[ ٣٢ ]
فلنرجع الآن إلى الفارياق فإنه هو أيضا رجع إلى حرفته وهي النساخة وإن كان ذلك على غير مراده. واتفق إذ ذاك إن فتيين من أمراء ذلك الصقع أرادا أن يقرأا النحو على بعض النجاة وكان الفارياق يحضر الدرس وهو مكب على النسخ. وكان أحد التلميذين. بطيئا عن الفهم سريعا إلى الجواب. يتثاءب ويتمطى. ويغرض ويخطا. ويتناعس ويتقاعس ويتفاسأ ويتعاطس. وإذا خيل له أنه فهم مسألة حك تحت إبطه وشم رائحتها وكرف ثم تمطق كما يتمطق من أقطه. ثم عربد من افتتانه. وسلق من وليه بلسانه. وقال ألا قبحا لذوي الخواطر البليدة. والفطن البعيدة. كيف لا يتعلم الناس كلهم فن النحو. وهو أسهل من حك ما تحت الحقو. أما والله لو كانت العلوم كلها مثله، لما غادرت منها كبيرًا ولا صغيرًا إِلا واستوعبته كله. لكني سمعت أن النحو إنما هو مفتاح للعلوم ولا يعد منها فلا بد وأن يكون غيره أصعب منه. فقال معلمه لا تقل هكذا بل النحو أساس العلوم وكل العلوم مفتقرة إليه افتقار البناء الأساس. ألا ترى أن أهل بلادنا لا يتعلمون سواه ولا يعرجون على غيره. وعندهم أن من تمكن منه فقد تمكن من معرفة خصائص الموجدات كلها. ولذلك لا يؤلفون إلا فيه. وإنما يحصل الخلاف بينهم في تقديم بعض الأبواب على بعض. وفي توضيح ما كان مبهما منه بأدلة وشواهد أو شاذة بيد أن المآل واحد. وهو أن العالم لا يسمى عالما إلا إذا كان متمكنًا من النحو مستقصيا لجميع دقائقه. ولا يكاد يستتب أمر إلا به.
ولو قلت مثلا ضرب زيد عمر من غير رفع زيد ونصب عمرو فما يكون ضربه حقا ولا يصح الاعتماد على هذا الإخبار. فإن حقيقة فعل الضرب متوقفة على علم كون زيد مرفوعا. وجميع اللغات التي ليس فيها علامات الرفع فهي خالية عن الإفاده التامة. وإنما يفهم بعض الناس بعضا من دون هذه العلامات عن دربة أو اتفاق. فلا معول على كتبهم وإن كثرت ولا على علومهم وإن جلت. وإني وإن كنت قد لقيت منه عرق القربة وكثيرا ما بت وبالي مشغول بعقله من عقله وبداهية من عراقيله فكت آرق ليلي كله ولا أهتدي إلى وجه الصواب فيما عوص علي من ذلك إلا إني استفدت منه فائدة عظيمة جعلتني ممنونًا لبنت أبي الأسود الدؤلي أبد الدهر فإنها هي التي كانت سببًا في استنباطه. قلت وكذا سائر البدائع كان أصل استنباطها مسببًا عن النساءفقال له التلميذ ما هذه الفائدة يا أستاذي. قال قد طالما كان يخامرني الريب في قضية خلود النفس. فكنت أميل إِلى ما قلته الفلاسفة من أنه كل ما كان له ابتداء فهو متناه. فلما رأيت النحو له ابتداء وليس له انتهاء قست النفس عليه فزل عني والحمد لله ذلك الإبهام.
