سبيل كلّ مشغوف بشيء ما كان أن يحذر عليه ما دام في قبضته ويرجو رجوعه إذا خرج عن يده فالمحبُّ ما دام مقيمًا مع محبوبه فخواطره موقوفةٌ على الحذر عليه من الزوال وفكره مرتهنةٌ بالخوف من تغيّر الحال فإذا فارق محبوبه وافتقد مطلوبه اشتغلت خواطره بتأميل أوبته كاشتغالها بمحاذرة فرقته إذ هو غير خال من الأحوال فتراه حينئذ يتيامن بالسَّوانح حسب تشاؤمه بالبوارح وقد قالت الشعراء في كلّ ذلك ونحن إن شاء الله نذكر من أقاويلهم حسب ما يحتمله الباب إذ كنَّا غير متجاوزين لما شرطناه في صدر الكتاب.
قال عبد الله بن قيس الرقيات:
بشَّرَ الظَّبيُ والغرابُ بسُعدى مرحبًا بالذي يقولُ الغرابُ
قالَ لي إنَّ خيرَ سُعدى قريبٌ قدْ أنى أنْ يكونَ منهُ اقترابُ
قلتُ أنَّى تكونُ سعدى قريبًا وعليها الحصونُ والأبوابُ
حبَّذا الرِّيمُ والوشاحانِ والقصْ رُ الَّذي لا تنالهُ الأسبابُ
فعسى أنْ يُؤتِّىَ الله أمرًا ليسَ في غيِّهِ علينا ارتقابُ
وقال آخر:
نعبَ الغرابُ برؤيةِ الأحبابِ فلذاكَ صرتُ أليفَ كلِّ غرابِ
لا شُكَّ ريشكَ إذْ نعبْتَ بقربهمْ وسقيتَ مُزنَ صبيبِ كلِّ سحابِ
وسكنتَ بينَ حدائقٍ في جنَّةٍ محفوفةٍ بالنَّخلِ والأعنابِ
وقال الراعي:
جرى يومُ رُحنا عامدينَ لأهلِها عُقابٌ فقالَ القومُ مرَّ سنيحُ
وكرَّ رجالٌ منهمُ وتراجعوا فقلتُ لهمْ طيرٌ إليَّ بريحُ
عقابٌ بأعقابٍ من الدَّارِ بعدما مضتْ نيَّةٌ تُقصي المحبَّ طروحُ
وقالوا نراهُ هُدهدًا فوقَ بانةٍ هدًى وبيانٌ والطَّريقُ تلوحُ
وقالوا دمَ دامتْ مودَّةٌ بيننا ودامَ لنا صفوٌ صفاهُ صريحُ
وقال جران العود:
جرى يومَ جئنا بالجِمالِ نزفُّها عقابٌ وشحَّاجٌ من البينِ يبرحُ
فأمَّا العقابُ فهو منها عقوبةٌ وأمَّا الغرابُ فالغريبُ المطرَّحُ
[ ٩٥ ]
أفلا ترى إلى تقارب ما بين هذين التَّأويلين الرَّاعي لأنه كان مفارقًا لأحبابه وجرى العقاب بالأعقاب من الدَّار ورجوع الحال إلى ما يهوى لضعف المخاوف من المفارق وقوَّة الآمال وهذا لأنه كان مقيمًا مع أحبَّته وجرى العقاب بالعقوبة من صاحبته فهذا كلُّه شاهدٌ لما قد ذكرناه.
