الوفاء اسم للثَّبات على الشَّرائط فكلُّ من عقد على نفسه أو عقد عليه غيره ممَّن يلزمه عقده شيئًا فثبت عليه ولم يزل عنه سمِّي موفيًا وكلُّ من شرط على نفسه شرطًا وزال عنه للزَّوال سمِّي غادرًا وليس يسمَّى موفيًا من فعل فعلًا جميلًا لم يشرط على نفسه فعله ولا شرطه عليه من يلزمه شرطه ولا يسمّى غادرًا من فعل فعلًا قبيحًا لم يجب عليه تركه ولا شرط عليه من يحبُّ شرطه فالمحبوب يكون موفيًا لمحبِّه ويكون غادرًا بعهده والمحبّ لا يكون موفيًا ولا غادرًا لأنَّ محبَّته قائدةٌ له إلى محابّ إلفه فيما يصلح الانقياد إلى مثله فهو يأتي طاعته بطبعه لا وفاءً بشرط لزمه وكلّ من لم يصلح أن يسمَّى موفيًا لم يصلح أن يسمَّى غادرًا وإنَّما يصلح أن يكون المحبوب موفيًا وغادرًا لأنه يأتي ما يأتيه مختارًا ويشرط لإلفه الشَّرائط على نفسه فيفعل ما ضمن أو يتركه فيكون موفيًا أو غادرًا بفعله أو تركه وهذا الَّذي ذكرناه من أنَّ المحبّ لا يكون موفيًا ولا غادرًا إنَّما هو ما دامت محبَّته قائمة فأمَّا إذا زالت المحبَّة بسلوٍّ عارض أو بوفاة المحبوب فالمحبّ حينئذ يكون موفيًا غادرًا.
قالت امرأة من عامر بن صبعة:
وإنِّي لأستحييهِ والتُّربُ بينَنا كما كنتُ أستحييهِ حينَ يرانِي
أهابُكَ إجلالًا وإنْ كنتَ في الثَّرَى لوجهكَ يومًا إنْ يسؤْكَ مكانِي
ويروى عن هذه المرأة أنَّها زارت قبر زوجها وعليها حليٌّ وثيابٌ مصبَّغة فالتزمت القبر ثمَّ أنشأت تقول:
يا صاحبَ القبرِ يا مَنْ كانَ ينعمُ بي عيشًا ويكثرُ في الدُّنيا مؤاتاتِي
نسيتَ ما كنتَ مِنْ قربِي تحبُّ وما قدْ كانَ يُلهيكَ مِنْ ترجيعِ أصواتِي
أزورُ قبركَ في حلْيٍ وفي حُللٍ كأنَّني لستُ مِنْ أهلِ المصيباتِ
فمنْ رآنِي مِنْ حزنِي مفجَّعةً طويلةَ الحزنِ في زوَّارِ أمواتِ
فبينما هي ملتزمة القبر إذ شهقت شهقةً فماتت وليس موت هذه المرأة بعد وفاة زوجها بمدَّة نقضًا لما قدَّمنا ذكره في الباب الَّذي ذكرنا فيه أنَّ من يئس ممَّن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه لما قدَّمنا في ذلك من البرهان وأرينا فيه من الأمثال ونحن نقول الآن من فجأه الحزن دفعة واحدة من غير مقدّمة حتَّى يمضي عليه مدَّة خوف جوًى ولا حذارٍ طبيعي لم يستنكر منه أن يزول تمييزه فلا يفهم ما نزل به حتَّى تمضي عليه مدة متطاولة فربَّما انحلَّت سكرته إلى إفاقة سلوٍّ مريح وربَّما انحلَّت بوقوع تلف صحيح وعلى أنَّ الضَّنين المشفق العالم بنوب الزَّمان والمستعدّ لخطوب الأيَّام قد يلحقه بمفاجأة المكروه ما يزيل تمييزه ويبطل تدبيره وينسيه ما كان ذاكرًا له ولمعترفاته وهذا عمر بن الخطاب ﵁ ناله من وفاة النبي ﷺ ما لا خفاء به على الخاصَّة ولا على كثير من العامَّة من انتضائه سيفه وقوله إنَّ رسول الله لا يموت وليقومنَّ فليقطّعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم حتَّى قال له أبو بكر الصديق ﵁ إن الله جلَّ وعزَّ يقول) إنَّك ميتٌ وإنَّهم ميّتون (قال عمر ﵁ فكأنِّي لم أسمعه إلاَّ يومئذ ويروى عن إبان تغلب أنه قال بينا أنا في بعض الفلوات في طلب ذود ضالَّة إذ بصرت بجارية أعشَى إشراق وجهها بصري فقالت لي مالي أراك مدلَّهًا قلت في طلب ذودٍ لي ضالَّة قالت هل أدلّك على من يعلم علمهنَّ فإن شاء ردَّهنَّ عليك فقلت نعم بأبي أنتِ مسرعًا قالت إنَّ الَّذي أعطاكهنَّ هو الَّذي أخذهنَّ فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الاختيار فلمَّا رأيت حسن منظرها وحلاوة منطقها قلت هل لك من زوجٍ؟ قالت كان فدُعيَ فعاد إلى ما منه خُلق فأجاب فقلت فهل لك من زوجٍ لا تُخشى بوائقه ولا تذمُّ خلائقه؟ فأطرقت مليًّا وعيناها تهملان بالدُّموع ثمَّ أنشأت تقول:
كنَّا كغُصنينِ في أرضٍ غِذاؤهُما ماءُ الجداولِ في روضاتِ جنَّاتِ
وكانَ عاهدَني إنْ خانَني زمنٌ ألاَّ يضاجعَ أُنثَى بعدَ مثواتِي
[ ١٤١ ]
وكنتُ عاهدتهُ أيضًا فعاجلَهُ ريبُ المنونِ قريبًا مُذْ سُنيَّاتِ
فاردعْ عنانكَ عمَّنْ ليسَ يخلبُها عنِ الوفاءِ خلاَبٌ بالتَّحيَّاتِ
ويروى عن الأصمعي أنه قال دخلت فإذا أنا بامرأة تنوح على قبر وهي مسفرة فلمَّا رأتني غطَّت وجهها ثمَّ كشفته فقالت:
لا صنتُ وجهًا كنتَ صائنهُ يومًا ووجهكَ في الثَّرى يبلَى
يا عِصمتي في النَّائباتِ ويا رُكني القويَّ ويا يدي اليُمنَى
وقال آخر:
وقائلةٍ لمَّا رأتْني مدلَّهًا أُناديكَ تاراتٍ وأبكيكَ تاراتِ
لقدْ كنتَ جلدًا للرَّزيَّاتِ قبلَها فقلتُ لها ليستْ كإحدَى الرَّزيَّاتِ
أصابَ بكَ الدَّهرُ الرَّزيَّةَ واشتفَى بيومكَ مِنْ أيَّامِ لهوِي ولذَّاتي
وقالت ليلَى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
وأقسمتُ أبكِي بعدَ توبةَ هالكًا وأحفلُ مَنْ دارتْ عليهِ الدَّوائرُ
لعمركَ ما بالموتِ عارٌ علَى الفتَى إذا لمْ تصبْهُ في الحياةِ المعايرُ
ولا الحيُّ ممَّا يحدثُ الدَّهرُ معتبٌ ولا الميتُ إنْ لمْ يصبرِ الحيُّ ناشرُ
وما أحدٌ حيًّا وإنْ كانَ ناجيًا بأخلدَ ممَّنْ غيَّبتهُ المقابرُ
وكلُّ شبابٍ أوْ جديدٍ إلى بلًى وكلُّ امرئٍ يومًا إلى اللهِ صائرُ
وذكروا أنَّها دخلت على الحجاج بن يوسف يومًا فقال لها بلغني أنَّكِ مررتِ على قبر توبة فعدلت عنه فوالله ما وفيتِ له ولو كان مكانك ما عدل عن قبركِ فقلت أصلح الله الأمير إنَّ لي عذرًا قال وما هو قالت إنِّي سمعته يقول:
ولو أنَّ ليلَى الأخيليَّةَ سلَّمتْ عليَّ وفوقي تربةٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أوْ زَقَا إليها صدًى مِنْ جانبِ القبرِ صائحُ
وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أمرَّ بهنَّ على قبره فلا يكون ما قال فأكون قد كذَّبته فاستحسن الحجَّاج ذلك منها وأمر بقضاء حوائجها.
