحران، والحيرة، والسوس الأقصى، وأشباه ذلك، فجعل البيت العتيق صفة له، ولو كان ذهب إلى ما يعنون، كان من قبل أن يعتق وتمر عليه الأزمنة ليس بعتيق. وهذا الاسم قد أطلق له إطلاقًا، فاسمه البيت العتيق، كما أن اسمه بيت الله.
ومن زعم أن الله تعالى حرمه يوم خلق السموات والأرض، فقولنا هذا مصداق له.
[ ٤ / ١١٩ ]
ومن زعم أنه إنما صار حرامًا مذ حرمه إبراهيم، كان قد زعم أنه قد كان ولا يقال له عتيق ولا حرام.
قالوا: ومما يصدق تأويلنا أنه لم يعرف إلا وهو لقاح، ولا أدى أهله إتاوة قط، ولا وطئته الملوك بالتمليك: أن سابور ذا الأكتاف، وبخت نصر وأبا يكسوم وغيرهم، قد أرادوه فحال الله تعالى دونه، فتلك عادة فيه، وسنة جارية له.
ولولا أن تبع أتاه حاجًا، على جهة التعظيم والتدين بالطواف، فحجه وطاف به، وكساه الوصائل، لأخرجه الله منه.
وحجه بعض ملوك غسان ولخم، وهم نصارى، تعظيمًا له، ولما جعل الله له في القلوب.
والعتيق يكون من رق العبودية، كالعبد يعتقه مولاه. ويكون عتيقًا من النار، كالتائب من الكبائر، وكالرجل يدعو إلى الإيمان فيستجاب له، ويتعلم ناس على يده، فهم أيضًا عتقاء.
ويكون الرجل عتيقًا من عتق الوجه.
وربما كان عتيقًا كما يقال للفرس عتيق وليس بهجين ولا مقرف. وقد سمي أبو بكر بن أبي قحافة - رضوان الله عليه - عتيقًا، من طريق عتق الوجه، ومن طريق أنهم طلبوا المثالب والعيوب التي كانت تكون
[ ٤ / ١٢٠ ]
في الأمهات والآباء فلم يجدوها، قالوا: ما هذا إلا عتيق.
فصل منه
قد قلنا في الخصال التي بانت بها قريش دون العرب. ونحن ذاكرون - وبالله التوفيق - الخصال التي بانت بها بنو هاشم دون قريش.
فأول ذلك النبوة، التي هي جماع خصال الخير، وأعلاها وأفضلها، وأجلها وأسناها.
ثم وجدنا فيهم ثلاثة رجال بني أعمام في زمان واحد، كلهم يسمى عليًا، وكل واحد من الثلاثة سيد فقيه، عالم عابد، يصلح للرياسة والإمامة؛ مثل علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن هاشم، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعلي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
ثم وجدنا ثلاثة رجال بني أعمام، في زمان واحد، كلهم يسمى محمدًا، وكلهم سيد وفقيه عابد، يصلح للرياسة والإمامة، مثل محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ومثل محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
وهذا من أغرب ما يتهيأ في العالم، ويتفق في الأزمنة، وهذه لا يشركهم فيها أحد، ولا يستطيع أن يدعي مثلها أحد.
[ ٤ / ١٢١ ]
ولبني هاشم واحدة مبرزة، وثانية نادرة، يتقدمون بها على جميع الناس. وذلك أنا لا نعرف في جميع مملكة العرب، وفي جميع مملكة العجم، وفي جميع الأقاليم السبعة، ملكًا واحدًا ملكه من نصاب واحد، وفي مغرس رسالة، إلا من بني هاشم، فإن ملكهم العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله ﷺ، والعم وارث، والعم أب. ولا نعلم أمة تدعي مثل هذا لملكها.
وهذا شيء سمعته من أبي عبيدة، ومنه استمليت هذا المعنى.
ولبني هاشم - مذ ملكوا هذه الدفعة - دون أيام علي بن أبي طالب والحسين بن علي إلى يومنا هذا مائة وست عشرة سنة. كان أول بركتهم أن الله تعالى رفع الطواعين والموتان الجارف، فإنهم كانوا يحصدون حصدًا بعد حصد.
ثم الذي تهيأ واتفق، وخص به آل أبي طالب من الغرائب والعجائب والفضائل، ما لم نجده في أحد سواهم: وذلك أن أول هاشمي هاشمي الأبوين كان في الدنيا ولد لأبي طالب، لأن أباهم عبد مناف. وهو أبو طالب بن شيبة وهو عبد المطلب بن هاشم وهو عمرو وهو أبو شيبة. وشيبة هو عبد المطلب. وهو أبو الحارث وسيد الوادي غير مدافع، بن عمرو، وهو هاشم بن المغيرة، وهو عبد مناف.
ثم الذي تهيأ لبني أبي طالب الأربعة: أن أربعة إخوة كان بين كل واحد منهم وبين أخيه في الميلاد عشر سنين سواء، وهذا عجب.
[ ٤ / ١٢٢ ]
ومن الغرائب التي خصوا بها، أعني ولد أبي طالب، أنا لا نعلم الإذكار في بلد من البلدان، وفي جيل من الأجيال، إلا أهل خراسان فمن دونهم، فإن الإذكار فيهم فاش؛ كما أنك لا تجد من وراء بلاد مصر إلا مئناثًا، ثم لا ترى فيهن مفذًا بل لا ترى إلا التؤام ومن البنات.
فتهيأ في آل أبي طالب أحصوا منذ أعوام وحصلوا، فكانوا قريبًا من ألفين وثلثمائة، ثم لا يزيد عدد نسائهم على رجالهم إلا دون العشر. وهذا عجب.
وإن كنت تريد أن تتعرف فضل البنات على البنين، وفضل إناث الحيوانات على ذكورها، فابدأ فخذ أربعين ذراعًا عن يمينك، وأربعين ذراعًا عن يسارك، وأربعين خلفك، وأربعين أمامك، ثم عد الرجال والنساء حتى تعرف ما قلنا، فتعلم أن الله تعالى لم يحلل للرجل الواحد من النساء أربعًا ثم أربعًا، متى وقع بهن موت أو طلاق، ثم كذلك للواحد ما بين الواحدة من الإماء إلى ما يشاء من العدد، مجموعات ومتفرقات، لئلا يبقين إلا ذوات أزواج.
[ ٤ / ١٢٣ ]
ثم انظر في شأن ذوات البيض وذوات الأولاد فإنك سترى في دار خمسين دجاجة وديكًا واحدًا، ومن الإبل الهجمة وفحلًا واحدًا، ومن الحمير العانة وعيرًا واحدًا. فلما حصلوا كل مئناث وكل مذكار، فوجدوا آل أبي طالب قد برعوا على الناس وفضلوهم، عرف الناس موضع الفضيلة له والخصوصية.
وفي ولد أبي طالب - أيضًا - أعجوبة أخرى؛ وذلك أنه لم يوجد قط في أطفالهم طفل يحبو، بل يزحف زحفًا لئلا ينكشف منه عن شيء يسوءه، ليكون أوفر لبهائه، وأدل على ما خصوا به.
ولهم من الأعاجيب خصلة أخرى: وذلك أن عبيد الله بن زياد قتل الحسين في يوم عاشوراء، وقتله الله يوم عاشوراء في السنة الأخرى.
وقالوا: لا نعلم موضع رجل من شجعان أصحاب رسول الله ﷺ، كان له من عدد القتلى ما كان لعلي رضوان الله عليه، ولا كان لأحد مع ذلك من قتل الرؤساء والسادة، والمتبوعين والقادة، ما كان لعلي بن أبي طالب. وقتل رئيس واحد، وإن كان دون بعض الفرسان في الشدة، أشد؛ فإن قتل الرئيس أرد على المسلمين وأقوى لهم من قتل الفارس الذي هو أشد من ذلك السيد.
وأيضًا أنه قد جمع بين قتل الرؤساء وبين قتل الشجعان.
وله أعجوبة أخرى؛ وذلك أنه مع كثرة ما قتل وما بارز، وما مشى بالسيف إلى السيف، لم يجرح قط ولا جرح إنسانًا إلا قتله،
[ ٤ / ١٢٤ ]
ولا نعلم في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأموال التي تشاجر الناس عليها، ومتى ذكر الإعطاء في الماعون، كان مذكورًا في هذه الحالات كلها إلا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
قالوا: وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالمًا وليس بعابد، وعابدًا وليس بعالم، وعابدًا وليس بعاقل، وعاقلًا وليس بعابد. وسليمان بن يسار عالم عاقل عابد، فانظر أين يقع خصال سليمان من خصال علي بن أبي طالب ﵁.
ولم يكن قصدنا في أول هذا الكتاب إلى ذكر هاشم، وقد كان قصدنا الإخبار عن مكة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكن ذكر خصال مكة جر ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جر ذكر خصال بني هاشم.
فإن أحببت أن تعرف جملة القول في خصال بني هاشم فانظر في كتابي هذا الذي فرقت فيه بين خصال بني عبد مناف وبين بني مخزوم، وفرقت ما بين عبد شمس؛ فإنه هناك أوفر وأجمع، إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ١٢٥ ]
فصل منه
قالوا: وقد تعجب الناس من ثبات قريش، وجزالة عطاياهم، واحتمالهم المؤن الغلاظ في دوام كسبهم من التجارة، وقد علموا أن البخل والبصر في الطفيف مقرون في التجارة؛ وذلك خلق من أخلاقهم. وعلى ذلك شاهد أهل الترقيح والتكسب والتدنيق.
فكان في ثبات جودهم العالي على جود الأجواد، وهم قوم لا كسب لهم إلا من التجارة، عجب من العجب.
ثم جاء ما هو أعجب من هذا وأطم، وذلك أنا قد علمنا أن الروم قبل التدين بالنصرانية، كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالًا، فلما صارت لا تدين بالقتل والقتال، والقود والقصاص، اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتى صاروا يتكلفون القتال تكلفا. ولما خامرت طبائعهم تلك الديانة، وسرت في لحومهم ودمائهم فصارت تلك الديانة تعترض عليهم، خرجوا من حدود الغالبية إلى أن صاروا مغلوبين.
وإلى مثل ذلك صارت حال التغزغز من الترك. بعد أن كانوا
[ ٤ / ١٢٦ ]
أنجادهم وحماتهم، وكانوا يتقدمون الخرلخية، وإن كانوا في العدد أضعافهم، فلما دانوا بالزندقة - ودين الزندقة في الكف والسلم أسوأ من دين النصارى - نقصت تلك الشجاعة، وذهبت تلك الشهامة.
وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمس، وتشددوا في الدين، فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال واستحسان الغصب؛ فلما تركوا الغزو لم تبق مكسبة سوى التجارة، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، وإلى النجاشي بالحبشة، وإلى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء، وبانوا بالديانة والتحمس، فحمسوا بني عامر بن صعصعة، وحمسوا الحارث بن كعب، فكانوا - وإن كانوا حمسًا - لا يتركون الغزو والسبي ووطء النساء، وأخذ الأموال، فكانت نجدتهم - وإن كان أنقص - فإنها على حال النجدة، ولهم في ذلك بقية.
وتركت قريش الغزو بتة، فكانوا - مع طول ترك الغزو - إذا غزوا كالأسود على براثنها، مع الرأي الأصيل، والبصيرة النافذة.
أفليس من العجب أن تبقى نجدتهم، وتثبت بسالتهم، ثم يعلون الأنجاد والأجواد، ويفرعون الشجعان؟ ! وهاتان الأعجوبتان بينتان.
وقد علم أن سبب استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج
[ ٤ / ١٢٧ ]
وتقدمهم في ذلك، إنما هو بسبب الديانة، لأنا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم، يقاتلون مثل قتالهم، ونجد السجستاني وهو عجمي، ونجد اليمامي والبحراني والخوزي وهم غير عرب، ونجد إباضية عمان وهي بلاد عرب، وإباضية تاهرت وهي بلاد عجم، كلهم في القتال والنجدة، وثبات العزيمة، والشدة في البأس سواء. فاستوت حالاتهم في النجدة مع اختلاف أنسابهم ويلدانهم. أفما في هذا دليل على أن الذي سوى بينهم التدين بالقتال، وضروب كثيرة من هذا الفن؟ ! وذلك كله مصور في كتبي، والحمد لله.
وقد تجدون عموم السخف والجهل والكذب في المواعيد، والغش في الصناعة، في الحاكة، فدل استواء حالاتهم في ذلك على استواء عللهم. ليست هناك علة إلا الصناعة؛ لأن الحاكة في كل بلد شيء واحد. وكذلك النخاس وصاحب الخلقان، وبياع السمك. وكذلك الملاحون وأصحاب السماد، أولهم كآخرهم، وكهولهم كشبانهم، ولكن قل في استواء الحجامين في حب النبيذ.
فصل منه في ذكر المدينة
وأمر المدينة عجب، وفي تربها وترابها وهوائها، دليل وشاهد
[ ٤ / ١٢٨ ]
وبرهان على قول النبي ﷺ: " إنها طيبة تنفي خبثها وتنصع طيبها " لأن من دخلها أو أقام فيها، كائنا من كان من الناس، فإنه يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، ليس لها اسم في الأرابيح، وبذلك السبب طاب طيبها والمعجونات من الطيب فيها. وكذلك العود وجميع البخور، يضاعف طيبها في تلك البلدة على كل بلد استعمل ذلك الطيب بعينه فيها.
وكذلك صياحها والبلح والأترج والسفرجل، أعني المجعول منها سخبًا للصبيان والنساء.
فإن ذكروا طيب سابور بطيب أرياح الرياحين، وذلك من ريح رياحينها وبساتينها وأنوارها، ولذلك يقوى في زمان، ويضعف في زمان.
ونحن قد ندخل دجلة في نهر الأبلة بالأسحار، فنجد من تلك
[ ٤ / ١٢٩ ]
الحدائق، ونحن في وسط النهر، مثل ما يجد أهل سابور من تلك الرائحة.
وطيبة التي يسمونها المدينة، هذا الطيب خلقة فيها، وجوهرية منها، وموجود في جميع أحوالها. وإن الطيب والمعجونات لتحمل إليها فتزداد فيها طيبًا، وهو ضد قصبة الأهواز وأنطاكية، فإن الغوالي تستحيل الاستحالة الشديدة.
ولسنا نشك أن ناسًا ينتابون المواضع التي يباع فيها النوى المنقع، فيستنشقون تلك الرائحة، يعجبون بها ويلتمسونها، بقدر فرارنا نحن من مواقع النوى عندنا بالعراق، ولو كان من النوى المعجوم ومن نوى الأفواه.
ونحن لا نشك أن الرجل الذي يأكل بالعراق أربع جرادق في مقعد واحد من الميساني والموصلي، أنه لا يأكل من أقراص المدينة قرصين؛ ولو كان ذلك لغلظ فيه أو لفساد كان في حبه وطحينه لظهر ذلك في التخم وسوء الاستمراء، ولتولد على طول الأيام من ذلك أوجاع وفساد كثير.
ولم يكن بها طاعون قط ولا جذام.
[ ٤ / ١٣٠ ]
وليس لبلدة من البلدان من الشهرة في الفقه ما لهم ولرجالهم، وذكر عبد الملك بن مروان روح بني زنباع فمدحه فقال: " جمع أبو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة أهل الشام ".
فصل منه في ذكر مصر
قال أبو الخطاب: لم يذكر الله جل وعز شيئًا من البلدان باسمه في القرآن كما ذكر مصر، حيث يقول: " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ". وقال: " فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " وقال: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة " وقال تعالى: " اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم " وقال في آية: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ".
[ ٤ / ١٣١ ]
وذكر مصر في القرآن بالكناية عن خاصة اسمها، فمن ذلك: " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " قالوا: هي مدينة منف، وهو موضع منزل فرعون.
وأخبرني شيخ من آل أبي طالب من ولد علي صحيح الخبر: منف دار فاعون، ودرت في مجالسه ومثاويه وغرفه وصفافه، فإذا كله حجر واحد منقور؛ فإن كانوا هندموه وأحكموا بناءه حتى صار في الملاسة واحدًا لا يستبان فيه مجمع حجرين، ولا ملتقى صخرتين فهذا عجب. ولئن كان جبلًا واحدًا، ودكًا واحدًا، فنقرته الرجال بالمناقير حتى خرقت فيه تلك المخاريق، إن هذا لأعجب.
وفي القرآن: " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ".
قال: والأرض ها هنا مصر. وفي هذا الموضع كلام حسن، ولكنا ندعه مخافة أن نخرج إلى غير الباب الذي ألفنا له هذا الكتاب.
قالوا: وسمى الله تعالى ملك مصر " العزيز "، وهو صاحب يوسف، وسمي صاحب موسى فرعون.
قالوا: وكان أصل عتو فرعون ملكه العظيم، ومملكته التي لا تشبهها مملكة.
[ ٤ / ١٣٢ ]
قالوا: ومنهم مؤمن آل فرعون، وهي آسية بنت مزاحم.
وقال النبي ﷺ: " سيدة نساء العالم خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم ".
قال: ولما هم فرعون بقتل موسى قالت آسية: لا تقتله عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا. وقالت: وكيف تقتله، ووالله ما يعرف الجمرة من التمرة.
ومنهم السحرة الذين كانوا قد أبروا على أهل الأرض، فلما أبصروا بالأعلام، وأيقنوا بالبرهان، استبصروا وتابوا توبة ما تابها ماعز بن مالك، ولا أحد من العالمين، حتى قالوا لفرعون: " اقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر ".
وجاء في الحديث: " من أخرب خزائن الله فعليه لعنة الله ". قالوا:
[ ٤ / ١٣٣ ]
خزائن الله هي مصر، أما سمعتم قول يوسف: " اجعلني على خزائن الأرض "؟ وقال عبد الله بن عمرو: " البركة عشر بركات: تسع بمصر والواحدة في جميع الأرض ".
فصل منه
وقال أهل العراق: سألنا بطريق خرشنة عن خراج الروم، فذكر مقدارًا من المال، وقال: هو كذا وكذا قنطارًا. فنظر بعض الوزراء فإذا خراج مصر وحده يضعف على خراج بلاد الروم إذا جمعت أبواب المال من البلاد جميعًا.
وزعم أبو الخطاب أن أرض مصر جبيت أربعة آلاف ألف دينار.
فصل منه
ولا أعلم الفرقة في المغرب إلا أكثر من الفرقة في المشرق، إلا أن أهل المغرب إذا خرجوا لم يزيدوا على البدعة والضلالة، والخارجي في
[ ٤ / ١٣٤ ]
المشرق لا يرضى بذلك حتى يجوزه إلى الكفر، مثل المقنع وشيبان والإصبهبذ وبابك، وهذا الضرب.
فصل منه
وقد علمنا أن لجماعة بني هاشم طابعًا في وجوههم يستبين به كرم العتق وكرم النجار، وليس ذلك لغيرهم.
ولقد كادت الأهواز تفسد هذا المعنى على هاشمية الأهواز، ولولا
[ ٤ / ١٣٥ ]
أن الله غالب على أمره لقد كادت طمست على ذلك العتق ومحته. فتربتها خلاف تربة الرسول ﷺ: وذلك أن كل من تخرق طرق المدينة وجد رائحة طيبة ليست من الأراييح المعروفة الأسماء.
فصل منه
قال زياد: الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها. والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها.
فصل منه
والفرات خير من ماء النيل. وإما دجلة فإن ماءها يقطع شهوة الرجال. ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها؛ وإن لم يتنسم النازلون عليها أصابهم قحول في عظامهم، ويبس في جلودهم.
وجميع العرب النازلين على شاطئ دجلة من بغداد إلى بلد
[ ٤ / ١٣٦ ]
لا يرعون الخيل في الصيف على أواريها على شاطئ دجلة، ولا يسقونها من مائها، لما يخاف عليها من الصدام، وغير ذلك من الآفات.
وأصحاب الخيل من العتاق والبراذين إنما يسقونها بسر من رأى، مما احتفروها من كارباتهم ولا يسقونها من ماء دجلة؛ وذلك أن ماء دجلة مختلط، وليس هو ماءً واحدًا، ينصب فيها من الزابين والنهروانات وماء الفرات، وغير ذلك من المياه.
واختلاف الطعام إذا دخل جوف الإنسان من ألوان الطبيخ والإدام غير ضار، وإن دخل جوف الإنسان من شراب مختلف كنحو الخمر والسكر ونبيذ التمر والداذي كان ضارًا. وكذلك الماء، لأنه متى أراد أن يتجرع جرعًا من الماء الحار لصدره أو لغير ذلك، فإن أعجله أمر فبرده بماء بارد ثم حساه ضره ذلك، وإن تركه حتى يفتر ببرد الهواء لم يضره. وسبيل المشروب غير سبيل المأكول.
فإن كان هذا فضيلة مائنا على ماء دجلة فما ظنك بفضله على ماء
[ ٤ / ١٣٧ ]
البصرة، وهو ماء مختلط من ماء البحر ومن الماء المستنقع في أصول القصب والبردي؟ قال الله تعالى: " هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ".
والفرات أعذبها عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب، من فرات الكوفة.
فصل منه في ذكر البصرة
كان يقال: الدنيا البصرة.
وقال الأحنف لأهل الكوفة: " نحن أعذى منكم برية، وأكثر منكم بحرية، وأبعد منكم سرية، وأكثر منكم ذرية ".
وقال الخليل بن أحمد في وصف القصر المذكور بالبصرة:
زر وادي القصر نعم القصر والوادي لا بد من زورة عن غير ميعاد
ترقى بها السفن والظلمان واقفة والضب والنون والملاح والحادي
[ ٤ / ١٣٨ ]
ومن أتى هذا القصر وأتى قصر أنس رأى أرضًا كالكافور، وتربة ثرية، ورأى ضبًا يحترش، وعزالًا يقتنص، وسمكًا يصاد، ما بين صاحب شص وصاحب شبكة، ويسمع غناء ملاح على سكانه، وحداء جمال على بعيره.
قالوا: وفي أعلى جبانة البصرة موضع يقال له الحزيز يذكر الناس أنهم لم يروا قط هواءً أعدل، ولا نسيمًا أرق، ولا ماء أطيب منها في ذلك الموضع.
وقال جعفر بن سليمان: " العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، وداري عين المربد ".
وقال أبو الحسن وأبو عبيدة: " بصرت البصرة سنة أربع عشرة، وكوفت الكوفة سنة سبع عشرة "
فصل منه
زعم أهل الكوفة أن البصرة أسرع الأرض خرابًا، وأخبثها ترابًا، وأبعدها من السماء وأسرعها غرقًا، ومفيض مائها البحر، ثم يخرج ذلك إلى البحر الأعظم.
وكيف تغرق، وهم لا يستطيعون أن يوصلوا ماء الفيض إلى
[ ٤ / ١٣٩ ]
حياضهم إلا بعد أن يرتفع ذلك الماء في الهواء ثلاثين ذراعًا، في كل سقاية بعينها، لا لحوض بعينه.
وهذه أرض بغداد في كل زيادة ماء ينبع الماء في أجواف قصورهم الشارعة بعد إحكام المسنيات التي لا يقوى عليها إلا الملوك، ثم يهدمون الدار التي على دجلة فيكسون بها تلك السكك، ويتوقعون الغرق في كل ساعة.
قال: وهم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق قد ذهب عنه الطين والرمل المشوب بماء بغداد والكوفة، لطول مقامه بالبطيحة، وقد لان وصفا ورق.
وإن قلتم: إن الماء الجاري أمرأ من الساكن، فكيف يكون ساكنًا مع تلك الأمواج العظام والرياح العواصف، والماء المنقلب من العلو إلى السفل؟ ومع هذا إنه إذا سار من مخرجه إلى ناحية المذار ونهر أبي الأسد وسائر الأنهار، وإذا بعد من مدخله إلى البصرة من الشق القصير، جرى منقضًا إلى الصخور والحجارة، فراسخ وفراسخ، حتى ينتهي إلينا.
[ ٤ / ١٤٠ ]
ويدل على صلاح مائهم كثرة دورهم، وطول أعمارهم، وحسن عقولهم، ورفق أكفهم، وحذقهم لجميع الصناعات، وتقدمهم في ذلك لجميع الناس.
ويستدل على كرم طينهم ببياض كيزانهم وعذوبة الماء البائت في قلالهم، وفي لون آجرهم، كأنما سبك من مح بيض. وإذا رأيت بناءهم وبياض الجص الأبيض بين الآجر الأصفر لم تجد لذلك شبهًا أقرب من الفضة بين تضاعيف الذهب.
فإذا كان زمان غلبة ماء البحر فإن مستقاهم من العذب الزلال الصافي، النمير في الأبدان، على أقل من فرسخ، وربما كان أقل من ميل.
ونهر الكوفة الذي يسمونه إنما هو شعبة من أنهار الفرات، وربما جف حتى لا يكون لهم مستقىً إلا على رأس فرسخ، وأكثر من ذلك، حتى يحفروا الآبار في بطون نهرهم، وحتى يضر ذلك بخضرهم وأشجارهم. فلينظروا أيما أضر وأيما أعيب.
وليس نهر من الأنهار التي تصب في دجلة إلا هو أعظم وأكبر وأعرض من موضع الجسر من نهر الكوفة، وإنما جسره سبع سفائن،
[ ٤ / ١٤١ ]
لا تمر عليه دابة لأنها جذوع مقيدة بلا طين، وما يمشي عليها الماشي إلا بالجهد؛ فما ظنك بالحوافر والخفاف والأظلاف؟ ! وعامة الكوفة خراب يباب، ومن بات فيها علم أنه في قرية من القرى ورستاق من الرساتيق، بما يسمع من صياح بنات آوى، وضباح الثعالب، وأصوات السباع. وإنما الفرات دمما إلى ما اتصل به إلى بلاد الرقة، وفوق ذلك.
