أمَّا أهل هذا الباب فقد انفردوا بأمرٍ يقوم لهم ببعض العذر على أنَّ ذلك الأمر الَّذي يعذرهم هو بعينهِ يدلُّ على نقيصتهمْ فأما جهته المحمودة فهي وصف الحال بالدَّمع لا يمكن فيها من التَّصنُّع ما يمكن في الصِّفات بالألسن وأما جهته المذمومة وهي أنَّ امتناع الدَّمع من الجريان أوَّل على تظاهر ألم الأشجان لعلَّةٍ سنذكرها في الباب الثاني ولا نألو إن شاء الله أن نذكر من هذا الباب أحسن ما قيل فيه على النقص الَّذي يلحق قائليه ثمَّ نذكر الحال التَّامة في الباب الَّذي يليه.
أنشدني أبو عبادة البحتري لنفسه:
[ ١١٣ ]
لعمْرُ الرُّسومِ الدَّارساتِ لقد جرتْ بريَّا سعادٍ وهي طيِّبةُ العرْفِ
بكيْنا فمنْ دمعٍ يمازجهُ دمٌ هناكَ ومن دمعٍ نجودُ به صرفِ
وقال أبو تمام الطائي:
لا عذرَ للصبِّ أن يُفني الحياءَ ولا للدَّمعِ بعدَ مضيِّ الحيِّ أنْ يقفا
حتَّى يطلُّ بماءٍ سافحٍ ودمٍ في الرَّبعِ يُحسبُ من عينيهِ قدْ رعِفا
وقال آخر:
وبتُّ من الأحزانِ قد أسفرَ الضُّحى وفي كبدي من جمرهنَّ حريقُ
مزجْتُ دمًا بالدُّمعِ حتَّى كأنَّما يُذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
دموعٌ فيضهُنَّ معَ الدِماءِ كما ورَّدْتَ حاشيةَ الرِّداءِ
أُريحُ إلى الدُّموعِ الوجدَ منِّي إذا ما عزَّني حسنُ العزاءِ
ملامكَ ليسَ من عينيكَ دمعي ولا بحشاكَ أسقامي ودائي
وقال آخر:
فما زالَ يشكو الحبَّ حتَّى كأنَّما تنفَّسَ من أحشائهِ أوْ تكلَّما
ويبكي فأبكي رحمةً لبُكائهِ إذا ما بكى دمعًا بكيتُ له دما
وقال آخر:
وقفنا وثالثُنا عبرةٌ فيشكو إليَّ وأشكو إليهْ
وولَّى يخوضُ دموعًا جرَيْ نَ من مُقلتيَّ ومن مُقلتيهْ
ويستودعُ الله ما في يديَّ وأستودعُ الله ما في يديهْ
وقال آخر:
يقولُ وقد أبكى البُكاءَ بمُقلتي نُدوبًا ألا داويتَ عينيكَ بالكُحلِ
فقلتُ رأيتُ الكُحلَ يشغلُ قدرهُ من العينِ قدرًا لم يكنْ عنكَ في شُغلِ
وقال آخر:
محبٌّ بكتْ عيناهُ من حبِّ قاتلٍ فيا قاتلًا يبكي عليهِ قتيلُ
خليلٌ جفاني كانَ روحي لروحهِ خليلًا وهلْ يجفو الخليلَ خليلُ
وقال آخر:
وما شنَّتا خرقاءُ واهيتا الكُلى سقى بهما ساقٍ ولم يتبلَّلا
بأضيعَ من عينيكَ للماءِ كلَّما توسَّمْتَ برقًا أوْ توهَّمْتَ منزلا
وقال أبو حية النميري:
لعينيكَ يومَ البينِ أسرعُ واكفًا منَ الفنن الممطورِ وهو مروحُ
إذا قلتُ يفنى ماؤها اليومَ أصبحتْ غدًا وهيَ ريَّا الماقيَيْنِ نضوحُ
وقال جران العود:
أبيتُ كأنَّ العينَ أفنانُ سدرةٍ إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ تنطفُ
أُراقبُ لمحًا من سُهيلٍ كأنَّهُ إذا ما بدا من آخرِ اللَّيلِ يطرفُ
وقال ابن هرمة:
استبقِ دمعكَ لا يودي البكاءُ بهِ واكففْ بوادرَ من عينيكَ تستبقُ
ليسَ الشُّؤونُ وإن جادتْ بباقيةٍ ولا الجفونُ علَى هذا ولا الحدقُ
وقال آخر:
وممَّا شجاني أنَّها يومَ ودَّعتْ تولَّتْ وماءُ العينِ في الجفنِ حائرُ
فلمَّا أعادتْ من بعيدٍ بنظرةٍ إليَّ التفاتًا أسلمتْهُ المحاجرُ
وقال ابن ميادة:
ألا مَنْ لعَيْنٍ لا ترى صائبًا ولا ترى واديَ الطَّرفاء إلاَّ استهلَّتِ