وقال جحدر الفقعسي:
تغنَّى الطَّائرانِ ببينِ سُعدى علَى غُصْنينِ من غربٍ وبانِ
فقلتُ لصاحبيَّ وكنتُ أحرى بزجرِ الطَّيرِ ماذا تُخبرانِ
فقالا الدَّارُ جامعةٌ بسُعدى فقلتُ بَلَ انْتُما مُتمنِّيانِ
وكانَ البانُ أنْ بانتْ سُليمى وفي الغربِ اغترابٌ غيرُ داني
إذا جاوزتُما سُعفاتِ حجْرٍ وأكنافَ اليمامةِ فانعياني
وقال آخر:
رأيتُ غُرابًا واقعًا فوقَ بانةٍ يُشرشرُ أعلى ريشهِ ويُطائرُهْ
فقلتُ لوَ انِّي لو أشارَ زجرتهُ بنفسيَ للنَّهديِّ هلْ أنتَ زاجرُهْ
فقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوى وفي البانِ بينٌ من حبيبٍ تُجاورُهْ
فما أعْيفَ النَّهديَّ لا درَّ درُّهُ وأزجرَهُ للطَّيرِ لا عزَّ ناصرهْ
وقال عروة بن حزام:
ألا يا غُرابيْ دمنةِ الدَّارِ بيِّنا أبالصَّرمِ من عفراءَ تنتحبانِ
فإنْ كانَ حقًّا ما تقولانِ فانهضا بلحمي إلى وكْرَيكما فكُلاني
ولا يدرينَّ النَّاسُ ما كانَ ميتتي ولا يأكُلنَّ الطَّيرُ ما تذرانِ
فعفراءُ أصفى النَّاسِ عندي مودَّةً وعفراءُ عنِّي المُعرضُ المُتواني
وقال قيس بن ذريح:
ألا يا غرابَ البينِ قد طرتَ بالذي أُحاذرُ من لُبنى فهل أنتَ واقعُ
أتبكي علَى لُبنى وأنتَ تركتَها فقد ذهبتْ لُبنى فما أنتَ صانع
وطارَ غرابُ البينِ وانشقَّتِ العصا بلُبنى كما شقَّ الأديمَ الصَّوانعُ
وقال آخر:
ألا يا غرابَيْ دارِ أسماءَ بشِّرا بخيرٍ وطيرا بعدنا اليومَ أوقَعا
فقدْ كنتُما واللهِ حينَ نعبْتُما كداعٍ دعا بالبينِ عُدوى فأسمعا
ولا وجْدَ إلاَّ دونَ وجدٍ وجدْتُهُ غدا إذْ وجدنا عرصةَ الدَّارِ بلقعا
وقال آخر:
جرى نازحٌ من آلِ زينبَ عُدوةً أمامَ المطايا أعورُ العينِ أعصبُ
وأسحمُ شحَّاجٌ علَى غصنِ بانةٍ مُقدَّدُ أطرافِ الجناحيْنِ بنعبُ
فلا طارَ إلاَّ في النواهضِ بعدها غُرابٌ وباتَ الطَّيرُ في الحبلِ يضربُ
وقال الضحاك الخفاجي:
ألا يزجرُ الأُلاَّفُ والنَّاشطُ الفردا بلى باللِّوى بُعدًا لهُ إذْ جرى بُعدا
جرى بانحلال الشَّوقِ في داخلِ الحشا ومُستعجمٍ لا يستطيعُ لهُ ردَّا
وقال ثوابة بن زيات الأسدي:
ألا يا غُرابَيْ بينِ ظمياءَ طالما تعرَّضتُما لي تنزعانِ شجاكُما
فيا لكما من طائرَيْنِ شجيتُما بشحطِ النَّوى حتَّى يطولَ جواكُما
وقال عدي بن زيد:
دعا صُرَدٌ يومًا علَى عودِ شوْحطٍ وصاحَ بذاتِ البينِ منها غُرابُها
فقلتُ أتصْريدًا وشحطًا وغرْبةً وبينًا فهذا بينُها واغترابُها
