ثم لازم الفارياق نظم الأبيات وهو حريص على الاتسام بسمة الشيخ فعنّ له أن يقرأ النحو على بعض المشايخ لما إنه رأى ان القدر الذي كان تعلمه منه في بلاده لا يكفي لممدح السري. وفي ذلك الشهر الذي نوى فيه القراءة أصيب برمد أليم. فلما أفاق شرع في العلم فقرأ على الشيخ مصطفى كتبًا صغيرة في النحو والصرف. ثم اشتد به داء الديدان الذي سببه فيما قيل أكل اللحم. نيًّا. وتلك عادة مشهورة عند أهل الشام. فكان يتمعص منه وقت القراءة والشيخ يظن أن ذلك من اختلاف المسائل وكثرة التعليل حتى قال له مرة سبحان الله ما أحد قرأ عليّ هذا الفن إلا ويتمعص. فقال له ليس التمعص كله يا سيدي الشيخ من زيد وعمرو. فإن لجماعة الديدان أيضًا مدخلًا. فإني لا آكل شيئًا إلا وسبقوا معدتي إليه. قال لا بأس عليك عسى أن يخف عنك ببركة العلم. واتفق للفارياق وقتئذ أن سأله أحد معارفه أن يقرأ على الشيخ المذكور ذلك الكتاب الذي تقرأه النصارى في الجبل. وهو كتاب بحث المطالب. فلما ختمه التمس من الشيخ أن يكتب له إجازة إقرائه في بلاده. فكتب له إجازة وعرضها على الفارياق. فحين تصفحها رأى فيها خطأ في اللغة والإعراب. فاستأذن من شيخه أن يوقفه على الغلط فلما وقف عليه قال سأكتب له غدًا أخرى. ثم كتب له إجازة غيرها فلما أمعن الفارياق فيها النظر إذا بها كالأولى. فنبه شيخه على ما فيها. فقال له اكتب له أنت عني ما شئت فكتب له ما اعجب به على أن الشيخ كان مضطلعا بفن النحو غاية ما يكون. فكان يقضي ساعة تامة في شرح جملة غير تامة. إلا لم يكن يزاول الإنشاء والتأليف فكان علمه كله في صدره وعلى لسانه ولا يكاد يخرج منه إلى القلم شيء.
[ ١٣٠ ]
ثم بعد قراءة النحو على النسق المذكور راجع الفارياق وجع العينين. فلما أفاق رأى أن يقرأ شرح التلخيص في المعاني. فشرع فيه مع الشيخ احمد. فلم يسرْ فيه قليلا حتى أصابته الحكة ولم يكن قد عرفها في مبادئها فلهذا استمر على القراءة. حتى إذا كان الشيخ آخذ مرة في شرح مسألة معضلة ثارت الحكة في بدن الفارياق فجعل يحك بكلتا يديه. فألتفت إليه الشيخ فرآه منهمكًا في الحك فقال. له ما بالك تحك وأنت على ما يظهر لي غير منتبه لقيل وأجيب هل نحن الآن في محاكمة الألفاظ أو في محاكمة الأعضاء. قال لا تؤاخذني يا سيدي فإني أرى لذة الحك مانعة لي من التنبه لغيره. قال أوبك الحك قال لعلها هي فنظر الشيخ إلى يديه فقال هي والله فينبغي أن تفتصر في بيتك وتطلي جسمك بخراء الكلاب فليس لها من علاج سواه. فلزم الفارياق بيته وجعل يطلي بدنه كل يوم بالخراء المشار إليه ويقعد في الشمس ساعات حتى لقي من ذلك عذاب الهون.
