[ ٥٨ ]
قد جرت عادة الناس جميعا بأن يقولوا إذا أحبوا شيئا أو اشتاقوا إلى شيء أن قلبي يجب هذا الشيء. أو يحس بمحبة هذا الشيء. أو يشتهي ذلك الشيء. ولست أدرى علة هذا الاستعمال. فإن القلب إنما هو عضو في الجسم من جملة الأعضاء فلا يمكن أن تكون حاستيها كلها مجموعة فيه. وبيانه أنّ من أحبّ مثلًا لونًا من الطعام بخصوصه فلينظر في أدوات الأكل الباعثة على اشتهائه. ومن أحبّ امرأة فلينظر في الأداة الباعثة على اشتهائها. وما يميل إليه الطبع وهو غير محتاج إلى أعمال أداة ظاهرة وذلك كحب الرئاسة والسعادة والدين ينبغي أن يحمل على الرأس. إذ هي أمور معنوية لا علاقة لها بتلك البضعة أي القلب. وكما أن الطحال الذي هو وزير الميمنة لا تعلق له بهذه الأمور. فكذلك كان وزير الميسرة أي القلب. إلا إنه لما كانت حركة القلب أسرع من غيره لكونه أقرب إلى الرئة التي هي حرز التنفس. ظن الناس أن القلب أصل في جميع أهواء الإنسان وأشواقه. ومن عاداتهم اجتنابا للبحث عن كثرة الأسباب والعلل والتيقن للحقائق أن يقتصروا على سبب واحد من الأسباب المتعددة. وينسبوا إليه كل ما تسبب عن غيره. كما تنسب الشعراء مثلًا دواعي النحس إلى الدهر ودواعي البين والفراق إلى الغرب.
وبناء على هذا الاعتقاد أي نسبة الأهواء كلها إلى القلب أراد الخرجي أن يمتحن الفارياق ليعلم هل نبض فيه حبّ السلعة الجديدة نبضًا قويا أو لا. فجعل يقول له هل تحس في قلبك بأن السلعة الجديدة خير من الأولى. وهل يضطرب فرحًا وسرورًا عند ما تسمع بذكرها؟ وهل ينبسط ويتسع وينشرح عند خطور هذه ببالك. وينقبض ويضيق ويتضام عند ذكر تلك. وهل عند قراءتك دفتر الأثمان يخيل لك أن قد طبع فيه أي في قلبك كل حرف من حروف الدفتر. حتى لو أعوزك وجوده سدّت تلك الحروف مسدّه وهل يضطرم ويتوقد مرة ويذوب ويضمحل أخرى. ثم يعود أقوى مما كان عليه كالسمندل المعروف. وهل تحس أيضًا بأن ناخسًا ينخسه. وواخزًا يخزه وعاصره يعصره. وراهصًا يرهصه. وممزقًا يمزقه. وضاغطًا يضغطه. فقال له الفارياق أما الاضطراب والخفقان فإنه دائمًا على مثل هذه الحالة. وهو عرضة لذلك في حالتي الفرح والترح فأن أدنى شيء يؤثر فيه. وأما التوقد والذوبان فلا أدري. فقال المراد بالتوقد هنا والنخر والعصر الحمية والتحمس والتهوس وتخيل ما هو معدوم موجودًا وما هو موهوم يقينًا. ومثل ذلك مثل من يسافر في فلاة لا ماء فيها فيبلغ منه الظمأ أن يتصور السراب ماء وشعاع الشمس نقزًا. ولا يزال يمنى نفسه بوجدان الماء حتى يقطع المفازة. فإن شدة التخيل والتهوس تعين الإنسان على تحمل المكاره والمشاق. فيكون رازحًا تحت ثقلها وهو يحسب إنه المتكئين على الأرائك. فيستوي بذلك عنده المجاز والحقيقة والمحسوس وغبر المحسوس. حتى يحب الصفر خوانًا والنعش عرشًا والخازوق أو الصليب منبرًا. وربما كان ذا زوجة وعيال فيتخذهم متخذ الماعون من الخزف فيغادرهم ويجري في البلدان القاصية لترويج السلعة. ويستغني عن أهله وإخوانه ورهطه بما لديه في الخرج فيحمله على كتفه مستبشرًا مسرورًا ويضرب في مناكب الأرض طولًا وعرضًا. فكل من مر به من عباد الله عرض عليه الشركة والمضاربة. ولا يزال دأبه كذلك حتى يقضي نحبه وطوبى له أن مات على هذه الحالة. الخرج الخرج. ما لنا سواه من حرفة ولا شغل. السلعة السلعة. ليس لنا غيرها من جعل. ثم طفق يبكي وينتحب.
فلما أفاق بعد حين سأله الفارياق هل عندكم معاشر الخرجيين سوق وشيخ للسوق؟ قال لا. قال ومن يقوم لكم المتاع قال كل منا يقوم متاعه كل منا يقوم متاعه بنفسه ولا يحتاج إلى آخر. فتعجب الفارياق وقال في نفسه أن في هذا لعجبًا.