فإما نهرهم فالنيل أكبر منه، وأكثر ماءً، وأدوم جرية.
وقد تعلمون كثرة عدد أنهار البصرة، وغلبة الماء، وتطفح الأنهار.
وتبقى النخلة عشرين ومائة سنة وكأنها قدح. وليس يرى من قرب القرية التي يقال لها النيل إلى أقصى أنهار الكوفة نخلة طالت شيئًا إلا وهي معوجة كالمنجل. ثم لم نر غارس نخل قط في أطراف الأرض يرغب في فسيل كوفي، لعلمه بخبث مغرسه، وسوء نشوه، وفساد تربته، ولؤم طبعه.
وليس لليالي شهر رمضان في مسجدهم غضارة ولا بهاء، وليس منار مساجدهم على صور منار البصرة، ولكن على صور منار الملكانية واليعقوبية.
[ ٤ / ١٤٢ ]
ورأينا بها مسجدًا خرابًا تأويه الكلاب والسباع، وهو يضاف إلى علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه.
ولو كان بالبصرة بيت دخله علي بن أبي طالب مارًا لتمسحوا به وعمروه بأنفسهم وأموالهم.
وخبرني من بات أنه لم ير كواكبها زاهرة قط، وأنه لم يرها إلا ودونها هبوة، وكأن في مائهم مزاج دهن. وأسواقهم تشهد على أهلها بالفقر. وهم أشد بغضًا لأهل البصرة من أهل البصرة لهم؛ وأهل البصرة هم أحسن جوارًا، وأقل بذخًا، وأقل فخرًا.
ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم، وعيبهم إيانا في استعمال السماد في أرضنا ولنخلنا، ونحن نراهم يسمدون بقولهم بالعذرة اليابسة صرفًا، فإذا طلع وصار له ورق ذروا عليه من تلك العذرة اليابسة حتى يسكن في خلال ذلك الورق.
ويريد أحدهم أن يبني دارًا فيجيء إلى مزبلة، فيضرب منها لبنًا، فإن كانت داره مطمئنة ذات قعر حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السماد عندنا لباعوها بالأموال النفيسة.
ثم يسجرون تنانيرهم بالكساحات التي فيها من كل شيء، وبالأبعار والأخثاء، وكذلك مواقد الكيران.
[ ٤ / ١٤٣ ]
وتمتلىء ركايا دورهم عذرة فلا يصيبون لها مكانًا، فيحفرون لذلك في بيوتهم آبارًا، حتى ربما حفر أحدهم في مجلسه، وفي أنبل موضع من داره. فليس ينبغي لمن كان كذلك أن يعيب البصريين بالتسميد.
فصل منه
وليس في الأرض بلدة أرفق بأهلها من بلدة لا يعز بها النقد، وكل مبيع بها يمكن.
فالشامات وأشباهها الدينار والدرهم بها عزيزان، والأشياء بها رخيصة لبعد المنقل، وقلة عدد من يبتاع. ففي ما يخرج من أرضهم أبدًا فضل عن حاجاتهم.
والأهواز، وبغداد، والعسكر، يكثر فيها الدراهم ويعز فيها المبيع لكثرة عدد الناس وعدد الدراهم.
وبالبصرة الأثمان ممكنة والمثمنات ممكنة، وكذلك الصناعات، وأجور أصحاب الصناعات. وما ظنك ببلدة يدخلها في البادي من أيام الصرام إلى بعد ذلك بأشهر، ما بين ألفي سفينة تمر أو أكثر في كل يوم، لا يبيت فيها سفينة واحدة، فإن باتت فإنما صاحبها هو الذي يبيتها، لأنه لو كان حط في كل ألف رطل قيراطًا لانتسفت انتسافا.
ولو أن رجلًا ابتنى دارًا يتممها ويكملها ببغداد، أو بالكوفة،
[ ٤ / ١٤٤ ]
أو بالأهواز، وفي موضع من هذه المواضع، فبلغت نفقتها مائة ألف درهم، فإن البصري إذا بنى مثلها بالبصرة لم ينفق خمسين ألفًا؛ لأن الدار إنما يتم بناؤها بالطين واللبن، وبالآجر والجص، والأجذاع والساج والخشب، والحديد والصناع، وكل هذا يمكن بالبصرة على الشطر مما يمكن في غيرها. وهذا معروف.
ولم نر بلدة قط تكون أسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها إلا البصرة: طعامهم أجود الطعام، وسعرهم أرخص الأسعار، وتمرهم أكثر التمور، وريع دبسهم أكثر، وعلى طول الزمان أصبر، يبقى تمرهم الشهريز عشرين سنة، ثم بعد ذلك يخلط بغيره فيجيء له الدبس الكثير، والعذب الحلو، والخاثر القوي.
ومن يطمع من جميع أهل النخل أن يبيع فسيلة بسبعين دينارًا، أو بحونة بمائة دينار، أو جريبًا بألف دينار غير أهل البصرة؟
فصل منه
ولأهل البصرة المد والجزر على حساب منازل القمر لا يغادران من ذلك شيئًا. يأتيهم الماء حتى يقف على أبوابهم؛ فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا حجبوه.
[ ٤ / ١٤٥ ]
ومن العجب لقوم يعيبون البصرة لقرب البحر والبطيحة؛ ولو اجتهد أعلم الناس وأنطق الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة، لما قدر عليها.
قال زياد: قصبة خير من نخلة.
وبحق أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرفه وما يجيء منه، فما قدرت عليه حتى قطعته وأنا معترف بالعجز، مستسلم له.
فأما بحرنا هذا فقد طم على كل بحر وأوفى عليه؛ لأن كل بحر في الأرض لم يجعل الله فيه من الخيرات شيئًا، إلا بحرنا هذا، الموصول ببحر الهند إلى ما لا تذكر.
وأنت تسمع بملوحة ماء البحر، وتستسقطه وتزري عليه. والبحر هو الذي يخلق الله تعالى منه الدر الذي بيعت الواحدة منه بخمسين ألف دينار؛ ويخلق في جوفه العنبر، وقد تعرفون قدر العنبر. فشيء يولد هذين الجوهرين كيف يحقر؟ ولو أنا أخذنا خصال هذه الأجمة وما عظمنا من شأنها، فقذفنا بها في زاوية من زوايا بحرنا هذا لضلت حتى لا نجد لها حسا، وهما لنا خالصان دونكم، وليس يصل إليكم منهما شيء إلا بسببنا وتعدينا فضل غنا.
[ ٤ / ١٤٦ ]
وقال بعض خطبائنا: نحن أكرم بلادًا، وأوسع سوادًا، وأكثر ساجًا وعاجًا وديباجًا، وأكثر خراجًا.
لأن خراج العراق مائة ألف ألف واثنا عشر ألف ألف، وخراج البصرة من ذلك ستون ألف ألف، وخراج الكوفة خمسون ألف ألف.
فصل منه في ذكر الحيرة
ورأيت الحيرة البيضاء وما جعلها الله بيضاء، وما رأيت فيها دارًا يذكر إلا دار عون النصراني العباداني.
ورأيت التربة التي بينها وبين قصبة الكوفة، ورأيت لون الأرض فإذا هو أكهب كثير الحصى، خشن المس.
والحيرة أرض باردة في الشتاء، وفي الصيف ينزعون ستور بيوتهم مخافة إحراق السمائم لها.
[ ٤ / ١٤٧ ]
فصل من صدر رسالته في البلاغة والإيجاز
[ ٤ / ١٤٩ ]
قال عمرو بن بحر الجاحظ: درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز، وحمد الاختصار، وذم الإكثار والتطويل والتكرار، وكل ما فضل عن المقدار.
وكان رسول الله ﷺ طويل الصمت، دائم السكت يتكلم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، وكان يبغض الثرثارين المتشدقين.
وكان يقال: أفصح الناس أسهلهم لفظًا، وأحسنهم بديهة.
والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل.
وقيل: العاقل من خزن لسانه، ووزن كلامه، وخاف الندامة.
وحسن البيان محمود، وحسن الصمت حكم.
[ ٤ / ١٥١ ]
وربما كان الإيجاز محمودًا، والإكثار مذمومًا. وربما رأيت الإكثار أحمد من الإيجاز. ولكل مذهب ووجه عند العاقل. ولكل مكان مقال، ولكل كلام جواب. مع أن الإيجاز أسهل مراما وأيسر مطلبًا من الإطناب، ومن قدر على الكثير كان على القليل أقدر.
والتقليل للتخفيف، والتطويل للتعريف، والتكرار للتوكيد، والإكثار للتشديد.
فصل منه
وأما المذموم من المقال، فما دعا إلى الملال، وجاوز المقدار، واشتمل على الإكثار، وخرج من مجرى العادة.
وكل شيء أفرط في طبعه، وتجاوز مقدار وسعه، عاد إلى ضد طباعه، فتحول البارد حارًا، ويصير النافع ضارًا، كالصندل البارد إن أفرط في حكه عاد حارًا مؤذيًا، وكالثلج يطفىء قليله الحرارة، وكثيره يحركها.
وكذلك القرد لما فرط قبحه، وتناهت سماجته استملح واستظرف.
وإلى هذا ذهب من عد الإكثار عيًا، والإيجاز بلاغة.
[ ٤ / ١٥٢ ]
فصل من صدر كتابه في تفضيل البطن على الظهر
عصمنا الله وإياك من الشبهة، وأعاذنا وإياك من زيغ الهوى، وفضلات المنى، ووهب لنا ولك تأديبًا مؤديًا إلى الزيادة في إحسانه، وتوفيقًا موجبًا لرحمته ورضوانه.
وقد كان كتابك يا ابن أخي - وفقك الله - ورد علي، تصف فيه فضيلة الظهور وصفًا يدل على شغفك بها، وحبك إياها، وحنينك إليها وإيثارك لها، وفهمته.
فلم تمنع - أعاذك الله من عدوك - من الإجابة عن كتابك في وقت وروده، إلا عوارض أشغال مانعة، وحوادث من التصرف والانتقال من مكان إلى مكان عائقة.
ولم آمن أن لو تأخر الجواب عليك أكثر مما تأخر، أن يسبق إلى قلبك أني راض باختيارك، ومسلم لمذهبك، وموافق لك فيه، مساعد لك عليه، ومنقاد معك فيما اعتقدت منه، ومجد في طلبه، ومحرض عليه.
[ ٤ / ١٥٥ ]
فبادرت بكتابي هذا، منبها لك من سنة رقدتك، وداعيًا إلى رشدك. فإنك تعلم - وإن كنت لي في مذهبي مخالفًا، وفي اعتقادي مباينًا - أن اجتماع المتباينين فيما يقع بصلاحهما أولى في حكم العقل، وطريق المعرفة منه فيما أبادهما، وعاد بالضرر في اختيارهما عليهما.
وأنا، وإن كنت كشفت لك قناع الخلاف، وأبديت مكنون الضمير بالمضادة، وجاهدتني بنصرة الرأي والعقيدة في حب الظهور، وتلفيق الفضائل لها، غير مستشعر لليأس من رجعتك، ولا شاك في لطائف حكمتك، وغوامض فطنتك.
وقد أعلم أن معك - بحمد الله - بصيرة المعتبرين، وتمييز الموفقين وأنك إذا أنعمت فكرًا وبحثًا ونظرًا، رجعت إلى أصل قوي الانقياد والموافقة، ولم تتورط في اللجاج فعل المعجبين، ولم يتداخلك غرة المنتحلين؛ فإنا رأينا قومًا انتحلوا الحكمة وليسوا من أهلها، بل هم أعلام الدعوى، وحلفاء الجهالة، وأتباع الخطأ، وشيع
[ ٤ / ١٥٦ ]
الضلالة، وخول النقص، الذين قامت عليهم الحجة بما نحلوه أنفسهم من اسمها، وسلبوه من فهم عظيم قدرها ومعرفة جليل خطرها، ولم يجلوا الرين عن قلوبهم والصدأ عن أسماعهم، بالتنقير والبحث والتكشف، ولم ينصبوا في عقولهم لأنفسهم أصلًا يئلون في اعتقادهم عليه، ويرجعون عند الحيرة في اختلاف آرائهم إليه. فضلوا، وأصبح الجهل لهم إمامًا، والسفهاء لهم قادة وأعلاما.
ونحن نسأل الله بحوله وطوله ومنه، ألا يجعلك من أهل هذه الصفة، وأن يريك الحق حقًا فتتبعه، والباطل باطلًا فتجتنبه، وأن يعمنا ببركة هذا الدعاء، وجماعة المسلمين، وأن يأخذ إلى الخير بنواصينا، ويجمع على الهدى قلوبنا، ويؤلف فيه ذات بيننا، فإنك ما علمت - وأتقلد في ذلك أمانة القول - ممن أحب موافقته ومخالطته، وأن يكون في فضله مقدمًا، وعن كل عضيهة منزها.
وما أعلم حالًا أنا عليها في الرغبة لك فيما أرغب لنفسي فيه، والسرور بتكامل أحوالك، واستواء مذهبك، وما أزابن به من إرشادك ونصيحتك، وتسديدك وتوفيقك، إلا وصدق الطوية مني فيها أبلغ من إسهامي في فضل صفتها. والله تعالى المعين والمؤيد والموفق، والمبدع، وحده لا شريك له. والحمد لله، كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرًا.
[ ٤ / ١٥٧ ]
يا أخي - أرشدك الله - إنك أغرقت في مدح الظهر من الجهة التي كان ينبغي لك أن تذمها، وقدمتها من الحجة التي ينبغي لك أن تؤخرها. وآثرتها وهي محقوقة بأن ترفضها.
وما رأينا هلاك الأمم الخالية، من قوم لوط، وثمود وأشياعهم وأتباعهم، وحلول الخسف والرجفة والآيات المثلات والعذاب الأليم والريح العقيم، والغير والنكير ووجوب نار السعير، إلا بما دانوا به من اختيار الظهور. قال الله تعالى، في قصة لوط: " أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ".
فذمهم الله - ﵎ - كما ترى، وبلغ بهم في ذكر ما استعظم من عتوهم إلى غاية لا تدرك صفتها، ولا يوقف على حدها مع آي كثيرة قد أنزلها فيهم، وقصص طويلة قد أنبأ بها عنهم، وروايات كثيرة أثرها فيمن كان من طبقتهم.
وسنأتي منها بما يقع به الكفاية دون استفراغ الجميع، مما حملته الرواة، ونقله الصالحون.
[ ٤ / ١٥٨ ]
فصل منه
والحق بين لمن التمسه، والمنهج واضح لمن أراد أن يسلكه. وليس في العنود درك فلج. والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وترك الذنب أيسر من التماس الحجة، كما كان غض الطرف أهون من الحنين إلى الشهوة. وبالله تعالى التوفيق.
فصل منه
نبدأ الآن بذكر ما خص الله به البطون من الفضائل، ليرجع راجع، وينيب منيب مفكر، وينتبه راقد، ويبصر متحير، ويستغفر مذنب، ويستقيل مخطىء، وينزع مصر، ويستقيم عاند، ويتأمل غمر، ويرشد غوي، ويعلم جاهل، ويزداد عالم.
قال الله ﷿ فيما وصف به النحل: " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ".
وبعث رسول الله ﷺ في خير بطون قريش.
ووجدنا الأغلب في صفة الرجل أن يقال إنه معروف بكذا مذ خرج من بطن أمه، ولا يقال من ظهر أبيه.
[ ٤ / ١٥٩ ]
ويقال في صفات النساء: " قب البطون نواعم ". ويقال: خمصانة البطن، ولا يقال: خمصانة الظهر.
ويقال: فلان بطن بالأمور، ولا يقال: ظهر. ويقال: بطانة الرجل وطهارته، فيبدأ بالبطانة.
وبطن القرطاس خير من ظهره، وبطن الصحيفة موضع النفع منها لا ظهرها، وببطن القلم يكتب لا بظهره، وببطن السكين يقطع لا بظهرها.
وخلق الله جل وعز آدم من طين، ونسله من بطن حواء.
ورأينا أكثر المنافع من الأغذية في البطون لا في الظهور؛ فبطون البقر أطيب من ظهورها، وبطن الشاة كذلك.
ومن أفضل صفات علي ﵁ أن كان أخمص بطينا.
وأسمع من غنائهم:
بطني على بطنك يا جارية لا نمطًا نبغي ولا باريه
ولم يقل ظهري على ظهرك، فجعل مماسة البطن غانيًا عن الوطاء، كافيًا من الغطاء.
ولو لم يكن في البطن من الفضيلة إلا أن الوجه الحسن، والمنظر
[ ٤ / ١٦٠ ]
الأنيق من حيزه، وفي الظهر من العيب، إلا أن الدبر في جانبه، لكان فيها أوضح الأدلة على كرم البطن ولؤم الظهر.
ولم نرهم وصفوا الرجل بالفحولة والشجاعة إلا من تلقائه، وبالخبث والأبنة إلا من ظهره.
وإذا وصفوا الشجاع قالوا: مر فلان قدمًا، وإذا وصفوا الجبان قالوا: ولى مدبرًا.
ولشتان بين الوصفين: بين من يلقى الحرب بوجهه وبين من يلقاه بقفاه، وبين الناكح والمنكوح، والراكب والمركوب، والفاعل والمفعول، والآتي والمأتي، والأسفل والأعلى، والزائر والمزور، والقاهر والمقهور.
ولما رأينا الكنوز العادية والذخائر النفيسة، والجواهر الثمينة مثل الدر الأصفر، والياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر، والمسك والعنبر والعقيان واللجين، والزرنيخ والزئبق، والحديد والبورق، والنفط والقار، وصنوف الأحجار، وجميع منافع العالم وأدواتهم وآلاتهم، لحربهم وسلمهم، وزرعهم وضرعهم، ومنافعهم ومرافقهم ومصالحهم، وسائر ما يأكلونه ويشربونه، ويلبسونه ويشمونه، وينتفعون برائحته وطعمه، ودائع في بطون الأرض، وإنما يستنبط منها استنباطًا، ويستخرج منها استخراجًا، وأن على ظهرها الهوام القاتلة، والسباع العادية التي في أصغرها تلف النفوس ودواعي الفناء وعوارض البلاء،
[ ٤ / ١٦١ ]
وأنه قل ما يمشي على ظهرها من دابة، إلا وهو للمرء عدو، وللموت رسول، وعلى الهلكة دليل لم يمتنع في عقولنا، وآرائنا ومعرفتنا من الإقرار بتفضيل البطن على الظهر في كل وقت، وعلى كل حال.
ومن فضيلة البطن على الظهر أن أحدًا إن ابتلي فيه بداء كان مستورًا، وإن شاء أن يكتمه كتمه عن أهله، ومن لا ينطوي عنه شيء من أمره، وغابر دهره.
ومن بلية الظهر أنه إن كان داء ظهر وبان، مثل الجرب والسلع والخنازير وما أشبهها، مما سلمت منه البطون وجعل خاصًا في الظهور.
وفضل الله تعالى البطون بأن جعل إتيان النساء، وطلب الولد، والتماس الكثرة مباحًا من تلقائها، محرمًا في المحاش من ورائها، لأنه حرام على الأمة إتيان النساء في أدبارهن، لما جاء في الحديث عن الصادق ﷺ: " لا تأتوا النساء في محاشهن ".
وقد ترى بطانة الثوب تقوم بنفسها، ولا ترى الظهارة تستغني.
وجعل الله تعالى البطن وعاءً لخير خلقه محمد ﷺ، ثم جعل أول دلائل نبوته أن أهبط إليه ملكًا حين أيفع، وهو يدرج
[ ٤ / ١٦٢ ]
مع غلمان الحي في هوازن، وهو مسترضع في بني سعد، حين شق عن بطنه، ثم استخرج قلبه فحشي نورًا، ثم ختم بخاتم النبوة. ولم يكن ذلك من قبل الظهر.
فصل منه
ومما فضلت به البطون: أن لحم السرة من الشاة أطيب اللحم، ولحم السرة من السمك الموصوف، وسرة حمار الوحش شفاء يتداوى به، ومن سرة الظباء يستخرج المسك. وهذا كله خاص للبطون ليس للظهور منه شيء.
وبدأ الله ﷿ في ذكر الفواحش بما ظهر منها، ولم يبدأه بما بطن فقال: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن "، فجعله ابتداءً في الذم.
والظهر في أكثر أحواله سمج، والبطن في أكثر أحواله حسن. والظهر في كل الأوقات وحشة ووحش، والبطن في كل الأوقات سكن وأنس.
ولم نرهم حين بالغوا في صفات النساء بدءوا بذكرها إلا من جهة البطن فقالوا: مدمجة الخصر، لذيذة العناق، طيبة النكهة، حلوة العينين، ساحرة الطرف، كأن سرتها مدهن، وكأن فاها خاتم، وكأن ثدييها حقان، وكأن عنقها إبريق فضة. وليس للظهور في شيء من تلك الصفات حظ.
[ ٤ / ١٦٣ ]
وأنى نبلغ في صفة البطون، وإن أسهبنا، وكم عسى أن نحصي من معايب الظهور وإن اجتهدنا وبالغنا. ألا ترى أن حد الزاني ثمانون جلدة ما لم يكن محصنًا، وحد اللوطي أن يحرق. وكلاهما فجور ورجاسة، وإثم ونجاسة. إلا أن أيسر المكروهين أحق بأن يميل إليه من ابتلي، وخير الشرين أحسن في الوصف من شر الشرين.
ولو أنا رأينا رجلًا في سوق من أسواق المسلمين يقبل امرأة فسألناه عن ذلك، فقال: امرأتي. وسألوها فقالت: زوجي لدرأنا عنهما الحد، لأن هذا حكم الإسلام. ولو رأيناه يقبل غلامًا لأدبناه وحبسناه؛ لأن الحكم في هذا غير الحكم في ذاك.
ألا ترى أنه ليس يمتنع في العقول والمعرفة أن يقبل الرجل في حب ما ملكت يمينه حتى يقبلها في الملا كما يقبلها في الخلا، يصدق ذلك حديث ابن عمر: " وقعت في يدي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة فما صبرت حتى قبلتها والناس ينظرون ".
فصل منه
وقد رأيت منك أيها الرجل إفراطك في وصف فضيلة الظهور، وفي محل الريبة وقعت، لأنا روينا عن عمر أنه قال: " من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا ".
وإنما يصف فضل الظهر من كان مغرمًا بحب الظهور، وإلى ركوبه صبًا، وبالنوم عليه مستهترًا، وبالولوع بطلبه موكلا، ومن كان للحلال
[ ٤ / ١٦٤ ]
مباينًا، ولسبيله مفارقًا، ولأهله قاليًا، وللحرام معاودًا، وبحبله مستمسكا وإلى قربه داعيًا، ولأهله مواليًا.
وقد اضطررتنا بتصييرك المفضول فاضلا، والعام خاصًا، والخسيس نفسيًا، والمحمود مذمومًا، والمعروف منكرًا، والمؤخر مقدمًا، والمقدم مؤخرًا، والحلال حرامًا، والحرام حلالا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، والحظر إطلاقًا، والإطلاق حظرًا، والحقيقة شبهة والشبهة حقيقة، والشين زينًا والزين شينًا، والزجر أمرًا والأمر زجرأ، والوهم أصلا والأصل وهمًا، والعلم جهلًا والجهل فضلًا إلى أن أدخلنا عليك الظن، وألحقناك التهمة، ونسبناك إلى غير أصلك، ونحلناك غير عقيدتك، وقضينا عليك بغير مذهبك. و" يداك أوكتا، وفاك نفخ ". فلا يبعد الله غيرك! أوجدنا أيها الضال المضل، المغلوب على رأيه، المسلوب فهمه، المولى على تمييزه، الناكص على عقبه في اختياره، المفارق لأصل عقده، المدبر بعد الإقبال في معرفته، الساقط بعد الهوى في ورطته، المتخلي من فهمه، الغني عن إفهامه، المضيع لحكمته، المنزوع
[ ٤ / ١٦٥ ]
عقله، المختلس لبه، المستطار جنانه، المعدوم بيانه، في الظهور بعد الفضائل التي أوجدناكها في البطون، إما قياساُ، وإما اختيارًا، وإما ضرورة، وإما اختبارًا وإما اكتسابًا، أو في كتاب منزل، أو سنة مأثورة، أو عادة محمودة، أو صلاح على خير.
أم هل لك في مقالتك من إمام تأتم به، أو أستاذ تقتفى أثره، وتهتدي بهداه، وتسلك سننه.
فصل منه
وقد حضتني عليك عند انتهائي إلى هذا الموضع رقة، وتداخلتني لك رحمة، ووجدت لك بقية في نفسي؛ لأنه إنما يرحم أهل البلاء.
والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلًا.
فرأيت أن أختم بأبسط الدعاء لك كتابي، وأن أحرز به أجري وثوابي، ورجوت أن تنيب وترجع بعد الجماح واللجاج، فإن للجواد استقلالًا بعد الكبوة، وللشجاع كرة بعد الكشفة، وللحليم عطفةً بعد النبوة.
وأنا أقول: جعلنا الله وإياك ممن أبصر رشده، وعرف حظه، وآثر الإنصاف واستعمله، ورفض الهوى وأطرحه؛ فإن الله تعالى لم يبتل بالهوى إلا من أضله، ولم يبعد إلا من استبعده.
