[ ٣٥ ]
لا بد لي من أن أطيل الكلام في هذا الفصل امتحانًا لصبر القارئ. فإن أتى على آخره دفعة واحدة من غير أن تحترق أسنانه غيظًا أو تصطك رجلاه غيرة وحمية. أو ينزوي ما بين عينيه أنفة وحشمة. أو تنتفخ أو داجه وَغْرا وهوجًا. أفردت له فصلًا فيه وعددته من القراء الصابرين. ولكون الفارياق في هذا الوقت قد طال لسانه وإن يكن فكره قد بقي قصيرًا، ورأسه صغيرًا ناقصًا من عند فمحدوته. وقد نذرت على نفسي أن أمشي وراءه خطوة خطوة وأحاكيه في سرته. فإن رأيت منه حمقة جئت بمثلها. أو غواية غويت مثله. أو رشدًا قابلته بنظيره قابلته بنظيره وإلا فإني أكون خصمه لا كاتب سيرته أو ناقل كلامه. وينبغي أن يعلق هذا الحكم في أعناق جميع المؤلفين. ولكن هيهات فأني أرى أكثرهم قد زاغ عن هذه المحجة. إذ المؤلف منهم بينا هو يذكر مصيبة أحد من العباد في عقله أو امرأته أو ماله إذا به تكلف لا يراد الفقر المسجعة والعبارات المرصعة وحشى قصته بجميع ضروب الاستعارات والكنايات. وتشاغل عن هم صاحبه بما أنه غير مكترث به. فترى المصاب ينتحب ويولولول ويشكو ويتظلم. والمؤلف يسجع ويجنس ويرصع ويروي ويستطرد ويلتفت ويتناول المعاني البعيدة. فيمد يده تارة إلى الشمس وتارة إلى النجوم. ويحاول إنزالها من أوج سمائها إلى سافل قوله. ومرة يقتحم البحار. وأخرى يقتطف الأزهار ويطفر في الحدائق والغياض. من أصل إلى فرع ومن غوطة إلى ربوة.
ما ذلك دأبي فإني إذا أوردت كلامًا عن أحمق انتقيت فيه له جميع الألفاظ السخيفة. وإذا نقلت عن أمير تأدبت معه في النقل ما أمكن. فكأني جالس بمجلسه. أو عن قسيس مثلًا أو مطران أتخفته بجميع اللفظ الركيك والكلام المختل. لئلا يصعب عليه المعنى فيفوت الغرض من تأليف هذا الكتاب.
فأعلم إذًا أن الفارياق بعد أن فار دماغه بحرارة النمو زيادة على ما كان له من الرغبة في النظم سارت ذات يوم لقضاء مصلحة له. فمر في طريقة على دير للرهبان. وكان الوقت مساء. فرأى أن يبيت ليلته تلك في الدير فعرج عليه وطرق الباب فبرز له رويهب. فقال له الفارياق هل من مبيت عندكم لضيف فقال له الرويهب. أهلًا به إن لم يكن ذا سيف. ففرج الفارياق بهذا الجواب وعجب من أنه يوجد في الدير من يحسن المساجلة. وإنما قال له الروية بما قال لأن الدير كان ينتابه كثير من أتباع الأمير ليبيتوا فيه منكل سرطم قهقم لهم نهم وحم وخم هقم يسمع له هيقم. فكان أحدهم إذا بات ثمّ ليلة يكلف الرهبان من المطاعم الفاخرة ما لم يعهدوه. لأن هؤلاء الخلق يعيشون عيشة المتقشفين المقترين المتبلغين بأدنى القوت. إذ هم ينظرون إلى الدنيا وإلى لذاتها نظر العدو. فهي عندهم ضرة الآخرة. كلما تباعد عنها الإنسان المخلوق فيها تقرب إلى الجنة. حتى أن الخبر الذي كثيرًا ما يأكلونه بغير إدام ليس كخبز الناس. فإنهم بعد أن يخبزوه رقيقًا يشمسونه أيامًا متوالية حتى يجف وييبس بحيث يمكن للإنسان إذا أخذ بكلتا يديه رغيفين وضرب أحدهما بالآخر أن يخيف بقرقعتهما جميع جرذان الدير. أو أن يتخذهما متخذ الناقوس الذي يضرب به لأوقات الصلاة. ولا يقدرون على أكله إلا منقوعًا بالماء حتى يعود عجينًا. فأما تقلد تابع الأمير بالسيف فإنما هو تهويل وإنذار بنكال المتهاون به. كتهويل الفارياق على الرويهب بسؤاله. ومن لم يكن له سيف استعار سيف صاحبه. أو أتخذ له خشبة رقيقة في غمد سيف. وليس في استعارة الماعون وغيره عند أهل الجبل من عار بل كثيرًا ما يستعيرون حليًا ومعروضًا للعروس يزفونها به وللرجل ثيابًا وعمامة يزينونه بها.
[ ٣٦ ]
ثم أنه لما حان وقت العشاء جاء ذلك الرويهب بصحفة من العدس المطبوخ بالزيت وبثلاثة أصنج من ذلك الخبز وجعلها بين يدي الفارياق. فجلس للعشاء وتناول رغيفا ودقة بالآخر حتى انكسر. فلما التقم أول لقمة نشبت شظية من الخبز في سنه وكادت أن تذهب بها. فجعل يسندها ويسد موضع الخلل منها بالعدس. ولم يكد يتم العشاء حتى اشتدت حرارة العدس في بدنه فجعل يحك بأظفاره وببعض قصد الرغيف حتى تهشم جلده. فساءه ذلك جدًا. وقال لقد خلخلت هذه الكسرة سني فلأقلعن سنًا من أسنان هذا الدير. ثم إنه اعمل فكرة في نظم بيتين في العدس تشفيا مما ناله منه جريا على عادة الشعراء من انهم يتشفون بعتابهم الدهر مما هم فيه من النحس والقهر والشقاوة والضر. فالتبست عليه لفظة فقام في طلب القاموس فطرق باب جاره وكان من المتحمسين في الدين. فقال له هل عندك يا سيدي القاموس. قال ما عندنا بالدير جاموس بل ثيران. فما حاجتك به الآن. فطرق باب آخر وكان أشد منه خشونة. فقال له هل لك ان تعيريني القاموس ساعة قال اصبر عليّ إلى نصف الليل فإن الكابوس لا يأتيني إلا في هذا الوقت. فمضى إلى غيره وأعاد عليه السؤال. فقال له أي شيء هو هذا القاموص يا ماغوص فرجع إلى صومعته وقال. لابد من نظم البيتين. وسأترك محلا فارغا للفظة فقال:
أكلت العدس في دير مساء فبث وبي أكال لا يطاق
فلولا أنني أعملت ظفري لقال الناس الفارياق
فلما كان نصف الليل والفارياق نائم إذ بأحد الرهبان يقرع عليه الباب. فظن أنه أتاه بالكتاب المطلوب. ففتح له وهو مستبشر بوجدان ضالته. فقال له الراهب قم إلى الصلاة اقفل الباب واتبعني فتذكر عند ذلك ما قاله له جاره من أن الكابوس لا يأتيه إلا في نصف الليل. فقال في نفسه لقد صدق الرجل فإن هذا الداعي أشد على النائم من الكابوس. قبحا لها من ليلة شؤمي لقد كاد الخبز يقلع سني والعدس منافي بالحكة. وما كدت الآن أغفى حتى أتاني هذا القارع الأقرع النحس يدعوني إلى الصلوة أكان أبي راهبًا وأمي راهبة أم وجب على الشكر والصلاة من أجل أكلة عدس؟ ولكن سأصبر إلى الصباح.
