[ ٢٩ ]
السجع للمؤلف كالرجل من خشب للماشي. فينبغي لي أن لا أتوكأ عليه في جميع طرق التعبير لئلا تضيق بي مذاهبه. أو يرميني في ورطة لا مناص لي منها. ولقد رأيت أن كلفة السجع اشق من كلفة النظم. فإنه لا يشترط في أبيات القصيدة من الارتباط والمناسبة ما يشترط في الفقر المسجعة. وكثيرا ما ترى الساجع قد دارت به القافية عن طريقه التي سلك فيها حتى تبلغه إلى ما لم يكن يرتضيه لو كان غير متقيد بها. والغرض هنا أن نغزل قصتنا على وجه سائغ لأي قارئ كان. ومن أحب أن يسمع الكلام كله مسجعا مقفى ومرشحا بالاستعارات ومحسنا بالكايات فعليه بمقامات الحريري أو بالنوابغ للزمخشري. فنقول إن صاحبنا الفارياق بعد إقامته مدة على الحالة التي ذكرناها جرى بينه وبين جده من النزاع والمناقشات ما أوجب عليه ترك ما كان فيه واقتفاء طريق آخر من طرق المعاش. فتاح له أن يكون معلما لإحدى بنات الأمراء وكانت ذات طلعة بهية. وشمائل مرضية. تامة الظرف. ناعسة الطرف ولكن ليس المراد بذلك إنها كانت لا تبصر من يحبها كما يكون من به نعاس. وإنما المعنى أنها ذابلته. حتى ولا هذه العبارة مفصحة بما أريد أن أقوله. فإنها توهم إنها كانت ذابلة مع أنها كانت غضة بضة. بل المقصود أن نقول إنها كانت كأنها تنظر عن تحشيف. ولكن مادة حشف لا تعجبني فإن فيها معاني اليبوسة والخساسة والرداءة وشيء آخر تجل الملاح عن ذكره. بل المراد أنها كانت تكسر جفنيها عند النظر. ولا الكسر أيضًا لائق لها. فلا أدري كيف ألحن للقارئ ما أردت. ولعل الأوفق أن يقال أنها كانت ترمي بسهام عن عينها. ولم يكن سنها مانعًا من تتبيل من ينظرها. فأن القلب يعلق بهوى الصغيرة الجداء كما يعلق بهوى الكبيرة الوطباء. إذ ليس كل عشق مؤديا إلى الدعارة. فقد عشق الناس الرسوم والأطلال والآثار. والأشكال والديار. ومنهم من عشق لرؤيته كفًا مخصبًا أو عقيصة شعر أو ثوبا أو سراويلات أو تكة أو نحو ذلك. وأعرف من أحب هرة امرأة فكان يلاعبها. ويخيل له الغرام أنه ملاعب صاحبتها. وكثيرا ما كانت تنشب فيه أظفارها وتدميه. وهو يستعذب ذلك ويستحليه. أما لاستعذاب العذاب في هوى المحبوب. أو لاعتقاده أن مداعبة النساء أيضا لا تخلوا من خدش أو دماء. فكون الجرح منهن أصالة أو وكالة إنما هو شيء واحد. وقد سئل أحد العشاق عن مبلغ الوجد منه فقال كنت أرتاح للريح إذا مرت على نتن مقبلة من صوب المحبوب. هذا وأن عشق أهل تلك البلاد أكثره على هذا النمط. أي أن العاشق منهم يكلف بأثر من محبوبه كمنديل أو زهرة أو رسالة وخصوصا بنصة شعر فيشمه ويضمه ويقبله ويعانقه كما قيل
الشعر مثل الشَّعر داعية الهوى والشَّعر مثل الشعر ذخر يذخر
من غاب عنك فلست تنظره سوى بالشعر وهو الأكثر