[ ٤ / ١٦٦ ]
فصل من صدر كتابه في النبل والتنبل وذم الكبر
[ ٤ / ١٦٧ ]
قد قرأت كتابك وفهمته، وتتبعت كل ما فيه واستقصيته، فوجدت الذي ترجع إليه بعد التطويل، وتقف عنده بعد التحصيل، قد سلف القول منا في عيبه، وشاع الخبر عنا في ذمه، وفي النصب لأهله، والمباينة لأصحابه، وفي التعجب منهم، وإظهار النفي عنهم.
والجملة أن فرط العجب إذا قارن كثرة الجهل، والتعرض للعيب إذا وافق قلة الإكتراث، بطلت المزاجر، وماتت الخواطر. ومتى تفاقم الداء، وتفاوت العلاج، صار الوعيد لغوًا مطرحًا، والعقاب حكمًا مستعملًا.
وقد أصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم إلا التوقيف، ولا من تأديبهم إلا التعريف.
ولو ملكناهم ملك السلطان، وقهرناهم قهر الولاة، لنهكناهم عقوبة بالضرب، ولقمعناهم بالحصر.
[ ٤ / ١٦٩ ]
والكبر - أعزك الله تعالى - باب لا يعد احتماله حلمًا، ولا الصبر على أهله حزمًا، ولا ترك عقابهم عفوًا، ولا الفضل عليهم مجدًا، ولا التغافل عنهم كرمًا، ولا الإمساك عن ذمهم صمتًا.
واعلم أن حمل الغنى أشد من حمل الفقر، واحتمال الفقر أهون من احتمال الذل. على أن الرضا بالفقر قناعة وعز، واحتمال الذل نذالة وسخف. ولئن كانوا قد أفرطوا في لوم العشيرة، والتكبر على ذوي الحرمة، لقد أفرطت في سوء الاختيار، وفي طول مقامك على العار.
وأنت مع شدة عجبك بنفسك، ورضاك عن عقلك، خالطت من موته يضحك السن، وحياته تورث الحزن، وتشاغلك به من أعظم الغبن.
وشكوت تنبلهم عليك، واستصغارهم لك، وأنك أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول. ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذل ولما تجرعت الصبر وأنت بمندوحة منهم، وبنجوة عنهم. ولعارضتهم من الكبر بما يهضهم، ومن الامتعاض بما يبهرهم.
وقلت: ولو كانوا من أهل النبل عند الموازنة، أو كان معهم ما يغلط الناس فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم، ولسترت عيبهم، ولرقعت وهيهم. ولكن أمرهم مكشوف، وظاهرهم معروف.
[ ٤ / ١٧٠ ]
وإن كان أمرهم كما قلت، وشأنهم كما وصفت، فذاك ألوم لك، وأثبت للحجة عليك.
وسأؤخر عذلك إلى الفراغ منهم، وتوقيفك بعد التنويه بهم.
أقول: وإن كان النبل بالتنبل، واستحقاق العظم بالتعظم وبقلة الندم والاعتذار، وبالتهاون بالإقرار، فكل من كان أقل حياءً، وأتم قحة، وأشد تصلفًا، وأضعف عدة، أحق بالنبل وأولى بالعذر.
وليس الذي يوجب لك الرفعة أن تكون عند نفسك دون أن يراك الناس رفيعًا، وتكون في الحقيقة وضيعًا.
ومتى كنت من أهل النبل لم يضرك التنبل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبل.
وليس النبل كالرزق، يكون مرزوقًا الحرمان أليق به، ولا يكون نبيلًا السخافة أشبه به.
وكل شيء من أمر الدنيا قد يحظى به غير أهله، كما يحظى به أهله.
وما ظنك بشيء المروءة خصلة من خصاله، وبعد الهمة خلة من خلاله، وبهاء المنظر سبب من أسبابه، وجزالة اللفظ شعبة من شعبه، والمقامات الكريمة طريق من طرقه.
[ ٤ / ١٧١ ]
فصل منه
واعلم أنك متى لم تأخذ للنبل أهبته، ولم تقم له أداته، وتأته من وجهه، وتقم بحقه، كنت مع العناء مبغضًا، ومع التكلف مستصلفًا. ومن تبغض فقد استهدف للشتام، وتصدى للملام.
فإن كان لا يحفل بالشتم، ولا يجزع من الذم، فعده ميتًا إن كان حيًا؛ وكلبًا إن كان إنسانًا.
وإن كان ممن يكترث ويجزع، ويحس ويألم، فقد خسر الراحة والمحبة، وربح النصب والمذمة.
وبعد، فالنبل كلف بالمولي عنه، شنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد النفار ممن طلبه.
فصل منه
والسيد المطاع لم يسهل عليه الكظم، ولم يكن له كنف الحلم، إلا بعد طول تجرع للغيظ، ومقاساة للصبر. وقد كان معنى القلب دهره، ومكدود النفس عمره، والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. فلما انقادت له العشيرة، وسمحت له بالطاعة، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة سهل عليه الصبر، وغمر
[ ٤ / ١٧٢ ]
بعلوه دواعي الجزع، بطلت المجاذبة، وذهبت المساجلة.
والذي كان دعاه إلى تكلف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أول شأنه، الأمل في الرياسة، والطمع في السيادة، ثم لم يتم له أمره، ولم يستحكم له عقده إلا بعد ثلاثة أشياء: الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور طاعة الرجال.
ولولا خوف جميع المظلومين من أن يظن بهم العجز، وألا يوجه احتمالهم إلى الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم، ولغمرهم بعض من ليس معه من أسبابهم.
فصل منه
ولا يكون المرء نبيلًا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش، إن وافق ذلك عرقًا صالحًا، ومجدًا تالدًا.
فالخارجي قد يتنبل بنفسه، والنابتي قد يخرج بطبعه. ولكل عز أول، وأول كل قديم حادث.
ومن حقوق النبل أن تتواضع لمن هو دونك، وتنصف من هو مثلك، وتتنبل على من هو فوقك.
[ ٤ / ١٧٣ ]
فصل منه
وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف، لا يحتقر أحدًا، ولا يتحرك لزائر، وكان يقول: " ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل " فكان الأحنف ما يزداد إلا علوًا، وكان ذلك الرجل لا يزداد إلا تسفلًا.
وقد ذم الله تعالى المتكبرين، ولعن المتجبرين، وأجمعت الأمة على عيبه، والبراءة منه، وحتى سمي المتكبر تائهًا، كالذي يختبط في التية بلا أمارة، ويتعسف الأرض بلا علامة.
ولعل قائلًا أن يقول: لو كان اسم المتكبر قبيحًا، ولو كان المتكبر مذمومًا، لما وصف الله تعالى بهما نفسه، ولما نوه بهما في التنزيل حين قال: " الجبار المتكبر "، ثم قال: " له الأسماء الحسنى ".
قلنا لهم: إن الإنسان المخلوق المسخر، والضعيف الميسر، لا يليق به إلا التذلل، ولا يجوز له إلا التواضع.
وكيف يليق الكبر بمن إن جاع صرع، وإن شبع طغى، وما يشبه الكبر بمن يأكل ويشرب، ويبول وينجو. وكيف يستحق الكبر ويستوجب العظمة من ينقصه النصب، ويفسده الراحة؟.
[ ٤ / ١٧٤ ]
فإذا كان الكبر لا يليق بالمخلوق فإنما يليق بالخالق؛ وإنما عاند الله تعالى بالكبر لتعديه طوره، ولجهله لقدره، وانتحاله ما لا يجوز إلا لربه. وقال النبي ﷺ: " العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه ".
فصل منه
والنبيل لا يتنبل، كما أن الفصيح لا يتفصح؛ لأن النبيل يكفيه نبله عن التنبل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصح. ولم يتزيد أحد قط إلا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلا لوهن قد أحس به في قوته.
والكبر من جميع الناس قبيح، ومن كل العباد مسخوط، إلا أنه عند الناس من عظماء الأعراب، وأشباه الأعراب أوجد، وهو لهم أسرع، لجفائهم وبعدهم من الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفة والرعة، والأدب والصنعة.
[ ٤ / ١٧٥ ]
فصل منه
ولم نر الكبر يسوغ عندهم ويستحسن إلا في ثلاثة مواضع: من ذلك أن يكون المتكبر صعبًا بدويًا، وذا عرضية وحشيًا، ولا يكون حضريًا ولا مدريًا، فيحمل ذلك منه على جهة الصعوبة ومذهب الجاهلية، وعلى العنجهية والأعرابية.
أو يكون ذلك منه على جهة الانتقام والمعارضة، والمكافأة والمقابلة.
أو على أن لا يكون تكبره إلا على الملوك والجبابرة، والفراعنة وأشباه الفراعنة.
وصاحبك هذا خارج من هذه الخصال، مجانب لهذه الخلال. إن أصاب صديقًا تعظم عليه، وإن أتاه ضيف تغافل عنه، وإن أتاه ضعيف من عليه، وإن صادف حليمًا اعتمر به.
وينبغي أن يكون خضوعه لمن فوقه على حسب تكبره على من دونه.
ومن صفة اللئيم أن يظلم الضعيف، ويظلم نفسه للقوي، ويقتل
[ ٤ / ١٧٦ ]
الصريع، ويجهز على الجريح، ويطلب الهارب، ويهرب من الطالب، ولا يطلب من الطوائل إلا ما لا خطار فيه ولا يتكبر إلا حيث لا يرجع مضرته عليه، ولا يقفو التقية ولا المروءة، ولا يعمل على حقيقته.
ومن اختار أن يبغي تبدى، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه، إذ كان لا يحفل ببغض الناس له ووحشة قلوبهم منه، واحتيالهم في مباعدته، وقلة ملابسته.
وليس يأمن اللئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللؤم إلا حاسد.
فإذا رأيته يعق أباه، ويحسد أخاه، ويظلم الضعيف، ويستخف بالأديب، فلا تبعده من الخيانة، إذ كانت الخيانة لؤمًا؛ ولا من الكذب، إذ كان الكذب لؤمًا؛ ولا من النميمة، إذ كانت النميمة لؤمًا. ولا تأمنه على الكفر فإنه ألأم اللؤم، وأقبح الغدر.
ومن رأيته منصرفًا عن بعض اللؤم، وتاركًا لبعض القبيح، فإياك أن توجه ذلك منه على التجنب له، والرغبة عنه، والإيثار لخلافه،
[ ٤ / ١٧٧ ]
ولكن على أنه لا يشتهيه أو لا يقدر عليه، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرًا يعفي على حلاوة العاجل؛ لأن اللؤم كله أصل واحد وإن تفرقت فروعه، وجنس واحد وإن اختلفت صوره، والفعل محمول على غلبته، تابع لسمته. والشكل ذاهب على شكله، منقطع إلى أصله، صائر إليه وإن أبطأ عنه، ونازع إليه وإن حيل دونه. وكذلك تناسب الكرم وحنين بعضه لبعض.
ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول عملًا اجتباه ذو عقل، أو اختاره ذو علم، بأوبأ مغبة، ولا أنكد عاقبة، ولا أوخم مرعىً، ولا أبعد مهوىً، ولا أضر على دين، ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورًا عن التوبة، ولا أقل دركًا عند الحقيقة، ولا أنقض للطبيعة، ولا أمنع من العلم، ولا أشد خلافًا على الحلم، من التكبر في غير موضعه، والتنبل في غير كنهه.
وما ظنك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنفج أليفه، والصلف عقيده.
والبذاخ متزيد، والنفاج كذاب، والمتكبر ظالم، والمعجب
[ ٤ / ١٧٨ ]
صغير النفس. وإذا اجتمعت هذه الخصال، وانتظمت هذه الخصال في قلب طال خرابه، واستغلق بابه.
وشر العيوب ما كان مضمنًا بعيوب، وشر الذنوب ما كان علة للذنوب.
والكبر أول ذنب كان في السماوات والأرض، وأعظم جرم كان من الجن والإنس، وأشهر تعصب كان في الثقلين، وعنه لج إبليس في الطغيان، وعتا على رب العالمين، وخطأ ربه في التدبير، وتلقى قوله بالرد. ومن أجله استوجب السخطة، وأخرج من الجنة، وقيل له: " ما يكون لك أن تتكبر فيها ".
ولإفراطه في التعظيم خرج إلى غاية القسوة، ولشدة قسوته اعتزم على الإصرار، وتتايع في غاية الإفساد، ودعا إلى كل قبيح، وزين كل شر، وعن معصيته أخرج آدم من الجنة، وشهر في كل أفق وأمة، ومن أجله نصب العداوة لذريته، وتفرغ من كل شيء إلا من إهلاك نسله، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ولا يضاهيه
[ ٤ / ١٧٩ ]
في نسب، ولا يشاكله في صناعة، وعن ذلك قتل الناس بعضهم بعضًا، وظلم القوي الضعيف، ومن أجله أهلك الله الأمم بالمسخ والرجف، وبالخسف وبالطوفان، والريح العقيم، وأدخلهم النار، وأقنطهم من الخروج.
والكبر هو الذي زين لإبليس ترك السجود، ووهمه شرف الأنفة، وصور له عز الانتقاض، وحبب إليه المخالفة، وآنسه بالوحدة والوحشة، وهون عليه سخط الرب، وسهل عليه عقاب الأبد، ووعده الظفر، ومناه السلامة، ولقنه الاحتجاج بالباطل، وزين له قول الزور، وزهده في جوار الملائكة، وجمع له خلال السوء، ونظم له خلال الشر؛ لأنه حسد والحسد ظلم، وكذب والكذب ذل، وخدع والخديعة لؤم. وحلف على الزور، وذلك فجور. وخطأ ربه، وتخطئة الله جهل، وأخطأ في جلي القياس وذلك غي، ولج واللجاج ضعف. وفرق بين التكبر والتبدي. وجمع بين الرغبة عن صنيع الملائكة وبين الدخول في أعمال السفلة.
واحتج بأن النار خير من الطين. ومنافع العالم نتائج أربعة
[ ٤ / ١٨٠ ]
أركان: نار يابسة حارة، وماء بارد سيال، وأرض باردة يابسة، وهواء حار رطب. ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلا وهو محي مبق. على أن النار نقمة الله من بين جميع الأصناف، وهي أسرعهن إتلافًا لما صار فيها. وأمحقهن لما دنا منها.
هذا كله ثمرة الكبر، ونتاج النية. والتكبر شر من القسوة، كما أن القسوة شر المعاصي. والتواضع خير الرحمة، كما أن الرحمة خير الطاعات.
والكبر معنىً ينتظم به جماع الشر، والتواضع معنىً ينتظم به جماع الخير، والتواضع عقيب الكبر، والرحمة عقيب القسوة. فإذا كان للطاعة قدر من الثواب فلتركها وعقيبها، ولما يوازنها ويكايلها، مثل ذلك القدر من العقاب. وموضع الطاعة من طبقات الرضا، كموضع تركها من طبقات السخط إذ كانت الطاعة واجبة، والترك معصية.
والكبر من أسباب القسوة. ولو كان الكبر لا يعتري إلا الشريف والجميل، أو الجواد، أو الوفي أو الصدوق، كان أهون لأمره، وأقل لشينه، وكان يعرض لأهل الخير، وكان لا يغلط فيه إلا أهل الفضل،
[ ٤ / ١٨١ ]
ولكنا نجده في السفلة، كما نجده في العلية، ونجده في القبيح كما نجده في الحسن، وفي الدميم كما نجده في الجميل، وفي الدني الناقص، كما نجده في الوفي الكامل، وفي الجبان كما نجده في الشجاع، وفي الكذوب كما نجده في الصدوق، وفي العبد كما نجده في الحر، وفي الذمي ذي الجزية والصغار والذلة، كما نجده في قابض جزيته والمسلط على إذلاله.
ولو كان في الكبر خير لما كان في دهر الجاهلية أظهر منه في دهر الإسلام، ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في دهره الجاهلية أظهر منه في دهره الإسلام، ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في السند أعم منه في الروم والفرس.
وليس الذي كان فيه آل ساسان وأنو شروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من الكبر في شيء. تلك سياسة للعوام، وتفخيم لأمر السلطان، وتسديد للملك.
ولم يكن في الخلفاء أشد نخوة من الوليد بن عبد الملك، وكان أجهلهم وألحنهم. وما كان في ولاة العراق أعظم كبرًا من يوسف بن عمر، وما كان أشجعهم ولا أبصرهم، ولا أتمهم قوامًا، ولا أحسنهم كلامًا.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ولم يدع الربوبية ملك قط إلا فرعون، ولم يك مقدمًا في مركبه، ولا في شرف حسبه، ولا في نبل منظره، وكمال خلقه، ولا في سعة سلطانه وشرف رعيته وكرم ناحيته. ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلة الأكابر، بل دون كثير منهم في الحسب وشرف الملك وكرم الرعية، ومنعة السلطان، والسطوة على الملوك.
ولو كان الكبر فضيلة وفي التيه مروءة، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد المطلب أولى الناس منه بالغاية، وأحقهم بأقصى النهاية.
ولو كان محمود العاجل ومرجو الآجل، وكان من أسباب السيادة أو من حقوق الرياسة، لبادر إليه سيد بني تميم، وهو الأحنف بن قيس؛ ولشح عليه سيد بكر بن وائل وهو ملك، ولاستولى عليه سيد الأزد وهو المهلب.
ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السادة، وما كان فيهم من الخلال المذمومة، حيث قال: " ما رأينا شيئًا يمنع من السودد إلا وقد وجدناه في سيد: وجدنا البخل يمنع من السودد، وكان
[ ٤ / ١٨٣ ]
أبو سفيان بن حرب بخيلا. والعهار يمنع من السودد، وكان عامر بن الطفيل سيدًا، وكان عاهرًا. والظلم يمنع من السودد، وكان حذيفة بن بدر ظلومًا، وكان سيد غطفان. والحمق يمنع من السودد، وكان عتيبة بن حصن محمقًا، وكان سيدًا. والإملاق يمنع من السودد، وكان عتبة بن ربيعة مملقًا. وقلة العدد تمنع من السودد وكان شبل بن معبد سيدًا، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان. والحداثة تمنع من السودد، وساد أبو جهل وما طر شاربه، ودخل دار الندوة وما استوت لحيته.
فذكر الظلم، والحمق، والبخل، والفقر، والعهار، وذكر العيوب ولم يذكر الكبر؛ لأن هذه الأخلاق وإن كانت داءً فإن في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ما يداوى به ذلك الداء، ويعالج به ذلك السقم؛ وليس الداء الممكن كالداء المعضل، وليس الباب المغلق كالمستبهم؛ والأخلاق التي لا يمكن معها السودد، مثل الكبر والكذب والسخف، ومثل الجهل بالسياسة.
[ ٤ / ١٨٤ ]
وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجهت إليهم وكيع بن أبي سود لكفاهم فقال: وكيع رجل عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة، وفي رأسه نعرة، وإنما أنفه في أسلوب؛ ومن عظم كبره اشتد عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيًا، ولم يؤامر نصيحًا، ومن تبجح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظفر بعيدًا، ومن الخذلان قريبًا، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة. وإن كانت الجماعة لا تخطىء والفرقة لا نصيب.
ومن تكبر على عدوه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره. ومن تهاون بخصمه ووثق بفضل قوته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عثاره.
وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلا كان منكوبًا ومهزومًا ومخدوعًا. ولا يشعر حتى يكون عدوه عنده، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشد إقدامًا من الأسد، وأوثب من فهد، وأحقد من
[ ٤ / ١٨٥ ]
جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشح من صبي، وأجمع من ذرة، وأحرص من كلب، وأصبر من ضب. فإن النفس إنما تسمح بالعناية على قدر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، وتطمع على قدر السبب.
فصل منه
وأقول بعد هذا كله: إن الناس قد ظلموا أهل الحلم والعزم، حين زعموا أن الذي يسهل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام، فكيف والمذكور بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيض له من السفهاء، ويؤتى له من أهل البذاء ما لا يقوم له صبر، ولا ينهض به عزم. بل على قدر حلمه يتعرض له، وعلى قدر عزمه يمتحن صبره ولأن الذي سهل عليه الحلم، ومكنه من العزم، معرفة الناس بقدرته على الانتقام، واقتداره على شفاء الغيظ؛ فإن منعه لنفسه، ومجاذبته لطبعه مع الغيظ الشديد، والقدرة الظاهرة، أشد عليه في المزاولة
[ ٤ / ١٨٦ ]
وأبلغ في المشقة والمكابدة، من صبر الشكل على أذى شكله، واحتمال المظلوم عن مثله، وإن خاف الطمس، وتوقع العيب.
فصل منه
ومن بعد هذا، فمن شأن الأيام أن يظلم المرء أكثر محاسنه ما كان تابعًا، فإذا عاد متبوعًا عادت عليه من محاسن غيره بأضعاف ما منعته من محاسن نفسه، حتى يضاف إليه من شوارد الأفعال، ومن شواذ المكارم إن كان سيدًا، ومن غريب الأمثال إن كان منطيقًا، ومن خيار القصائد إن كان شاعرًا، مما لا أمارات لها، ولا سمات عليها.
فكم من يد بيضاء وصنيعة غراء، ضلت فلم يقم بها ناشد، وخفيت فلم يظهرها شاكر. والذي ضاع للتابع قبل أن يكون متبوعًا، أكثر مما حفظ، والذي نسي أكثر مما ذكر، وما ظنك بشيء بقيته تهب السادة، ومشكوره يهب الرياسة، على قلة الشكر، وكثرة الكفر.
وقد يكون الرجل تام النفس ناقص الأداة، فلا يستبان فضله، ولا يعظم قدره، كالمفرج الذي لا عشيرة له، والإتاوي الذي
[ ٤ / ١٨٧ ]
لا قوم له. وقد يعظم المفرج الذي لا ولاء له ولا عقد جوار، ولا عهد حلف، إذا برع في الفقه وبلغ في الزهد، بأكثر من تعظيم السيد، كجهة تعظيم الديان. كما أن طاعة السلطان غير طاعة السادة، والسلطان إنما يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم، وكذلك الموالي والعبيد.
وطاعة الناس للسيد، وطاعة الديان طاعة محبة ودينونة، والقلوب أطوع لهما من الأبدان، إلا أن يكون السلطان مرضيًا، فإن كان كذلك فهو أعظم خطرًا من السيد، وأوجه عند الله من ذلك الديان.
وربما ساد الأتاوي لأنه عربي على حال. والمفرج لا يسود أبدًا لأنه عجمي لا حلف له، ولا عقد جوار، ولا ولاء معروف، ولا نسب ثابت. وليس التسويد إلا في العرب، والعجم لا تطيع إلا للملوك.
والذي أحوج العرب في الجاهلية إلى تسويد الرجال وطاعة الأكابر، بعد دورهم من الملوك والحكام والقضاة، وأصحاب الأرباع، والمسالح والعمال. فكان السيد، في منعهم من غيرهم ومنع غيرهم منهم، ووثوب بعضهم عل بعض، في كثير من معاني السلطان.
[ ٤ / ١٨٨ ]
فصل من رسالته إلى أبي الفرج الكاتب
[ ٤ / ١٨٩ ]
في المودة والخلطة
أطال الله بقاءك، وأعزك وأكرمك، وأتم نعمته عليك.
زعم - أبقاك الله - كثير ممن يقرض الشعر ويروي معانيه، ويتكلف الأدب ويجتبيه، أنه قد يمدح المرجو المأمول، والمغشي المزور، بأن يكون مخدوعًا، وعمي الطرف مغفلا، وسليم الصدر للراغبين، وحسن الظن بالطالبين، قليل الفطنة لأبواب الاعتذار، عاجزًا عن التخلص إلى معاني الاعتلال، قليل الحذق برد الشفعاء،
[ ٤ / ١٩١ ]
شديد الخوف من مياسم الشعراء، حصرًا عند الاحتجاج للمنع، سلس القياد إذا نبهته للبذل، واحتجوا بقول الشاعر:
إيت الخليفة فاخدعه بمسألة إن الخليفة للسؤال ينخدع
فانتحال المأمول للغفلة التي تعتري الكرام، وانخداع الجواد لخدع الطالبين ومخاريق المستميحين، باب من التكرم، ومن استدعاء الراغب، والتعرض للمجتدي، والتلطف لاستخراج الأموال، والاحتيال لحل عقد الأشحاء، وتهييج طبائع الكرام.
وأنا أزعم - أبقاك الله - أن إقرار المسئول بما ينحل من ذلك نوك، وإضماره لؤم، حتى تصح القسمة، ويعتدل الوزن.
وأنا أعوذ بالله من تذكير يناسب الاقتضاء، ومن اقتضاء
[ ٤ / ١٩٢ ]
يضارع الإلحاح. ومن حرص يعود إلى الحرمان، ومن رسالة ظاهرها زهد، وباطنها رغبة. فإن أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السعادة وأنكده، ما أظهر النزاهة وأضمر الحرص، وتجلى للعيون بعين القناعة، واستشعر ذلة الافتقار.
وأشنع من ذلك، وأقبح منه وأفحش، أن يظن صاحبه أن معناه خفي وهو ظاهر، وتأويله بعيد الغور وهو قريب القعر.
فنسأل الله تعالى السلامة فإنها أصل النعمة عليكم، ونحمده على اتصال نعمتنا بنعمتكم، وما ألهمنا الله من وصف محاسنكم.