[ ٥٩ ]
فإن قومًا من هؤلاء الصعافيق لهم شيخ سوقٍ وما لهم خرج. وقومًا لهم خرج وليس لهم شيخ ولكن لعل صاحبي هذا على الحق. إذ لو لم يكن كذلك لما تكلف حمل الخرج من أقصى البلاد وتجشم أخطار السفر وغيره ثم نخره الخناس أن الخرجي ربما لم يجد محترفًا في بلاده فجاء بما عنده لينفقه في بلاد أخرى. فإن تاجرًا لو استبضع من بلده مثلًا خزًا أو كرباسًا إلى بلد آخر لم يحكم له بأنه قدم إلى هذا البلد حبًا بأهله. فقد جرت العادة بأن المتسببين يطوفون في كل الأقطار. ثم فكر في أن أناة الخرجي وما هو عليه من الرزانة والصبر لا بد وأن يكون قرينها الرشد والحزم بخلاف النزق والطيش فإنه لا يكون إلا قرين الغواية والضلال. فمن ثم حكم بأن الخرجي كان على هدى وذلك لإتاحه وحلمه. وإن المطران كان من الضالين لحدّته وتترعه. ثم قال للخرجي قد وعيت يا سيدي كل ما أوعيته أذني. وما أرى الحق إلا معك. وأني مشايعك ومتابعك وحامل للخرج معك. ولكن أجرني من هؤلاء الصعافيق فأنهم كالأسود الضارية لا تأخذهم في خلق الله رأفة ولا شفقة. وعندهم أن أهلاك نفس غيرةً على الدين يكسبهم عند الله زُلْفَى. وقد تمسكوا بظاهر أقوال من الإنجيل فيما رأوه موافقًا لغرضهم وزائدًا في جاههم وسلطانهم. فيقولون أن المسيح بقوله ما جئت لألقي على الأرض سلمًا لكن سيفًا إنما رخص لهم في إعمال هذه الأداة في رقاب الناس ردًا لهم إلى طريقة الحق. وقد نبذوا وراء ظهورهم خلاصة الدين وجوهره ونتيجته. وهي الألفة بين جميع الناس والمحبة والمساعدة وحسن اليقين بالله تعالى. وما صعب على من زاغ وعمي عن الحق أن يستخرج من كل كتاب وحيًا كان أو غير وحي ما يوافق غرضه وفساد عقيدته. فإن باب التأويل واسع. أيجوز الآن الأمير الجبل إذا شاخ ولم يعد التدثرُّ بالثياب يدفئه أن يتكوى ببنت عذراء جميلة أي يتدفأ بها ويصطلي بحر جسدها كما فعل الملك داود. أم يجوز له إذا حارب الدروز وانتصر عليهم أن يقتل نساءهم المتزوجات وأطفالهم ويستحيي أبكارهم لتفجر بهن فحول جنده. كما فعل موسى بأهل مدين على ما ذكر في الفصل الحادي والثلاثين من سفر العدد. أم يجوز له أن يتزوج بألف امرأة ما بين ملكة وسرية كما فعل سليمان. أم يجوز لأحد من القسيسين أن ينكح زانية ويولدها النغول كما فعل النبي هوشع. أم يسوع لأحد من الولاة أن يقتل من أعدائه كل رجل وكل امرأة وكل طفل رضيع كما فعل شاول بالعمالقة عن أمر رب الجنود. حتى أن الرب غضب عليه لعدم قتله خيار الشاه والأنعام لإبقائه على أجاج ملك العمالقة وندم على أنه ملكه على بني إسرائيل فقام صموئيل وقطع الملك قطعًا أمام الريفي جلجال. هذا وأني قد قرأت في فهرست التوراة المطبوعة في رومية في حرف الهاء ما نصه: ينبغي لنا أي لأهل كنيسة رومية أن نهلك الهراطقة. أي المبتدعين أو المشاحنين. واستشهدوا على ذلك بما كان يجري بين اليهود وأعدائهم من القتال والفتك والاغتيال على ما سبق ذكره. فإن يكن دين النصارى يحلل قتل الرجال والنساء والأطفال والفجور بالأبكار من النساء ويبيح التوثب على عقار الغير من دون دعوة إلى الدين بل مجرد عتوّ وظلم كما كان يحلله دين اليهود فلا يسبب نسخه إذن وأبطال أحكامه لكن دين النصارى مبني على مكارم الأخلاق وغايته من أوله إلى آخره إبقاء السلم بين الناس وحثهم على الصلاح والخير. وإلا فلنرجع يهودًا. فلما سمع الخرجي ذلك رأى أن وراء هذا الكلام لباقعة. فحرص على إنقاذ الفارياق من أيدي العتاة. وارتأى أن يبعثه إلى جزيرة تسمى الملوط استئمانًا فيها. فركب الفارياق في سفينة صغيرة سائرة إلى الإسكندرية. فلما أن سارت به غير بعيد هاج البحر وأضطرب بالسفينة فلزم صاحبنا فراشه من الدوار. وطفق يشكو من ألم البحر وينوح قائلًا: