أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
إذا أنتَ لم تستقبلِ الأمرَ لم تجدْ بكفَّيكَ في إدبارهِ مُتعلَّقا
إذا أنتَ لم تترُكْ أخاكَ وزلَّةً إذا زلَّها أوشكتُما أن تفرَّقا
وقال العرجي:
إذا أنتَ لم تغفرْ ذنوبًا كثيرةً تريبُكَ لم يسلمْ لكَ الدَّهرَ صاحبُ
ومنْ لا يُغمِّضْ عينهُ عن صديقهِ وعن بعضِ ما فيهِ يمُتْ وهو عاتبُ
وقال آخر:
أردْتُ لكيْ ما لا ترى ليَ زلَّةً ومن ذا الَّذي يُعطى الكمالَ فيكمُلُ
ومنْ يسألِ الأيَّامَ نأيَ صديقهِ وصرفَ اللَّيالي يُعطِ ما كانَ يسألُ
هؤلاءِ الذين ذكرنا أشعارهم يخبرون عن أنفسهم أنهم إنَّما يتركون معاتبة أحبابهم إشفاقًا من تغيُّرهم لهم وانحرافهم عنهم فإن كان ما تركوا المعاتبة عليه فعساه يرجع على أصحابهم فقد أساؤوا إذْ لم ينبِّهوهم على موضعه وآثروا منفعة أنفسهم على مصالح أحبَّتهم وإن لم يكن ذنبًا ألا يتركوه فقد كان الأجمل بإخوانهم ألا يذكروه بل كان من حقِّ أحبابهم عليهم ألا يتوهَّموه فضلًا عن أن ينطقوا به لأوليائهم أوْ يجرونه على خواطر أعدائهم وسبيل مثل هذا أن يعترف به المحبوب مبتدئًا بذكره ومتنصِّلًا من فعله فلا يصغي المحبّ ليفهمه ولا يوهم صاحبه أنَّه خطر على وهمه.
ولقد أحسن غاية الإحسان الَّذي يقول:
ومُعتذرٍ فرطُ إشفاقهِ أضاقَ عليهِ الَّذي تمَّما
ولم يدرِ أنَّ سبيلَ الإخاءِ أعظمُ من كلِّ ما عظَّما
وبلغني أن الوضاح الكوفي كتب إلى علي بن محمد العلوي:
خُطَّةٌ في الذُّنوبِ والاعتذارِ ليسَ يُعنى بها سوى الأحرارِ
ضقتُ ذرعًا بها وقد كنتُ أشفيْ تُ علَى الهُلكِ من شفيرٍ هارِ
فتجالَلْتَ عن جزاءٍ بسوءٍ وترافعتَ عن طلابٍ بِثارِ
ثمَّ لم ترضَ لي بذلك حتَّى صُنتني عن مذلَّةِ الاعتذارِ
ثمَّ أوْجبتَ لي علَى غيرِ عقدٍ حُرمةَ المُستجيرِ بالمُستجارِ
لم نرَ العفوَ منكَ يقدحُ في عِرْ ضكَ لمَّا عفوتَ بعدَ اقتدارِ
فأجابه علي بن محمد:
ليسَ جودُ الرَّبيعِ راشفَ وجهَ الأ رضِ عن مبسمٍ منَ الأنوارِ
لا ولا العاشقانِ ضمَّهُما الشَّوْ قُ علَى غايةِ الضَّنى في إزارِ
فهما مُلصقانِ كالسَّاعد البَيْ ضاء عضَّضتها بضيقِ السِّوارِ
كأخٍ عهدهُ وعهديَ في الوُ دِّ كعهدِ الأنواءِ والأمطارِ
رقَّ معناهُما فلمْ يلبسا الأيَّ امَ إلاَّ علَى اقترابِ المزارِ
لجَّ في الاعتذارِ من شفقِ الوجْ دِ وأجلَلْتهُ عنِ الاعتذارِ
فأهل الصَّفاءِ هكذا يجب أن تجري أحوالهُم في تركه ما كان من حقوق أنفسهم والابتداء ببسط العذر لأحبَّتهم.
[ ٤٩ ]
ولقد أحسن الَّذي يقول:
إذا شئتَ أن تُدعى كريمًا مُكرَّمًا حليمًا ظريفًا ضاحكًا فطنًا حُرَّا
إذا ما بدتْ من صاحبٍ لكَ زلَّةٌ فكنْ أنتَ مُحتالًا لِزلَّتهِ عُذرا
هذا فيما كان من الجنايات لا يعيد علَى المحبوب في نفسه ضررًا ولا يبيِّن على غير المحبّ أثرًا وأمَّا ما كان معيدًا على المحبوب عارًا فلا بدَّ من تنبُّهه عليه اضطرارًا وفي هذا المعنى لمخيس بن أرطاة التميمي:
عرضتُ نصيحةً منِّي ليَحيى فردَّ نصيحتي والنُّصحُ مرُّ
وما بيَ أن أكونَ أعيبُ يحيى ويحيى طاهرُ الأخلاقِ برُّ
ولكن قد أتاني أنَّ يحيى يقالُ عليهِ في نفعاءَ شرُّ
فقلتُ له تجنَّبْ كلَّ شيءٍ يُعابُ عليكَ إنَّ الحرَّ حُرُّ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
نصحْتُ لكمْ حذارًا أنْ تُعابوا فعادَ عليَّ نُصحكمُ وبالا
فإنْ تكُ قد مللتَ فلا تخُنِّي وقلْ لي أنْ أُجنِّبكَ الوِصالا
فمنْ يطلبْ لصاحبهِ اختلالًا لينقُضَ عهدهُ يُدركْ مقالا
ويمنعُني الوفاءُ لكمْ بعهدي وحسنُ الظَّنِّ أنْ أجدَ اختلالا
فتزدادونَ عندي كلَّ وقتٍ وأنقصُ عندكمْ حالًا فحالا
سأصبرُ إن أطقتُ الصَّبرَ حتَّى تملَّ الهجرَ أوْ تهوى الوِصالا
وقال بشار بن برد:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ مُعاتبًا صديقكَ لم تلقَ الَّذي لا تُعاتبُهْ
فعِشْ واحدًا أو صلْ صديقكَ إنَّهُ مُقارفُ ذنبٍ مرَّةً ومُجانبُهْ
إذا أنتَ لمْ تشربْ مِرارًا علَى القذى ظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربُهْ
وقال العرجي:
ذهبَ النَّهارُ وما يبوحُ بما بهِ صبٌّ فقلْ إذًا العتابُ عتابُهُ
الله يعلمُ ما تركتُ عتابَهُ ألاَّ يكونَ معي لِذاكَ جوابهُ
لكنْ مخافةَ أنْ أُصاحبَ صاحبًا والصَّرمُ تنمي بالمِرا أسبابهُ
وقال آخر:
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُ علَى نائباتِ الدَّهرِ حينَ تنوبُ
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي الحزمِ قوَّةٌ ويُخطئُ في الحدْسِ الفتَى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقًا ولا أخًا إذا لمْ تعدَّ الشَّيءَ وهو قريبُ
وقال الحسن بن هب:
دعوتكَ في الجُلَّى وقد ضاقَ مصدري عليَّ وروَّاني من السمِّ موردي
فأصمَمْتَ عنِّي منكَ أُذنًا سميعةً وقد قصدَتْ لي النَّائباتُ بمرصَدِ
فما ضاقَ عنكَ العُذرُ عندي ولا نبا بعهدكَ نابٍ من مغيبٍ ومشهدِ
وقِلتُ زمانًا قد نهى النَّاس كلَّهُمْ عن البِرِّ نهيَ الموعدِ المُتهدِّدِ
وأمَّلتُ أيامًا تنوبُ ورجعةً من الدَّهر يأتينا بها الله في غَدِ
وقال عمر بن نجا:
منعْتَ عطاءنا ولويْتَ ديْني وأعددْتَ الخُصومةَ للخَصيمِ
فما لكَ إن لويتَ الدَّيْنَ عنِّي مُعاقبةٌ فيا لكَ من غريمِ
وقال مسلم بن الوليد:
إذا التقينا منعنا النَّومَ أعيُننا ولا نُلائمُ نومًا حينَ نفترِقُ
أُقرُّ بالذَّنبِ منِّي لستُ أعرفهُ كيْما أقولَ كما قالتْ فنتَّفقُ
وقال آخر:
أإنْ سُمتني ذلًاّ فعفْتُ احتمالَهُ غضبْتَ ومنْ يأتِ المذلَّةَ يُعذرِ
فها أنا مُسترْضيكَ لا من جنايةٍ عليكَ ولكن من تجنِّيك فاعذُرِ
ولبعض أهل هذا العصر:
زعمْتَ بنفسي أنتَ أنَّك مُغرمٌ بِذكري وأنِّي عن وصالكَ مُضربُ
أعدْ نظرًا فيما ادَّعيتَ ولا تحِدْ لتعلمَ من منَّا الشَّقيُّ المُعذَّبُ
أمَنْ يتجنَّى ثمَّ يُنكرُ ما جنى علَى إلفهِ أمْ من يُقرُّ ويُعتبُ
ولو كنتَ تُجزى بالذي تستحقُّهُ غضبْتَ ولكنِّي منَ الهجرِ أهربُ
فأغضي علَى جمرِ الغضا خشيةَ القِلى ولولا الهوَى ما ضاقَ عنِّي مَهربُ
فحتَّامَ لا أنفكُّ شوقًا إلى الرِّضا أُصدِّقُ من صدقي لديهِ مُكذَّبُ
وما ليَ من ذنبٍ إليكَ تعدُّهُ عليَّ سوى أن ليسَ لي عنكَ مذهبُ
[ ٥٠ ]
وما غرَضي في أنْ أُثبِّتَ حُجَّةً عليكَ وما لي غيرُ عفوكَ مطلبُ
إليكَ مفرِّي منكَ لا عن وسيلةٍ إليكَ سوى أنِّي بحُبِّكَ مُتعبُ
فإنْ تأتِ ما أهوى فعبدٌ نعَشْتهُ وإنْ تكنِ الأخرى فعبدُكَ مُذنبُ
فرأيكَ فيمنْ أنتَ مالكُ رقِّهِ فقدْ حلَّتِ البلوى وطابَ التَّجنُّبُ
وقال المؤمل:
شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ
حسبُ المُحبِّينَ في الدُّنيا عذابهمُ والله لا عذَّبتهُمْ بعدها سقَرُ
صفِ الأحبَّةَ ما لاقيتَ من سهرٍ إنَّ الأحبَّةَ لا يدرون ما السَّهرُ
لمَّا رمتْ مقتلي قالتْ لجارتِها إنِّي قتلتُ قتيلًا ما لهُ خطرُ
قتلتُ شاعرَ هذا الحيِّ من مُضرٍ الله يعلمُ ما ترضى بذا مُضرُ
وإنَّما أقصدَتْ قلبي بمُقلتها ما كانَ قوسٌ ولا سهمٌ ولا وترُ
أحببْتُ من حبِّها قومًا ذوي إحَنٍ بيني وبينهمُ النِّيرانُ تستعرُ
إنِّي لأصفحُ عنها حينَ تظلِمُني وكيفَ من نفسهِ الإنسانُ ينتصرُ
وقال آخر:
مسَّني من صدودِ إلفيَ ضُرُّ فبنات الفؤادِ ما تستقرُّ
مسَّني ضرُّهُ فأوجعَ قلبي غيرَ أنِّي بذاكَ منهُ أُسرُّ
وقال آخر:
أيا سُلمى دفعْتُ إليكِ نفسي برئْتُ إليكِ من نفسي بريتُ
وقالوا عذَّبتْكَ فقلتُ كلاَّ رضيتُ بمنْ يعذِّبُني رضيتُ
وقال أبو تمام حبيب:
أسرفْتَ في منعي وعادتُكَ الَّتي ملكَتْ عِنانكَ أنْ تجودَ فتُسرفا
لمْ آلُ فيكَ تلطُّفًا وتعسُّفًا وتألُّفًا وتحيُّفًا وتعطُّفا