والحمد لله الذي جعل الحمد مستفتح كتابه، وآخر دعوى أهل جنته.
ولو أن رجلًا اجتهد في عبادة ربه، واستفرغ مجهوده في طاعة سيده، ليهب له الإخلاص في الدعاء لمن أنعم عليه؛ وأحسن إليه، لكان حريًا بذلك أن يدرك أقصى غاية الكرم في العاجل، وأرفع درجات الكرامة في الآجل.
وعلى أني لا أعرف معنىً أجمع لخصال الشكر، ولا أدل على جماع الفضل، من سخاوة النفس بأداء الواجب.
[ ٤ / ١٩٣ ]
ونحن وإن لم نكن أعطينا الإخلاص جميع حقه، فإن المرء مع من أحب، وله ما احتسب.
ولا أعلم شيئًا أزيد في السيئة من استصغارها، ولا أحبط للحسنة من العجب بها.
ومما يستديم الخطأ لبث لبتقصير وإهمال النفس، وترك التوقف، وقلة المحاسبة، وبعد العهد بالتثبت. ومهما رجعنا إليه من ضعف في عزم، وهان علينا ما نفقد من مناقل الحلم، فإنا لا نجمع بين التقصير والإنكار.
ونعوذ بالله أن نقصر في ثناء على محسن، أو دعاء لمنعم. ولئن اعتذرنا لأنفسنا بصدق المودة وبجميل الذكر، فلما يعد لكم، من تحقق الآمال، والنهوض بالأثقال أكثر.
على أنكم لم تحملونا إلا الخف، وقد حملناكم الثقل. ولم تسألونا الجزاء على إحسانكم، وقد سألناكم الجزاء على ما سألناكم. ولم تكلفونا ما يجب لكم، وكلفناكم ما لا يجب.
ومن إفراط الجهل أن نتذكر حقنا في حسن الحظ، ولا نتذكر
[ ٤ / ١٩٤ ]
حقكم في تصديق ذلك الظن وقد قال رسول الله ﷺ: " ما عظمت نعمة الله على أحد إلا عظمت عليه مؤنة الناس ".
وأنا أسأل الله الذي ألزمكم المؤن الثقال، ووصل بكم آمال الرجال، وامتحنكم بالصبر على تجرع المرار، وكلفكم مفارقة المحبوب من الأموال، أن يسهلها عليكم، ويحببها إليكم، حتى يكون شغفكم بالإحسان الداعي إليه، وصبابتكم بالمعروف الحامل عليه، وحتى يكون حب التفضل، والمحبة الاعتقاد المنن الغاية التي تستدعي المدبر، والنهاية التي تعذر المقصر، وحتى تكرهوا على الخير من أخطأ حظه، وتفتحوا باب الطلب لمن قصر به العجز.
ثم اعلم - أصلحك الله - أن الذي وجد في العبرة، وجرت عليه التجربة، واتسق به النظم، وقام عليه وزن الحكم، واطرد منه النسق، وأثبته الفحص، وشهدت له العقول. أن من أول أسباب الخلطة، والدواعي إلى المحبة، ما يوجد على بعض الناس من القبول عند أول وهلة، وقلة انقباض النفوس مع أول لحظة، ثم اتفاق الأسباب التي تقع بالموافقة عند أول المجالسة، وتلاقي النفوس بالمشاكلة عند أول الخلطة.
والأدب أدبان: أدب خلق، وأدب رواية، ولا تكمل أمور صاحب
[ ٤ / ١٩٥ ]
الأدب إلا بهما، ولا يجتمع له أسباب التمام إلا من أجلهما، ولا يعد في الرؤساء، ولا يثنى به الخنصر في الأدباء، حتى يكون عقله المتأمر عليهما، والسائس لهما.
فصل منه
فإن تمت بعد ذلك أسباب الملاقاة تمت المصافاة، وحن الإلف إلى سكنه. والشأن قبل ذلك لما يسبق إلى القلب، ويخف على النفس، ولذلك احترس الحازم المستعدى عليه من السابق إلى قلب الحاكم عليه.
وكذلك التمسوا الرفق والتوفيق، والإيجاز وحسن الاختصار، وانخفاض الصوت، وأن يخرج الظالم كلامه مخرج لفظ المظلوم.
نعم، وحتى يترك اللحن بحجته بعد، ويخلف الداهية كثيرًا من أدبه، ويغض من محاسن منطقه. التماسًا لمواساة خصمه في ضعف الحيلة، والتشبه به في قلة الفطنة.
نعم، وحتى يكتب كتاب سعاية ومحل وإغراق وتحد، فيلحن في إعرابه، ويتسخف في ألفاظه، ويتجنب القصد، ويهرب من
[ ٤ / ١٩٦ ]
اللفظ المعجب ليخفي مكان حذقه، ويستر موضع رفقه، حتى لا يحترس منه الخصم، ولا يتحفظ منه صاحب الحكم، بعد أن لا يضر بعين معناه، ولا يقصر في الإفصاح عن تفسير مغزاه، وهذا هو الموضع الذي يكون العي فيه أبين، وذو الغباوة أفطن، والردي أجود، والأنوك أحزم، والمضيع أحكم؛ إذ كان غرضه الذي إياه يرمي، وغايته التي إليها يجري، الانتفاع بالمعنى المتخير دون المباهاة باللفظ، وإنما كانت غايته إيصال المعنى إلى القلب دون نصيب السمع من اللفظ المونق، والمعنى المتخير؛ بل ربما لم يرض باللفظ السليم حتى يسقمه ليقع العجز موقع القوة، ويعرض العي في محل البلاغة. إذا كان حق ذلك المكان اللفظ الدون، والمعنى الغفل.
هذا إذا كان صاحب القصة ومؤلف لفظ المحل والسعاية، ممن يتصرف قلمه، ويعلل لسانه، ويلتزق في مذاهبه، ويكون في سعة وحل لأن يحط نفسه إلى طبقة الذل وهو عزيز، ومحل العي وهو بليغ، ويتحول في هيئة المظلوم وهو ظالم، ويمكنه تصوير الباطل في صورة الحق، وستر العيوب بزخرف القول؛ وإذا شاء طفا، وإذا شاء رسب، وإذا شاء أخرجه غفلًا صحيحًا.
[ ٤ / ١٩٧ ]
وما أكثر من لا يحسن إلا الجيد، فإن طلب الردى جاوزه. كما أنه ما أكثر من لا يستطيع إلا الردى، فإن طلب الجيد قصر عنه.
وليس كل بليغ يكون بذلك الطباع، وميسر الأداة، وموسعًا عليه في تصريف اللسان، وممنونا عليه في تحويل القلم.
وما أكثر من البصراء من يحكي العميان، ويحول لسانه إلى صورة لفظ الفأفاء بما لا يبلغه الفأفاء ولا يحسنه التمتام. وقد نجد من هو أبسط لسانًا وأبلغ قلمًا، لا يستطيع مجاوزة ما يشركه، والخروج مما قصر عنه.
فصل منها
ولولا الحدود المحصلة والأقسام المعدلة، لكانت الأمور سدىً، والتدابير مهملة، ولكانت عورة الحكيم بادية، ولاختلطت السافلة بالعالية.
فصل منها
وأنا أقول بعد هذا كله: لو لم أضمر لكم محبة قديمة، ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة، ولا سبب الأديب إلى الأديب، ولم
[ ٤ / ١٩٨ ]
يكن علي قبول، ولا علي حلاوة عند المحصول، ولم أكن إلا رجلًا من عرض المعارف، ومن جمهور الأتباع لكان في إحسانكم إلينا، وإنعامكم علينا، دليل على أنا قد أخلصنا المحبة، وأصفينا لكم المودة.
وإذا عرفتم ذلك بالدليل النير الذي أنتم سببه، والبرهان الواضح الذي إليكم مرجعه، لم يكن لنا عند الناس إلا توقع ثمرة الحب، ونتيجة جميل الرأي، وانتظار ما عليه مجازاة القلوب.
وبقدر الإنعام تجود النفوس بالمودة، وبقدر المودة تنطلق الألسن بالمدحة.
وهذه الوسيلة أكثر الوسائل وأقواها في نفسي: أني لم أصل سببي بمحرم غمر ولا بمبخل غفل، ولا بضيق العطن حديث الغنى، ولا بزمر المروة مستنبط الثرى؛ بل وصلته بحمال أثقال ومقارع أبطال، وبمن ولد في اليسر وربي فيه، وجرى منه على عرق ونزع إليه.
فصل منها
ولا خير في سمين لا يحتمل هزال أخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه.
[ ٤ / ١٩٩ ]
فصل منها
وقد تنقسم المودة إلى ثلاث منازل: منها: ما يكون على اهتزاز الأريحية وطبع الحرية.
ومنها: ما يكون على قدر فرط وسائل الفاقة ومنها: مايحسن موقعه على قدر طباع الحرص وجشع النفس.
فأرفعها منازل حب المشغوف شكر النعمة. وهو الذي يدوم شكره، ويبقى على الأيام وده. والثاني هو الذي إنما اشتد حبه على قدر موضع المال من قلب الحريص الجشع، واللئيم الطمع. فهذا الذي لا يشكر، وإن شكر لم يشكر إلا ليستزيد، ولم يمدح إلا ليستمد. وعلى أنه لا يأتي الحمد إلا زحفًا، ولا يفعله إلا تكلفًا.
وأنا أسأل الله الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام، أن يقسم لنا أفضل الحظوظ في الشكر. وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلا على طاعة توجب الدعاء، وحرية توجب الثناء، شاكرين كنا أو منعمين، وراجين كنا أو مرجوين.
ومن صرف الله حاجته إلى الكرام، وعدل به عن اللئام فلا يعدن نفسه في الراغبين ولا في الطالبين المؤملين، لأن من لم يجرع مرارة المطال، ولم يمد للرحيل التسويف، ويقطع عنقه بطول الانتظار،
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ويحمل مكروه ذل السؤال، ويحمل على طمع يحثه يأس، كان خارجًا من حدود المؤملين.
ومن استولى على طمعه الثقة بالإنجاز، وعلى طلبته اليقين بسرعة الظفر، وعلى ظفره الجزيل من الإفضال، وعلى إفضاله العلم بقلة التثريب، بالسلام من التنغيص بالتماس الشكر، وبالبكور وبالرواح وبالخضوع إذا دخل، والاستكانة إذا جلس. ثم مع ذلك لم يكن ما أنعم به عليه ثوابًا لسالف يد، ولا تعويضًا من كد، كانت النعمة محضة خالصة، ومهذبة صافية، وهب نعمتكم التي ابتدأتمونا بها.
ولا تكون النعمة سابغة ولا الأيدي شاملة، ولا الستر كثيفًا ذيالًا، وكثير العرض مطبقًا، ودون الفقر حاجزًا، وعلى الغنى ملتحفًا، حتى يخرج من عندكم، ثم يحتسب إلى شاكر حر.
فصل منها
وأنتم قوم تقدمتم بابتناء المكارم في حال المهلة، وأخذتم لأنفسكم فيها بالثقة على مقادير ما مكنتم الأواخي، ومددتم الأطناب، وثبتم القواعد. ولذلك قال الأول:
[ ٤ / ٢٠١ ]
عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود
وأبو الفرج - أعزه الله - فتى العسكرين، وأديب المصرين جمع أريحية الشباب، ونجابة الكهول، ومحبة السادة، وبهاء القادة وأخلاق الأدباء، ورشاقة عقول الكتاب، والتغلغل إلى دقائق الصواب، والحلاوة في الصدور، والمهابة في العيون، والتقدم في الصناعة، والسبق عند المحاورة، شقيق أبيه وشبه جده، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة. لم يتأخر عنهما إلا في ما لا يجوز أن يتقدمهما فيه، ولم يقصر عن شأوهما إلا بقدر ما قصرا عن سنخهما، وهم وإن قصروا عن مدى آبائهم، وعن غايات أوائلهم، فلم يقصروا عن جلة الرؤساء، وأهل السوابق من الكبراء، ولست ترى تاليهم إلا سابقًا، ومصليهم إلا للغاية مجاوزًا. ليس فيهم سكيت ولا مبهور ولا منقطع، قد نقحت أعراقهم من الإقراف والهجنة، ومن الشوب ولؤم العجمة.
ومتى عاينت أبا الفرج وكماله، ورأيت ديباجته وجماله، علمت أنه لم يكن في ضرائبهم وقديم نجلهم، خارجي النسب، ولا مجهول
[ ٤ / ٢٠٢ ]
المركب، ولا بهيم مصمت، ولا كثير الأوضاح مغرب، بل لا ترى إلا كل أغر محجل، وكل ضخم المحزم هيكل.
إني لست أخبر عن الموتى ولا أستشهد الغيب، ولا أستدل بالمختلف فيه ولا الغامض الذي تعظم المؤنة في تعرفه، والشاهد لقولي يلوح في وجوههم، والبرهان على دعواي ظاهر في شمائلهم؛ والأخبار مستفيضة، والشهود متعاونة.
وأنت حين ترى عتق تلك الديباجة، ورونق ذلك المنظر، علمت أن التالد هو قياد هذا الطارف.
أما أنا فلم أر لأبي الفرج - أدام الله كرامته - ذامًا ولا شائنًا ولا عائبًا ولا هاجيًا، بل لم أجد مادحًا قط إلا ومن سمع تسابق إلى
[ ٤ / ٢٠٣ ]
تلك المعاني، ولا رأيت واصفًا له قط إلا وكل من حضر يهش له ويرتاح لقوله. قال الطرماح:
هل المجد إلا السودد العود والندى ورأب الثأى والصبر عند المواطن
ولكن هل المجد إلا كرم الأرومة والحسب، وبعد الهمة، وكثرة الأدب، والثبات على العهد إذا زلت الأقدام، وتوكيد العقد إذا انحلت معاقد الكرام، وإلا التواضع عند حدوث النعمة، واحتمال كل العثرة، والنفاذ في الكتابة، والإشراف على الصناعة.
والكتاب هو القطب الذي عليه مدار علم ما في العالم وآداب الملوك، وتلخيص الألفاظ، والغوص على المعاني السداد، والتخلص إلى إظهار ما في الضمائر بأسهل القول، والتمييز بين الحجة والشبهة وبين المفرد والمشترك، وبين المقصور والمبسوط، وبين ما يحتمل التأويل مما لا يحتمله، وبين السليم والمعتل.
فبارك الله لهم فيما أعطاهم، ورزقهم الشكر على ما خولهم، وجعل ذلك موصولًا بالسلامة، وبما خط لهم من السعادة، إنه سميع قريب، فعال لما يريد.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
فصل من صدر كتابه في استحقاق الإمامة
[ ٤ / ٢٠٥ ]
بعون الله تعالى نقول، وإليه نقصد، وإياه ندعو، وعلى الله قصد السبيل.
أعلم أن الشيعة رجلان: زيدي، ورافضي، وبقيتهم نزر جاء لازمًا لهم. وفي الإخبار عنهما غنى عمن سواهما.
قالت علماء الزيدية: وجدنا الفضل في الفعل دون غيره، ووجدنا الفعل كله على أربعة أقسام: أولها القدم في الإسلام، حيث لا رغبة ولا رهبة إلا من الله تعالى وإليه.
ثم الزهد في الدنيا، فإن أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في الآخرة وآمنهم على نفيس المال، وعقائل النساء، وإراقة الدماء.
ثم الفقه الذي به يعرف الناس مصالح دنياهم، ومراشد دينهم.
ثم المشي بالسيف كفاحًا بالذب عن الإسلام، وتأسيس الدين، وقتل عدوه، وإحياء وليه. فليس وراء بذل المهجة واستفراغ القوة غاية يطلبها طالب، ويرتجيها راغب.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
ولم نجد فعلًا خامسًا فنذكره. فمتى رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون الناس كلهم وجب علينا تفضيله عليهم، وتقديمه دونهم وذلك أنا إذا سألنا العلماء والفقهاء، وأصحاب الأخبار وحمال الآثار، عن أول الناس إسلامًا، قال فريق منهم: علي. وقال فريق منهم: أبو بكر. وقال آخرون: زيد بن حارثة. وقال قوم: خباب. ولم نجد كل واحد من هذه الفرق قاطعًا لعذر صاحبه، ولا ناقلًا له عن مذهبه، وإن كانت الرواية في تقدم علي أكثر، واللفظ به أظهر.
وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الإسلام بمهجهم، والماشين إلى الأقران بسيوفهم، وجدناهم مختلفين. فمن قائل يقول: علي، ومن قائل يقول: الزبير، ومن قائل يقول: ابن عفراء، ومن قائل يقول: أبو دجانة، ومن قائل يقول: محمد بن مسلمة، ومن قائل يقول: طلحة، ومن قائل يقول: البراء بن مالك.
على أن لعلي - ﵁ - من قتل الأقران والفرسان والأكفاء، ما ليس لهم، فلا أقل من أن يكون في طبقتهم.
وإن نحن سألناهم عن الفقهاء قالوا: علي، وعمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب. على أن عليًا كان أفقههم، لأنه كان يسأل
[ ٤ / ٢٠٨ ]
ولا يسأل، ويفتي ولا يستفتي، ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم، ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم.
وإن نحن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف، والمعروفين برفض الدنيا وخلعها والزهد فيها، قالوا: علي، وأبو الدرداء، ومعاذ، وأبو ذر، وعمار، وبلال، وعثمان بن مظعون. على أن عليًا أزهدهم؛ لأنه شاركهم في خشونة الملبس وخشونة المأكل، والرضا باليسير، والتبلغ بالحقير وظلف النفس عن الفضول، ومخالفة الشهوات. وفارقهم بأن ملك بيوت الأموال، ورقاب العرب والعجم، فكان ينضح بيت المال في كل جمعة، ويصلي فيه ركعتين. ورقع سراويله بأدم، وقطع ما فضل من كميه عن أطراف أصابعه بالشفرة، في أمور كثيرة. مع أن زهده هو أفضل من زهدهم؛ لأنه أعلم منهم. وعبادة العالم ليست كعبادة غيره، كما أن زلته ليست كزلة غيره، فلا أقل من أن يعد في طبقتهم.
ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر، وزيد، وخباب، مثل الذي ذكروا له من بذل النفس والعناء، والذب عن الإسلام بالسيف، ولا ذكروهم في طبقة الفقهاء وأهل القدم في الإسلام. ولم نجدهم ذكروا لابن عفراء، والزبير، وأبي دجانة، والبراء بن مالك، مثل الذي ذكروا له من التقدم في الإسلام والزهد والفقه. ولا ذكروا أبا بكر، وزيدًا،
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وخبابًا، في طبقة عمرو بن مسعود، وأبي بن كعب، كما ذكروا عليًا في طبقتهم. ولا ذكروا أبا بكر، وزيدًا، وخبابًا، في طبقة معاذ، وأبي الدرداء، وأبي، وعمار، وبلال، وعثمان بن مظعون، كما ذكروا عليًا في طبقتهم.
فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه، ومتفرقة في غيره من أصحاب هذه المراتب، وأهل هذه الطبقات، الذين هم الغايات، علمنا أنه أفضل، وأن كل واحد منهم وإن كان قد أخذ من كل خير بنصيب، فإنه لن يبلغ مبلغ من قد اجتمع له الخير وصنوفه.
فهذا دليل هذه الطبقة من الزيدية على تفضيل علي - رضوان الله عليه - وتقديمه على غيره.
وزعموا أن عليًا كان أولاهم بالخلافة، إلا أنهم كانوا على غيره أقل فسادًا واضطرابًا، وأقل طعنًا وخلافًا. وذلك أن العرب وقريشًا كانوا في أمره على طبقات: فمن رجل قد قتل علي أباه أو ابنه، أو أخاه أو ابن عمه، أو حميمه أو صفيه، أو سيده أو فارسه، فهو بين مضطغن قد أصر على حقده، ينتظر الفرصة ويترقب الدائرة، قد كشف قناعه، وأبدى عداوته.
ومن رجل قد زمل غيظه وأكمل ضغنه، يرى أن سترهما في نفسه،
[ ٤ / ٢١٠ ]
ومداراة عدوه، أبلغ في التدبير، وأقرب من الظفر، فإن ما يجزيه أدنى علة تحدث، وأول تأويل يعرض، أو فتنة تنجم؛ فهو يرصد الفرصة ويترقب الفتنة، حتى يصول صولة الأسد، ويروغ روغان الثعلب، فيشفي غليله، ويبرد ثائره.
وإذا كان العدو كذلك كان غير مأمون عليه سرف الغضب، وإن يموه له الشيطان الوثوب، ويزين له الطلب؛ لأنه قد عرف مأتاه، وكيف يختله من طريق هواه. فإذا كان القلب كذلك اشتد تحفظه ولم يقو احتراسه، وكان بعرض هلكة وعلى جناح تغرير؛ لأنه منقسم الرأي متفرق النفس، قد اعتلج على قلبه غيظ الثأر على قرب عهده بأخلاق الجاهلية، وعادة العرب من الثأر وتذكر الأحقاد والأمر القديم، وشدة التصميم.
ومن رجل غمته حداثته، وأنف أن يلي عليه أصغر منه.
ومن رجل عرف شدته في أمره، وقلة اغتفاره في دينه، وخشونة مذهبه.
ومن رجل كره أن يكون الملك والنبوة يثبتان في نصاب واحد، وينبتان في مغرس واحد، لأن ذلك أقطع لأطماع قريش أن يعود الملك
[ ٤ / ٢١١ ]
دولة في قبائلها، ومن قريش خاصة في بني عبد مناف، الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى، لأن الرحم كلما كانت أمس، والجوار أقرب، والصناعة أشكل، كان الحسد أشد، والغيظ أفرط. فكان أقرب الأمور إلى محبتهم إخراج الخلافة من ذلك المعدن، ترفيهًا عن أنفسهم من ألم الغيظ، وكمد الحسد.
فصل منها
وضرب من الناس همج هامج، ورعاع منتشر، لا نظام لهم، ولا اختيار عندهم، وأعراب أجلاف، وأشباه الأعراب، يفترقون من حيث يجتمعون، ويجتمعون من حيث يفترقون، لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن تهيجهم إذا سكنوا. إن أخصبوا طغوا في البلاد وإن أجدبوا آثروا العناد. هم موكلون ببغض القادة، وأهل الثراء والنعمة، يتمنون له النكبة، ويشمتون بالعشيرة، ويسرون بالجولة، ويترقبون الدائرة.
فلما كان الناس عند علي وأبي بكر على الطبقات التي نزلنا، والمراتب التي رتبنا، أشفق علي أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة أن يتكلم متكلم أو يشغب شاغب، فدعاه النظر للدين إلى الكف عن
[ ٤ / ٢١٢ ]
الإظهار، والتجافي عن الأمر، فاغتفر المجهول ضنًا بالدين، وإيثارًا للآجلة على العاجلة.
فدل ذلك على رجاجة حلمه، وقلة حرصه، وسعة صدره، وشدة زهده، وفرط سماحته، وأصالة رأيه.
وعلم أن هلكتهم لا تقوم بإزاء صرف ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم. وقد علم بعد ذلك أن مسيلمة قد أطبق عليه أهل اليمامة ومن حولها من أهل البادية، وهم القوم الذين لا يصطلى بنارهم، ولا يطمع في ضعفهم وقلة عددهم، فكان الصواب ما رآه علي من الكف عن تحريك الهرج، إذ أبصر أسباب الفتن شارعة، وشواكل الفساد بادية، ولو هرج القوم هرجة وحدثت بينهم فرقة، كان حرب بوارهم أغلب من الطمع في سلامتهم.
وقد كان أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، وفضلاء أصحابه، يعرفون
[ ٤ / ٢١٣ ]
من تلك الآراء شبيهًا بما يعرفه علي، فعلموا أن أول أحكام الدين المبادرة إلى إقامة إمام المسلمين، لئلا يكونوا نشرًا، ولئلا يجعلوا للمفسدين علة وسببًا. فكان أبو بكر أصلح الناس لها بعد علي، فأصاب في قيامه، والمسلمون في إقامته، وعلي في تسويغه والرضا بولايته منعقدة منه على الإسلام وأهله. فلما قمع الله تعالى أهل الردة بسيف النقمة، وأباد النفاق، وقتل مسيلمة وأسر طلحة، ومات أصحاب الأوتار، وفنيت الضغائن، راح الحق إلى أهله، وعاد الأمر إلى صاحبه.
قالوا: وقد يكون الرجل أفضل الناس ويلي عليه من هو دونه في الفضل حتى يكلفه الله طاعته وتقديمه: إما للمصلحة والإشفاق من الفتنة كما ذكرنا وفسرنا، وإما للتغليط في المحنة وتشديد البلوى والكلفة، كما قال الله تعالى للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ". والملائكة أفضل من آدم، ولأن جبريل وميكائيل وإسرافيل عند الله من المقربين قبل خلق آدم بدهر طويل، لما قدمت من العبادة واحتملت من ثقل الطاعة. وكما ملك الله طالوت على
[ ٤ / ٢١٤ ]
بني إسرائيل وفيهم يومئذ داود نبي الله ﷺ، وهو نبيهم الذي أخبر الله عنه في القرآن بقوله تعالى: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا قالوا أنى يكون له الملك علينا " إلى آخر الآية.
[ ٤ / ٢١٥ ]
فصل من صدر رسالته في استنجاز الوعد
[ ٤ / ٢١٧ ]
قد شاع الخبر وسار المثل بقولهم: " اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه ".