فإن قيل أنهم إنما عشقوا ذلك طمعا في وصال الحبيب الذي تفضل بهذه النعم لا كلفا بها من حيث هي هي. قلت ما المانع من أن تعشق الصغيرة طمعا في أن تصير كبيرة. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. وربّ أمل أحلى من فوز. وقد علم أهل الدراية أن من حرمه الله من الجمال لغاية لا يعلمها إلا هو عوضه عنه زيادة قصاص له بحدة الفكر والبصيرة وشدة التصور والتخيل ودقة الحدس فيكون أسرع إلى العشق وأكثر حرصا على أهل الجمال إذ الإنسان كلما بعد الشيء المقصود كان توقانه إليه أكثر وتولعه به أشدَّ. والمراد من ذلك كله أن نقول أن الفارياق كان يعلم من صغره إنه بمعزل عن الجمال. وإنه من صبائه كان يعظم أهله ويميزهن على غيرهن وإن القبيح معذور على عشق المليح كما قال الشاعر:
وقالوا يا قبيح الوجه تهوى مليحا دونه السمر الرقاق
فقلت وهل أنا إلا أديب فكيف يفوتني هذا الطباق
[ ٣٠ ]
قالوا أو أقول إنا عنهم. وقد يكون عشق الصغير كبيرا كما يكون عشق الكبير صغيرا. فإن الصغير لما كان غير ذي رشد يرده عن الاسترسال والتمادي في هواه كان هذا الاسترسال معقبا للجموع دون حد. ألا ترى أن الصغير إذا ولع بشيء من اللعب واللهو فإنه يتهتك فيه وينهمك غاية ما يكون. فكيف به إذا جنح إلى شيء هو أقوى من كل ما يستميل الطبع ويشوق النفس. نعم إن الكبير يقدر منافع ما يقصده من معشوقه أكثر من الصغير ولذلك يكون حرصه عليه أبلغ وطلبه له اكثر. غير إن عزة نفسه وسورة طباعه ونهيته قد تمنعه من أن يسلم عنان مشيئته للهوى. فيكون في طريق ميله وتوقانه تارة مقدما رجلا وتارة مؤخرا أخرى. والصغير متى ما استرسل استسهل. وبعد فقد نذرت على نفسي أن أكتب كتابا. وإن أودعه كل ما راق لخاطري من القول سديدا كان أو غير سديد فإني اعتقدت أن غير السديد عندي قد يكون عند غيري سديدا كما تحقق لدي عكسه. فإن شئت فأذعن أولا فليس هذا الوقت وقت العناد والخلاف.
والحاصل أن الفارياق لبث يعلم سيدته الصغيرة وجعل من دأبه أن يتودد إليها بإغضاء النظر على إصلاح غلطها. بل لم يكن يرى إن صاحبة هذا الجمال يجوز ردها. فتأخرت هي في العلم وتقدم هو في الهوس فمما قال فيها.
بروحي من أعلمه وقلبي أسير هواه لن يستطيع صبرًا
أغار عليه وجدًا من حروف يفوه بها فتلثم منه ثغرًا
والحمد لله على كون اللغة العربية خالية عن الياء الفارسية والفاء الإفرنكية وإلا لزادت غيرة صاحبنا وربما كان ذلك سببًا في جنونه. فإن الغيرة والجنون يخرجان من مخرج واحد كما أفاده المشايخ الراسخون في الزواج. وهنا دقيقة وهي أن بعض العتاول جمع عتول وهو من لا خير عنده للنساء يستثقل المؤنث في الغزل والنسيب فيجعله مذكرًا وبعضهم يضمره. وعليه قول الفارياق أعلمه. والظاهر إن المقدر في ذلك لفظة شخص. فيا ليت هذا الحرف كان في لغتنا مؤنثا كما هو في الفرنساوية والطليانية حتى لا يجد الناسب محيدا عن التأنيث.
فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي إنه محمدة بشرط استعماله على شروطه. وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق وتحسن الإملاء. فإن المرأة إذا اشتغلت بالعلم كان لها به شاغل استنباط المكايد واختراع الحيل كما سيأتي ذكر ذلك. ولا بأس بالمتزوجات بقراءة كتابي هذا وأمثاله. لأنه كما إن من ألوان الطعام ما يباح للمتزوجين دون غيرهم. فكذلك هي ألوان الكلام. والظاهر إن اللغة العربية شرك للهوى إذ يوجد فيها من العبارات الشائقة المتصبية ما لا يوجد في غيرها.
