[ ١٧٥ ]
كان قد بلغ مسامع حاكم الجزيرة أن الفارياق قدم إليها لتعبير الأحلام وإنه خبير بهذا الفن جدًا. وأن به ملكة أيضا على إصلاح البخر. فبعث إليه ذات يوم بعض حجاّبه يقول لهان الحاكم يدعوك إليه لمسألة مهمة فلابد من أن تفد عليه. فلما حانت الساعة توجه الفارياق إليه وهو موجس من أن يكون الحاكم قد حلم حلما حكيمًا جليلا يعسر عليه تعبيره. لأن العظماء لا يحلمون إلا الأحلام العظيمة. فهم منزهون عن جلاهق القنّبيط ووهي المفتاح والصرع وغير ذلك من الأحوال الخسيسة اللائقة بالصعاليك. فلما مثل بمجلس الحاكم قال له قد بلغني قدومك إلى هذه الجزيرة عند الخرجي. وإنه قد ضايقك بكثرة أحلامه وما كفاه ذلك حتى علم زوجته أيضًا أن تحلم مثله. فهل لك الآن في تعاطي مصلحة لدينا تخفف عنك أحلامه وتثقل كيسك. قال ما هي يا سيدي؟ قال إن عندنا في هذه الجزيرة قوما بخرا لا يطيق أحد أن يفهم منهم شيئا إذا تفوهوا لشدة بخرهم. وقد سمعت انك قادرا على علاجهم فهل لك في إصلاحهم ولك عندنا مكافأة الحسنة. قال الأمر إليك يا سيدي ولكني كاهن المعّبر. قال أنى باعث الآن إلى الخرجي من يخبره بذلك فلا تخش منه ضيرا. قال جزاك الله خيرًا أنك أهل للخير والفضل. ثم انصرف من حضرته من غير أن يرجع القهقري. لان حكام الإفرنج لا ينكرون على الرجل أن يروا منه قفاه أو ظهره أو بطنه لا بل بطونهم أظهر من ظهورهم.
فلما بلغ إلى منزله واخبر زوجته بذلك وكانت قد ابتدأت تتهجى قالت. بورك من يوم أني رأيت فيه بدكان جوهري عقدا نفسيًا. وكأني رأيت عليه حروفًا ظهر لي أنها ك س ب ال ب خ ر فهل يخرج منها معنى. قال يخرج منها معنى أني اشتريه لك من الدراهم التي تحصل لي من وظيفة البخر. قالت نعم فإني كنت أسمع أمي تقول لأبي أن الرجل إذا بذل رأس ما يتحصل بيده من الأموال في شراء حلي ولباس لزوجته بارك الله له في ذنبها. أي في ذنب الأموال لا في ذنب امرأته. قال فما الفائدة إذًا من هذا البذل إذا لم تشمل البركة الطرفين؟ قالت لزيادة جمال زوجته. قال أما أنا فراض بما فيك من الحسن الطبيعي فلمن هذه الزيادة. قالت هي تزيدك حبًا إليّ. وتبعث غيرك أيضا على أن يحسدوك عليّ. ويتمنوا لو أني كنت لهم. قال اللهم اكفني شر المزيد. ولكن لابد من شراء العقد. فهو أولى من انحلال العقد. فوعدها بذلك فاتعدت بحمد الله ولمست جيدها. فلما مضى الشهر وقبض المرتب له أنجز لها وعده. فقالت هو من دراهم البخر ولكنه أحسن من الندّ. لقد قسم الله بيننا أعدل قسمة خذ أنت دراهم الهُلج واعطني دراهم البخر. فقد رضيت بهم. قال فقلت لها لا تقولي بهم ولكن بها. فإن بهم يرجع إلى البخر. قال فهي نمت بكلام لم اسمعه كله وإنما سمعت من آخره قولها وأي ضرر من هم. فقلت لها وأي حيزبون أنت. فالتفتت إلى الباب فلم تر أحدًا فقالت أين الزبون؟ ثم استمر الفارياق في الوظيفتين المذكورتين معبرًا ومصلحًا مدة مكنته من حل مشاكل زوجته. وأتخذ له متاعًا فاخرًا وآنية وصار يدعو ويصنع لهم ولائم.