بماءٍ لوَ انَّ المُزنَ جادتْ بمثلهِ رضينا بما جادتْ بهِ حينَ ولَّتِ
وللعينِ فيضاتٌ إذا ما ذكرتُها وللصَّدرِ بلبالٌ إذا العينُ كلَّتِ
وقال الطائي:
لو قيلَ سلْ تُعطَ المنى أنْ لو درى مولاهُ في الخُلواتِ كيفَ بُكاؤهُ
مطرٌ منَ العبراتِ خدِّي أرضهُ حتَّى الصَّباحِ ومُقلتيَّ سماؤهُ
وقال ابن قوفا:
سيِّدي أنتَ لمْ أقُلْ سيِّدي أنْ تَ لمخلوقٍ سواكَ والصَّبُّ عبدُ
كبدٌ رطبةٌ تذوبُ منَ الوجْ دِ وخدٌّ فيهِ منَ الدَّمعِ خدُّ
وقال آخر:
نظرتُ كأنِّي من وراءِ زجاجةٍ إلى الدَّارِ من ماءِ الصَّبابةِ أنظرُ
فعينايَ طورًا تغرقانِ منَ البُكا فأغشى وطورًا تحسرانِ فأُبصرُ
وهذا مأخوذ من قول ذي الرمة:
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءِ مالكٍ لذو عبرةٍ كُلًاّ تفيضُ وتخنقُ
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ مرَّةً فيبدو وأحيانًا يجمُّ فيغرقُ
وقال ابن هرمة:
كأنَّ عينيَ إذْ ولَّتْ حمولهُمْ عنَّا جناحا حمامٍ صادفا مطرا
أوْ لؤلؤٌ سلسٌ في عقدِ جاريةٍ خرقاءَ نازعها الوُلدانُ فانتثرا
وقال آخر:
[ ١١٤ ]
تكادُ أُخرى دموعي من تسرُّعها تفيضُ قبلَ الأُلى أنْ ينحدرْنَ معا
وغاضَ عنها كثيرًا راجعًا حذرًا ولنْ ترى قاتلًا كالدَّمعِ إن رجعا
وقال أبو نواس:
يا قمرًا أبصرْتُ في مأتمٍ يندبُ شجوًا بينَ أترابِ
تبكي فتُذري الدُّرَّ من عينها وتلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وقال أيضًا:
تقولُ غداةَ البينِ عندَ وداعها ليَ الكبدُ الحرَّى فسرْ ولكَ الصَّبرا
وقدْ سبقتْها عبرةٌ فدموعها علَى خدِّها بيضٌ وفي نحرها صفرُ
وقال بعض الأعراب:
عشيُّ وداع قبِّحتْ من عشيَّةٍ ولكنَّها لا قُبِّحتْ من مُودَّعِ
كأنَّ انحدارَ الدَّمعِ منها تعدُّهُ لها ذاتُ سلكٍ قيلَ عُدِّي وأسرعي
وقال ابن الدمينة:
أفي كلِّ يومٍ أنتَ رامٍ بلادها بعينيْنِ إنساناهُما غرقانِ
إذا اغروْرَقَتْ عينايَ قال صحابتي لقدْ أُولعَتْ عيناكَ بالهملانِ
ألا فاحملاني باركَ اللهُ فيكُما إلى حاضرِ الرَّوحاءِ ثمَّ ذراني
وقال الركاض الزبيري:
فيا مَنْ لعينٍ قد أضرَّ بها البُكا فهلْ حاولتْ من طولِ ما سجمَتْ تعمى
وقلبٍ كئيبٍ لا يزالُ كأنَّما يُقلَّبُ في أعراضهِ ميسمٌ مُحْمى
وقال البحتري:
دنتْ فدنا هجرانُها فإذا نأتْ غدا وصلُها المطلوبُ أنأى وأسحقا
وما ربَّما بلْ كلَّما عنَّ ذكرُها بكيْتَ فأبكيتَ الحمامَ المُطوَّقا
وقال آخر:
عرِّجْ بذي سلمٍ ففيهِ المنزلُ ليقولَ صبٌّ ما أرادَ ويفعلُ
سارتْ مقدَّمةُ الدُّموعِ وخلَّفتْ حُرقًا توقَّدُ في الحشا ما ترحلُ
إنَّ الفراقَ كما علمْتَ فخلِّني ومدامعًا تسعُ الفراقَ وتفضلُ
إلاَّ يكنْ صبرٌ جميلٌ فالهوى نشوانُ يجملُ فيه ما لا يجملُ
ولبعض أهل هذا العصر:
ولمَّا وقفنا للوداعِ وبيننا أحاديثُ يُعْيي الحاسبينَ عديدُها
تبادرَ دمعي فانصرفْتُ تهضُّني إلى عبرتي بُقيا عليكَ أذودُها
فما أشبهتْ عينايَ إلاَّ سحابةً دنا صرْبُها واستعجلتها رعودُها
فما زالَ زجرُ الرَّعدِ يحدو سحابها فتبدو وأرواحُ الشَّمالِ تُحيدُها