[ ٣١ ]
فمن قرأت مثلا في شرح المشارق لابن مالك إن مراتب العشق ثمانية أدناها الاستحسان وينشأ عن النظر والسماع ثم يقوى التفكير فيصير مودة وهي الميل للمحبوب. أي المحبوبة. ثم يقوي فيصير محبة وهي ائتلاف الأرواح. ثم يقوى فيصير خلة وهي تمكن المحبة في القلب حتى تسقط بينهما السرائر. ثم يقوى فيصير بحيث لا يخالطه تلون ولا يداخله تغير. ثم يقوى فيصير عشقا وهو الإفراط في المحبة حتى لا يخلو فكر العاشق عن المعشوق أي المعشوقة. وإنه يقوى فيصير تتيما. وفي هذه الحالة لا ترضى نفسه سوى صورة معشوقة، أي معشوقته. ثم يقوى فيصير ولها وهو الخروج عن الحد حتى لا يدري ما يقول ولا أين يذهب وحينئذ تعجز الأطباء عن مداواته. قلت وإن من أنواعه أيضا الصبابة وهي رقة الهوى والشوق. والغرام وهو الحب المستأسر. والهيام وهو الجنون من العشق. والجوى وهو الهوى الباطن. والشوق وهو نزاع النفس. والتوقان وهو بمعناه. والوجد وهو ما يجده المحب من هوى المحبوب أي المحبوبة. والكلف وهو الولوغ. والشغف وهو إصابة الحب الشغاف أي غلاف القلب أو حجابه أو حبته أو سويداءه. والشغف وهو أن يغشى الحب شعفة القلب وهو رأسه عند معلق النياط منه. والشعف وهو بمعناه. والتدليه وهو ذهاب الفؤاد عشقا. لم تتمالك إن تحس بهذه المراتب السنية كلها حالا بعد حال. بخلاف لغات العجم فإنها لا يوجد فيها إلا لفظة واحدة بمعنى المحبة يطلقونها على الخالق والمخلوق. وقد يظهر لي أن كثيرا من الصفات المحمودة في الرجال تكون مذمومة في النساء كالكرم مثلا. فإن كرم الرجل يغطي جميع عيوبه وهو مذموم في المرأة. وقس على ذلك المكر والدهاء والإطراء والفروسية والشجاعة والحماسة والصلابة والخشونة والهمة إلى المراتب السامية والأمور الشاقة والأسفار البعيدة والنيات النائية والمطامع المتعذرة وغير ذلك. والعلة في ذلك كون المرأة تميل بالطبع إلى الشطط ومجاوزة الحد. ودليله في من تميل إلى العبادة والنسك فإنها لا تقف في ذلك على أمد بل تتمادى فيه حتى تتهوس وتتخبل فتدعي المعجزات والكرامات وتعمد إلى الرؤى والأحلام ويخيل لها أن ملكا يناجيها. وهاتفا يناغيها. وإنها تقيم بدعائها الأموات. وتحي الرفات. وربما قتلت أولادها على صغر ابتغاء دخولهم الجنة بغير حساب. أو ولدت توأمين فادعت إنهما من غير أب. وفي من مالت إلى الهوى فإنها تترك أباها وأمها اللذين ولداها وربياها وتقبل تجري في أثر رجل لا تعرف من صفاته شيئا سوى كونه ذكرا. فكل ما كلفت به المرأة كانت فيه اكثر تماديا من الرجل.
فكلفهن بالقراءة لا أدري أين يكون مصيره.. والحامل لها هذا الغلو والشطط إنما هو من معرفتها من نفسها إنها أقوى على اللذات من الرجل. فزيادة إطاقتها لذلك زادت في تماديها فيه. ومنه سرى في غيره من الأطوار والشؤون والأحوال الطارئة وفي بعض الغريزية أيضًا وذلك كالكلام والضحك والسبح والحركة. وما قل منه فيها في بعض الأحوال فإنك تراه زائدا في البعض الآخر زيادة فوق القياس.
ولعل كلامي هذا يسوء النساء إذا سمعن به وهن بين الرجال. لكني أعلم عين اليقين أنهن يضحكن له في أكمامهن استحسانا وتعجبا. حتى كأني يحسبن إني عشت برهة من الدهر امرأة حتى أمكن لي معرفة سرائرهن. ثم مسخني الله ﵎ رجلا. أو أني علمت ذلك من هند وسعاد وزينب ومية حين كنت أشبب بهن وأنا فتى وأكذب عليهن بقولي لهن إني حرمت الكرى وأجريت على نواهن عبرًا. وإني قد فتن لي. وفارقني قلبي. لأجرم أنه لم يفارقني قط. ولو فارقني مرة لما رجع إلي أبدا. إني طالما أدخلت عليه هموما وأحزانا لم تكن لتهم أحدا من الناس في بلادي إذ كنت أحزن لتعصي معنى من المعاني علي وأحاول اختراع شيء من البديع لم يكن سبقني إليه. ظانا أنه الناس مقام هذه المخترعات التي يزهي بها الكون عصرنا عصرنا هذا فلم يتهيأ لي فكنت أبيت في الليل في يأس وكرب. معاذ الله لم تكلمني وما كلمت هند وإنما عرفت ما عرفت من الأحلام الصادقة إذ كنت أبيت وأنا مخلص لله الإنابة والقنوت فإن لم يصدقني فليبتن ليلة أو ليلتين تائبات قانتات مثلي وأنا ضامن لهن أنه يهبط عليهن من الأحلام الصادقة ما يوقفهن على أمور الرجال.