[ ١٧٦ ]
وكان للحاكم عادة أن جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد يرقص فيها الرجال والنساء بحضرته. وكان من جملة المدعوّين الفارياق وزوجته. فلما رأيت الرجال يرقصون وهم مخاصرون للنساء قالت لزوجها. هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال قال منهن هكذا ومنهن بخلاف ذلك. قالت وكيف يخاصرونهن إذًا. قال هذه عادة القوم منا وفي سائر بلاد الإفرنج. قالت وبعد المخاصرة ما يكون منهم. قال لا أدري ولكن بعد انفضاض الناس يذهب كلّ إلى منزله. قالت أشهد بالله أنه ما خصر رجل امرأة إلاّ وباطنَها. قال لا تسيئي الظن إنها عادة قد مشوا عليها. قالت نعم هي عادة ونِعْمت العادة. ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها. قال فقلت لا أدري إنما أنا رجل لا امرأة. قالت ولكن أنا أدري أن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزًا للإحساس الفوقي والتحتي. ولذلك كانت النساء عند الرقص والقرص في أي موضع كان من أجسامهن يبدين الحركة من الخصر ثم تنفست الصعداء وقالت يا ليت أهلي علموني الرقص. فما أرى فيه لأنثى نقص. فقلت لو فتحت الصاد في كل من المصراعين لكان بيتًا مطلقًا. فقالت يا للفضيحة بين الأنام. أتقول هذا الكلام في مثل هذا المقام. قلت هيت إلى البيت. فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت. قالت لا بد من أن أرى ختام الرقص. قال فلبثنا إلى الصباح ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة نساء مع رجال راقصات. رجال مع نساء راقصون. راقصات راقصون راقصات. فقلت فاعلات فاعلون فاعلون فاعلات. قالت الرجال والنساء والبنون والبنات. كيف- متى- أين.
ثم وبعد أيام ورد على الفارياق حلم مشكل في وحش ذي قرون وأذناب كثيرة وشيات وبقع شتى في جلده. وأراد صاحب المعبر أن يعرف تأويل كل قرن وسرّ كل بقعة. إيشاؤه فذهب إلى منزله مبتئسًا متسخطًا. فقالت له زوجته ما بك قال همّ ونكد. قالت ما سببه قال كلما تخلصت من ورطة وحلت في أخرى شر منها. قد كنت من قبل مداحًا للسري بما لم أرد ثم صرت عشير المجانين. ثم معبّر الأحلام. ثم مصلح البخر. وكل ذلك على غير ما أورم فما أنكد هذه المعيشة وأضيق هذه الدنيا عليّ. أليس في الأرض مندوحة عن هذا. قالت خفف عليك يا سيدي أن كل إنسان في الدنيا له نصيب من الحزن والهم. حتى المرأة أيضًا لا تخلو من الهمّ فدأبها كل يوم أن تزجج حاجبيها. وتكحل عينيها. وتورد خدّيها. وتخفف خطو قدميها. وتنظر في المرآة مائة مرة كيلا شعرة قد انفردت عن سائر شعرها. ثم تخاطب نفسها في المرآة وتضحك وتتبسم وتُهلس وتغمز وتلوي جيدها وعطفها وتتنفس الصعداء وغير ذلك لتعلم كيف تبدو منها هذه الأفعال في عيون الناس. قال فقلت أهذا وقت الجد أم الهزل أنا أقول لك أن للوحش أذنابًا وقرونًا وشيات لا تحتمل التأويل وأنت تذكرين الغمز والابتسام والتكحيل. قالت ليس في كل يوم يأتيك وحش مثل هذا وإنما هّم النساء في كل صباح ومساء ضربة لازب. وحسبنا بالغربة هّمًا وحزنًا.