وأراك تدفعُ حُرمتي فأظنُّني ثقَّلتُ غيرَ مُؤنِّبٍ فأخفِّقا
وقال أيضًا:
وجدْتُ صريحَ الحزمِ والرَّأيِ لامرئٍ إذا ملكتْهُ الشَّمسُ أنْ يتحوَّلا
فثقَّلْتُ بالتَّخفيفِ عنكَ وبعضهُمْ يُخفِّفُ في الحاجاتِ حتَّى يُثقِّلا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي لهُ في غيرِ مَعتبةٍ ماذا أردتَ بطولِ المكْثِ باليمَنِ
إنْ كنتَ حاولتَ دُنيا أو قنعْتَ بها فما أصبْتَ بتركِ الحجِّ من ثمنِ
وقال الراعي:
وكمْ جشمنا إليكمْ سيرَ موديةٍ كأنَّ أعلامها في أُفقها القُزَعُ
حمَّاءُ غبراءُ يخشى المدَّلونَ بها ريعَ الهداةِ بأرضٍ أهلها شِيَعُ
فإنْ تجودوا فقدْ حاولْتُ جودكُمُ وإنْ تضِنُّوا فلا لومٌ ولا فزعُ
وهذه أحوال كلُّها لطيفة ومطالبات جميلة وأشنع منها لفظًا وأنقص من هذا معنًى.
قول البحتري:
لا تهْتَبلْ إغْضاءتي إذْ كنتُ قدْ أغضيْتُ مُشتملًا علَى جمرِ الغضا
أغببْتُ سَيْبكَ كيْ يجُمَّ وإنَّما غُمدَ الحسامُ المشرفيُّ ليُنتضى
وسكَتُّ إلاَّ أنْ أُعرضَ قائلًا قولًا وصرَّحَ جهدهُ من عرَّضا
وفي هذا النحو لبعض أهل هذا الزَّمان:
يا عالمًا بالذي ألقى منَ الكُربِ إرْفق بعينكَ لا تُعطبْ فِداكَ أبي
لا تغتنمْ صفحَ مطويٍّ علَى كبدٍ حرَّى وقلبٍ بنارِ الشَّوقِ مُلتهبِ
لو كنتَ مثليَ لم تصبرْ علَى كمَدي أو كنتُ مثلكَ لم أفعلْ كفعلكَ بي
إن كانَ ذا الهجرُ تأديبًا فحسبُكَ ما قدَّمتَ منهُ فقد بالغتَ في أدبي
وقد قال المتلمِّس ما يخرج قبحًا وجفاء عن هذا الباب ولا يصلح أن يجري في المخاطبة بين الأحباب وذلك قوله:
وما كنتَ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفِّهِ بكفٍّ لهُ أخرى فأصبحَ أجذَما
يداهُ أصابتْ هذه حتْفَ هذه فلمْ تجدِ الأخرى عليها مُقدَّما
فأطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يرى مساغًا لنابيْهِ الشُّجاعُ لصمَّما
وذلك أنَّه يخبر أنَّ الجناية قد أثَّرت في قلبه وولَّدت حقدًا في نفسه وأنَّ الَّذي يمنعه من أن ينتقم خوفه من تزايد الألم وأنَّه على أن يعاقب إذا أمنَ العواقب والمعاتبة بل المعاقبة أحسن من الإغضاء على مثل هذه الحال.
وفي نحو هذا المعنى يقول الوليد بن عبيد الطائي:
[ ٥١ ]
وإذا رجوْتُ ثنتْ رجايَ شكيَّةٌ من عاتبٍ في الحبِّ غيرِ مُعاتَبِ
لو كانَ ذنبي غيرَ حبِّكِ أنَّهُ ذنبي إليكِ لكنت أوَّلَ تائبِ
أفلا ترى أنَّه يخبر أنَّ الإغضاء على المعاتبة على الذَّنب مع مقام الضَّمير على العتب يقطع الرَّجاء ويؤيس من الوفاء.