[ ٣٧ ]
فلما كان الغد جاءه ذلك الرويهب ليسأله عن حاله إذ كان قد دخل الدير مذ عهد غير بعيد فكان فيه بقية رقة ولطف. فقال له الفارياق سألتك بالله أن تجلس عندي قليلًا. فلما جلس قال له قل لي فديتك أفي كل يوم أنتم تفعلون هذا. فوجم الرويهب فظن به سواء ثم قال أي فعل تعني. قال أكلكم العدس مساء وقيامكم في نصف الليل للصلاة. قال نعم ذلك دأبنا في كل يوم. قال ما الذي أوجبه عليكم. قال التعبد لله والتقرب إليه. قال أن الله ﵎ لا يهمه أن كان الإنسان يأكل عدسا أو لحما. ولم يأمر بذلك في كتبه. إذ ليس فيه مصلحة لنفس الآكل أو المأكول. قال هذا دأب النساك العباد إذ التقشف في المعيشة ونهك الجسم بالرديء من الطعام وبقلة النوم ينفي الشهوات. قال لا بل هو مناف لما شاءه الله. إذ لو شاء أن ينهك بدنك ويخليه من الشهوات لخلقك ضاويا دنفا. ما قولك في من خلقه الله جميلا. أيجوز له أن يشوه وجهه بأن يبخق عينه أو يخرم أنفه أو يشرم شفته أو يقلع أسنانه كما أردتم قلع أسناني البارحة بخبزكم هذا اليابس. أو أن يسخم سحنته. قال في ظني أنه لا يجوز. قال أليس البدن كله على قياس الوجه. لعمري ما خلق الله الساعد الفعم إلا وهو يريد بقاءه فعما. ولا الساق المجدولة إلا وشاء لها أن تكون كذلك دائما. ولا حلل الطيبات من المآكل للناس إلا وهو يريد أن يأكلوها هنيئا مريئا. نعم قد حرم هذه الطيبات بعض الأديان المشطة. غير أن دين النصارى يحللها. وإنما جاء التحريم من بعض شهارب طعنوا في السن فلم يكن بهم قطم إلى اللحم ولا إلى غيره. ما المانع تناوله كل يوم؟ قال لا ادري وإنما سمعت علماءنا يقولون ذلك فقلدتهم. وأني أقول لك الحق أني مللت من هذه العيشة. فإني أرى جسمي كل يوم في ذبول ونفسي في انقباض. ولو كنت عرفت من قبل ما أصير إليه لما سلكت هذه الطريقة غير إن أبي وأمي فقيران وخشيا أن أكون من ذوي البطالة والتعطل، إذ لا صنائع نافعة في بلادنا يمكن للإنسان أن يتعلمها ويعيش منها فزينا لي الرهبانية. وقالا لي إذا واظبت على طريقة في الدير بضع سنين فربما ترتقي إلى رتبة عالية فتنتفع نفسك وإيانا وما زالا بي حتى أجبتهما ولو لم أجبهما طوعًا لأكرهاني على ذلك. فقال له الفارياق نعم أن الرهبانية هي ملجأ من البطالة فكل من كان عطلًا عن علم أو صنعة يقصدها إلا انك مازلت مثلي حدثا فيمكن لك أن تقصد أحدا من أهل الخير والشفقة فيدلك على ما ينفعك. والله تعالى خلق الأشداق وتكفل لها بالأرزاق. وقد جعل في الحركة بركة هذا وأنت تعلم أن الرهبانية مشتقة منالرهبة وهي خوف الله تعالى. فإذا تعاطيت حرفة وعشت بها بين الناس وتزوجت ورزقت ولدًا وخشيت الله فأنت حق راهب. ليست الرهبانية بأكل العدس والخبز اليابس. أليس إن رهبان ديرك بينهم من الخصام والطعن والحقد ما لا يوجد عند غيرهم. فإن رئيسهم لا يزال يحاول إذلالهم وإخضاعهم له. وهم لا يزالون مدمدمين عليه شاكين منه. وبينه وبين رؤساء الأديار الأخرى من الحسد والمنافسة ما بين وزراء الدول. وأكثرهم ينال الرئاسة بالتملق للأمير الحاكم أو للبطرك. فإذا أحس بوشك انقضاء مدته وخشي العزل رأيته يجود بالهدايا والتحف لذوي الأمر والنهي بما لا يجود به أكرم أهل بلادنا. وذلك حتى يقروه على رئاسته. وهؤلاء الرهبان المكرهون على التبلغ بالعدس وعلى التنحس إذا دعاهم أحد لمأدبة سمعت لاستراطهم دويا. فيلفلفون ويلعمظون ويتلمظون ويتكظكظون ويشتفون حتى تجحظ عيونهم. وأضر ما يكون عليّ منهم انك لا تكاد تسلم على أحد منهم إلا ويمد لك يده لتبوسها. ربما كانت نجسة قذرة. فكيف الثم يد من هو أجهل مني ولا غناء عنده في شيء. انظر كم عندنا في بلادنا من دير وعلى كم تشتمل هذه الأديار من الرهبان. ولم أر أحدًا منهم نبغ في علم ولا من أثرت عنه مكرمة. بل لا تسمع عنهم إلا ما يشين الإنسان في عقله وعرضه.