ثم لما أفاق رجع إلى القراءة وبعد أن ختم الكتاب عاودته ضريبة الرمد ثم نقر في رأسه أن يفرأ شرح السلم للأخضري في المنطق فشرع في قراءته على الشيخ محمود فأصابته الهيضة وهي الداء المسمى في مصر بالهواء الأصفر فبقي ثلاثة أيام لا يعي ولا يعقل من الدنيا شيئًا ولا يقدر على النطق. سوى أنه سمعه خادمه مرة يهذي ويقول كلية. موجبة كبرى. فظن أنه يستعظم مصيبته فيقول أنها كبرى. ولم يكن أحد أصيب بهذا الداء في مصر. فلما مضت ثلاثون يومًا أنتشر في البلد وعمّ بلاوه والعياذ بالله فكان يموت به كل يوم ألوف. ووقتئذ عرف الفارياق أنه كان المقدم في هذه البلية وغيره التالي كما تقول المناطقة. وأن الديدان التي كان يقاسي منها هي التي عجلت له بهذا الداء فجعل هوبها. فجعل أي الفارياق يركب حماره ويطوف في الأسواق وكأنه آمن من المقدور. "حاشية لم يكن هذا الحمار ذلك الذي أستحق الرثاء. والتأبين بل كان ممن يحق له التفريظ.
فسار إلى قرية في الريف ومعه خادمه وخادمته. فعلم به بعض ولاة البلاد فأستدعى به وبالخادم والخادمة. وقال له لبيب هل هذا وقت الموت أو وقت الإيلاد حتى جئت بهذه الجارية هنا. قال أنا مدّاح السريّ وقد أتيت لأسرح ناظري في نظرة الريف فأجيد مدحه بعد موت من يموت. فقد ضقت بالمدينة ذرعًا وخشيت على قريحتي العقم. قال ما هذه وأشار إلى الخادمة. قال هي أخت هذا يعني الخادم. قال وما هذا. قال خوليّ هذا يعني الحمار. فألتفت الأمير إلى الخادم فرأى عليه طلاوة. فقال له من حيث أنك شاعر السريّ أو شعروره فلا تثريب عليك. وإنما ينبغي أن تترك الخادم هنا فأنه يصلح لخدمتي. قال لك على الإمرة فخذه فاستبد به الأمير تلك الليلة وسأله عن الفارياق ملحًا. فقال له الخادم والله يا سيدي إنه رجل طيب غير إني أظن أنه أعجمي فإني لا أكاد أفهمه حين يتكلم بلغتنا. فلما أصبح الصباح تأهب الفارياق للرجوع فلم يجد الحمار. فظن أنه لحق الأول. فجعل يبحث عنه فوجده قد خرج مع حمار آخر من حمر الأمير إلى سهل وهو تحته يزقع وينخر. فلما أن رآه على حاله المفعولية غلبه الضحك فقال قد ورد الحديث أن الناس على دين ملوكهم. إلا أنه لم يقل أحد قط أن الحمير على مذهب أصحابها. ولكن بالعير ولا بالمعير.
ثم رجع إلى الدار فوجد خادمه وخادمته ينتظرانه. وقال له الخادم قد سرحني الأمير فأنه لم يرني أهلًا لخدمته إلا ليلة واحدة وها أنا الآن حر. ثم أن الفارياق بعد أن هنا الأمير ومرّأه رجع إلى مصر وكان البلاء قد خف. فسأل عن شيخه المنطقي فقيل له أنه حي لم يقض من القضايا فرجع إليه وأتمَّ ما كان أبتدأ به فلما بلغ آخر درجة من المسلم عاودته ضريبة الرمد فلزم بيته. فلما أفاق رأى أن يتعلم شيئًا من الفقه وعلم الكلام. فبدأ بالكنز وبالرسالة السنوسية فمرض- فرآه بعض معارفه من الفرنساوية فسأله عن سبب ضعفه فأخبر الخبر. فقال له أنا أشفيك منه بأذن الله ولكن على شرط أن تعلم أبني العربية. فقال حبًا وكرامة فشرع مذ ذلك الوقت في تعليمه وفي تعاطي الدواء من عند أبيه. ولكن لا بدّ لتفصيل ذلك من فصل على حدته.