[ ١٧٧ ]
قالت أما أنت قريرة العين هنا وقد تمتّعت بالحرّية في الخروج وحدك. وفي رؤية الناس وفي رؤيتهم لك بما لم تعديه من قبل في دولة البرقع والحبرة. قالت إنما ينغصني كوني لا أستطيع أن أبلغ أهل مصر أي النصارى منهم قبطيهم وشاميهم ما يراد من الزواج مما لم يعرفوه بعد فإنهم يحسبون أن الله تعالى إنما خلق المرأة لمرضاه الرجل في فراشه وخدمته بيته فترى طلعة الرجل منهم إذا جاء منزله وواجه امرأته كطلعته حين غاب عنها سواء. وإنه ليقعد بعيدًا عنها قعدة المستريب المتفكّن. وإذا نظر إليها فما ينظر إلا إلى شعرها ليرى به شعث أو لا. ثم هو لا يصلحه لها أمام الناس إذا شعثته الريح وغيرها. ولا يلبسها ولا يأخذ بذراعها إذا تماشيا بل قلما يمشي معها إلا إذا سارت لتنظر أهلها غيرة عليها من أن يكلمها أحد في الطريق أو يراها فترجع حبلى من النظر بفذّ ومن الكلام بتوأمين. فإذا حضر الطعام تعشى وهو ساكت وجم كأنما يأكل شيئًا مسمومًا. وربما كلفها غسل رجليه قبل النوم أو تكبيسهما حتى يجيئه النعاس. وفي خلال ذلك يرمش ويرضك ويتثاءب ويتمطى. ثم يرقد دون عفز ولا حفز. وكلما كان عيد لأحد مناجيف الرهبان تابل عنها ويلزمها أن تقول له بحضرة الناس نعم يا سيدي. وأحسنت يا سيدي. وربما كان ذلك السيد سيدًا عملَّسًا. أو كان من أكبر الحمقى وكانت هي رشيدة لبيبة فلا يسعها إلاّ أن تتبعّل له. ولا يمكنها إذا رأت منه غواية أن ترده إلى طريق الصواب. فقد تقرر في عقول النَّوكي المآفيك أن عصيانهن طاعة لله. حتى إذا وقع منكوسًا على أم رأسه رجع إلى امرأته باللوم والتبكيت. قال قلت قد روى عن النخعي إنه قال من أشرا الساعة طاعة النساء. فقالت كأني بالإفرنج قد حشروا أو يحشرون الليلة. ثم استمرت تقول وأقبح من هذا كله أن الرجل عندنا إذا كان كهلًا لا يستحي أن يتزوج ببنت لم يأت عليها بعدُ نصف عمره. فإذا استقرت عنده شرع في تربيتها وتنبيتها وتوليدها من ذي أُنُف وعاملها بالنفاق والدهان. فقد يكون خبيثًا فاجرًا ويوهمها إنه ذو صلاح وتقوى يتّورع من اللهو والسماع وعشرة الفتيان الكيّسين. وما يخطر بباله أن مغايرة السنّ بين الرجل وامرأته هي أعظم الأسباب الباعثة لها على فركه. بل يعتقد أن مجرد كونه فاعلًا وكونها مفعولًا يقضي له بالمزية والفضل عليها. فقلت ان دعوى الفاعلية ما أراها إلاّ باطلًا. فإن المفاقمة والمباضعة وأخواتها تدّل على إن الفعل مشترك بين أثنين. وإنما الأفضلية باعتبار البادئ. قالت ليس الابتداء متعينًا على واحد دون الآخر فأيهما بدأ صحَّ. فلا مزية لأحدهما على صاحبه. هذا وكم من مرة لمجرد هذا الوهم يغادر الرجل امرأته وحدها في البيت ويقضي ليلته عند أحد أصحابه. فيتعاطى معه المدام حتى يسكر ويذهب ما عنده من قليل العقل. فلا يقدر على الرجوع إلاّ إذا حمل بين أثنين كالجنازة. ثم هو لا يفرق بين أن تكون زوجته حبلى أو غير حبلى. فتراه يكلمها وهي في تلك الحالة بعين الكلام الذي كان يكلمها بهمن قبل. وربما دمق عليها كالضاغب فمناها بمرعبة. أو اسمعها الضَّبَعْطَي والضَّبَغْطَي والضَبَغْطَرَى وأية ودُخْدُخ وهَجاجَيْك وهذاذيك. أو كان عليها دَبُوقاء أو لزاقًا وطبَاقاء أو عَباقاء أو عَيابًا أو عَباماء.