[ ٣٨ ]
قد كنت في خدمة بعير بيعر مدة فرأيت أحد هؤلاء الكارزين قد تمكن من ابنته تمكن الزوج من امرأته. فكان يقول لها فيما يسألها عنه هل تتمجمج أليتاك ويترجرج ثدياك؟ فما للراهب ولترعد ألا يا النسوان ورجرجة أثدائهن!؟ وآخر كان رئيسا في دير فعلق بنتا في قرية بالقرب من الدير فلم تلبث أن علقت منه. غير أنه لما كان أخوه وجيها عند الحاكم خاف أبو البنت من أن يخاصمه ويفضحه. بل قد تقرر في عقول الجهلاء من أهل بلادنا أن إفشاء أمر مثل هذا مما يفتضح به عرض أحد هؤلاء النساك حرام. أيم الله أن الستر عليه حرام فإن فضيحته تردع غيره. وأعرف آخر جاء إلى قريتنا متماوتًا وقد طول كمية وأسبل قلنسوته حتى لم يكد يظهر من تحتها إلا فمه ولحيته وتظاهرا بالصلاح والتقوى. ثم أنزل نفسه منزلة خطيب في القوم. فجعل يخطب ويعظ وينذر بصوت جهير. وكان يبكي عند ذلك أشد البكاء ويذرف المدامع إذ كان جعل في منديله الذي يمسح به وجهه شيئًا ذا حرتة لا أدري ما هو. ثم آل أمره إلى أنه يقضي أيامًا وليالي مع أرملة حسناء شابة من نساء الأمراء في خلوة استذراعا بأنها تعترف له اعترافا عاما. أي من يوم انتفخ ثديها ونبت شعرها إلى ذلك اليوم. وأعرف آخر كان قد ذهب إلى رومية وكان مغفلا فكان ينام في فراشه بثيابه الرهبانية على طريقته في الدير ويوسخ الملاءة. فكان صاحب المنزل ينهاه عن ذلك. ثم لما رأى أن جميع قسيسي رومية وأعيان أئمتها من البابا إلى الكردينال إلى الراهب ينامون عريانين لا شيء يستر سوءتهم غير ملاء. الكتان الرفيع كفر بهم وصار يستحل الحلال والحرام معًا. فانظر إلى هؤلاء العباد من العباد فإنك لا ترى فيهم إلا خبيثًا منافقا. أو جاهلا مائقا. وندر وجود الصالح بينهم. أما العلم فهو محرم عليهم كلهم.
لا بأس في الرهبانية تطوعًا لا بأس إنما هي طريقة محمودة. ولكن بشرط مجاوزة الخمسين سنة. وإن يكون الداخلون فيها من أهل الفضائل والمعارف. يشتغلون بالعلم وبتهذيب إملاء إخوانهم ومعارفهم. ويحضون على مكارم الأخلاق والاتصاف بالمزايا الحميدة. ويؤلفون الكتب المفيدة وينهجون لقومهم المناهج المؤدية إلى الخير والفلاح والفوز والنجاح. لا مثل هؤلاء الذين لا يعرفون شيئًا من الدنيا سوى التقشف والرثاثة. وناهيك دليلا على جهلهم أني سألت أشدهم تحمسا أن يعيرني القاموس فظنه الجاموس. وآخر ظنه الكابوس. وآخر القاموص. فبادر يا صاح وتخلص منهم هداك الله وإلا فتكون لا من أهل الدنيا ولا من أهل الآخرة. فإن دين الجاهل عند الله ليس بشيء. وإذا بلغت الستين سنة فيها هي الرهبانية بين يديك.
فقال له كيف التخلص. قال ألك في الدير متاع فأساعدك على حمله. قال مالي سوى ما تراه عليّ. قال فامض بنا إذا فإن الرهبان الآن عاكفون على الصلاة. فخرجا من باب الدير ولم يعلم بهما أحد. فلما بعدا قليلا هنأ الفارياق صاحبه بخروجه من ربقة الجهل وقال له. لعمري لو كنت كلما أكلت أكلة عدس خلصت راهبا أو رويهبا أو بالحري راهبة أو رويهبة لوددت أن لا آكل الدهر غيره وإن أكل بدني. فجزى الله الدير خيرًا.