وقال آخر:
دعوتكَ يا عليُّ فلمْ تجبْني فرُدَّتْ دعوَتي يأسًا عليَّا
بموتكَ بانتِ اللَّذَّاتُ عنِّي وكانتْ حيَّةً إذ كنتَ حيَّا
فيا أسفِي عليكَ وطولَ شوقِي إليكَ لَوَ انَّ ذاكَ يردُّ شيَّا
وقال البحتري
سقَى اللهُ الجزيرةَ لا لشيءٍ سوَى أنْ يرتَوي ذاكَ القُليبُ
نصيبِي كانَ مِنْ دُنيايَ ولَّى فلا الدُّنيا تحسُّ ولا النَّصيبُ
تولَّى العيشُ إذ ولَّى التَّصابي وماتَ الحبُّ إذ ماتَ الحبيبُ
وقال أيضًا
بنا أنتِ مِنْ مجفوَّةٍ لمْ تعتَّبِ ومعذورةٍ في هجرها لمْ تؤنَّبِ
ونازحةٍ والدَّارُ منها قريبةٌ وما قربُ ثاوٍ في التُّرابِ مغيَّبُ
وقال جرير:
لولا الحياءُ لعادَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
كانتْ إذا هجرَ الضَّجيعُ فراشَها صِينَ الحديثُ وعفَّتِ الأسرارُ
لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يكرُّ عليهمِ ونهارُ
وقال أبو نواس:
طوَى الموتُ ما بينِي وبينَ محمَّدٍ وليسَ لِما تطوِي المنيَّة ناشرُ
لئنْ عمرتْ دورٌ بمنْ لا أُحبُّهُ لقدْ عمرتْ ممَّنْ حبُّ المقابرُ
وكنتُ عليهِ أحذرُ الموتَ وحدهُ فلمْ يبقَ لي شيءٌ عليهِ أُحاذرُ
وقال آخر:
كُتبَ السَّواد لناظري تبكي عليكَ وناظرُ
مَنْ شاءَ بعدكَ فليمُتْ فعليكَ كنتُ أُحاذرُ
وقال أشجع:
لئنْ أنا لمْ أُدركْ منَ الموتِ ثَارِيا ولمْ أشفِ قرحًا داميًا مِنْ فؤادِيا
لتختَرِ مَنِّي الحادثاتُ وحسرَتي بأحمدَ في سوداءِ قلبي كما هِيا
لقدْ أفسدَ الدُّنيا عليَّ فراقهُ وكدَّرَ منها كلَّ ما كانَ صافِيا
وأذكرُ ألاَّ نلتَقي فكأنَّما أُعالجُ أنفاسَ المنايا القواضِيا
ويمنعُني مِنْ لذَّةِ العيشِ أنَّني أراكَ إذا فارقتُ لهوًا ترانِيا
وأنشدني أحمد بن طاهر قال: أنشدنا أبو تمام لنفسه:
هوَ الدَّهرُ لا يشوِي وهنَّ المصائبُ وأكثرُ آمالِ النُّفوسِ كواذبُ
[ ١٤٢ ]
وقلتُ أخِي قالُوا أخٌ مِنْ قرابةٍ فقلتُ نعمْ إنَّ الشُّكولَ أقاربُ
نَسيبيَ في رأيٍ وعزمٍ ومذهبٍ وإنْ باعدتْنا في الأُصولِ المناسبُ
كأنْ لمْ يقلْ يومًا كأنَّ فتنثنِي إلى قولهِ الأسماعُ وهيَ رواغبُ
ولمْ أتجهَّمْ ريبَ دهرِي برأيهِ فلمْ يجتمعْ لي رأيهُ والنَّوائبُ
عجبتُ لصبرِي بعدهُ وهوَ ميِّتٌ وكنتُ امرءًا أبكِي دمًا وهوَ غائبُ
علَى أنَّها الأيَّامُ قدْ صرنَ كلُّها عجائبَ حتَّى ليسَ فيها عجائبُ
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي للحسين بن وهب:
سقَى بالمُوصلِ القبرَ الغريبا سحائبُ ينتحبْنَ لنا نَحيبا
فإنَّ ترابَ ذاكَ القبرِ يحوِي حبيبًا كانَ لي يُدعَى حَبيبا
فقدْنا منكَ عِلقًا كانَ يُدني إلينا البرَّ والنَّسبَ القَريبا
فلمَّا بنتَ نكَّرتِ اللَّيالي قريبَ النَّاسِ والأقصَى الغَريبا
وأبدَى الدَّهرُ قبحَ صحيفتيهِ ووجهًا كالحًا جَهمًا قطُوبا
فأحرِ بأنْ يطيبَ الموتُ فيهِ وأحرِ بعيشهِ ألاَّ يَطيبا
وقال علي بن محمد العلوي:
مَنْ لي بمثلكَ يا روحَ الحياةِ ويا يُمنى يديَّ وقدْ شُلَّتْ منَ العضُدِ
مَنْ لي بمثلكَ أرعاهُ لحادثةٍ تُشكَى إليهِ ولا تُشكى إلى أحدِ
قدْ ذقتُ أنواعَ ثُكلٍ أنتَ أبلغُها منَ القلوبِ وأخناها علَى الجلَدِ
فاليومَ لمْ يبقَ شيءٌ أستريحُ لهُ إلاَّ تفتُّتُ أحشائِي منَ الكمَدِ
قلْ للرَّدَى لا يُغادرْ بعدهُ أحدًا وللمنيَّةِ مَنْ أحببتِ فاعتمدِي
إنَّ السُّرورَ تقضَّى يومَ فارقَني وآذنَ العيشُ بالتَّكديرِ والنَّكدِ
وقال محمد بن مناذر يرثي صاحبه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي:
