[ ٤١ ]
ذكروا أنَّ جميلًا وكثيِّرًا التقيا فقال جميل لكثيّر بأني أريد أن تصير إلى بثينة فتأخذ لي عليها موعدًا، فقال له: ويحك من عند عمِّها جئت وغاشية أهلها كثير قال له جميل: إنَّ الحيلة تأتي من وراء ذلك فقال له كثيّر: فأعطني علامة تعرفها قال جميل: آخر يوم التقينا كنَّا في وادي الدَّوم فأصاب ثوبها شيء من ورق الشَّجر فغسلته فمضى كثيّر إلى عمِّها فقال له: ما الَّذي ردَّك؟ فقال: أبيات صنعتها في عزَّة أحببت أن تسمعها قال: وما هي؟ فأنشأ يقول:
أقولُ لها يا عزَّ أرسلَ صاحبِي علَى نأْيِ دارٍ والموكَّلُ مُرسلُ
بأنْ تجعلِي بيني وبينكِ موعدًا وأنْ تأمُريني ما الَّذي فيهِ أفعلُ
أما تذكرينَ العهدَ يومَ لقيتكمْ بأسفلِ وادِي الدَّومِ والثَّوبُ يُغسلُ
فلمَّا سمعت ذلك بثينة قالت: إخسأ قال لها عمُّها: ما الَّذي أخسأت يا بثينة؟ قالت: كلبًا كان يعترينا ليلًا وقد رأيته نهارًا فانصرف كثيّر إلى جميل وعرَّفه أنَّا قد ذكرت اللَّيل فصر إليها.
وقال آخر:
إنَّ الَّتي أبصرْتها سحَرًا تكلِّمُني رسولُ
أدَّتْ إليَّ رسالةً كادتْ لها نفسِي تسيلُ
فَلَوَ انَّ أُذنكَ بينَنَا حتَّى تسمَّعَ ما نقولُ
لرأيتَ ما استقبحتَهُ مِنْ فعلِنا وهوَ الجميلُ
وقال آخر:
خليليَّ عُوجا باركَ اللهُ فيكُما وإنْ لمْ تكنْ أرضِي لأرضِكُما قصدا
وقولا لها ليسَ الضَّلالُ اختيارَنا ولكنَّنا جُزْنا لنلقاكمُ عمْدا
وقال آخر:
ألا يا نسيمَ الرِّيحِ إنْ كنتَ هابطًا بلادَ سُليمى فالتمسْ أنْ تكلَّما
لتَقْرَا علَى ليلى السَّلامَ وأهلِها وكنْ بعدَها عنْ سائرِ النَّاسِ أعجَما
وقال خليفة بن روح الأسدي:
ألا يا خليلَ النَّفسِ إنْ جئتَ أرضَها فأنتَ لمشهورٌ هناكَ رسولُ
فسلْ أُمَّ سلمٍ هلْ محا عهدَها الغِنى ومالٌ حوتهُ بعدَنا وخليلُ
وباللهِ سلْهَا هلْ تطاولَ ليلُها كما اللَّيلُ إذْ بانتْ عليَّ طويلُ
وإنَّ لسانِي باسمِ ليلَى وذكرِها إذا قلتُ تشبيهًا بها لذلولُ
وقال ابن أبي أمية:
أقولُ وقدْ أجدَّ رحيلُ صحْبِي لِخِدْنَيَّ اهدِيا هديًا جميلا
ألِمَّا قبلَ بينِكُما بسُلمى فقولا أنتِ ضامنةٌ قتيلا
رجَا منكِ النَّوالَ فلمْ تُنيلِي وقد أورثتهِ سقمًا طويلا
فإن وصلتْكُما سُلمى فقولا نرَى في الحقِّ أنْ نصلَ الوَصولا
وإنْ آنستُما بخلًا فلسْنا بأوَّلِ مَنْ رجَا حرجًا بَخيلا
وقال المقدام بن ضيغم:
أخا الجنِّ بلِّغْها السَّلامَ فإنَّني منَ الإنسِ مزورُّ الجَنانِ كتومُ
أخا الجمِّ حالُ النَّاسِ بيني وبينَها عدوٌّ ومُستَحْيًا عليَّ كريمُ
وقال يزيد بن الطثرية:
ألمَّا علَى ظلاَّمَة اليومَ فانْطِقا بعُذرِي لديها واذْكُراني تعجُّبا
وقولا إذا عدَّتْ ذنوبًا كثيرةً عليَّ تجنَّاها امرؤٌ ما تغبَّبَا
هَبيهِ امرءًا إمَّا بريئًا ظلمتهِ وإمَّا مُسيئًا تابَ بعدُ وأعْتَبا
وقال أيضًا:
أيا رِفقةً مِنْ أهلِ بُصرَى تحمَّلتْ تؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ مِنْ رفقةٍ رُشدا
إذا ما بلغتمُ سالمينَ فبلِّغوا تحيَّةَ مَنْ قد ظنَّ أنْ لا يرَى نجدا
وقولا تركْنا الحارثيَّ مكبَّلًا بكبلِ الهوَى مِنْ حبِّكمْ مضمرًا وجْدا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أرسلتْ أسماءُ في معتبةٍ عتِبَتْها وهيَ أحلى مَن عتبْ
إذْ أتى منها رسولٌ موهنًا وجدَ الحيَّ نيامًا فانقلبْ
ضربَ البابَ فلمْ يشعرْ بهِ أحدٌ يفتحُ عنهُ إذْ ضربْ
قالَ أيقاظٌ ولكنْ حاجةٌ عرضتْ تُكتمُ منَّا فاحتجبْ
ولهذا ردَّنِي فاجتهدتْ بيمينٍ حلفتْ عندَ الغضبْ
أُشهدُ الرَّحمانَ لا يجمعُنا سقفُ بيتٍ رحِبًا حتَّى وجبْ
قلتُ يا هندُ اعمِدِي لي نحوَها واحلِفي باللهِ كشَّافِ الكربْ
فأتتها طبَّةٌ عالمةٌ تخلطُ الجدَّ مرارًا باللَّعبْ
[ ٤٢ ]
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لها وتَراخَى عندَ سوراتِ الغضبْ
لمْ تزلْ تصرِفُها عنْ رأيِها وتأَنَّاها برفقٍ وأدبْ
فبلغني أنَّ ابن أبي عتيق لمَّا سمع هذا الشعر قال لعمر بن أبي ربيعة النَّاس في طلب خليفة مثل قوَّادتك هذه منذ قتل عثمان بن عفان فما يقدرون عليه.
