[ ١٩٣ ]
ركب كل من الفارياق والغصن بغلًا وكل من السيدة وزوجها فرسًا. وانضم إليهم ركب وساروا يقصدون دمشق. حتى إذا كانوا بعض الطريق أجفل بغل الفارياق لوهم خطر له فقمص به وشمص. فألقاه على ظهره فوقع على وركه على صخر فقام يخمع من الخامعين. فجزع عليه صاحب المعبّر إشفاقًا من تعطيل مصلحة التعبير. وشتمت به زوجته إذ كانت تحسبه رقيبا عليها وعلى غصنها. وكذا مساءة الرجل قد تكون مسرة المرأة. وهنا ينبغي أن تضيف إلى معلوماتك الواسعة هذه القضية. وهي إنه لا شيء من أنواع السفر اشق من الركوب على هذه البغال العاتية فإنها بلا سروج ولا لجم ولا ركُب. وقد جعل لها هؤلاء المكارية المقى بدل اللجم حبالًا تتصل بسلاسل من حديد جافية. يمسك الراكب بيده سلسلة فإذا شرد البغل وهنت يد الممسك بها عن كبحه. والعادة إنه متى شرد بغل سائر البغال. ثم أجفل بغل الغصن فمال عن ظهره وتعلقت رجله بحبل فتدلى رأسه يخبط على الأرض. فذهب ما عند السيدة من قليل الصبر عنه. ولم يقدر أحد على رد البغل. فكنت ترى عينها في جهة وقلبها في جهة أخرى. وكبر منها ما كبر. وصغر ما صغر. وجف ما جف. وقف ما قف. وابتل ما ابتل. وانحل ما انحل. واقشعر ما اقشعر. وازبأر ما ازبأر. وتنغّض ما تنغّض. وانتفض ما انتفض. وتنضنض ما تنضنض. وتلمظ ما تلمظ وتلظلظ ما تلظلظ. وضجم ما ضجم. وشخم ما شخم. وغدت تتململ وتتلوّى. وتتقلب وتتحوى. ودخل في رأسها أول مرة في عمرها مُنيةُ أن تكون رجلًا لتجيره. ثمهون الله الصعب ووقف البغل فاستوى عليه الغصن وساروا حتى وصلوا إلى بعلبك والفارياق على رمق فذهب وتفيَّأ في ظل شجرة فهوّم به النسيم فنام فقام منهوكا. ثم ركبوا وبلغوا دمشق وهو مريض فاكترى غرفة في خان وبقي أيامًا لا يقدر على الخروج فلما نقه توجّه إلى منزل أهل زوجته وعرّفهم بحاله ففرحوا به. ثم عاودته الحّمى ثم أفاق فرأى أن يذهب إلى الحمام ليغتسل فلمّا رجع رجعت إليه. واتفق إنه انزل يومًا إلى المرحاض فأغمى عليه فيه فوقع وقد دخل رأسه فيشق المرحاض فجعل يصرخ ويقول: ألا إن رأسي في الشق. إلا أن الشق في رأسي. فبادروا إليه فرأوه على تلك الحالة. فمنهم من ضحك منه ومنهم من رقّ له. ثم عوفي قليلًا فبدا له ولصاحبه السفر. ولكن لا بدّ لي قبل رحيله من هذه المدينة الشريفة أن أرهقه وأغسره حتى يصف لنا محاسن نسائها إذ هو لا يحسن شيئًا غيره. فأما الكلام على خوّاص نبات الأرض ومعادنها وهوائها وعدد سكانها وعلى الأمور السياسية فليس من شأنه.