فما أقلعَتْ حتَّى بكتْ فتضاحكَتْ رياضُ الرُّبى فاخضرَّ بالعشبِ عودها
وهلْ تتلافى ذاتُ عقدٍ جُمانَها إذا انسلَّ من سلكِ النِّظامِ فريدُها
فقال رفيقي ما للونِكَ حائلًا وعينيكَ ما يعدو جفونكَ جودُها
فأغضيْتُ عن ردِّ الجوابِ تبلُّدًا وخيرُ قلوبِ العاشقينَ بليدُها
وقال البحتري:
لعَمرُ المغاني يومَ صحراءِ أرثدِ لقد هيَّجتْ وجدًا علَى ذيَ توجُّدِ
منازلُ أمستْ للرِّياحِ منازلًا تردَّدُ منها بينَ نؤْيٍ ورِمْددِ
شجتْ صاحبي أطلالُها فتهلَّلتْ مدامعهُ فيها وما قلتُ أسعدِ
وقلَّتْ لدارِ المالكيَّةِ عبرةٌ منَ الشَّوقِ لم تُملكْ بصبرٍ فتُرْددِ
سقتها الغوادي حيثُ حلَّتْ ديارُها علَى أنَّها لم تشفِ ذا الغُلَّةِ الصَّدِّي
تزيدينَ هجرًا كلَّما ازددْتُ صبوةً طلابًا لأنْ أُردى فها أنذا رَدِ
وقال الحسين بن الضحاك:
هَبوني أغضُّ إذا ما بدتْ وأملكُ طرفي فلا أنظرُ
فكيفَ انتصاري إذا ما الدُّموعُ نطقْنَ فبُحْنَ بما أُضمرُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الباكونَ من ألمِ الهوَى أظنُّكمُ أُدركْتُمُ بذنوبِ
تعالَوْا نُدافعْ جُهدنا عنْ قلوبنا فنوشكَ أن نبقى بغيرِ قلوبِ
وقال البحتري:
أعرضْتِ حتَّى خلْتُ أنِّي ظالمٌ وعتبتِ حتَّى قلتُ إنِّي مُذنبُ
سأعدُّ ما ألقى فإنْ كذَّبتني فسلي الدُّموعَ فإنَّها لا تكذبُ
وقال آخر:
قالوا تصنَّعَ بالبُكاءِ فقلتُ هلْ يبكي الشَّجيُّ لغيرِ ما في قلبهِ
ولقدْ ألِفتُ الدَّمعَ حتَّى ربَّما جرتِ الجفونُ بهِ ولم أعلمْ بهِ
وقال آخر:
وغائبِ الرُّوحِ شاهدِ البدنِ يبكي بعينٍ قليلةِ الوسنِ
[ ١١٥ ]
يبكي عليها بها مخافةَ أنْ تقْرِنهُ والظَّلامَ في قرَنِ
وقال البحتري:
هلْ أنتَ من حبِّ ليلَى آخذٌ بيدي أوْ ناصرٌ لي علَى التَّعذيبِ والسَّهدِ
وهلْ دموعٌ أفاضَ الحزنُ ريِّقَها تُدني منَ البعدِ أوْ تشفي منَ الكمدِ
قد باتَ مُستعبرًا من كانَ مُصطبرًا وعادَ ذا جزعٍ من كانَ ذا جلدِ
إنْ أسخطَ الهجرُ لا أرجِعْ إلى بدلٍ منهُ وإنْ أطلُبِ السُّلوانَ لا أجدِ
وقال الأعشى:
وفاضتْ دموعي فظلَّ الشُّؤونُ إمَّا وكيفًا وإمَّا انحدارا
كما أسلمَ السِّلكُ منْ نظمهِ لآلئَ مُنحدراتٍ صغارا
وقال آخر:
ولوْ أنَّ دمعي لم يفضْ لتقطَّعتْ نباتُ فؤادي حينَ تُذكرُ من وجدي
وقدْ صرمتْني إذْ تيقَّنَ قلبُها بأنْ لستُ عنها بالصَّبورِ ولا الجلدِ
فيا ليتني واللهِ متُّ ولمْ أكنْ فتحتُ لها بالدَّمعِ بابًا منَ الصَّدِّ
وقال آخر:
أعيْنَيَّ ما لي كلَّما بتُّ ليلةً بأرضٍ فضاءٍ كانِ دمعي قراكُما
أعينيَّ لامَ اللهُ من لامَ فيكُما مُحبًّا وآذى من يريدُ أذاكُما
أعينيَّ صبرًا أعقباني حلاوةً فقدْ خفتُ من طولِ البكاءِ عماكُما
ألا قد أرى واللهِ أنْ قد قذيتُما بمن لا يبالي أن يطولَ قذاكُما
أجدَّكُما لا تذكرا زمنًا مضى بصنعاءَ لا بلْ جنِّباني نداكُما
وأنشدتني مريم الأسدية:
أعينيَّ من كحلِ الطَّبيبِ تداويا فلا كحلَ بعدَ اليومِ يشفي قذاكُما
أعينيَّ كفَّا الدَّمعَ لا تُشمتا بنا عدوًّا ولا يُحزنْ صديقًا بكاكُما