[ ٣٣ ]
ومثله أو أكثر منه في الصعوبة فن المعاني والبيان. فقال له التلميذ لم أسمع بذكر ذلك قط. قال أما أنا فقد سمعت به وأعرف كل ما يشتمل عليه. وهو المجاز والكناية والاستعارة والتورية والترصيع وغير ذلك مما ينيف على مائة نوع. وبيان ذلك مفصلا يستفرغ آجلًا. وربما قضى الإنسان عمره كله في علم الاستعارات وحدها. ثم يموت وهو جاهلها. أو يكون قد نسي في آخر الكتاب أو الكتب ما عرفه في أوله. وذلك أن من اخترع هذا العلم الجليل لم يكن سلطانا حتى يمكنه إجبار الناس جميعا على متابعته ومشايعته. بل يكون فقيرًا بهذا الشيء وشرح الله صدره لتقرير قواعد له فكان لا يقع بصره على شيء إلا وخطر بباله طريقة من طرقه. فإذا نظر الشمس مثلا طالعة قال كيف ينبغي أن يفهم هنا طلوع الشمس هل هو حقيقي أو مجازي وهل هنا عرفي أو لغوي. وكذا لو رأى البقل نابتا في زمن الربيع قال كيف تأويل قول القائل انبت الربيع البقل. فهل يصح إسناد ذلك إلى الربيع وهو إنما نشأ عن دوران الأرض حول الشمس فهو لاشك مسبب عنها. ولا ريب أن مدير الأرض إنما هو الله ﷿. فيكون قوله انبت الربيع البقل مجازًا بدرجتين. لأن الربيع مسبب عن دوران الأرض ودوران الأرض مسبب عن تقدير الباري تعالى. وكذا قولهم جرت السفينة أو الحجر. ومن المجاز ماله أيضًا ثلاث درجات ومنه ما له أربع. ومنه ما تفوق درجاته درج المئذنة. ومن هذا الدرج ما شكله قرقي ومنه حلزوني ومنه لولبي. ومنه غير ذلك ثم مازال المستنبط يفكر في هذه البدائع حتى أدركه الأجل فمات وبقي عليه أشياء كثيرة لم يحكمها. فقام من بعده من أولع مثله بهذا الفن فاستدرك على سلفه مواضع كثيرة. وظل يباحثه ويعارضه إلى أن قضى نحبه وقد ترك مجالًا لغيره. فجاء من بعده من اصلح بينهما في عدة مواطن وعاب على كل منهما أيضا أمورا. ثم مات ولم ينه ما قصده. فخلفه من صنع به ما صنعه هو بغيره.
وهكذا بقيت أبواب النقد مفتوحة إلى عصرنا هذا فمن قال إن هذه العبارة من الاستعارة التبعية. ومن قائل إنها من الترشيحية. قال بعض العلماء الاستعارة تنقسم إلى مصرح بها ومكني عنها. والمصرح بها تنقسم إلى قطعية واحتمالية. والقطعية تنقسم إلى تخييلية وتحقيقية. وتنقسم ثانيًا إلى أصلية وتبعية. وثالثا إلى مجردة ومرشحة. وقال بعضهم وهذه تنقسم أيضا إلى عقيونية ومكانية ونبيصية وطعطعية وغميسية ولعلمية ويلمعية وعسعاسية. والعقيونية تنقسم أيضًا إلى فرقعية وقرقعية ومقامقية. والفرقعية إلى جحلنجعية وشنطفية وعطروسية ودمحالية وشينقورية وكربرية. والقرقعية إلى خعخعية وعهعخية وعهخغية وكشعثيجية وكثعظجية. والمكائية إلى معوية وعنترية وصفرية وعصلية وبلكية وصفارية وضغيلية وطرطبية وانقاضية. إلى غير ذلك من التقسيم. ويشترط في خطبة الكتاب أن تكون جامعة لجميع هذه الأنواع. وأن يراعي فيها وفي الكتاب كله نوع الطباق. مثال ذلك إذ قال القائل في فقرة طلع. فلا بد أن يقول فيها أو في الثانية نزل. وإذا قال أكل يقول بعده من غير تراخ تقيأ أو- وفي الجملة فينبغي أن تكون الخطبة عويصة ما أمكن. وأية خطبة لم تكن كذلك كانت عنوانا على ركاكة الكتاب كله فلم يكن جديرا بالمطالعة.