كلُّ حيٍّ لاقِي الحِمامَ فمُودِي ما لحيٍّ مؤمَّلٍ مِن خُلودِ
لا تهابُ المنونُ خلقًا ولا تُب قِي علَى والدٍ ولا مولودِ
فَلَوَ انَّ الأيَّامَ يُخلدنَ شيئًا لعُلاهُ أخلدنَ عبدَ المجيدِ
ويحَ أيدٍ حثتْ عليهِ وأيدٍ غيَّبتهُ ما غيَّبتْ في الصَّعيدِ
إنَّ عبدَ المجيدِ يومَ تولَّى هدَّ ركنًا ما كانَ بالمهدودِ
هدَّ رُكني عبدُ المجيدِ وقدْ كنْ تُ بركنٍ أنوءُ منهُ شديدِ
حينَ تمَّتْ آدابهُ وتردَّى برداءٍ منَ الشَّبابِ جديدِ
وسمتْ نحوهُ العيونُ وما كا نَ عليهِ لزائدٍ مِنْ مَزيدِ
فإذا ما ذكرتهُ عرضتْ لي غُصَّةٌ في اللهَى وحبلِ الوريدِ
وكأنِّي أدعوهُ وهو قريبٌ حينَ أدعوهُ مِنْ مكانٍ بعيدِ
فلئنْ صارَ لا يجيبُ لقدْ كا نَ سَميعًا هشًّا إذا هوَ نُودي
كانَ لي عصمةً فأودَى بهِ الدَّه رُ فيا حسرةَ الفريدِ الوحيدِ
يا فتًى كانَ للمقاماتِ زَينًا لا أراهُ في المشهدِ المشهودِ
لهفَ نفسِي ألاَّ أراكَ وهلْ عنْ دكَ لي إنْ دعوتُ مِنْ مردودِ
خُنتكَ الودَّ لمْ أمتْ كمَدًا بعْ دكَ إنِّي عليكَ حقُّ جليدِ
لوْ فدَى الحيُّ ميّتًا لفدتْ نفْ سكَ نفسِي بطارِفِي وتَليدي
ولئنْ كنتُ لمْ أمتْ مِنْ جوَى الحزْ نِ عليهِ لأبلغنْ مجهُودي
لأُقيمنَّ مأتمًا كنجومِ اللَّيْ لِ غُرًّا يلطمنَ حرَّ الخدودِ
موجعاتٍ يبكينَ للكبدِ الح رَّى عليهِ وللفؤادِ العميدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أمثلُ الَّذي ألقَى يُقاومهُ صبرُ فأصبرَ أمْ مثلي يُنهنهُهُ الزَّجرُ
لئنْ كنتُ غرًّا بالَّذي قدْ لقيتهُ لفي فقدِ تمييزِي يحقُّ ليَ الأجرُ
تقضَّتْ صباباتِي إليهِ وقصَّرتْ ظنوني بهِ بلْ ليسَ ظنٌّ ولا ذكرُ
وكفَّ رجائِي فاطمأنَّتْ مَخافتي فلمْ يبقَ لي إلاَّ التَّأسُّفُ والفكرُ
فما لي رجاءٌ غيرَ قربِ منِّيَّتِي ولا خوفَ إلاَّ أنْ يطولَ بيَ العمرُ
ولوْ لمْ يحُل أسرُ المنيَّةِ بينهُ وبينيَ لم أحفلْ بما صنعَ الدَّهرُ
[ ١٤٣ ]
فليتَ المنايا وحدَها سمحتْ بهِ ونازَعَنيهِ البينُ والهجرُ والغدرُ
وبلغني أنَّ جميلًا لمَّا حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، فأنشده:
ذكرَ النَّعيُّ وما كَنَا بجميلِ وثوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفولِ
غدرَ الزَّمانُ بفارسٍ ذِي بَهمةٍ ثبتٍ إذا جعلَ اللّواءُ يزولُ
فلمَّا قضى حياته أتى الرَّجل الماء الَّذي وُصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت بُثينة ناشرةً شعرها شاقَّةً جيبها لاطمةً وجهها وهي تقول: يا أيُّها النَّاعي بفيكَ الحجرُ أمَا واللهِ لئنْ كذَبْتني لقد فضحتني ولئن كنتَ صدقتَني لقد قتلتني ثمَّ أنشأت تقول:
وإنَّ سلوِّي عنْ جميلٍ لساعةٌ منَ الدَّهرِ ما جاءتْ ولا حانَ حينُها
سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها
ويقال أنَّها لم تقل شعرًا غيره وذكروا أنَّ عروة بن حزام لمَّا انصرف من عند عفراء ابنة عقال فتوفِّي وجدًا بها وصبابةً إليها مرَّ به ركبٌ فعرفوه فلمَّا انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:
ألا أيُّها القصرُ المغفَّلُ أهلهُ نعَيْنا إليكمْ عُروةَ بنَ حزامِ
ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت:
ألا أيُّها الرَّكبُ المُخِبُّونَ ويحَكُم بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بنَ حزامِ
فأجابها رجل من القوم:
نعمْ قدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ مُقيمًا بها في سبسبٍ وأكامِ
فقالت لهم:
فإنْ كانَ حقًّا ما تقولونَ فاعلمُوا بأنْ قدْ نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ
فلا لقيَ الفتيانُ بعدكَ لذَّةً ولا رَجعوا مِنْ غيبةٍ بسلامِ
ولا وضعتْ أُنثَى تمامًا بمثلهِ ولا فرحتْ مِنْ بعدهِ بغُلامِ
ولا لا بلغتمْ حيثُ وجِّهتمُ لهُ ونُغِّصتمُ لذَّاتِ طلِّ طعامِ
ثمَّ سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلمَّا قاربته قالت: أنزلوني فإنِّي أُريد قضاء حاجةٍ فأنزلوها فانسلَّت إلى القبر فانكبَّت عليه فما راعهم إلاَّ صوتها فلمَّا سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة علَى القبر قد خرجت نفسُها فدفنوها إلى جنبه.
تمَّ القول ولله الحمد والمنَّة والصَّلاة علَى رسول الله.
[ ١٤٤ ]
قد وفَّينا بحمد الله من التَّشبيب بكل ما ضمنَّاه على حسن الترتيب الَّذي قدَّمناه فأفردنا له خمسين بابًا ووفَّينا كلّ باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلاَّ ما يواطئ ترجمته مفردًا من كل ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبتِّرًا ولبقي عامَّة الكلام مستوحشًا لأنَّ البيت يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسنًا أن يُذكر البيت لمعنًى فيه يشاكل الباب وتُفرد سائر معانيه المتعلّقة بالبيت الَّذي يليه ممَّا ينتظم معها وينبّه على صحَّتها وحسنها على أنَّه لو لزمنا أن لا نضمّن الباب إلاَّ ما يطابق لفظه مفردًا ممَّا يقتضيه ويتَّصل به ألزمنا تفصيل المصراع من المصراع الَّذي لا يشاكله حتَّى لا يكون في البيت كلمةٌ تقتضي معنًى ليس الباب موجبًا له لأنَّ في أشعار بلغاء العرب الَّذي يتضمَّن أوَّله معنًى ويتضمَّن آخره غيره إذ البلاغة الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربَّما تضمَّن المصراع المتأخِّر ضدَّ ما يتضمنَّه المصراع المتقدّم ولو فعلنا ذلك لخرج كتابنا عن حدّ العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حدّ الجهالات المطربة والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطّع نظامها وبتر كلامها عن باب الأشعار فإذا كان الاختيار والاضطرار معًا يمنعان من أن لا ندخل في باب إلاَّ ما توجبه ترجمته المتقدّمة له إذًا فلا بدَّ من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع الاحتجاج يطابقه وإن كان ممَّا لو أُفرد في نفسه لكان البيت غنيًّا عن ذكره والَّذي منعني أن أجعل أبيات كلّ باب مائة كاملة في خاصّية معناه سوى ما يتَّصل به ممَّا يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أنِّي لو فعلت ذلك لم أضبطه إلاَّ بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كلّ واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدَّمنا ذكره من تهجين الكتاب وتقبيح الأبواب والآخر أنَّ الأبواب حينئذٍ كانت تكون بغير عددٍ محصورٍ ولا حدّ مقصور وإنَّما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشَّرط فيه أعدت فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد مرَّت في أبواب الغزل تكون قصاصًا من الخمسة الأبيات الَّتي في الرسالة المقدَّمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج العدد عن حدّ ما قصدناه أعدنا أبياتًا قصاصًا عن الأبيات ليست محسوبة في باب وإنَّما هي متمثَّل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن تكون الاحتجاجات والأبيات المتعلّقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد لاستحالت التَّسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب.