[ ١٧٨ ]
فنهاية رفقة بها وشفقته عليها إنما هو أن يشتري لها جارية أو يستخدم وصيفة. وليس المقصود مجرد تخفيف الشغل عنها وإنما المقصود جعل الأمَةَ أو الخادمة رقيبة عليها حتى لا تخونه في عرضه. ولا أقول في ماله لأنه لا يخرج من البيت إلا بعد أن يقفل صناديقه. مع أن الجارية لا تكون إلاّ ذات ضلع مع سيدتها عليه وان شتمتها بين يديه وإهانتها: لأنها لا يهمها كون سيدتها تحب واحدًا من الرجال أو أثنين أو عشرة. بل يهمها أن تنال عندها الطيب من المأكول والمشروب. فإذا كانت زلّة سيدتها كما يقال تحت يدها أدلَّت عليها بتلك الزلة وتجرأت على أن تطلب منها ما تشاء. لا بل تتمنى أن سيدتها تكثر من العشاق ما استطاعت. لأنها تؤمل منهم الصلة والإحسان. ومعلوم إنه كلما كثرت العشاق كثرت الصلات. وبعدُ فإن من طبع النساء في كل زمان ومكان الارتياح إلى شواغل الهوى وبواعث العشق وان يرين أهل الدنيا كلها مسترسلين إليها ومنهمكين فيها فالجارية التي تكون عند سيدة حرّة على فرض صحة ذلك لا تلبث أن تغاضب سيدتها حتى تغري زوجها ببيعها فيقع نصيبها عند أخرى غير حرّة. غير أن الرجال مغفلون. نعم هم مغفلون. فأما تبجحهم بكونهم يشترون لأزواجهم حليًا في ربيع يُسْرهم فذلك عائد إلى خبرهم. لأنهم لا يلبثون أن يسلبونهن إياها في خريف عسرهم وأفلاسهم. فأية امرأة ترضى لنفسها بان تقعد في بيتها كالفرس المسرج المعدَّ للركوب وهي محرومة من معاشرة الناس. قال فقلت والله ما قلت كلامًا أحسن من هذا. وهذه آثار النجابة بدت تسطع من طباعك فحيّاك الله وبيّاك. قالت وما بياك قلت ليس بشيء. قالت ولكنها عندي حسنة للازدواج. قلت كأنك تقولين إنه من قبيل تزويج لفظة بأخرى فيشم منه رائحة الزواج. قالت نعم الزواج سارَّ حتى في الألفاظ. قلت ولكن بقي لي عليك اعتراض وهو انك عرّضت في أول خطبتك هذه البليغة التي أفادتني اكثر من خطب صاحب المعّبر بأني اصلح شعرك وثيابك أمام الناس. أو بأنه يلزمني أن أفعل ذلك وهو مما فات فكري. قالت انك لمَّا تفعله ولكن ستفعله أن شاء الله عن قريب. فأني أراك تقدر النساء ولا تبخسهن حقهن وإني واحدة من عباد الله هؤلاء.