[ ٣٤ ]
فقال له التلميذ وقد امتقع لونه وهل النحاة أيضا ماتوا ولم ينهوا قواعد هذا العلم. وهل قراءتي له عليك تغني عن إعادته عند غيرك هنا. وهل يجب على الطالب في كل بلد سافر إليه أن يتعلم نحو أهله أم هو علم مرة واحدة. فقال له شيخ إما عن المسألة الأولى فأجيب أنه ما جرى على البيانيين فقد جرى أيضا على النحاة. فقد قال الفراء أموت وفي قلبي شيء من حتى. وقد مات سيبويه وبقي في قلبه من فتح همزة أن وكسرها أشياء. ومات الكسائي وفي صدره من الفاء العاطفة والسببية والفصيحة والتقريعية والتعقيبية والرابطة حزازات. ومات اليزيدي وفي رأسه من الواو العاطفة والاستئنافية والقسمية والزائدة والإنكارية صداع وأي صداع. ومات الزمخشري وفي كبده من لام الاستحقاق والاختصاص والتمليك وشبه التمليك والتعليل وتوكيد النفي وغير ذلك قروح. ومات الأصمعي وفي عنقه من رسم كتابة الهمزة غدة. وفي الجملة فإن معرفة حرف واحد من هذه الحروف إذا تعمد الطالب استقصاءها وجب عليه أن يترك جميع أشغاله ومصالحه ويعكف على ما قيل فيه وأجيب عنه. وما قيل من الأمثال. أعط العلم كلك يعطك جزأه إلا لأجل ذلك. وأما قولك هل يلزم أن تقرأ النحو أيضًا على غير هنا أي في بلادنا فذلك غير لازم. فإن أهل بلادنا كلهم لا يطالعون غير هذا الكتاب الذي تطالعه أنت. بل قل من يطالعه ويفهمه أو يعمل بمقتضى قواعده. وأما عن سؤالك الثالث فأقول إنه لا ينبغي إعادة هذا العلم في كل بلد ولكنك حيثما سرت وأيان توجهت وجدت أُناسًا ينتقدون عليك كلامك. فإن عبرت بالواو مثلا قالوا الأفصح هنا الفاء أو باء وقالوا الأولى أم. وفي بعض البلاد إذا علم إنك تنقط ياء قائل سقط اعتبارك من عيون الناس. فقد قرأت في بعض كتب الأدب أن بعض العلماء عاد صديقا له في حال مرضه فرأى عنده كراسة قد كتب فيها لفظة قائل بنقطتين تحت الياء تحت الياء فرجع في الحال على عقبه وقال لمن صار معه لقد أضعنا خطواتنا في زيارته.
وهذا هو سبب قلة التأليف في عصرنا. فإن المؤلف والحالة هذه نفسه للطعن والقدح والبلاء. ولا يراعي الناس ما في كتابه من الفوائد والحكم. إلا إذا كان مشتعلًا على جميع المحسنات البديعة والدقائق اللغوية ومثل ذلك رجل فاضل يدخل على قوم بهيئة رئة ورعابيل شماطيط. فالناس لا تنظر إلى أدبه الباطني بل إلى بزّته وزيه. والحمد لله على قلة المؤلفين اليوم في بلادنا، إذ لو كثروا وكثر نقدهم وتخطبهم لكثرت أسباب البغض والمشاحنة بينهم. وقد استغنى الناس عن ذلك بتلفيق بعض فقر مسجعة في رسائل ونحوها كقولك السلام والإكرام. والسنية والبهية. فأخفه ما كان ساكنًا. فأما الشعر في عصرنا هذا فأنه عبارة عن وصف ممدوح بالكرم والشجاعة أو وصف إمرأة بكون خصرها نحيلًا وردفها ثقيلًا. وطرفها كحيلًا ومن تعمد قصيدة جعل جل أبياتها غزلًا ونسيبًا وعتابًا وشكوى وترك الباقي للمدح.
ثم أن التقليد النجيب أستمر يقرأ على شيخه الأديب في النحو حتى وصل إلى باب الفاعل والمفعول فأعترض على أن الفاعل يكون مرفوعًا والمفعول منصوبًا. وقال هذا الاصطلاح فاسد لأن الفاعل إذا كان مرفوعًا كان الذي عمل فيه الرفع آخر. والحال أنه هو العامل. وبياته إنا نرى الفاعل في البناء يرفع الحجر وغيره على كتفه فالحجر هو المرفوع والفاعل رافع وكذلك فاعل ال فإنه هو الذي يرفع الساق. فقال له المعلم مه مه لقد أفحشت، فكان ينبغي لك التأديب في مجلس العلم فإنه غير مجلس الإمارة. ثم ختم التلميذان قراءة الكتاب ولم يستفيدا شيئًا وكأن الشرح كله كان موجهًا إلى الفارياق. ومذ ذلك الوقت أخذ في تجويد عبارته بمقتضى القواعد النحوية فصار يهوّل بها على رعاع الناس كما يظهر في الفصل الآتي.