وقال قيس بن ذريح:
ألا يا غُرابَ البينِ لونكَ شاحبٌ وأنتَ بلوْعاتِ الفراقِ جديرُ
فإنْ كانَ حقًّا ما تقولُ فأصبحتْ همومُكَ شتَّى بثُّهنَّ كثيرُ
ودرتَ بأعْداءٍ حبيبُكَ فيهمِ كما قد تراني بالعدوِّ أدورُ
وقال جميل بن معمر:
ألا يا غرابَ البينِ فيمَ تصيحُ فصوتُكَ مشْنيٌّ إليِّ قبيحُ
وكلُّ غداةٍ لا أبا لكَ تنتحي إليَّ فتلقاني وأنتَ مُشيحُ
تحدِّثني أنْ لستُ لاقيَ نعمةٍ بعُدتَ ولا أمسى لديكَ نصيحُ
فإنْ لم تهجني ذاتَ يومٍ فإنَّهُ سيكفيكَ ورقاءُ السَّراةِ صدوحُ
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
أبالصَّرمِ من أسماءَ خبَّركَ الَّذي جرى بيننا يومَ استقلَّتْ ركابُها
زجرتُ لها طيرَ الشِّمالِ فإنْ تصبْ هواكَ الَّذي تهوى يصبكَ اجتنابُها
عصاني إليها القلبُ أنِّي لأمرهِ سميعٌ فما أدري أرُشدٌ طلابُها
[ ٩٦ ]
فقلتُ لقلبي يا لكَ الخيرُ إنَّما يُدلِّيكَ للموتِ الصَّريحِ اجتنابُها
وقال جرير:
بانَ الخليطُ برامتيْنِ فودَّعوا أوَ كلَّما رفعوا لبينٍ تجزعُ
أنَّ الشَّواحجَ بالضُّحى هيَّجنني في دارِ زينبَ والحمامُ الوُقَّعُ
نعبَ الغرابُ فقلتُ بينٌ عاجلٌ وجرى بهِ الصُّرَدُ الغداةَ الألمعُ
وقال آخر:
ألا يا غرابَ البينِ ما لكَ كلَّما ذكرتُ لُبيْنى طرتَ لي عن شماليا
أعندكَ علمُ الغيبِ أمْ أنتَ مخبري بحقٍّ عنِ الأمرِ الَّذي قد بداليا
فلا حملتْ رجلاكَ عشًّا لبيضةٍ ولا زالَ ريشٌ من جناحكَ باليا
وقال بعض الأعراب:
ألا يا غرابَ البينِ هلْ أنتَ بائعي جناحيْكَ أمْ مُستبدلًا بهما بُرْدي
فما زلتُ أبكي عندهُ وأبثُّهُ من الشَّوقِ حتَّى جاءني فبكا عندي
وقال آخر:
كذبتَ غرابَ البينِ ما أنتَ واجدٌ بإلفٍ وما شوقي وشوقُكَ واحدُ
زعمتَ لحاكَ اللهُ أنَّكَ مدنفٌ فهلْ لكَ في دعواكَ ويحَكَ شاهدُ
يُترجمُ ما يُخفي المحبُّ دموعهُ ودمعيَ مُنصبٌّ ودمعكَ جامدُ
فكيفَ هوانا واحدًا وفصاحتي تصرِّحُ عن وجدي ولفظكَ جاحدُ
وقال آخر:
فأوَّلُ طيرٍ حينَ رُحنا عشيَّةً جنوبٌ أُصيلانًا وقدْ جنحَ العصرُ
فقلتُ جَنوبٌ باجتنابكَ أهلَها ونفحُ الصَّبا تلكَ الصَّبابةُ والهجرُ
وقالَ غُرابٌ باغترابٍ من النَّوى وقطعِ القُوى تلكَ العيافةُ والزَّجرُ
وقال المرقش السدوسي:
ولقدْ غدوتُ وكنتُ لا أغدو علَى واقٍ وحاتمْ
فإذا الأشائمُ كالأيا مِنِ والأيامنُ كالأشائمْ