وقال أبو تمام الطائي:
أغنيتَ عنِّي غَناءَ الماءِ في الشَّرقِ وكنتَ منشئَ وبلِ العارضِ الغدقِ
يا منَّةً لكَ لولا ما أُخفِّفُها بهِ منَ الشُّكرِ لم تُحملْ ولمْ تطقِ
وقال أيضًا في وصفه كتابًا ورد عليه وأحسن:
فضضتُ خِتامهُ فتبلَّجتْ لِي غرائبهُ عنِ الخبرِ الجليِّ
وكانَ أجلَّ في عيني وأبهَى علَى كبدِي منَ الزَّهرِ النَّديِّ
وأحسنَ موقعًا منِّي وعندِي منَ البُشرَى أتتْ بعدَ النَّعيِّ
وضُمِّن صدرهُ ما لمْ تضمَّنْ صدورُ الغانياتِ من الحليِّ
وقال البحتري:
تناءتْ دارُ عَلوةَ بعدَ قربٍ فهلْ ركبٌ يبلِّغها السَّلاما
وجدَّدَ طيفُها عتبًا علينا فما يعتادُنا إلاَّ لِماما
وربَّةَ ليلةٍ قدْ بتُّ أُسقَى بكفَّيها وعينيها المُداما
قطعنا اللَّيلَ لثمًا واعتناقًا وأفنيناهُ ضمًّا والتزاما
وقال أيضًا:
هل ركْبُ مكَّةَ حاملونَ تحيَّةً تُهدى إلينا مِنْ معنًى مغرمِ
ردَّ الجفونَ علَى كرًى متبدِّدٍ وحنَى الضُّلوعَ علَى جوًى متضرِّمِ
إن لمْ يبلغكَ الحجيجُ فلا رمَوْا بالجمرتينِ ولا سُقوا مِنْ زمزمِ
وقال زيادة بن زيد:
ألمَّا بليلى يا خليليَّ فانظرا وما لمْ تُلمَّا بابَها كانَ أكثرا
وعُوجا المطايا طالَما قدْ هجرتُها عليها وإنْ كانَ المُعرَّجُ أغبرا
متى يرَها العَجلانُ لا يثنِ طرفهُ إلى عينهِ حتَّى يحارَ ويحسرَا
ولوْ خلِّيتْ ليلى علَى اللَّيلِ مظلمًا لجلَّتْ ظلامَ اللَّيلِ ليلى فأقمرا
ولمْ أرَ ليلى بعدَ يومِ لقيتُها تكفُّ دموعَ العينِ أنْ تتحدَّرا
فما بدَّدَ الهجرانَ يا ليلُ بيننا وشحطَ النَّوى إلاَّ الهوَى والتَّذكُّرا
وكمْ دونَ ليلى بلدةٌ مُسبَطِرَّةٌ وبيدٌ مَلاها العينُ حتَّى تحيَّرا
وقال نصيب:
خليليَّ زُورا العامريّةَ فانظُرا أيبقَى لديها الودُّ أمْ يتقضَّبُ
وقولا لها إنْ يعتزِلْكِ فلا قلًى ولكنَّهُ عنْ رقبةٍ يتجنَّبُ
يرَى دونكمْ مَنْ يتَّقي وهوَ إلفٌ لكمْ ولهُ مِنْ دونكمْ مُترقَّبُ
فصدَّ وما يسطيعُ صرمكِ إنَّهُ ولو صدَّ رهنٌ في حبالكِ مُنشبُ
وقال الأحوص:
إذا ما أتَى مِنْ نحوِ أرضكِ راكبٌ تعرَّضتُ واستخبرتُ والقلبُ موجعُ
فأبدا إذا استخبرتُ عمدًا بغيرِها ليخفَى حديثِي والمخادعُ يخدعُ
وأُخفي إذا استخبرتُ أشياءَ كارهًا وفي النَّفسِ حاجاتٌ إليها تطلَّعُ
فسرُّكِ عندِي في الفؤادِ مكتَّمٌ تضمَّنهُ منِّي ضميرٌ وأضلعُ
إلى اللهِ أشكُو لا إلى النَّاسِ حاجتِي ولا بدَّ مِنْ شكوَى حبيبٍ يروَّعُ
ألا فارْحَمي مَنْ قدْ ذهبتِ بعقلهِ فأمسَى إليكمْ خاشعًا يتضرَّعُ
إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو ذكرتُها فظلَّتْ لها نفسِي تتوقُ وتنزعُ
إن كان أحد من المرسَلين إلى أحبابهم والسَّائلين عن أخبارهم معذورًا فصاحب هذا الشِّعر معذور لأنه قد احتاط جهد وكتم سرَّه بحسب ما يمكنه وليس هذه حالة تامة ولا في باب المراسلات حال تامة غير أنَّ كلَّ ما قلَّ من الإظهار وانكتم من الأسرار كان صاحبه أعذر ممَّن أفرط في إظهار حاله وائتمن النَّاس علَى أسراره.