[ ١٤٥ ]
ونحن الآن إن شاء الله وقد أتينا على الخمسين الماضية من الأبواب مبتدئون في الخمسين الباقية من الكتاب فأوَّل ما نشرع فيه من ذلك ما قيل في تعظيم أمر الله ﷿ والتَّنبيه على قدرته والدلالة على آلائه والتَّحذير من سطوته ثمَّ تعقب ذلك ما قيل في رسوله ﷺ ثمَّ نتبع ذلك ما قيل في المختارين من أهل بيته رحمة الله عليهم وصلواته ثمَّ ننسِّق إلى آخرها على أحقّ التَّرتيب بها حسب ما تبلغه أفهامنا ويومي إليه اختيارنا وإنَّما قدَّمت أبواب الغزل منها دِينًا ودنيا وممَّا هو أدعى إلى مصالح النَّفس وأدخل في باب التَّقوى لأن مذهب الشُّعراء أن تجعل التَّشبيب في صدر كلامها مقدّمة لما تحاوله في خطابها حتَّى أنَّ الشِّعر الَّذي لا تشبيب له ليلقَّب بالحصا وتسمَّى القصيدة منه البتراء وإنَّ قائلها ليخرج عند أهل العلم بالأشعار عند عمل يدخل فيه الموصوفون بالاقتدار والمنسوبون إلى حسن الاختيار فأحببت أن لا أخرج في تأليف الشِّعر عن مذهب الشُّعراء دليلًا عمَّا ضمنت من رعاية حقوق المشاكلة ولم يصلح إذا انقضى ذكر التَّشبيب بالغزل أن أُقدم على أمر الله ﷿ أمرًا ولا أرسم بين يديَّ الأشعار الدَّالَّة على عظمته شِعرًا ولم أجد أحدًا من الشُّعراء اتَّسع في هذا النَّحو اتّساع أُميَّة بن أبي الصَّلت على أنَّه لم يسلم فيعظم الإسلام في قلبه ما لا تعظمه إقامته على كفره وأشعار أهل الجاهليَّة في هذا المعنى وما كان شكله أولى أن يقدَّم من أشعار الإسلاميين لا لسبقهم في الزَّمان ولا لتقدُّمهم في الأسنان ولكن لأنَّ إقرار الخصم بدعوى خصمه أقطع للجدل من ادِّعاء المرء حقًّا لنفسه وإن أقام البيّنة بصحّة قوله ونحن نقدِّم إن شاء الله ولا قوَّة إلاَّ بالله ما نختاره من شعر أُميَّة وأصحابه والدَّاخلين معه في بابه وإن لم يبلغوه فقد رموا غرضه فقاربوه.
يتلوه الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أُميَّة ونظراؤه في تعظيم أمر الله جلَّ ثناؤه والحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة على رسوله محمَّدٍ وآله أجمعين.
بلغ هذا الكتاب المبارك تصحيحًا ومقابلةً مع نسخة أصله على حسب الجهد والطَّاقة فصحَّ ووافق في ذي قعدة سنة ثمان عشرة وسبع مائة من الهجرة النَّبويَّة.
كُتب مقابلةً مع المملوك محمد بن أبي المقاتل أحمد بن فهد بن أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم الحمى أيَّده الله تعالى.