وكذاكَ لا خيرٌ ولا شرٌّ علَى أحدٍ بدائمْ
وقال الحارث بن سمر الحنفي:
ولستُ بمُشفقٍ من ضُرِّ نجمٍ ولا أرجو المنافعَ في النُّجومِ
وما نعبَ الغرابُ لنا بيُمنٍ وما نعبَ الغرابُ لنا بشومِ
ولكنْ ما أرادَ الله أمضى كذلك قدرةُ الرَّؤوفِ الرَّحيمِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أيا قلبُ لا تجزعْ منَ البينِ واصطبرْ فلستَ لما يُقضى عليكَ بدافعِ
توكَّلْ علَى الرَّحمانِ إنْ كنتَ مؤمنًا يُجرْكَ ودعني من نحوسِ الطَّوالعِ
فكلُّ الَّذي قد قدَّرَ اللهُ واقعٌ وما لم يقدِّرْهُ فليسَ بواقعِ
وقال جهم بن عبد الرحمن الأسدي:
ألمْ ترَ أنَّ العائفَيْنِ ولو حوتْ لكَ الطَّيرُ عمَّا في غدٍ عميانِ
يظنَّانِ ظنًّا مرَّةً يُخطئانهِ وأخرى علَى بعض الَّذي يصفانِ
قضى اللهُ ألاَّ يعلمَ الغيبَ غيرهُ ففي أيِّ أمرِ اللهِ تمتريانِ
وقال عروة بن الورد:
تقولُ سُليمى لو أقمتَ بسرِّنا ولم تدرِ أنِّي للمُقامِ أُطوِّفُ
أرى أمَّ حسَّانَ الغداةَ تلومُني تخوِّفُني الأقدارُ واللهُ أخوفُ
لعلَّ الَّذي خوَّفتنا من أمامنا يصادفهُ من أهلِنا المتخوَّفُ
وقال الكميت:
وما أنا ممَّنْ يزجرُ الطَّيرَ همُّهُ أصاحَ غرابٌ أمْ تعرَّضَ ثعلبُ
ولا السَّانحاتُ البارحاتُ عشيَّةً أمرَّ سليمُ القلبِ أمْ مرَّ أعضبُ
وقال مجنون بني عامر:
ألا يا غرابًا صاحَ من نحوِ أرضِها أفقْ لا أفقتُ الدَّهرَ من صيحانِ
ولا كنتَ من ريبِ الحوادثِ سالمًا جناحاكَ إنْ أزمعتَ بالطَّيرانِ
وقال آخر:
أمِنْ أجلِ غربانٍ تصايحْنَ غُدوةً ببينِ حبيبٍ ماءُ عينيْكَ يسفحُ
ألا يا غرابَ البينِ لا صحتَ بعدها وأمكنَ من أوداجِ خلفكَ مذبحُ
وقال آخر:
كأنِّي غداةَ البينِ إذْ صاحَ شاحجٌ من الطَّيرِ مشنيُّ الصِّياحِ لعينُ
سليمٌ رماهُ الحزنُ أمَّا نهارهُ فغشْيٌ وأمَّا ليلهُ فأنينُ
وقال آخر:
يا طائرَيْ بينِ سُعدى لو أبثُّكما نجيَّ نفسي وحاجاتي وأسراري
لمْ تفجعاني ببينٍ تنبعانِ بهِ ولمْ تُحقَّا بهِ وجدي واحذاري
وقال آخر:
[ ٩٧ ]
وكادَ غداةَ سارَ الحيُّ يُبدي ضميرَ القلبِ تشحاجُ الغرابِ
غدا بي شامتًا وغدوتُ صبًّا يُريني ما بهِ وأُريهِ ما بي
يضاحكُني فيضحكُ حينَ أبكي كذلكَ دابهُ أبدًا ودابي
فلوْ أنَّ الغرابَ يرقُّ يومًا لرقَّ لطولِ وجدي واكتئابي
لعلَّ الدَّهرَ يقلبُ حالتيهِ فإنَّ الدَّهرَ حولٌ ذو انقلابِ
فيقلقَهُ اشتياقٌ وارتياحٌ ويوحشَهُ اغترابٌ كاغترابي