وقال آخر:
أتتْنا عيونٌ مِنْ بلادكِ لم تجئْ لنا ببيانٍ منكِ ثمَّ عيونُ
وإنَّ منَ الخلاَّنِ من تشحطُ النَّوى بهِ وهوَ راعٍ للودادِ أمينُ
ومنهمْ كغيبِ العينِ أمَّا لقاؤهُ فحلوٌ وأمَّا غيبهُ فخؤونُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الرَّكبُ اليمانونَ عرِّجوا علينا فقدْ أضحَى هوانا يمانِيا
[ ٤٣ ]
نُسائلكمْ هلْ سالَ نعمانُ بعدَنا وحبَّ إلينا بطنُ نُعمانَ وادِيا
عهِدنا بهِ صيدًا غزيرًا ومشربًا بهِ نُقعَ القلبُ الَّذي كانَ صادِيا
وأنشدني أعرابي بالبادية:
أيا ربِّ أنتَ المستعانُ علَى نوًى لعزَّةَ قد أزرَى بجسمِي حِذارُها
أُسائلُ عنهمْ أهلَ مكةَ كلُّهمْ بحيثُ التقى حجَّاجُها وتِجارُها
عسَى خبرٌ منها يُصادفُ رفقةً مخلَّفةً أوْ حيثُ تُرمَى جمارُها
ومعتمرٍ في ركبِ عزَّةَ لمْ تكنْ لهُ حاجةٌ في الحجِّ لولا اعتمارُها
لئنْ عزفتْ يا عزَّ نفسِي عنكمُ لبعدٍ أشدَّ الوجدِ كانَ اصطبارُها
ولبعض أهل هذا العصر:
أتذكرُ اليومَ ما لاقيتُ مِنْ كمدٍ أمْ قدْ كفاكَ رسولِي بالَّذي ذكرا
هذا مقامُ فتًى أقصاهُ مالكهُ فحاولَ الصَّبرَ حينًا ثمَّ ما صبرا
بينَا يُعدِّدُ أحقادًا ويضمرُها إذْ قادهُ الشَّوقُ حتَّى جاءَ معتذرا
لمْ يجنِ ذنبًا فيدرِي ما يُمحِّصهُ ولا يرَى أجلًا للصَّفحِ مُنتظرا
واللهِ واللهِ لا تُشمتْ أعاديَهُ فالصَّفحُ أجملُ بالمولَى إذا قدرا
وقال سهيل بن عليل:
ألا أيُّها الرَّكبُ المخبُّونَ هلْ لكمْ بأُختِ بني نهدٍ نُهَيَّةَ مِنْ عهدِ
أألقتْ عصاها فاستقرَّ بها النَّوى بأرضِ بني قابوس أمْ ظعنتْ بعدِي
وقال آخر:
بعثتُ رسولًا فأضحَى خليلا علَى الرُّغمِ منِّي فصبرًا جميلا
وكنتُ الخليلُ وكانَ الرَّسولُ فأضحَى خليلًا وصرتُ الرَّسولا
كذا مَنْ يوجِّهُ في حاجةٍ إلى مَنْ يحبُّ رسولًا نبيلا
وزعموا أن جارية أرسلت جاريتها برسالة إلى خليل كان لها فاتَّهمته بأنه خمشها فكتب معتذرًا من ذلك:
زعمَ الرَّسولُ بأنَّني خمَّشتهُ كذبَ الرَّسولُ وفالقِ الأصباحِ
إن كنتُ خمَّشتُ الرَّسولَ فعافصتْ روحِي أناملُ قابضِ الأرواحِ
شغلي بحبِّكِ عنْ سواكِ وليسَ لي قلبانِ مشغولٌ وآخرُ صاحِ
قلبي الَّذي لمْ يُبقِ فيهِ هواكمُ فضلًا لتخميشٍ ولا لمزاحِ