فإن كان الوجه إنما وقع على الوجه الذي فيه الناظر والسامع، والشام والذائق، إذا كان حسنًا جميلًا، وعتيقًا بهيًا، فوجهك الذي لا يخيل على أحد كماله، لا يخطىء حواله.
وإن كان ذكر الوجه إنما يقع على حسن وجه المطلب وجماله على جهة الرغبة؛ وإن كان ذلك على طريق المثل، وعلى سبيل اللفظ المشتق من اللفظ، والفرع المأخوذ من الأصل، فوجه المطلب إليك أفضل الوجوه وأسناها، وأصونها وأرضاها. وهو المنهج الفسيح والمتجر الربيح؛ وجماله ظاهر، ونفعه حاضر، وخيره غامر، إلا أن الله تعالى قرنه مع ذلك باليمن، وسهله باليسر، وحببه بالبشر الحسن، ودعا إليه بلين الخطاب، وأظهر في أسمائكم وأسماء آبائكم وفي كناكم وكنى
[ ٤ / ٢١٩ ]
إخوانكم، من برهان الفأل الحسن ونفي الطيرة السيئة ما جمع لكم به صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه المطالب؛ فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللقاء، ولين الخطاب والكنف للخلطاء، وقلة البذخ بالمرتبة الرفيعة، والزيادة في الإنصاف عند النعمة الحادثة. فجعل الناس وعدكم من أكرم الوعد، وعقدكم من أوثق العقد، وإطماعكم من أصح الإنجاز. وعلموا أنكم تؤيسون في مواضع اليأس، وتطمعون في مواضع الضمان، وأن الأمور عندكم موزونة معدلة، والأسباب مقدرة محصلة.
هذا مع الصولة والتصميم في موضع التصميم.
والتقية أحزم، والصفح إذا كان الصفح أكرم، والرحمة لمن استرحم، والعقاب لمن صمم.
ثم المعرفة بفرق ما بين اعتزام الغمر واعتزام المستبصر، وفصل ما بين اعتزام الشجاع والبطل، وبين إقدام الجاهل والمتهور.
وقد علم الناس بما شاهدوه منكم، وعاينوه من تدبير، وعرفوه من
[ ٤ / ٢٢٠ ]
تصرف حالاتكم، أني لم أتزيد لكم، ولم أتكلف فيكم ما ليس عندكم. وخير المديح ما وافق جمال الممدوح، وأصدق الصفات ما شاكل مذهب الموصوف، وشهد له أهل العيان الظاهر، والخبر المتظاهر. ومتى خالف هذه القضية وجانب الحقيقة، ضار المادح ولم ينفع الممدوح.
هذا إلى الثبات على العهد، وإحكام العقد، مع الوفاء العجيب، والرأي المصيب، وتمام ذلك وكماله، وسناء ذلك وبهائه، وكثرة الشهود لكم، وإجماع الناس على ذلك فيكم.
ومن قبل لنفسه مديحًا لا يعرف به كان كمادح نفسه. ومن أثاب الكذابين على كذبهم كان شريكهم في إثمهم، وشقيقهم في سخفهم، بل كان المحتقب لكبره، المحتمل لوزره، إذ كان المثيب عليه والداعي إليه.
معاذ الله أن نقول إلا معروفًا غير مجهول، ونصف إلا صحيحًا
[ ٤ / ٢٢١ ]
غير مدخول، أو نكون ممن يتودد بالملق، ويتقحم على أهل الأقدار شرهًا إلى مال، أو حرصًا على تقريب. وأبعد الله الحرص وأخزى الشره والطمع! فإن شك شاك أو توقف مرتاب فليعترض العامة، وليتصفح ما عند الخاصة حتى يتبين الصبح.
وقالوا في تأديب الولاة وتقديم تدبير الكفاة: " إذا أبردتم البريد فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم ". فكيف إذا قارن حسن الوجه وحسن الاسم كرم الضريبة، وشرف العرق.
وأعيان الأعراق الكريمة، والأخلاق الشريفة، إذا استجمعت هذا الاستجماع، واقترنت هذا الاقتران، كان أتم للنعمة، وأبرع للفضيلة وكانت الوسيلة إليها أسهل، والمأخذ نحوها أقرب، والأسباب أمتن.
فإذا انتظمت في هذا السلك، وجمعها هذا النظم، كان الذي يبرد البريد أولى بها من البريد، وكان مقوم البلاد أحق بها من حاشيته الكفاة، إذ التأميل لا يجمع أوجه الصواب، ولا يحصي مخارج الأسباب، ولا يظهر برهانه ويقوى سلطانه، حتى يصيب المعدن.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
ولن يكون موضع الرغبة معدنًا إلا بعد اشتماله على ترادف خصال الشرف وبعد أن يتوافى إليه معاني الكرم بالأعراق الكريمة، والعادات الحسنة، على حادث يشهد لمتقادم، وطارف يدل على تالد.
فإذا كان الأمل يخبر بالحسب فالحسب ثاقب، والمجد راسخ. وإن كان الشأن في صناعة الكلام وفي القدم والرياسة، وفي خلف يأثره عن سلف، وآخر يلقاه عن أول، فلكم ما لا يذهب عنه جاحد، ولا يستطيع جحده معاند.
فصل منها
وأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل، ووجوهكم وفق أسمائكم، وأخلاقكم وفق أعراقكم، لم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
وبعد هذا فإني أستغفر الله من تفريطي في حقوقكم، وأستوهبه طول رقدتي عما فرضته لكم.
ولا ضير إن كان هذا الذي قلنا على إخلاص وصحة عهد، وعلى صدق سيرة وثبات عقد. ينبو السيف وهو حسام، ويكبو الطرف وهو جواد، وينسى الذكور، ويغفل الفطن.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
ونعوذ بالله تعالى من العمى بعد البصيرة، والحيرة بعد لزوم الجادة.
كان أبو الفضل - أعزه الله - على ما قد بلغك من التبرع بالوعد وسرعة الإنجاز وتمام الضمان. وعلى الله تمام النعمة والعافية.
وكان - أيده الله - في حاجتي، كما وصف زيد الخيل نفسه حين يقول:
وموعدتي حق كأن قد فعلتها متى ما أعد شيئًا فإني لغارم
وتقول العرب: " من أشبه أباه فما ظلم "، تقول: لم يضع الشبه إلا في موضعه، لأنه لا شاهد أصدق على غيب نسبه وخفي نجله من الشبه القائم فيه، الظاهر عليه.
وقد تقيلت - أبقاك الله - شيخك: خلقه وخلقه، وفعله وعزمه، وعز الشهامة، والنفس التامة.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
ومرجع الأفعال إلى الطبائع، ومدار الطبائع على جودة اليقين وقوة المنة، وبهما تتم العزيمة، وتنفذ البصيرة.
هذا مع ما قسم الله لك من المحبة ومنحك من المقة، وسلمك عنه من المذمة.
والله لو لم يكن فيكم من خصال الحرية وخلال النفوس الأبية إلا أنكم لا تدينون بالنفاق، ولا تعدون بالكذب ولا تستعملون المواربة في موضع الاستقامة، وحيث تجب الثقة.
ولا يكون حظ الأحرار بالمواعيد صرفا، ولا تتكلون على ملالة الطالب، ولا عجز الراغب، إذا استنفدت أيامه، وعجزت نفقته، وماتت أسبابه، بل تعجلون لهم الراحة عند تعذر الأمور إليكم بالإياس، وتحققون أطماعهم عند إمكان الأمور لكم بالإنجاح.
فصل منها
وإنك والله - أيها الكريم المأمول، والمستعطف المسئول - لا تزرع
[ ٤ / ٢٢٥ ]
المحبة إلا وتحصد الشكر، ولا تكثر المودات إلا إذا أكثر الناس الأموال، ولا يشيع لك طيب الأحدوثة وجمال الحال في العشيرة، إلا لتجرع مرار المكروه. ولن تنهض بأعباء المكارم التي توجبها النعمة وتفرضها المرتبة حتى تستشعر التفكر في التخلص إلى إغنائهم، والقيام بحسن ظنهم، وحتى ترحمهم من طول الانتظار، وترق عليهم من موت الأمل وإحياء القنوط، وحتى تتغلغل ذلك بالحيل اللطيفة، والعناية الشديدة الشريفة، وحتى تتوخى الساعات، وتنتهز الفرص في الحالات، وتتخير من الألفاظ أرقها مسلكًا، وأحسنها قبولًا، وأجودها وقوعًا.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
فصل من صدر رسالته في تفضيل النطق على الصمت
[ ٤ / ٢٢٧ ]
أمتع الله بك وأبقى نعمه عندك؛ وجعلك ممن إذا عرف الحق انقاد له، وإذا رأى الباطل أنكره وتزحزح عنه.
قد قرأت كتابك فيما وصفت من فضيلة الصمت، وشرحت من مناقب السكوت، ولخصت من وضوح أسبابهما، وأحمدت من منفعة عاقبتهما وجريت في مجرى فنون الأقاويل فيهما، وذكرت أنك وجدت الصمت أفضل من الكلام في مواطن كثيرة وإن كان صوابا، وألفيت السكون أحمد من المنطق في مواضع جمة، وإن كان حقًا.
وزعمت أن اللسان من مسالك الخنا، الجالب على صاحبه البلا وقلت: إن حفظ اللسان أمثل من التورط في الكلام.
وسميت الغبي عاقلًا، والصامت حليمًا، والساكت لبيبًا، والمطرق مفكرًا. وسميت البليغ مكثارًا والخطيب مهذارًا والفصيح مفرطًا، والمنطيق مطنبًا.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وقلت: إنك لم تندم على الصمت قط، وإن كان منك عيًا، وأنك ندمت على الكلام مرارًا وإن كان منك صوابًا.
واحتجاجك في ذلك بقول كسرى أنو شروان، واعتصامك فيها بما سار من أقاويل الشعراء والمتسق من كلام الأدباء، وإفراطهم في مذمة الكلام، وإطنابهم في محمدة السكوت.
وأتيت - حفظك الله - على جميع ما ذكرت من ذلك، ووصفت ولخصت، وشرحت وأطنبت فيها وفرطت بالفهم، وتصفحتها بالعلم، وبحثت بالحزم، ووعيت بالعزم، فوجدتها كلام امرىء قد أعجب برأيه وارتطم في هواه، وظن أنه قد نسج فيها كلامًا، وألف ألفاظًا ونسق له معاني على نحو مأخذه.
ومقصده أن لا يلفي له ناقضًا في دهره بعد أن أبرمها، ولا يجد فيها مناويًا في عصره بعد أن أحكمها. وأن حجته قد لزمت جميع الأنام، ودحضت حجة قاطبة أهل الأديان، لما شرح فيها من البرهان، وأوضح بالبيان. وحتى كان القول من القائل نقضًا، ورفع الوصف من الواصف تغلبًا، وكان في موضع لا ينازعه فيه أحد، وقلما يجد
[ ٤ / ٢٣٠ ]
من يخاصمه، ولا يلفي أبدًا من يناضله، وصار فلجًا بحجته أوحديًا في لهجته، إذ كان محله محل الوحدة، والأنس بالخلوة، وكان مثله في ذلك مثل من تخلص إلى الحاكم وحده فلج بحجته.
وإني سأوضح ذلك ببرهان قاطع، وبيان ساطع، وأشرح فيه من الحجج ما يظهر، ومن الحق ما يقهر، بقدر ما أتت عليه معرفتي، وبلغته قوتي، وملكته طاقتي، بما لا يستطيع أحد رده، ولا يمكنه إنكاره وجحده. ولا قوة إلا بالله، وبه أستعين، وعليه أتوكل وإليه أنيب.
إني وجدت فضيلة الكلام باهرة، ومنقبة المنطق ظاهرة، في خلال كثيرة، وخصال معروفة.
منها: أنك لا تؤدي شكر الله ولا تقدر على إظهاره إلا بالكلام.
ومنها: أنك لا تستطيع العبارة عن حاجاتك والإبانة عن ماربك إلا باللسان. وهذان في العاجل والآجل مع أشياء كثيرة لو ينحوها الإنسان لوجدها في المعقول موجودة، وفي المحصول معلومة
[ ٤ / ٢٣١ ]
وعند الحقائق مشتهرة، وفي التدبير ظاهرة.
ولم أجد للصمت فضلًا على الكلام مما يحتمله القياس، لأنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام به. ولو كان الصمت أفضل والسكوت أمثل لما عرف للآدميين فضل على غيرهم، ولا فرق بينهم وبين شيء من أنواع الحيوان وأخياف الخلق في أصناف جواهرها واختلاف طبائعها، وافتراق حالاتها وأجناس أبدانها في أعيانها وألوانها. بل لم يمكن أن يميز بينهم وبين الأصنام المنصوبة والأوثان المنحوتة، وكان كل قائم وقاعد، ومتحرك وساكن، ومنصوب وثابت، في شرع سواء ومنزلة واحدة، وقسمة مشاكلة؛ إذ كانوا في معنى الصمت بالجثة واحدًا، وفي معنى الكلام بالمنطق متباينًا. ولذلك صارت الأشياء مختلفة في المعاني، مؤتلفة الأشكال، إذ كانت في أشكال خلقتها متفقة بتركيب جواهرها، وتأليف أجزائها، وكمال أبدانها، وفي معنى الكمال متباينة عند مفهوم نغماتها، ومنظوم ألفاظها، وبيان معالمها وعدل شواهدها.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
مع أني لم أنكر فضيلة الصمت، ولم أهجن ذكره إلا أن فضله خاص دون عام، وفضل الكلام خاص وعام، وأن الاثنين إذا اشتمل عليهما فضل كان حظهما أكثر، ونصيبهما أوفر من الواحد. ولعله أن يكون بكلمة واحدة نجاة خلق، وخلاص أمة.
ومن أكثر ما يذكر للساكت من الفضل، ويوصف له من المنقبة أن يقال يسكت ليتوقى به عن الإثم، وذلك فضل خاص دون عام.
ومن أقل ما يحتكم عليه أن يقال غبي أو جاهل، فيكون في ذلك لازم ذنب على التوهم به، فيجتمع مع وقوع اسم الجاهل عليه ما ورط فيه صاحبه من الوزر.
والذي ذكر من تفضيل الكلام ما ينطق به القرآن، وجاءت فيه الروايات عن الثقات، في الأحاديث المنقولات، والأقاصيص المرويات، والسمر والحكايات، وما تكلمت به الخطباء ونطقت فيه البلغاء أكثر من أن يبلغ آخرها، ويدرك أولها، ولكن قد ذكرت من ذلك على قدر الكفاية، ومن الله التوفيق والهداية.
ولم نر الصمت - أسعدك الله - أحمد في موضع إلا وكان الكلام فيه أحمد، لتسارع الناس إلى تفضيل الكلام، لظهور علته، ووضوح جليته، ومغبة نفعه.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
وقد ذكر الله جل وعز في قصة إبراهيم ﵇ حين كسر الأصنام وجعلها جذاذًا، فقال حكاية عنهم: " قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ". فكان كلامه سببًا لنجاته، وعلة لخلاصه، وكان كلامه عند ذلك أحمد من صمت غيره في مثل ذلك الموضع، لأنه ﵇ لو سكت عند سؤالهم إياه لم يكن سكوته إلا على بصر وعلم، وإنما تكلم لأنه رأى الكلام أفضل، وأن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن.
واعلم - حفظك الله - أن الكلام سبب لإيجاب الفضل، وهداية إلى معرفة أهل الطول.
ولولا الكلام لم يكن يعرف الفاضل من المفضول، في معان كثيرة، لقول الله ﷿، في بيان يوسف ﵇ وكلامه عند عزيز مصر، لما كلمه فقال: " إنك اليوم لدينا مكين أمين ". فلو لم يكن يوسف ﵇ أظهر فضله بالكلام، والإفصاح بالبيان، مع محاسنه المونقة، وأخلاقه الطاهرة، وطبائعه الشريفة، لما عرف العزيز فضله، ولا بلغ تلك المنزلة لديه، ولا حل ذلك المحل منه، ولا صار
[ ٤ / ٢٣٤ ]
عنده بموضع الأمانة، ولكان في عداد غيره ومنزلة سواه عند العزيز. ولكن الله جعل كلامه سببًا لرفع منزلته، وعلو مرتبته، وعلة لمعرفة فضيلته، ووسيلة لتفضيل العزيز إياه.
ولم أر للصمت فضيلة في معنى ولا للسكوت منقبة في شيء إلا وفضيلة الكلام فيها أكثر، ونصيب المنطق عندها أوفر، واللفظ بها أشهر. وكفى بالكلام فضلًا، وبالمنطق منقبة، أن جعل الله الكلام سبيل تهليله وتحميده، والدال على معالم دينه وشرائع إيمانه، والدليل إلى رضوانه. ولم يرض من أحد من خلقه إيمانًا إلا بالإقرار، وجعل مسلكه اللسان، ومجراه فيه البيان، وصيره المعبر عما يضمره والمبين عما يخبره، والمنبىء عن ما لا يستطيع بيانه إلا به. وهو ترجمان القلب. والقلب وعاء واع.
ولم يحمد الصمت من أحد إلا توقيًا لعجزه عن إدراك الحق والصواب في إصابة المعنى. وإنما قاتل النبي ﷺ المشركين عند جهلهم الله تعالى وإنكارهم إياه، ليقروا به، فإذا فعلوه حقنت دماؤهم، وحرمت أموالهم، ورعيت ذمتهم. ولو أنهم سكتوا ضنًا بدينهم لم يكن سبيلهم إلا العطب.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
فاعلم أن الكلام من أسباب الخير لا من أسباب الشر.
والكلام - أبقاك الله - سبيل التمييز بين الناس والبهائم، وسبب المعرفة لفضل الآدميين على سائر الحيوان، قال الله ﷿: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ". كرمهم باللسان وجملهم بالتدبر.
ولو لم يكن الكلام لما استوجب أحد النعمة، ولا أقام على أداء ما وجب عليه من الشكر سببًا للزيادة، وعلة لامتحان قلوب العباد. والشكر بالإظهار في القول، والإبانة باللسان. ولا يعرف الشكر إلا بهما. والله تعالى يقول: " لئن شكرتم لأزيدنكم "، فجعل الشكر علة لوجوب الزيادة، عند إظهاره بالقول، والحمد مفتاحًا للنعمة.
وقد جاء في بعض الآثار: لو أن رجلًا ذكر الله تعالى وآخر يسمع له كان المعدود للمستمع من الأجر، والمذكور له من الثواب واحدًا وللمتكلم به عشرة أو أكثر.
فهل ترى - أبقاك الله - أنه وجب لصاحب العشر ذلك وفضل
[ ٤ / ٢٣٦ ]
به على صاحبه إلا عند استعماله بالنطق به لسانه. ولم يلزم الصمت أحد إلا على حسب وقوع الجهل عليه. فأما إذا كان الرجل نبيها مميزًا، عالمًا مفوها فالصمت مهجن لعلمه وساتر لفضله. كالقداحة لم يستبن نفعها دون تزنيدها. ولذلك قيل: " من جهل علمًا عاداه ".
فصل منها
ولم أجد الصامت مستعانًا به في شيء من المعاني، ولا مذكورًا في المحافل.
ولم يذكر الخطباء ولا قدمتهم الوفود عند الخلفاء إلا لما عرفوه من فضل لسانهم وفضيلة بيانهم. وإن أصح ما يوجد في المعقول، وأوضح ما يعد في المحصول للعرب من الفضل، فصاحتها وحسن منطقها، بعد فضائلها المذكورة، وأيامها المشهورة.
ولفضل الفصاحة وحسن البيان بعث الله تعالى أفضل أنبيائه وأكرم رسله من العرب، وجعل لسانه عربيًا، وأنزل عليه قرآنه عربيًا، كما قال الله تعالى: " بلسان عربي مبين ". فلم يخص اللسان بالبيان، ولم يحمد بالبرهان إلا عند وجود الفضل في الكلام، وحسن العبارة عند المنطق، وحلاوة اللفظ عند السمع.
واعلم أن الله تعالى لم يرسل رسولًا ولا بعث نبيًا إلا من كان فضله
[ ٤ / ٢٣٧ ]
في كلامه وبيانه كفضله على المبعوث إليه، فكان النبي ﷺ أفصح العرب لسانًا، وأحسنهم بيانًا، وأسهلهم مخارج للكلام وأكثرهم فوائد من المعاني؛ لأنه كان من جماهير العرب، مولده في بني هاشم، وأخواله من بني زهرة، ورضاعه في بني سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد بن عبد العزى، ومهاجره إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار. وقد قال النبي ﷺ: " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر ".
ولو لم يكن مما عددنا من هؤلاء الأحياء إلا قريش وحدها لكان فيها مستغنىً عن غيرها، وكفاية عن من سواها، لأن قريشًا أفصح العرب لسانًا وأفضلها بيانًا، وأحضرها جوابًا، وأحسنها بديهة، وأجمعها عند الكلام قلبا.
ثم للعرب أيضًا خصال كثيرة، ومشاهد كثيرة، مما يشاكل هذا الباب، ويضارع هذا المثال، حذفت ذكرها خوف التطويل فيها.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
فصل منها
فهذه كلها دلائل على دحض حجتك ونقض قضيتك. وإنما أرسل الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين الأمم، وأمرهم بالإبلاغ ليلزمهم الحجة بالكلام لا بالصمت، إذ لا يكون للرسالة بلاغ ولا للحجة لزوم ولا للعلة ظهور إلا بالنطق.
فصل منها في صفة من يقدر على الإبانة
وليس يقوى على ذلك إلا امرؤ في طبيعته فضل عن احتمال نحيزته وفي قريحته زيادة من القوة على صناعته، ويكون حظه من الاقتدار في المنطق فوق قسطه من التغلب في الكلام، حتى لا يضع اللفظ الحر النبيل إلا على مثله من المعنى، ولا اللفظ الشريف الفخم إلا على مثله من المعنى. نعم، وحتى يعطي اللفظ حقه من البيان، ويوفر على الحديث قسطه من الصواب، ويجزل للكلام حظه من المعنى، ويضع جميعها مواضعها، ويصفها بصفتها، ويوفر عليها حقوقها من الإعراب والإفصاح.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
فصل منها
وبعد، فأي شيء أشهر منقبة وأرفع درجة وأكمل فضلًا، وأظهر نفعًا، وأعظم حرمة، من شيء لولا مكانه لم يثبت لله ربوبية ولا لنبي حجة، ولم يفصل بين حجة وشبهة، وبين الدليل وما يتجلى في صورة الدليل.
ثم به يعرف فضل الجماعة من الفرقة، والشبهة من البدعة، والشذوذ من الاستفاضة.
والكلام سبب لتعرف حقائق الأديان، والقياس في تثبيت الربوبية وتصديق الرسالة، والامتحان للتعديل والتجوير والاضطرار والاختيار.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
فصل من صدر كتابه في صناعة الكلام
[ ٤ / ٢٤١ ]
ذكرت - حفظك الله - تفضيلك صناعة الكلام، والذي خصصت به مذهب النظام، وشغفك بالمبالغة في النظر، وصبابتك بتهذيب النحل، مع أنسك بالجماعة، ووحشتك من الفرقة، والذي تم عليه عزمك من إدامة البحث والتنقير ومن حمل النفس على مكروهها من التفكير، ومن الانتساب إليهم والتعرف بهم. والذي تهيأ لك من الاحتساب في الأجر، والرغبة في صالح الذكر، والذي رأيت من النصب للرافضة والمارقة، وطول مفارقة المرجئة والنابتة، ولكل من اعترض عليهم، وانحرف عنهم، والذي يخص به الجبرية ويعم به المشبهة.
فيأيها المتكلم الجماعي، والمتفقه السني، والنظار المعتزني، الذي سمت همته إلى صناعة الكلام مع إدبار الدنيا عنها، واحتمل ما في التعرض للعوام من الثواب عليها، ولم يقنعه من الأديان إلا الخالص الممتحن ولا من النحل إلا الإبريز المهذب، ولا من التمييز إلا المحض المصفى. والذي رغب بنفسه عن تقليد الأغمار والحشوة، كما
[ ٤ / ٢٤٣ ]
رغب عن ادعاء الإلهام والضرورة، ورغب عن ظلم القياس بقدر رغبته في شرف اليقين: إن صناعة الكلام علق نفيس، وجوهر ثمين، وهو الكنز الذي لا يفنى ولا يبلى، والصاحب الذي لا يمل ولا يغل، وهو العيار على كل صناعة، والزمام على كل عبارة، والقسطاس الذي به يستبان نقصان كل شيء ورجحانه، والراووق الذي به يعرف صفاء كل شيء وكدره، والذي كل أهل علم عليه عيال، وهو لكل تحصيل آلة ومثال.
ألا إنه ثغر والثغر محروس، وحمىً والحمى ممنوع، والحرم مصون، ولن تصونه إلا بابتذال نفسك دونه، ولن تمنعه إلا بأن تجود بمهجتك ومجهودك، ولن تحرسه إلا بالمخاطرة فيه. والثواب على قدر المشقة، والتوفيق على مقدار حسن النية.
وكيف لا يكون حرمًا وبه عرفنا حرمة الشهر الحرام والحلال المنزل، والحرام المفصل؟ ! وكيف لا يكون ثغرًا وكل الناس لأهله عدو، وكل الأمم له مطالب.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وأحق الشيء بالتعظيم، وأولاه بأن يحتمل فيه كل عظيم ما كان مسلمًا إلى معرفة الصغير والكبير، والحقير والخطير، وأداة لإظهار الغامض، وآلة لتخليص الغاشية، وسببًا للإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب.
وبه يستدل على صرف ما بين الشرين من النقصان، وعلى فضل ما بين الخيرين من الرجحان، والذي يصنع في العقول من العبارة وإعطاء الآلة مثل صنيع العقل في الروح، ومثل صنيع الروح في البدن.
وأي شيء أعظم من شيء لولا مكانه لم يثبت للرب ربوبية، ولا لنبي حجة، ولم يفصل بين حجة وشبهة، وبين الدليل وما يتخيل في صورة الدليل. وبه يعرف الجماعة من الفرقة، والسنة من البدعة، والشذوذ من الاستفاضة.
فصل منه
واعلم أن لصناعة الكلام آفات كثيرة، وضروبًا من المكروه عجيبة، منها ما هو ظاهر للعيون والعقول، ومنها ما يدرك بالعقول ولا يظهر للعيون، وبعضها وإن لم يظهر للعيون وكان مما يظهر للعقول فإنه لا يظهر إلا لكل عقل سليم جيد التركيب، وذهن صحيح خالص الجوهر، ثم لا يدركه أيضًا إلا بعد إدمان الفكر، وإلا بعد دراسة الكتب، وإلا
[ ٤ / ٢٤٥ ]
بعد مناظرة الشكل الباهر، والمعلم الصابر. فإن أراد المبالغة وبلوغ أقصى النهاية، فلا بد من شهوة قوية، ومن تفضيله على كل صناعة، مع اليقين بأنه متى اجتهد أنجح، ومتى أدمن قرع الباب ولج.
فإذا أعطى العلم حقه من الرغبة فيه، أعطاه حقه من الثواب عليه.
فصل منه
ومن آفات صناعة الكلام أن يرى من أحسن بعضها أنه قد أحسنها كلها، وكل من خاصم فيها ظن أنه فوق من خاصمه حتى يرى المبتدىء أنه كالمنتهي ويخيل إلى الغبي أنه فوق الذكي. وأيضًا أنه يعرض عن أهله وينصب لأصحابه من لم ينظر في علم قط، ولم يخض في أدب منذ كان، ولم يدر ما التمثيل ولا التحصيل، ولا فرق ما بين الإهمال والتفكير.
وهذه الآفات لا تعتري الحساب ولا الكتاب، ولا أصحاب النحو والعروض، ولا أصحاب الخبر وحمال السير، ولا حفاظ الآثار ولا رواة الأشعار، ولا أصحاب الفرائض، ولا الخطباء ولا الشعراء، ولا أصحاب الأحكام ومن يفتي في الحلال والحرام، ولا أصحاب التأويل،
[ ٤ / ٢٤٦ ]
ولا الأطباء ولا المنجمين ولا المهندسين، ولا لذي صناعة ولا لذي تجارة، ولا لذي عيلة ولا لذي مسألة.
فهم لهذه البلية مخصوصون، وعليها مقصورون، فللصابر منهم من الأجر حسب ما خص به من الصبر. وهي الصناعة لا يكاد تظهر قوتها ولا يبلغ أقصاها إلا مع حضور الخصم.
ولا يكاد الخصم يبلغ محبته منها إلا برفع الصوت وحركة اليد، ولا يكاد اجتماعهما يكون إلا في المحفل العظيم والاحتشاد من الخصوم، ولا تحتفل نفوسهما، ولا تجتمع قوتهما، ولا تجود القوة بمكنونها وتعطي أقصى ذخيرتها، التي استخزنت ليوم فقرها وحاجتها، إلا يوم جمع وساعة حفل. وهذه الحال داعية إلى حب الغلبة.
وليس شيء أدعى إلى التغلب من حب الغلبة. وطول رفع الصوت مع التغلب، وإفساد التغلب طباع المفسد، يوجبان فساد النية، ويمنعان من درك الحقيقة. ومتى خرجا من حد الاعتدال أخطآ جهة القصد.
وعلم الكلام بعد ملقىً من الظلم، متاح له الهضم. فهو أبدًا محمول
[ ٤ / ٢٤٧ ]
عليه ومبخوس حظه وباب الظلم إليه مفتوح، لا مانع له دونه.
والعلم بما فيه من الضرر يخفى على أكثر العقلاء، ويغمض على جمهور الأدباء. وإذا كان ملقىً من أكبر العقلاء، ومخذولًا عند أكثر الأدباء، فما ظنك بمن كان عقله ضعيفًا ونظره قصيرًا؟ بل ما ظنك بالظلوم الغادر، والغمر الجاسر؟ فهذا سبيل العوام فيه، وجهل عوام الخواص به، وانحرافهم عنه، وميل الملوك عليه، وعداوة بعض لبعض فيه.
وصناعة الكلام كثيرة الدخلاء والأدعياء، قليلة الخلص والأصفياء والنجابة فيها غريبة، والشروط التي تستحكم بها الصناعة بعيدة سحيقة؛ ولدعي القوم من العجز ما ليس لصحيحهم، ولردي الطبع في صناعة الكلام من ادعاء المعرفة ما ليس للمطبوع عليها منهم، بل لا تكاد تجده إلا مغمورًا بالحشوة مقصودًا بمخاتل السفلة.
ومن مظالم صناعة الكلام عند أصحاب الصناعات أن أصحاب الحساب والهندسة يزعمون أن سبيل الكلام سبيل اجتهاد الرأي، وسبيل صواب الحدس، وفي طريق التقريب والتمويه، وأنه ليس العلم إلا ما كان طبيعيًا واضطراريًا لا تأويل له، ولا يحتمل معناه الوجوه المشتركة، ولا يتنازع ألفاظه الحدود المتشابهة. ويزعمون أنه ليس بين علمهم بالشيء الواحد أنه شيء واحد وأنه غير صاحبه فرق في معنى الإتقان والاستبانة، وثلج الصدور والحكم بغاية الثقة.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
فصل منه
فلو كان هذا المهندس الذي أبرم قضيته، وهذا الحاسب الذي قد شهر حكومته، نظر في الكلام بعقل صحيح وقريحة جيدة، وطبيعة مناسبة، وعناية تامة، وأعوان صدق وقلة شواغل، وشهوة للعلم، ويقين بالإصابة، لكان تهيب الحكم أزين به، والتوقي أولى به. فكيف بمن لا يكون عرف من صناعة الكلام ما يعرفه المقتصد فيه، والمتوسط له.
على أنا ما وجدنا مهندسًا قط ولا رأينا حاسبًا يقول ذلك إلا وهو ممن لا يتوقى سرف القول، ولا يشفق من لائمة المحصلين، وقضيته قضية من قد عرف الحقائق، واستبان العواقب، ووزن الأمور كلها وعجم المعاني بأسرها، وعلم من أين وثق كل واثق، ومن أين غر كل مغرور.
وعلى أنهم يقرون أن في الحساب ما لا يعلم، وأن في الهندسة ما لا يدرك ولا يفهم. والمتكلمون لا يقرون بذلك العجز في صناعتهم، وبذلك النقص في غرائزهم.
فصل منه
وأقول: إنه لو لم يكن في المتكلمين من الفضل إلا أنهم قد رأوا إدبار الدنيا عن علم الكلام، وإقبالها إلى الفتيا والأحكام، وإجماع
[ ٤ / ٢٤٩ ]
الرعية والراعي على إغناء المفتي، وعلم الفتوى فرع؛ وإطباقهم على حرمان المتكلم، وعلم الكلام أصل، فلم يتركوا مع ذلك تكلفه، وشحت نفوسهم عن ذلك الحظ، مخافة إدخال الضيم على علم الأصل، وإشفاقًا من أن لا تسع طبائعهم اجتماع الأصل والفرع، فكان الفقر والقلة آثر عندهم مع إحكام الأصول، من الغنى والكثرة، مع حفظ الفروع، فتركوا أن يكونوا قضاة، وتركوا القضاة وتعديلهم وتركوا أن يكونوا حكامًا وقنعوا بأن يحكم عليهم، مع معرفتهم بأن آلتهم أتم، وآدابهم أكمل، وألسنتهم أحد، ونظرهم أثقب، وحفظهم أحضر، وموضع حفظهم أحصن.
والمتكلم اسم يشتمل على ما بين الأزرقي والغالي وعلى مادونها من الخارجي والرافضي، بل على جميع الشيعة وأصناف المعتزلة، بل على جميع المرجئة وأهل المذاهب الشاذة.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
فصل من صدر رسالته في مدح التجار وذم عمل السلطان
[ ٤ / ٢٥١ ]
أدام الله لك السلامة، وأسعدك بالنعمة، وختم لك بالسعادة، وجعلك من الفائزين.
فهمت كتاب صاحبك، ووقفت منه على تعد في القول، وحيف في الحكم؛ وسمعت قوله. وهو على كل حال حائر، وطريقه طريقهم، وكتبه تشاكل كتبهم، وألفاظه تطابق ألفاظهم.
وكذلك حالنا وحال صاحب كتابك فيما يسخطه من أمرنا، أني لا أعتذر منه، وأستنكف من الانتساب إليه، بل أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب إليها من البلاغة أن أعرف بها في غير موضعها، ومن السجع أن يظهر مني، ومن الصنعة أن تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون مني.
وقديمًا كره ذلك أهل المروءة والأنفة، وأهل الاختيار للصواب والصد عن الخطأ. حتى إن معاوية مع تخلفه عن مراتب أهل السابقة، أملى كتابًا إلى رجل فقال فيه: " لهو أهون علي من ذرة، أو كلب من
[ ٤ / ٢٥٣ ]
كلاب الحرة " ثم قال: " امح: من كلاب الحرة، واكتب: من الكلاب ". كأنه كره اتصال الكلام والمزاوجة وما أشبه السجع، وأري أنه ليس في موضعه.
فصل منه
وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشوة أتباع السلطان. فأما عليتهم ومصاصهم، وذوو البصائر والتمييز منهم، ومن فتقته الفطنة، وأرهفه التأديب، وأرهقه طول الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب، فعرف العواقب وأحكم التفصيل وتبطن غوامض التحصيل، فإنهم يعترفون بفضيلة التجار ويتمنون حالهم، ويحكمون لهم بالسلامة في الدين، وطيب الطعمة، ويعلمون أنهم أودع الناس بدنًا وأهنؤهم عيشًا، وآمنهم سربًا، لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم، يرغب إليهم أهل الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذلة في مكاسبهم، ولا يستعبدهم الضرع لمعاملاتهم.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه، وقاربه بخدمته؛ فإن أولئك لباسهم الذلة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها الرعب، وألفها الذل، وصحبها ترقب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفًا من سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدول، واعتراض حلول المحن. فإن هي حلت بهم، وكثيرًا ما تحل، فناهيك بهم مرحومين يرق لهم الأعداء فضلًا عن الأولياء.
فكيف لا يميز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله، وبين من قد نال الرفاهية والدعة، وسلم من البوائق، مع كثرة الإثراء وقضاء اللذات، من غير منة لأحد، ولا منة يعتد بها رئيس ومن هو من نعم المفضلين خلي، وبين من قد استرقه المعروف، واستعبده الطمع، ولزمه ثقل الصنيعة، وطوق عنقه الامتنان، واسترهن بتحمل الشكر.
فصل منها
وقد علم المسلمون أن خيرة الله تعالى من خلقه، وصفيه من عباده، والمؤتمن على وحيه، من أهل بيت التجارة، وهي معولهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم، وسيرة خلفهم.
ولقد بلغتك بسالتهم، ووصفت لك جلادتهم، ونعتت لك
[ ٤ / ٢٥٥ ]
أحلامهم، وتقرر لك سخاؤهم وضيافتهم، وبذلهم ومواساتهم. وبالتجارة كانوا يعرفون. ولذلك قالت كاهنة اليمن " لله در الديار لقريش التجار ".
وليس قولهم: قرشي لقولهم: هاشمي، وزهري وتيمي؛ لأنه لم يكن لهم أب يسمى قريشًا فينتسبون إليه، ولكنه اسم اشتق لهم من التجارة والتقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوه الله تعالى به في كتابه، وخصهم به في محكم وحيه وتنزيله، فجعله قرآنًا عربيًا يتلى في المساجد، ويكتب في المصاحف، ويجهر به في الفرائض، وحظوة على الحبيب والخالص.
ولهم سوق عكاظ، وفيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ وقام البيع واجتمع الألوف
وقد غبر النبي ﷺ برهة من دهره تاجرًا، وشخص فيه مسافرًا، وباع واشترى حاضرًا، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولم يقسم الله مذهبًا رضيًا، ولا خلقًا زكيًا ولا عملًا مرضيًا إلا وحظه منه أوفر الحظوظ، وقسمه فيه أجزل الأقسام.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
ولشهرة أمره في البيع والشراء قال المشركون: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق "، فأوحى الله إليه: " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ". فأخبر أن الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات.
فصل منه
وإن الذي دعا صاحبك إلى ذم التجارة توهمه بقلة تحصيله، أنها تنقص من العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما. فأي صنف من العلم لم يبلغ التجار فيه غاية، أو يأخذوا منه بنصيب، أو يكونوا رؤساء أهله وعليتهم؟ !
هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيب أو أنبل؟ وقد كان تاجرًا يبيع ويشتري، وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله ﷺ وآله ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي - رضوان الله عليهم - قضاءً إلا وقد علمته.
وكان أعبر الناس للرؤيا وأعلمهم بأنساب قريش. وهو من كان يفتي أصحاب رسول الله ﷺ وهم متوافرون. وله بعد علم بأخبار الجاهلية والإسلام، مع خشوعه وشدة اجتهاده وعبادته،
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدمه على الجبارين.
ومحمد بن سيرين في فقهه وورعه وطهارته.
ومسلم بن يسار في علمه وعبادته، واشتغاله بطاعة ربه.
وأيوب السختياني، ويونس بن عبيد، في فضلهما وورعهما.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
فصل من صدر كتابه في الشارب والمشروب
[ ٤ / ٢٥٩ ]
سألت - أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتى تبلغ من مصالح دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثواب - أن أكتب لك صفات الشارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميز لك بين الأنبذة والخمر، وأن أقفك على حد السكر، وأن أعرفك السبب الذي يرغب في شرب الأنبذة وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية.
وقلت: وما فرق ما بين الجر والسقاء، والمزفت والحنتم والدباء، وما القول في الممتل والمكسوب، وما فرق ما بين النقيع والداذي، وما المطبوخ والباذق، وما الغربي والمروق، وما الذي يحل من الطبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل يكره نبيذ العكر،
[ ٤ / ٢٦١ ]
وما القول في عتيق السكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من السكر، ولم كره النقير والمقير.
وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف وجمهور، والمعلق والمسحوم. والحلو والترش شيرين ونبيذ الكشمش والتين، ولم كره الجلوس على البواطي والرياحين.
وقلت: وما نصيب الشيطان، وما حاصل الإنسان؟ وسألت عمن شرب الأنبذة أو كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه فيها من الآراء، وتشبثوا فيها من الأهواء، ولأي سبب تضادت فيها الآثار، واختلفت فيها الأخبار.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
وسألت أن أقصد في ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار وقلت: وإذ جعل الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنية الممدوحة، فما تقول فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدت قواه، وعتق حتى جاد، وعاد بعد قدم الكون صافي اللون، هل يحل إليه الاجتماع، وفيه الاكتراع، إذ كان يهضم الطعام ويوطىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي خفيات العروق جار، ولا يضر معه برغوث ولا بعوض ولا جرجس عضوض.
وقلت: وكيف يحل لك ترك شربه إذا كان لك موافقًا، ولجسمك ملائمًا. ولم لا قلت إن تارك شربه كتارك العلاج من أدوأ الأدواء وإنه كالمعين على نفسه إذا ترك شربه أفحش الداء. وأنت تعلم أنك إذا شربته عدلت به طبيعتك، وأصلحت به صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السقم صحة، ومن حلول العجز قوة، ومن الكسل نشاطًا، وإلى اللذة انبساطًا، ومن الغم فرجًا، ومن الجمود تحركًا، ومن الوحشة أنسًا. وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. يترك الضعيف وهو مثل أسد العرين يلان له ولا يلين.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وقلت: الجيد من الأنبذة يصفي الذهن ويقوي الركن، ويشد القلب والظهر، ويمنع الضيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيج للطعام الشهوة، ويقطع عن إكثار الماء، الذي منه جل الأدواء، ويحدر رطوبة الرأس، ويهيج العطاس، ويشد البضعة، ويزيد في النطفة، وينفي القرقرة والرياح، ويبعث الجود والسماح، ويمنع الطحال من العظم، والمعدة من التخم، ويحدر المرة والبلغم، ويلطف دم العروق ويجريه، ويرقه ويصفيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشي الغلظ في الرئة، ويصفي البشرة ويترك اللون كالعصفر، ويحدر أذى الرأس في المنخر، ويموه الوجه ويسخن الكلية، ويلذ النوم ويحلل التخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو لطيف الغذاء، ويطيب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النفس، ويؤنس من الوحشة، ويسكن الروعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصلب بالإنشاط للجماع، وفضول المعدة بالهراع، ويشجع المرتاع ويزهي الذليل، ويكثر القليل، ويزيد في جمال الجميل، ويسلي الحزن ويجمع الذهن، وينفي الهم، ويطرد الغم، ويكشف عن قناع الحزم، ويولد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحث على الصبر، ويصحح من الفكر، ويرجي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس
[ ٤ / ٢٦٤ ]
وحتى إن عز لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، وينقي الصدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشط الباه حتى لا يزيف شيئًا يراه، وتقبله جميع الطبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللذة والسرور، والنضرة والحبور. وحتى سمي شربه قصفًا، وسمي فقده خسفًا. وإن شرب منه الصرف بغير مزاج، تحلل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع الأهواء والسموم، ويفتح الذهن، ويمنع الغبن، ويلقن الجواب، ولا يكيد منه العتاب، به تمام اللذات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في النفوس، وكسطوته في الجباه والروس، وكإنشاطه للحديث والجلوس، يحمر الألوان، ويرطب الأبدان، ويخلع عن الطرب الأرسان.
وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النشاط. فأما إذا تبين في الرأس الميلان، واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخع
[ ٤ / ٢٦٥ ]
والبصاق، واشتملت عليه الغفلة، وجاءت الزلة بعد الزلة ولا سواء إن دسع بطعامه، أو سال على الصدر لعابه، وصار في حد المخرفين، لا يفهم ولا يبين، فتلك دلالات النكر، وظهور علامات السكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك الستر، ويسقط من الجدار، ويهور في الآبار، ويغرق في الأنهار، ويصرف عن المعروف، ويعرض للحتوف، ويحمل على الهفوة، ويؤكد الغفلة، ويورث الصياح أو الصمات، ويصرع الفهم للسبات فلغير معنىً يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن الإنصاف، وينقلب على الساكت الكاف. ثم يظهر السرائر، ويطلع على ما في الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفي الاعتقاد.
وقد يقل على السكر المتاع، ويطول منه الأرق والصداع، ثم يورث بالغدوات الخمار، ويختل سائر، النهار ويمنع من إقامة الصلوات، وفهم الأوقات، ويعقب السل، ويعقب في القلوب الغل، ويجفف النطفة، ويورث الرعشة، ويولد الصفار، وضروب العلل في الإبصار، ويعقب
[ ٤ / ٢٦٦ ]
الهزال، ويجحف بالمال ويجفف الطبيعة ويقوي الفاسد من المرة ويذيل النفس، ويفسد مزاج الحس، ويحدث الفتور في القلب، ويبطىء عند الجماع الصب، حتى يحدث من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل على المظالم، وركوب المآثم، وتضييع الحقوق حتى يقتل من غير علم، ويكفر من غير فهم.
فصل منه
وقلت: ومن الحلو في المعد التخم، وفي الأبدان الوخم، وللترش شيرين رياح كمثل رياح العدس، وحموضة تولد في الأسنان الضرس.
والسكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ولفار الطبيعة عنه.
وأنواع ما يعالج من التمور والحبوب فشربها الداء العضال.
وللمسجور، والبتي، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولد بين الجلدتين الحكة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأني لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك تحليل ما يجلب المضرة.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
ولكن ما تقول فيما يسرك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقته العروق فاتحة أفواهها كأفواه الفراخ، محسنة للون ملذة للنفس، يجثم على المعدة، ويرود في العروق، ويقصد إلى القلب فيولد فيه اللذة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطحال، وينتفخ منه العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللون، ويولد الشجاعة والسخاء، ويريح من اكتنان الضغن، ويعفي على تغير النكهة، وينفي الذفر، ويسرع إلى الجبهة، ويغني عن الصلاء، ويمنع القر؟ ! وما تقول في نبيذ الزبيب الحمصي. والعسل الماذي إذا تورد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. تراه في الكأس لكأنه بالشمس ملتحف، شعاعه يضحك بالأكف؟ وما تقول في عصير الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدن نتاجه، فإذا فض فض عن غضارة قد صار في لون
[ ٤ / ٢٦٨ ]
البجادي في صفاء ياقوتة تلمع في الأكف لمع الدنانير، ويضيء كالشهاب المتقد.
وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنه يؤدي إلى شاربه الصحيح من طعم الزعفران، لا يلبس الخلقان ولا يجود إلا في جدد الدنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينفض على شيء من الأجسام لونه حتى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققًا. وحسبك به في رقة الهواء، يكدره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟ ! وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد إذ يعود صلبًا من غير أن يسل سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتى يعود كلون
[ ٤ / ٢٦٩ ]
العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، وأشدها خشونة. ثم لا يستعين بعسل ولا سكر ولا دوشاب. وما ظنك به وهو زبيب نقيع، لا يشتد ولا يجود إلا بالضرب الوجيع؟ ! وما تقول في الدوشاب البستاني، سلالة الرطب الجني بالحب الرتيلي، إذا أوجع ضربًا، وأطيل حبسا، وأعطى صفوه ومنح رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطين ظهر في لون الشقر والكمت وسطع برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطبائع، وسلست له الأمعاء، وأيس الحصر، وانقطع طمع القولنج، وانقادت له
[ ٤ / ٢٧٠ ]
اليبوسة، وأذعنت له بالطاعة، وابتل به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، وكفى شاربه الوخز. فإذا شج بماء تلظى ورمى بشرره، هل يحل أن يشعشع إذا سكن جأشه، وآب إليه حلمه.
وما تقول في المعتق من أنبذة التمر، فإنك تنظر إليه وكأن النيران تلمع من جوفه. قد ركد ركود الزلال حتى لكأن شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه سيف. وله صفيحة مرآة مجلوة تحكي الوجوه في الزجاجة، حتى يهم فيها الجلاس؟ ! وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتد النطفة وتشتد النقطة، يجلب الأحلام، ويركد في مخ العظام؟ ! وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمردة خضراء، صافية، محكم الصلابة، مفرط الحرارة، حديد السورة، سريع الإفاقة
[ ٤ / ٢٧١ ]
عظيم المؤنة، قصير العمر، كثير العلل، جم البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع إليه؟ ! وما تقول في نبيذ التين فإنك تعلم أنه مع حرارته لين العريكة، سلس الطبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتاح للسدد، غسال للأمعاء، هياج للباه، أخاذ للثمن، جلاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح منظر؟ ! وما تقول في نبيذ السكر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة فيه، هل يوجد في المحصول لشربه معنىً معقول؟ ! وما تقول في المروق والغربي والفضيخ؟ ألذ مشروبات في أزمانها وأنفع مأخوذات في إبانها. أقل شيء مؤونة، وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعًا، وأسرعه بلوغًا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشم، أقل المشروبات صداعًا، وأشدهن خداعا.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
فصل منه
وكرهت أيضًا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون التأمل والاعتبار بأن ظلام الشك لا يجلوه إلا مفتاح اليقين.
فصل منه
قد فهمت - أسعدك الله تعالى بطاعته - جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، وبديع صفاتها، والفصل بين جيدها ورديها، ونافعها وضارها، وما سألت من الوقوف على حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من يشرح ويفصح.
اعلم - أكرمك الله - أنك لو بحثت عن أحوال من يؤثر شرب الخمور على الأنبذة، لم تجد إلا جاهلًا مخذولا، أو حدثًا مغرورًا، أو خليعًا ماجنًا، أو رعاعًا همجًا؛ ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة؛ ليس عنده من المعرفة أكثر من انتحال القول بالجماعة؛ قد مزج له الصحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد الرجال، يشعشع الراح، ويحرم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: الأشربة كلها خمر، فلا أشرب إلا أجودها.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
وقد أحببت - أيدك الله - التوثق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنًا بالتغرير فقدمت لك من التوطئة ما يسهل لك سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيما فيما خفيت معالمه ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتد غموضه.
ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص على البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة عنه إلى ذكر ضده، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكل ذلك. فكيف والقدرة - بحمد الله - وافرة، والحجة واضحة.
قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون يحدث له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه، ويصير حلالًا بعد أن كان حرامًا.
فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر
فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعل الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم الخمر، ولكن لما كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها وحدها في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التحريم بالقصد والإرادة.
قلنا: قد علمنا أن ذلك على خلاف ما ذكر السائل، لأسباب موجودة، وعلل معروفة.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
منها: أن الصحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم يختلفوا في قاذف المحصنين أن عليه الحد، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المروية في تحريم المسكر، والواردة في تحليلها.
ولو كانت الأشربة كلها عند أهل اللغة في القديم خمرًا لما احتاجوا إلى أهل الروايات في الخمر، أي الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة العبيد من الإماء.
وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب.
وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع إقراره أن الأشربة المسكرة الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها وأعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأن الله تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرمها، وترك سائر الأشربة طلقًا مع أجناس سائر المباح.
والدليل على تجويز ذلك أن الله تعالى ما حرم على الناس شيئًا من الأشياء في القديم والحديث إلا أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما يعمل مثل عمله أو قريبًا منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرم بالسمع دون المحرم بالعقل. قد حرم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، كجامد دم الطحال والكبد وما أشبههما
[ ٤ / ٢٧٥ ]
وحرم الميتة وأباح الذكية. وأباح أيضًا ميتة البحر وغير البحر، كالجراد وشبهه، وحرم الربا وأباح البيع، وحرم بيع ما ليس عندك وأباح السلم، وحرم الضيم وأباح الصلح، وحرم السفاح وأباح النكاح. وحرم الخنزير وأباح الجدي الرضيع، والخروف والحوار.
والحلال في كل ذلك أعظم موقعًا من الحرام.
فصل منه
ولعل قائلًا يقول: وأهل مدينة الرسول ﷺ وسكان حرمه ودار هجرته، أبصر بالحلال والحرام، والمسكر والخمر، وما أباح الرسول وما حظره، وكيف لا يكون كذلك والدين ومعالمه من عندهم خرج إلى الناس؛ والوحي عليهم نزل، والنبي ﷺ فيهم دفن. وهم المهاجرون السابقون، والأنصار المؤثرون على أنفسهم. وكلهم مجمع على تحريم الأنبذة المسكرة، وأنها كالخمر.
وخلفهم على منهاج سلفهم إلى هذه الغاية، حتى إنهم جلدوا على الريح الخفي.
وكيف لا يفعلون ذلك ويدينون به وقد شهدوا من شهد النبي ﷺ قد حرمها وذمها، وأمر بجلد شاربها.
ثم كذلك فعل أئمة الهدى من بعده. فهم إلى يوم الناس على رأي واحد، وأمر متفق، ينهون عن شربها، ويجلدون عليها.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
وإنا نقول في ذلك: إن عظم حق البلدة لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وإنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، والسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، والمقاييس المصيبة.
وبعد، فمن هذا المهاجري أو الأنصاري، الذي رووا عنه تحريم الأنبذة ثم لم يرووا عنه التحليل؟ بل لو أنصف القائل لعلم أن الذين من أهل المدينة حرموا الأنبذة ليسوا بأفضل من الذين أحلوا النكاح في أدبار النساء، كما استحل قوم من أهل مكة عارية الفروج، وحرم بعضهم ذبائح الزنوج، لأنهم فيما زعموا مشوهو الخلق. ثم حكموا بالشاهد واليمين خلافًا لظاهر التنزيل. وأهل المدينة وإن كانوا جلدوا على الريح الخفي فقد جلدوا على حمل الزق الفارغ؛ لأنهم زعموا أنه آلة الخمر، حتى قال بعض من ينكر عليهم: فهلا جلدوا أنفسهم؟ لأنه ليس منهم إلا ومعه آلة الزنى! وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على حامل السيف والسكين والسم القاتل، في نظائر ذلك؛ لأن هذه كلها آلات القتل.
وبعد، فأهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبع الملائكة. ولو كان كل ما يقولونه حقًا وصوابًا لجلدوا من كان في دار معبد،
[ ٤ / ٢٧٧ ]
والغريض، وابن سريج، ودحمان وابن محرز وعلويه وابن جامع، ومخارق، وشريك، ووكيع، وحماد،
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وإبراهيم وجماعة التابعين، والسلف والمتقدمين؛ لأن هؤلاء فيما زعموا كانوا يشربون الأنبذة التي هي عندهم خمر؛ وأولئك كانوا يعالجون الأغاني التي هي حل طلق، على نقر العيدان والطنابير، والنايات والصنج والزنج، والمعازف التي ليست محرمة ولا منهيًا عن شيء منها.
ولو كان ما خالفونا فيه من تحليل الأنبذة وتحريمها، كالاختلاف في الأغاني وصفاتها وأوزانها، واختلاف مخارجها، ووجوه مصارفها ومجاريها، وما يدمج ويوصل منها، وما للحنجرة والحنك والنفس واللهوات وتحت اللسان من نغمها. وأي الدساتين أطرب، وأي أصوب، وما يحفز بالهمز أو يحرك بالضم؛ وكالقول بأن الهزج بالبنصر أطيب، أو بالوسطى؟ والسريع على الزير ألذ، أو على المثنى؟ والمصعد في لين أطرب أم المحدر في الشدة؟ لسهل ذلك ولسلمنا علمه لمن يدعيه، ولم نجاذب من يدعي دوننا معرفته.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
فصل منه
ولهج أصحاب الحديث بحكم لم أسمع بمثله في تزييف الرجال، وتصحيح الأخبار. وإنما أكثروا في ذلك، لتعلم حيدهم عن التفتيش، وميلهم عن التنقير، وانحرافهم عن الإنصاف.
فصل منه
والذي دعاني إلى وضع جميع هذه الأشربة والوقوف على أجناسها وبلدانها، مخافة أن يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها، ولم يسمع بذكرها، فيتوهم أني في ذكر أجناسها المستشنعة وأنواعها المبتدعة، كالهاذي برقية العقرب، وإن كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لأقف على حلالها وحرامها، وكيف اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستكمان الشبهة؛ ولأن أحتج للمباح وأعطيه حقه، وأكشف أيضًا عن المحظور فأقسم له قسطه، فأكون قد سلكت بالحرام سبيله، وبالحلال منهجه، اقتداءً مني بقول الله ﷿: " يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ".
وقد كتبت لك - أكرمك الله - في هذا الكتاب ما فيه الجزاية
[ ٤ / ٢٨٠ ]
والكفاية، ولو بسطت القول لوجدته متسعًا، ولأتاك منه الدهم. وربما كان الإقلال في إيجاز أجدى من إكثار يخاف عليه الملل. فخلطت لك جدًا بهزل، وقرنت لك حجة بملحة، ليخف مؤونة الكتاب على القارىء، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، فجعلت الهزل بعد الجد جمامًا، والملحة بعد الحجة مستراحًا.
[ ٤ / ٢٨١ ]
فصل من صدر كتابه في الجوابات في الإمامة
[ ٤ / ٢٨٣ ]
يحكي فيه قول من يجيز أكثر من إمام واحد
زعم قوم أن الإمامة لا تجب لرجل واحد بعينه، من رهط واحد بعينه، ولا لواحد من عرض الناس، وإن كان أكثرهم فضلًا، وأعظمهم عن المسلمين غناء، بعد أن يكون فردًا في الإمامة لا ثاني له. وأن الناس إن تركوا أن يقيموا إمامًا واحدًا جاز لهم ذلك، ولم يكونوا بتركه ضالين ولا عاصين ولا كافرين؛ فإن أقاموه كان ذلك رأيًا رأوه، وغير مضيق عليهم تركه.
ولهم أن يقيموا اثنين، وجائز لهم أن يقيموا أكثر من ذلك، ولا بأس أن يكونوا عجما وموالي، ولكن لابد من حاكم، واحدًا كان أو أكثر على حال. ولا يجوز أن يكون الرجل حاكمًا على نفسه وقائمًا عليها بالحدود.
ولم يقل أحد ألبتة أن من الحكم والحاكم بدًا، ولكنهم اختلفوا في جهاتهم ومعانيهم.
وقالوا: وأي ذلك كان، إقامة الواحد والاثنين أو أكثر من ذلك،
[ ٤ / ٢٨٥ ]
فعلى الناس الكف عن محارمهم، وترك التباغي فيما بينهم، والتخاذل عند الحادثة تنوبهم، من عدو يدهمهم من غيرهم، أو خارب يخيف سبلهم من أهل دعوتهم.
وعليهم فيما شجر بينهم إعطاء النصفة من أنفسهم بالغًا ما بلغ، في عسر الأمر ويسره. وعلى كل رجل في داره وبيته وقبيلته، وناحيته ومصره، إذا كان مأمونًا ذا صلاح وعلم، إذا ثبتت عنده على أخيه وصاحبه وجاره، وحاشيته من خدمه، حد أو حكم جناه جان عليهم أو على نفسه أو ظلم ركبه من غيره، إقامة ذلك الحكم والحد عليه، إذا أمكنه مستحقه؛ إلا أن يكون فوقه كاف قد أجزى عنه.
وعلى المجترح للذنب الموجب على نفسه الحد، والمستحق له، إمضاء الحكم في بدنه وماله، والإمكان من نفسه، وأن لا يعاز بقوة، ولا يروغ بحيلة، ولا يسخط حكم التنزيل فيما نزل به، وفيما هو بسبيله من مال أو غيره. وإنما يجب ذلك إذا كان على الفريقين من القيم، والجاني يمكنه ما كلفه الله من ذلك. فإن أبى القيم إقامة الحق والحد على الجاني بعد استيجابه، والإمكان من نفسه لإقامة الحد عليه، فقد عصى
[ ٤ / ٢٨٦ ]
الله تعالى ولم يؤت في ذلك الأمر نفسه، لأن الله تعالى قد بينه له، وأوجبه عليه، وقرره حين أوضح له الحجة وقرب الدلالة، وطوقه المعرفة، ومكنه من الفعل.
وقد بسطنا العذر لذوي العجز في صدر الكلام.
وإن أبى الجاني المستحق للحكم والحد، الإمكان من نفسه وماله، وما هو بسبيله، فقد عصى الله في ذلك، كما عصاه في ركوبه ما أوجب عليه الحد، ولم يؤت من ربه لما ذكرنا من إيضاح الحجة وإثبات القدرة.
فصل منه
وقد علمنا أن من شأن الناس الهرب إذا خافوا نزول المكروه، والامتناع من إمضاء الحدود بعد وجوبها عليهم، ما وجدوا السبيل إلى ذلك. وهذا سبب إسقاط الأحكام والتفاسد.
وقد أمرنا أن نترك أسباب الفساد ما استطعنا، وبالنظر للرعية ما أمكننا، فوجب علينا عند الذي قلنا، أنا لو لم نقم إمامًا واحدًا كان الناس على ما وصفنا من التسرع إلى الشيء إذا طمعوا، والهرب إذا خافوا. وهذا أمر قد جرت به عامة المعرفة، وفتحت عندنا فيه التجربة.
قلنا عند ذلك إن الإمامة لا تجب على الناس من طريق الظنون وإشفاق النفوس.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
وقد رأينا أعظم منه خطرًا، وقدرًا ونفعًا، في كل جهة على خلاف ذلك، وهو رسول الله ﷺ، بعثه الله إلى أمة وقد علم أنهم يزدادون مع كفرهم المتقدم من قبل ذلك الرسول كفرًا، بجحدهم له، وإخراجهم إياه، وقصدهم قتله، ثم لا يكون ذلك مانعًا له من الإرسال إليهم والاحتجاج به عليهم، لمكان علمه أنهم يزدادون فسادًا وتباغيًا؛ إذ كان قدم لهم ما به ينالون مصالح دينهم ودنياهم. وإنما على الحكيم أن يأتي الأمر الحكيم، عرف ذلك عارف أم جهله جاهل.
وعلى الجواد ذي الرحمة في جوده ورحمته، أن يفعل ما هو أفضل في الجود، وأبلغ في الإحسان، وألطف في الإنعام من إيضاح الحجة وتسهيل الطرق، والإبلاغ في الموعظة، مع ضمان الوعد بالغاية من الثواب والدوام واللذة، والتوعد بغاية العقاب في الدوام والمكروه إلى عباده الذين كلفهم طاعته، وأهل الفاقة إلى عائدته ونظره وإحسانه.
فإن قبل ذلك قابل فقد أصاب حظه، وإن أبى ذلك فنفسه ظلم، وقد صنع الله به ما هو أصلح وإن لم يستطع العبد نفسه.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
قالوا: فإذا كان الله ﵎ عالمًا بأن القوم يزدادون فسادًا عند إرسال الرسل، وكان غير صارف لهم عن الإرسال إليهم، إذ كان قد عدل خلقهم، ومكنهم من مصلحتهم، فما بال الظن والحسبان بأن الناس يتفاسدون ويتنازعون، إذا لم يقيموا إمامًا واحدًا يوجب فرضًا لم ينطق به كتاب ولم يؤكده خبر. وقد رأينا العلم بأن الناس يتفاسدون بما لا يرد به فرض.
فصل منه
وقالوا: قد رأينا أهل الصلاح والقدر، عند انتشار أمر السلطان، وغلبة السفلة والدعار، وهيج العوام، يقوم منهم العدد اليسير في الناحية والقبيلة، والدرب والمحلة فيفل لهم حد المستطيل، ويقمع شذاذ الدعار، حتى يسرح الضعيف ويأمن الخائف، وينتشر التاجر، ويكبر جانبهم الداعر.
وإنما صلاح الناس بقدر تعاونهم وتخاذلهم. مع أن الناس لو تركهم المتسلطون عليهم، وألجئوا إلى أنفسهم حتى يتحقق عندهم أن لا كافي إلا بطشهم وحيلهم، وحتى تكون الحاجة إلى الذب
[ ٤ / ٢٨٩ ]
والحراسة، والعلم بالمكيدة، هي التي تحملهم على منع أنفسهم؛ ولذهبت عادة الكفاية، وضعف الاتكال، ولتعودوا اليقظة، ولدربوا بالحراسة، واستثاروا دفين الرأي؛ لأن الحاجة تفتق الحيلة وتبعث على الروية، وكان بالحرى أن يصلح أمر الجميع؛ لأن طمع الراعي إذا عاد بأسًا صرفه في البغي. وكان في ذلك منبهة للنائم ومشحذة لليقظان، وضراوة للمواكل، ومزجرة للبغاة، حتى ينبت عليه الصغير، ويتفحل معه الكبير.
فصل منه
وزعم قوم أن الإمامة لا تجب إلا بأحد وجوه ثلاثة: إما عقل يدل على سببها، أو خبر لا يكذب مثله، أو أنه لا يحتمل شيئًا من التأويل إلا وجهًا واحدًا.
قالوا: فوجدنا الأخبار مختلفة، والمختلف منها متدافع، وليس في المتدافع والمتكافىء بيان ولا فضل.
فمن ذلك قول الأنصار، وهم شطر الناس وأكثرهم، مع أمانتهم على دين الله تعالى، وعلمهم بالكتاب والسنة، حيث قالت عند وفاة النبي ﷺ: " منا أمير ومنكم أمير ".
[ ٤ / ٢٩٠ ]
فلو كان قد سبق من رسول الله ﷺ في ذلك أمر ما كان أحد أعلم به منهم، ولا أخلق للإقرار والعمل بما يلزم، والصبر عليه منهم، بعد الذي ظهر من احتمالهم في جنب الله تعالى، والجهاد في سبيله، والنصرة لنبيه ﷺ مع الإيواء والإيثار، بعد المواساة، ومحاربة القريب والبعيد، والعرب قاطبة وقريش خاصة. ثم الذي نطق القرآن به من تزكيتهم وتفضيلهم، بحب رسول الله ﷺ لهم، وثقته بهم وثنائه عليهم، وهو يقول: " أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع "، في أمور كثيرة.
ثم لم يكن قولهم: " منا أمير ومنكم أمير " من سفيه من سفهائهم ضوى إليه أمثاله منهم، فإن لكل قوم حسدة وجهالا، وأحداثًا وسرعانا، من حدث تبعثه الغرارة والأشر، ورجل يحب الجاه والفتنة، أو مغفل مخدوع، أو غر ذي حمية يؤثر حسبه ونسبه على دين الله تعالى وطاعة نبيه ﷺ.
[ ٤ / ٢٩١ ]
ولا كان ذلك القول، إن كان من عليتهم، في الواحد الشاذ القليل، بل كان في ذوي أحلامهم والقدم منهم.
ثم كان المرشح والمأمول عندهم سعد بن عبادة، سيدًا مطاعًا، ذا سابقة وفضل، وحلم ونجدة، وجاه عند رسول الله ﷺ، واستغاثة به في الحوادث والمهم من أمره.
ثم كان في الدهم من الأنصار، والوجوه والجمهور من الأوس والخزرج. فكيف يكون سبق من النبي ﷺ في هذا أمر يقطع عذرًا ويوجب رضًا، وهؤلاء الأمناء على الدين، والقوام عليه، قد قاموا هذا المقام، وقالوا هذا المقال.
قالوا: فإن قال قائل: فإن القوم كانوا على طبقات، من ذاكر متعمد، وناس قد كان سقط عن ذكره وحفظه، ومن رجل كان غائبًا عن ذلك القول والتأكيد الذي كان من النبي ﷺ وآله، في إقامة إمام يقدم في أيام وفاته وشكاته، ومن رجل قدم في الإسلام لم يكن من حمال العلم، فأذكرهم أبو بكر وعمر فذكروا، ووعظاهم فاتعظوا. فقد كان فيهم الناشىء الفاضل الذي يزجره الذكر، وينزع إذا بصر؛ والمعتمد الذي لم يبلغ من لجاجه وتتايعه، وركوب
[ ٤ / ٢٩٢ ]
ردعه ما يؤثر معه التصميم على حسن الرجوع عند الموعظة الحسنة، والتخويف بفساد العاجل، في كثير ممن لم يكن له في الإسلام القدر النبيه، إما للغفلة، وإما للإبطاء عنه، وإما للخمول في قومه مع إسلامه وصحة عقده. فداواهم أبو بكر وعمر يوم السقيفة حين قالا: " نحن الأئمة وأنتم الوزراء ". وحيث رووا لهم أن النبي ﷺ قال: " الأئمة من قريش ". فلما استرجعوا رجعوا.
قلنا: الدليل على أن القوم لم يروا في كلام أبي بكر وعمر حجة عليهم، وأن انصرافهم عما اجتمعوا له لم يكن لأنهم رأوا أن ذلك القول من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح حجة، غضب رئيسهم وخروجه من بين أظهرهم مراغمًا، في رجال من رهطه، مع تركه بيعة أبي بكر رضوان الله عليه، وتشنيعه عليهم بالشام.
وقد قال قيس بن سعد بن عبادة، وهو يذكر خذلان الأنصار لسعد بن عبادة: واستبداد الرهط من قريش عليهم، بالأمر:
وخبرتمونا أنما الأمر فيكم خلاف رسول الله يوم التشاجر
وأن وزارات الخلافة دونكم كما جاءكم ذو العرش دون العشائر
فهلا وزيرًا واحدًا تجتبونه بغير وداد منكم وأواصر
[ ٤ / ٢٩٣ ]
سقى الله سعدًا يوم ذاك ولا سقى عراجلة هابت صدور المنابر
وقال رجل من الأنصار، ودعاه علي رضوان الله عليه إلى عونه ونصرته، إما يوم الجمل، أو يوم صفين:
ما لي أقاتل عن قوم إذا قدروا عدنا عدوًا وكنا قبل أنصارا
ويل لها أمة لو أن قائدها يتلو الكتاب ويخشى النار والعارا
أما قريش فلم نسمع بمثلهم غدرًا وأعجب في الإسلام آثارا
إلا تكن عصبة خالوا نبيهم بالعرف عرفًا وبالإنكار إنكارا
أبا عمارة والثاوي ببلقعة في يوم مؤتة لا ينفك طيارا
أبا عمارة: حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وقد كان يكنى أبا يعلى، والثاوي في يوم مؤتة: جعفر بن أبي طالب.
وقال رجل من الأنصار من ولد أبي زيد القارىء، وذكر أمر الأنصار وأمر قريش:
[ ٤ / ٢٩٤ ]
دعاها إلى استبدادها وحقودها تذكر قتلى في القليب تكبكبوا
هنالك قتلى لا تؤدى دياتهم وليس لباكيها سوى الصبر مذهب
فإن تغضب الأبناء من قبل من مضى فوالله ما جئنا قبيحًا فتعتبوا
فصل منه
قد حكينا قول من خالفنا في وجوب الإمامة وتعظيم الخلافة، وفسرنا وجوه اختلافهم، واستقصينا جميع حججهم، إذ كان على عذر لما غاب عنه خصمه، وقد تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له، والقيام بحجته. كما أنه لا عذر له في التقصير عن إفناد من يخالفه، وكشف خطاء من يضاده عند ما قرأ كتابه، وتفهم حجته. لأن أقل ما يزيل عذره، ويزيح علته، أن يكون قول خصمه قد استهدف لعقله، وأصحر للسانه، وقد مكنه من نفسه، وسلطه
[ ٤ / ٢٩٥ ]
على إظهار عورته. فإذا استراح شغب المنازع، ومداراة المستمع لم يبق إلا أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه.
ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم: أن يحتمل ثقل مؤنتهم وتعريفهم، وأن يتوخى إرشادهم، وإن جهلوا فضل من يسدي إليهم.
ولن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره.
وأعلم أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي يقوى التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط النصرة، وتنبعث الحمية. وعند المزاحمة تشتد الغلبة وشهوة المباهاة، والاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين، وإذا كانت القلوب على هذه الصفة، وبهذه الحالة، امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة.
وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد بقراءتها، والمتفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله ولا يعاز خصمه.
والكتاب قد يفضل ويرجح على واضعه بأمور:
[ ٤ / ٢٩٦ ]
منها: أن الكتاب يقرأ بكل مكان وفي كل زمان، على تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في الواضع ولا يطمع فيه من المنازع. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى ويبقى أثره.
ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلقت من عجيب حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا في الحكمة، وانقطع سبيلنا إلى المعرفة.
ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا، بما أدركته حواسنا، وشاهدته نفوسنا، لقد قلت المعرفة وقصرت الهمة وضعفت المنة، فاعتقم الرأي ومات الخاطر، وتبلد العقل، واستبد بنا سوء العادة.
وأكثر من كتبهم نفعًا، وأحسن مما تكلفوا موقعًا، كتب الله تعالى، التي فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا سبيل من قبلنا فينا. مع أنا قد وجدنا في العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا.
فما ينتظر الفقيه بفقهه والمحتج لدينه، والذاب عن مذهبه، ومواسي الناس في معرفته، وقد أمكن القول وأطرق السامع، ونجا من التقية، وهبت ريح العلماء.
فصل منه
واعلم أن قصد العبد بنعم الله تعالى إلى مخالفته، غير مخرج إنعام الله تعالى عليه، ولا يحول إحسانه إليه إلى غير معناه وحقيقته، ولم يكن إحسان الله في إعطائه الأداة وتبيين الحجة لينقلبا إفسادًا وإساءة؛ لأن المعان على الطاعة عصى بالمعونة، وأفسد بالإنعام، وأساء بالإحسان.
وفرق بين المنعم والمنعم عليه؛ لأن المنعم عليه يجب أن يكون شكورًا، ولحق النعمة راعيًا، والمنعم منفرد بحسن الإنعام، وشريك في جميل الشكر. ولأن المنعم أيضًا هو الذي حبب الشكر إلى فاعله، بالذي قدم إليه من إحسانه، وتولى من يساره، ولذلك جعلوا النعمة لقاحًا، والشكر ولادًا. وإنما مثل إعطاء الآلة والتكليف لفعل
[ ٤ / ٢٩٨ ]
الخير مثل رجل تصدق على فقير ليستر عورته، ويقيم من أود صلبه، وليصرف في منافعه، ولا يكون إنفاق الفقير ذلك الشيء في الفساد والخلاف والفواحش، لينقلب إحسان المتصدق إساءة. وإنما هذا بصواب الرأي الذي لا ينقلب صوابًا وإن أنجح صاحبه.
وقد يؤتى الرجل من حزمه ولا يكون مذمومًا، ويحظى بالإضاعة ولا يكون محمودًا.
فصل منه
ولم يكن الله تعالى ليضع العدل ميزانًا بين خلقه، وعيارًا على عباده، في نظر عقولهم في ظاهر ما فرض عليهم، وييسر خلافه، ويستخفي بضده، ويعلم أن قضاءه فيهم غير الذي فطرهم على استحسانه، وتحبب إليهم به، في ظاهر دينه، والذي استجوب به على الشكر على جميع خلقه.
فصل منه
وإن لم يكن العبد على ما وصفنا من الاستطاعة والقدرة، والحال التي هي أدعى إلى المصلحة، ما كان متروكًا على طباعه ودواعي شهواته، دون تعديل طبعه وتسوية تركيبه.
ولذلك أسباب نحن ذاكروها، وجاعلوها حجة في إقامة الإمامة،
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وأن عليها مدار المصلحة، وأن طبع البشر يمتنع من الإخبار إلا على ما نحن ذاكروه، فنقول: إنا لما رأينا طبائع الناس وشهواتهم، من شأنها التقلب إلى هلكتهم وفساد دينهم، وذهاب دنياهم، وإن كانت العامة أسرع إلى ذلك من الخاصة، فكل لا تنفك طبائعهم من حملهم على ما يرديهم، ما لم يردوا بالقمع الشديد في العاجل، من القصاص العادل، ثم التنكيل في العقوبة على شر الجناية، وإسقاط القدر، وإزالة العدالة، مع الأسماء القبيحة، والألقاب الهجينة، ثم بالإخافة الشديدة والحبس الطويل، والتغريب عن الوطن، ثم الوعيد بنار الأبد، مع فوت الجنة.
وإنما وضع الله تعالى هذه الخصال لتكون لقوة العقل مادة، ولتعديل الطبائع معونة؛ لأن العبد إذا فضلت قوى طبائعه وشهواته على قوى عقله ورأيه، ألفي بصيرًا بالرشد غير قادر عليه، فإذا احتوشته المخاوف كانت مواد لزواجر عقله، وأوامر رأيه. فإذا لم يكن في حوادث الطبائع ودواعي الشهوات وحب العاجل فضل على زواجر العقل وأوامره ألفي العبد ممتنعًا من الغي قادرًا عليه؛ لأن الغضب والحسد والبخل والجبن، والغيرة، وحب الشهوات والنساء، والمكاثرة،
[ ٤ / ٣٠٠ ]
والعجب والخيلاء وأنواع هذه إذا قويت دواعيها لأهلها، واشتدت جواذبها لصاحبها، ثم لم يعلم أن فوقه ناقمًا عليه، وأن له منتقمًا لنفسه من نفسه، أو مقتضيًا منه لغيره، كان ميله وذهابه مع جواذب الطبيعة ودواعي الشهوة طباعًا لا يمتنع منه، وواجبًا لا يستطيع غيره.
أو ما رأيته كيف يخرق في ماله، ويسرع فيما أثلت له رجاله، وشيدت له أوائله، من غير أن يرى للعوض وجهًا، وللخلف سببًا في عاجل دينه، ولا آجل دنياه، حتى يكون والي المسلمين هو الذي يحجر عليه؛ ليكون مضض الحجر وذل الخطر، وغلظة الجفوة. واللقب القبيح، وتسليط الأشكال، مادة للذي معه من معرفته وبقية عقله.
فصل منه
وقد يكون الرجل معروفًا بالنزق مذكورًا بالطيش مستهامًا بإظهار الصولة حتى يتحامى كلامه الصديق، ويداريه الجليس، ويترك مجاراته الكريم، للذي يعرفون من شذاته، وبوادر حدته وشدة تسعره والتهابه، وكثرة فلتاته. ثم لا يلبث أن يحضر الوالي الصليب والرجل المنيع، فيلفى ذليلًا خاضعًا، أو حليمًا وقورًا، أو أديبًا رفيقًا، أو صبورًا محتسبًا.
[ ٤ / ٣٠١ ]
وقد نجده يجهل على خصمه، ويستطيل على منازعه، ويهم بتناوله والغدر به، فإذا عرف له حماة تكفيه، وجهالًا تحميه، وجاهًا يمنعه، ومالًا يصول به، طامن له من شخصه، وألان له من جانبه، وسكن من حركته، وأطفأ نار غضبه.
أو ما علمت أن الخوف يطرد السكر، ويميت الشهوة، ويطفىء الغضب، ويحط الكبر، ويذكر بالعاقبة، ويساعد العقل، ويعاون الرأي، وينبت الحيلة ويبعث على الروية؛ حتى يعتدل به تركيب من كان مغلوبًا على عقله، ممنوعًا من رأيه، بسكر الشباب وسكر الغناء وإهمال الأمر، وثقة العز، وبأو القدرة.
فصل منه
وإنما أطنبت لك في تفسير هذه الأحوال التي عليها الوجود والعبرة، لتعلم أن الناس لو تركوا وشهواتهم، وخلوا وأهواءهم وليس معهم من عقولهم إلا حصة الغريزة ونصيب التركيب، ثم أخلوا من المرشدين والمؤدبين، والمعترضين بين النفوس وأهوائها، وبين الطبائع وغلبتها، من الأنبياء وخلفائها، لم يكن في قوى عقولهم ما يداوون به أدواءهم، ويجبرون به من أهوائهم، ويقوون به لمحاربة طبائعهم، ويعرفون به جميع مصالحهم.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وأي داء هو أردى من طبيعة تردي، وشهوة تطغي؟ ! ومن كان لا يعد الداء إلا ما كان مؤلمًا في وقته، ضاربًا على صاحبه في سواد ليله وبياض نهاره، فقد جهل معنى الداء. وجاهل الداء جاهل بالدواء.
فصل منه
ولكنا نقول: لا يجوز أن يلي أمر المسلمين على ظاهر الرأي والحزم والحيطة أكثر من واحد، لأن الحكام والسادة إذا تقاربت أقدارهم وتساوت عنايتهم قويت دواعيهم إلى طلب الاستعلاء، واشتدت منافستهم في الغلبة.
وهكذا جرب الناس من أنفسهم في جيرانهم الأدنين في الأصهار وبني الأعمام، والمتقاربين في الصناعات، كالكلام، والنجوم، والطب والفتيا، والشعر، والنحو والعروض، والتجارة، والصباغة، والفلاحة أنهم إذا تدانوا في الأقدار، وتقاربوا في الطبقات، قويت دواعيهم إلى طلب الغلبة، واشتدت جوانبهم في حب المباينة، والاستيلاء على الرياسة.
ومتى كانت الدواعي أقوى كانت النفس إلى الفساد أميل، والعزم أضعف، وموضع الروية أشغل، والشيطان فيهم أطمع؛ وكان الخوف عليهم أشد، وكانوا بموافقة المفسد أحرى، وإليه أقرب.
وإذا كان ذلك كذلك فأصلح الأمور للحكام والقادة، إذا كانت النفوس ودواعيها ومجرى أفعالها على ما وصفنا، أن ترفع عنهم أسباب التحاسد والتغالب، والمباهاة والمنافسة.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
وإن ذلك أدعى إلى صلاح ذات البين، وأمن البيضة، وحفظ الأطراف.
وإذا كان الله ﵎، قد كلف الناس النظر لأنفسهم، واستيفاء النعمة عليهم، وترك الخطار بالهلكة والتغرير بالأمة، وليس عليهم مما يمكنهم أكثر من الحيطة والتباعد من التغرير. ولا حال أدعى إلى ذلك أكثر مما وصفنا، لأنه أشبه الوجوه بتمام المصلحة، والتمتع بالأمن والنعمة.
فصل منه
فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه إذا كان القائم بأمور المسلمين بائن الأمر، متفردًا بالغاية من الفضل، كانت دواعي الناس إلى مسابقته ومجاراته أقل.
ولم يكن الله ليطبع الدنيا وأهلها على هذه الطبيعة، ويركبها وأهلها هذا التركيب، حتى تكون إقامة الواحد من الناس أصلح لهم، إلا وذلك الواحد موجود عند إرادتهم له، وقصدهم إليه؛ لأن الله لا يلزم الناس في ظاهر الرأي والحيطة إقامة المعدوم، وتشييد المجهول؛ لأن على الناس التسليم، وعلى الله تعالى قصد السبيل.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وهل رأيتم ملكين أو سيدين في جاهلية أو إسلام، من العرب جميعًا أو من العجم، لا يتحيف أحدهما من سلطان صاحبه ولا ينهك أطرافه، ولا يساجله الحروب؛ إذ كل واحد منهما يطمع في حد صاحبه وطرفه، لتقارب الحال، واستواء القري. كما جاءت الأخبار عن ملوك الطوائف كيف كانت الحروب راكدة وأمرهم مريج، والناس نهب، ليس ثغر إلا معطل، ولا طرف إلا منكشف، والناس فيما بينهم مشغولون بأنفسهم، ملوكهم من عز بز، مع إنفاق المال، وشغل البال، وشدة الخطار بالجميع، والتغرير بالكل.
فصل منه
وإن قالوا: فما صفة أفضلهم؟ قلنا: أن يكون أقوى طبائعه عقله، ثم يصل قوة عقله بشدة الفحص وكثرة السماع، ثم يصل شدة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة. فإذا جمع إلى قوة عقله علمًا، وإلى علمه حزمًا، وإلى حزمه عزمًا، فذلك الذي لا بعده.
وقد يكون الرجل دونه في أمور وهو يستحق مرتبة الإمامة، ومنزلة الخلافة، غير أنه على حال لا بد من أن يكون أفضل أهل دهره. لأن من التعظيم لمقام رسول الله ﷺ أن لا يقام فيه إلا أشبه
[ ٤ / ٣٠٥ ]
الناس به في كل عصر. ومن الاستهانة به أن يقام فيه من لا يشبهه وليس في طريقته.
وإنما يشبه الإمام الرسول بأن يكون لا أحد آخذ بسيرته منه. فأما أن يقاربه أو يدانيه فهذا ما لا يجوز، ولا يسع تمنيه، والدعاء به.
فصل منه
وإذا كان قول المهاجرين والأنصار والذين جرى بينهم التنافس والمشاحة على ما وصفنا في يوم السقيفة، ثم صنيع أبي بكر وقوله لطلحة في عمر؛ وصنيع عمر في وضع الشورى وتوعدهم له بالقتل إن هم لم يقيموا رجلًا قبل انقضاء المدة، ونجوم الفتنة؛ ثم صنيع عثمان وقوله وصبره حتى قتل دونهما ولم يخلعها؛ وأقوال طلحة والزبير وعائشة وعلي رحمة الله عليهم وعليها، ليست بحجة على ما قلنا فليست في الأرض دلالة ولا حجة قاطعة.
وفي هذا الباب الذي وصفنا، ونزلنا من حالاتهم وبينا، دليل على أنهم كانوا يرون أن إقامة الإمام فريضة واجبة، وأن الشركة عنها منفية، وأن الإمامة تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأولى.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
فصل منه
وأي مذهب هو أشنع، وأي قول هو أفحش، من قول من قال: لا بد للشاهد من أن يكون طاهرًا عدلا مأمونًا، ولا بأس أن يكون القاضي جائرًا، نطفًا فاجرًا، وهذا لا يشبه حكم الحكيم، وصفة الحليم، ونظر المرشد، وترتيب العالم.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
فصل من صدر كتابه في مقالة الزيدية والرافضة
[ ٤ / ٣٠٩ ]
اعلم - يرحمنا الله وإياك - أن شيعة علي ﵁ زيدي ورافضي، وبقيتهم بدد لا نظام لهم، وفي الإخبار عنهما غناء عمن سواهما.
قالت علماء الزيدية: وجدنا الفضل في الفعل دون غيره، ووجدنا الفعل كله في أربعة أقسام: أولها: القدم في الإسلام حين لا رغبة ولا رهبة إلا من الله تعالى وإليه.
ثم الزهد في الدنيا؛ فإن أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في الآخرة، وآمنهم على نفائس الأموال، وعقائل النساء، وإراقة الدماء.
ثم الفقه الذي به يعرف الناس مصالح دنياهم، ومراشد دينهم.
ثم المشي بالسيف كفاحًا في الذب عن الإسلام وتأسيس الدين؛ وقتل عدوه وإحياء وليه؛ فليس فوق بذل المهجة واستغراق القوة غاية يطلبها طالب، أو يرتجيها راغب.
ولم نجد قولًا خامسًا فنذكره.
[ ٤ / ٣١١ ]
فلما رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون الناس كلهم وجب علينا تفضيله عليهم، وتقديمه دونهم.
وذاك أنا سألنا العلماء والفقهاء، وأصحاب الأخبار، وحمال الآثار، عن أول الناس إسلامًا، فقال فريق منهم: علي، وقال قوم: زيد بن حارثة، وقال قوم: خباب. ولم نجد قول كل واحد منهم من هذه الفرق قاطعًا لعذر صاحبه، ولا ناقلًا عن مذهبه، وإن كانت الرواية في تقديم علي أشهر، واللفظ به أكثر.
وكذلك إذا سألناهم عن الذابين عن الإسلام بمهجهم. والماشين إلى الأقران بسيوفهم، وجدناهم مختلفين: فمن قائل يقول: علي ﵁، ومن قائل يقول: الزبير، ومن قائل يقول: ابن عفراء، ومن قائل يقول: محمد بن مسلمة، ومن قائل يقول: طلحة، ومن قائل يقول: البراء بن مالك.
على أن لعلي من قتل الأقران والفرسان ما ليس لهم، فلا أقل من أن يكون علي في طبقتهم.
وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء، رأيناهم يعدون عليًا كان أفقههم، وعمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب.
[ ٤ / ٣١٢ ]
على أن عليًا كان أفقههم؛ لأن كان يسأل ولا يسأل، ويفتي ولا يستفتي، ويحتاج إليه ولا يحتاج إليهم. ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم.
وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف، والمعروفين برفض الدنيا وخلعها، والزهد فيها، قالوا: علي، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر، وعمار، وبلال، وعثمان بن مظعون.
على أن عليًا أزهدهم؛ لأنه شاركهم في خشونة الملبس وخشونة المأكل، والرضا باليسير، والتبلغ بالحقير، وظلف النفس، ومخالفة الشهوات. وفارقهم بأن ملك بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم، فكان ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين. ورقع سراويله بالقد، وقطع ما فضل من ردنه عن أطراف أصابعه بالشفرة. في أمور كثيرة. مع أن زهده أفضل من زهدهم؛ لأنه أعلم منهم. وعبادة العالم ليست كعبادة غيره، كما أن زلته ليست كزلة غيره. فلا أقل من أن نعده في طبقتهم.
ولا نجدهم ذكروا لأبي الدرداء، وأبي ذر، وبلال، مثل الذي ذكروا له في باب الغناء والذب، وبذل النفس. ولم نجدهم ذكروا للزبير، وابن عفراء وأبي دجانة، والبراء بن مالك، مثل الذي ذكروا له
[ ٤ / ٣١٣ ]
من التقدم في الإسلام، والزهد، والفقه. ولم نجدهم ذكروا لأبي بكر وزيد، وخباب، مثل الذي ذكروا له من بذل النفس والغناء، والذب بالسيف، ولا ذكروهم في طبقة الفقهاء والزهاد.
فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه، متفرقة في غيره من أصحاب هذه المراتب وهذه الطبقات، علمنا أنه أفضلهم، وإن كان كل رجل منهم قد أخذ من كل خير بنصيب فإنه لن يبلغ ذلك مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه.
فصل منه
وضرب آخر من الناس همج هامج، ورعاع منتشر، لا نظام لهم، ولا اختبار عندهم، أعراب أجلاف، وأشباه الأعراب. يفترقون حيث يفترقون، ويجتمعون حيث يجتمعون؛ لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا. إن أخصبوا طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد.
ثم هم موكلون ببغض القادة، وأهل الثراء والنعمة، يتمنون النكبة، ويشتمون بالعثرة، ويسرون بالجولة، ويترقبون الدائرة.
وهم كما وصفوا الطغام والسفلة.
[ ٤ / ٣١٤ ]
وقال علي ﵁ في دعائه: " نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا، وإذا افترقوا لم يعرفوا ". فهؤلاء هؤلاء.
وضرب آخر قد فقهوا في الدين، وعرفوا سبب الإمامة، وأقنعهم الحق وانقادوا له بطاعة الربوبية وطاعة المحبة، وعرفوا المحنة وعرفوا المعدن، ولكنهم قليل في كثير، ومختار كل زمان. وإن كثروا فهم أقل عددًا وإن كانوا أكثر فقهًا.
فلما كان الناس عند علي وأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، وأهل السابقة المهاجرين والأنصار، على الطبقات التي نزلنا، والمنازل التي رتبنا، وبالمدينة منافقون يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وفيها بطانة لا يألونهم خبالًا، لا يخفى عليهم موضع الشدة وانتهاز الفرصة، وهم في ذلك على بقية، ووافق ذلك ارتداد من حول المدينة من العرب، وتوعدهم بذلك في شكاة النبي ﷺ، وصح به الخبر.
ثم الذي كان من اجتماع الأنصار حيث انحازوا من المهاجرين وصاروا أحزابًا وقالوا: " منا أمير ومنكم أمير "، فأشفق علي أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس، مخافة أن يتكلم متكلم أو يشغب شاغب ممن وصفنا حاله، وبينا طريقته، فيحدث بينهم فرقة، والقلوب على
[ ٤ / ٣١٥ ]
ما وصفنا، والمنافقون على ما ذكرنا، وأهل الردة على ما أخبرنا، ومذهب الأنصار على ما حكينا.
فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الإظهار والتجافي عن الأمور، وعلم أن فضل ما بينه وبين أبي بكر في صلاحهم لو كانوا أقاموه، لا يعادل التغرير بالدين، ولا يفي بالخطار بالأنفس؛ لأن في الهيج البائقة، وفي فساد الدين فساد العاجلة والآجلة. فاغتفر الخمول ضنًا بالدين، وآثر الآجلة على العاجلة، فدل ذلك على رجاجة حلمه، وقلة حرصه، وسعة صدره، وشدة زهده، وفرط سماحته وأصالة رأيه.
ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل، والأمر الجزيل، نزل من الله تعالى بغاية منازل الدين.
وإنما كانت غايتهم في أمرهم أربح الحالين لهم، وأعون على المقصود إذ علم أن هلكتهم لا تقوم بإزاء صرف ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم.
[ ٤ / ٣١٦ ]
فصل منه
وإنما ذكرت لك مذهب من لا يجعل القرابة والحسب سببًا إلى الإمامة، دون من يجعل القرابة سببًا من أسبابها وعللها، لأني قد حكيته في كتاب الرافضة، وكان ثم أوقع، وبهم أليق؛ وكرهت المعاد من الكلام والتكرار؛ لأن ذلك يغني عن ذكره في هذا الكتاب، وهو مسلك واحد، وسبيل واحد.
وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم، لأنه أحسن شيء رأيته لهم. وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم، لأن فيه دلالة على غيره، وغنىً عما سواه.
وقالوا: وقد يكون الرجل أفضل الناس ويلي عليه من هو دونه في الفضل، حتى يكلفه الله طاعته وتقديمه؛ إما للمصلحة، وإما للإشفاق من الفتنة، كما ذكرنا وفسرنا، وإما للتغليظ في المحنة وتشديد البلوى والكلفة، كما قال تعالى للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ". والملائكة أفضل من آدم، فقد كلفهم الله أغلظ المحن وأشد البلوى، إذ ليس في الخضوع أشد من السجود على الساجد له. والملائكة أفضل من آدم، لأن جبريل وميكائيل وإسرافيل عند الله تعالى من المقربين قبل خلق آدم بدهر طويل، لما قدمت من العبادة، واحتملت من ثقل الطاعة.
[ ٤ / ٣١٧ ]
وكما ملك الله طالوت على بني إسرائيل وفيهم يومئذ داود النبي ﷺ، وهو نبيهم الذي أخبر عنه في القرآن: " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا ".
ثم صنيع النبي ﷺ حين ولى زيد بن حارثة على جعفر الطيار يوم مؤتة، وولى أسامة على كبراء المهاجرين وفيهم أبو بكر وعمر، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، ورجال ذوو أخطار وأقدار، من البدريين والمهاجرين، والسابقين الأولين.
فصل منه
ولو ترك الناس وقوى عقولهم وجماح طبائعهم، وغلبة شهواتهم، وكثرة جهلهم، وشدة نزاعهم إلى ما يرديهم ويطغيهم، حتى يكونوا هم الذين يحتجزون من كل ما أفسدهم بقدر قواهم، وحتى يقفوا على حد الضار والنافع، ويعرفوا فصل ما بين الداء والدواء، والأغذية والسموم، كان قد كلفهم شططا، وأسلمهم إلى عدوهم، وشغلهم عن
[ ٤ / ٣١٨ ]
طاعته التي هي أجدى الأمور عليهم وأنفعها لهم، ومن أجلها عدل التركيب وسوى البنية، وأخرجهم من حد الطفولة والجهل إلى البلوغ والاعتدال والصحة، وتمام الأداة والآلة. ولذلك قال عز ذكره: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ".
ولو أن الناس تركهم الله تعالى والتجربة، وخلاهم وسبر الأمور وامتحان السموم، واختبار الأغذية، وهم على ما ذكرنا من ضعف الحيلة وقلة المعرفة وغلبة الشهوة، وتسلط الطبيعة، مع كثرة الحاجة، والجهل بالعاقبة، لأثرت عليهم السموم، ولأفناهم الخطأ ولأجهز عليهم، الخبط، ولتولدت الأدواء وترادفت الأسقام، حتى تصير منايا قاتلة، وحتوفًا متلفة، إذ لم يكن عندهم إلا أخذها، والجهل بحدودها ومنتهى ما يجوز منها والزيادة فيها، وقلة الاحتراس من توليدها.
فلما كان ذلك كذلك علمنا أن الله تعالى حيث خلق العالم وسكانه لم يخلقهم إلا لصلاحهم، ولا يجوز صلاحهم إلا بتبقيتهم
[ ٤ / ٣١٩ ]
ولولا الأمر والنهي ما كان للتبقية وتعديل الفطرة معنىً.
ولما أن كان لا بد للعباد من أن يكونوا مأمورين منهيين، بين عدو عاص ومطيع ولي، علمنا أن الناس لا يستطيعون مدافعة طبائعهم، ومخالفة أهوائهم، إلا بالزجر الشديد، والتوعد بالعقاب الأليم في الآجل، بعد التنكيل في العاجل، إذ كان لا بد من أن يكونوا منهيين بالتنكيل معجلًا، والجزاء الأكبر مؤجلا، وكان شأنهم إيثار الأدنى وتسويف الأقصى.
وإذا كانت عقول الناس لا تبلغ جميع مصالحهم في دنياهم فهم عن مصالح دينهم أعجز، إذ كان علم الدين مستنبطًا من علم الدنيا.
وإذا كان العلم مباشرة أو سببًا للمباشرة وعلم الدنيا غامض، فلا يتخلص إلى معرفته إلا بالطبيعة الفائقة، والعناية الشديدة، مع تلقين الأئمة. ولأن الناس لو كانوا يبلغون بأنفسهم غاية مصالحهم في دينهم ودنياهم كان إرسال الرسل قليل النفع، يسير الفضل.
وإذا كان الناس مع منفعتهم بالعاجل وحبهم للبقاء، ورغبتهم في النماء، وحاجتهم إلى الكفاية، ومعرفتهم بما فيها من السلامة لا يبلغون لأنفسهم معرفة ذلك وإصلاحه، وعلم ذلك جليل ظاهر سببه
[ ٤ / ٣٢٠ ]
بعضه ببعض، كدرك الحواس وما لاقته، فهم عن التعديل والتجوير وتفصيل التأويل، والكلام في مجيء الأخبار وأصول الأديان، أعجز، وأجدر ألا يبلغوا منه الغاية، ولا يدركوا منه الحاجة؛ لأن علم الدنيا أمران: إما شيء يلي الحواس، وإما شيء يلي علم الحواس، وليس كذلك الدين.
فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه لا بد للناس من إمام يعرفهم جميع مصالحهم.
ووجدنا الأئمة ثلاثة: رسول، ونبي، وإمام.
فالرسول نبي إمام، والنبي نبي إمام، والإمام ليس برسول ولا نبي.
وإنما اختلفت أسماؤهم ومراتبهم لاختلاف النواميس والطبائع، وعلى قدر ارتفاع بعضهم عن درجة بعض، في العزم والتركيب، وتغير الزمان بتغير الفرض وتبدل الشريعة.
فأفضل الناس الرسول، ثم النبي، ثم الإمام.
فالرسول هو الذي يشرع الشريعة ويبتدىء الملة، ويقيم الناس على جمل مراشدهم، إذ كانت طبائعهم لا تحتمل في ابتداء الأمر
[ ٤ / ٣٢١ ]
أكثر من الجمل. ولولا أن في طاقة الناس قبول التلقين وفهم الإرشاد، لكانوا هملًا، ولتركوا نشرًا جشرًا، ولسقط عنهم الأمر والنهي. ولكنهم قد يفضلون بين الأمور إذا أوردت عليهم، وكفوا مئونة التجربة، وعلاج الاستنباط. ولن يبلغوا بذلك القدر قدر المستغني بنفسه، المستبد برأيه، المكتفي بفطنته عن إرشاد الرسل، وتلقين الأئمة.
وإنما جاز أن يكون الرسول مرة عربيًا ومرة عجميًا، وليس له بيت يخطره ولا شرف يشهر موضعه؛ لأنه حين كان مبتدىء الملة ومخرج الشريعة، كان ذلك أشهر من شرف الحسب المذكور، وأنبه من البيت المقدم. ولأنه يحتاج من الأعلام والآيات والأعاجيب، إلى القاهر المعقول والواضح الذي لا يخيل أن يشتهر مثله في الآفاق، ويستفيض في الأطراف حتى يصدع عقل الغبي، ويفتق طبع العاقل، وينقض عزم المعاند، وينتبه من أطال الرقدة وتخضع الرقاب وتضرع الخدود حتى يتواضع له كل شرف، ويبخع
[ ٤ / ٣٢٢ ]
له كل أنف، فلا يحتاج حاله معه إلى حال، ولا مع قدره إلى حسب.
وعلى قدر جهل الأمة وغباء عقولها، وسوء رعتها، وخبث عادتها، وغلظ محنتها، وشدة حيرتها، تكون الآيات، كفلق البحر، والمشي على الماء، وإحياء الموتى، وقصر الشمس عن مجراها. لأن النبي الذي ليس برسول ولا مبتدىء ملة، ولا منشىء شريعة، إنما هو للتأكيد والبشارة، كبشارة النبي بالرسول الكائن على غابر الأيام، وطول الدهر.
وتوكيد المبشر يحتاج من الأعلام إلى دون ما يحتاج إليه المبتدىء لأصل الملة، والمظهر لفرض الشريعة، الناقل للناس عن الضلال القديم، والعادة السيئة، والجهل الراسخ. فلذلك التقى بشهرة أعلامه، وشرف آياته، وذكر شرائعه، من شهرة بيته وشرف حسبه، لأنه لا ذكر إلا وهو خامل عند ذكره، ولا شرف إلا وهو وضيع عند شرفه.
* * *
[ ٤ / ٣٢٣ ]