[ ١٩٤ ]
قال دخلت دمشق وبي حّمى صحبتني من بعلبك. وما كدت انقه حتى سافرت منها فلا أستطيع وصف نسائها إلا وصفًا سقيمًا. فإن رضيتم به أقول. أني لما دخلتها نزلت في خان يسمى خانفارس. فعّين لي صاحب الخان عجوزًا لخدمتي فلحظت من طبّها وشَمْظها أي خلطها الكلام الليّن بالشديد. إن للعجائز يدًا طويلة في المعاملات النسائية. أعني أنهن يدخلن الديار بحيلة أنهن يبعن للنساء ثيابًا ليكتسين بها. فيخرجن من عندهن وقد تعاهدن على تعريتهن رأسًا فهن السبب الأقرب والذريعة الوثقى في الجمع بين العاشق والمعشوق. فأما نساء المسلمين فقد ظهر في بادئ الرأي أنهن أجمل من نساء النصارى. كما أن الرجال من المسلمين أجمل من النصارى وأفصح لهجة وكذا هم في سائر البلاد الإسلامية. ولون النساء عمومًا البياض المشرب بالحمرة. والغالب عليهن الطول والشطاط. غير أن هذا الإزار الأبيض الذي يتزرن به عند خروجهن من ديارهن لا يحلو للعين كحبر نساء مصر. وكلاهما مخفٍ لمحاسن القد ولعلهن يلبسن ذلك عمدًا لتأمن الرجال فتنتهن فلهنّ الشكر عليه. ولكن ما هذه المغازلة والاتلاع. وما هذا التبهكن والتبدح. أفليس للقلب عينان يبصر بهما ما وراء ذلك؟ أيخفي الشمس غيم وهي لولاه لم يمكن لعين أن تراها. فأما زيهن في الديار فأشوق وأفتن ما يكون. قال وقد ظهر لي أيضًا وأنا موعوك بالحمّى بعد أن خرجت من الخان وشممت رائحة الزائرات من النصارى إنهن مؤانسات حلوات الحديث والشمائل مناطيق. حتى اعتقدت أن شفاي يكون بذلك. ولولا أني خشيت من التبخيل بالاستغناء عن الطبيب ولا سيما إن أبي كان قد توفي بدمشق فألقى في روعي إني ألحق به لما احتجت إلى علاج آس. وحين كنت أسارق النظر إليهن وأنا على الوسادة كنت المح في صدورهن حين يتنفسن شيئًا يربو ويشبو. ثم رأيت بعض أعيان المسلمين يزورون رب الدار وينبسطون معه في الكلام. وهم من الهيبة والوقار بمكان. فلا أدري ما الذي حسّن للمطران جرمانوس فرحات حتى قال في ديوانه:
فكأنني حلب برقة طبعها وكان طبعك بالغلاطة جلّق
ولهذا القائل الأحمق أن يقول الحلبي شلبي. والشامي شومي. مع أن أهل الشام أرق طبعًا من أهل حلب وأزكى أخلاقًا وأطلق لسانًا ويدًا ومحيا وأوفر سخاء وكرما. والدليل على ذلك أن دمشق مع كون النبي شرفها بقدمه وكانت مثوى لبعض الصحابة واصبحت وصيدًا للكعبة ومازالت من ذلك العهد منزلا للحجاج. فإن النصارى فيها يتبوءون داخلها الديار الرحيبة والمنازل الفسيحة. بخلاف النصارى في حلب فإنهم لا يمكنون من السكنى إلا بخارج المدينة ولا يدخلونها إلا للبيع والشراء. هذا وقد حرس الله قطر الشام عن الزلازل التي يكثر وقوعها بحلب. وعن هذه الحبّة المشئومة المتسببة عن مائها. حتى إنها كثيرًا ما تشوه وجه من يصاب بها. فهل مراد المطران أن يقول أن نصارى حلب وحدهم ارق طبعًا. أم يصح أن نبخس الناس حقوقهم لأجل السجع والتجنيس. فيقال مثلا الجاثليق هَندليق. والمطران قَطران والقسيس لهيس والراهب ناهب. والسوقي بوقي. والخرجي دُرجي. فأما اللغة فليس لعمري من مناسبة بين فصاحة أهل دمشق وركاكة أهل حلب. لأن حلب لما كانت متاخمة لبلاد الترك دخل في كلام أهلها كثير من الألفاظ العجمية. كقولهم أنجق بيكفي يخرجون الجيم في أنجق مخرج الجيم التركية ويتقلنّه أي يستعمله وخوش خيو وما أشبه ذلك ما عدا لكنتهم ولخلختهم فينطق الألفاظ العربية.
ثم أن الفارياق سافر هو وصاحبه إلى بيروت ومنها إلى يافا. فدعاهما وربان السفينة نائب قنصل الإنكليز بها "هو غير الخواجا أسعد الخياط اللبيب البارع" ليشربوا عنده الماء بالسكر المعروف بالشربات مما اشتهر أيضًا بهذا الاسم عند المؤلفين من الإفرنج واستعملوه في كتبهم لا في ديارهم فساروا معه فاحضر لكل منهم كأسًا تليق به بحسب ضخامة جثته. فلما فرغت الدعوة اقلعوا إلى الإسكندرية ثم إلى الجزيرة وأقاموا في معتزلها. فبعث الفارياق إلى زوجته يخبرها بوصوله ويستدعيها للاعتزال معه. أنا لا أحب الاعتزال ولا الكسل. ثم وافت بعد ذلك ولما استراح الفارياق من ألم السفر استروح منها رائحة النساء.