قد ذكرت في آخر الكتاب الثاني أن الفارياق ابتلاه الله بأمراض كثيرة وكتب وفيرة ثم أنجاه منها جميعًا. وأنه بعد أن رأى نفسه معافى منها اطمأن خاطره وأخلد إلى الغناء. والآن ينبغي أن أذكر ختام هذه النوبة وعاقبة هذه الحوبة ذلك أن الدار التي كان فيها الخريجيون كانت محاذية لدار بعض التجار وكان له بنت تحب السماع واللهو والطرب وترتاح إلى الغناء جدًا فكانت إذا سمعت الفارياق يغني أو يعزف في غرفته تصعد إلى سطح دارها وتنصت إلى أن يفرغ فتنزل إلى حجرتها. فلما علم الفارياق أن صعودها كان لأجله أذ لم أحد غيره يظن به التعرض لها صبت إليها نفسه ونزغه فيها نازغ من الهوى غير إنه كان من طبعه النفور من الزواج حتى أنه كان يحسب المتزوجين أشقى الناس لأن الحالة الزوجية لا يبدو منها في الغالب سوى صعوباتها ومشاقها. وكان إذا قيل له فلان تزوج تأخذه به رأفة ويرثي له كما يرثي لمن دار به تيا شديد أو رزئ برزيئة كبرى فتنازغ فيه حٍ عاملًا الهوى والحذر فرجحت كفه الأولى الثاني فرأى أن مجرد النظر أولى من التعرض بإشارة تدل على أنه ذو صبوة وهيام ومكثا على ذلك مدة وهو أحذر من القر لي حتى إذا كان يوم ورآها تمسح محاجرها بمنديل أما من حرّ الشمس أو من غيره أعتقد بمجامع قلبه أنها تمسح دموعها شوقًا إليه فانفتقت بنائق الصبر من صدره وهاج به الوجد لإزالة حذره وقال في نفسه أيقابل أحد غيره دموع باكية بالأعراض. وهل وراء الدموع غير الهوى كيف لا تذيبني وما قلبي بجامد، ولا أنا بمخلد! وقد علمت أن أعظم لذات الحياة ما إذا وجد الإنسان له خدينا نويّا. وقرينا صفيا. وإنا غريب محتاج إلى مؤنس في وحشتي، ورفيق في وحدتي. ومن مؤنس مثل الزوجة. وأي خير في العزوبة لمن رزقه الله قوته وحوجه. وبمثل هذه الخواطر السريعة وطّن نفسه على تحمل أعباء الهوى من أي جهة كانت. فمن ثم فتح باب الإشارة بينهما. فمن بين توضع على القلب مرة وعلى أخرى. وأصبح تقرن بأخرى. وذراعين تشبحان مع تنفس وزفير. وشفتين تضمان. ورأس يهز وغير ذلك مما يتعلل به المبتدئون في الحب. فأما المتناهون فلا يرضيهم إلاّ الهصر بالفودين كما نص عليه الأستاذ امرئ القيس.
[ ١٤٣ ]
ودامت دولة الإشارة بينهما أيامًا مديدة من دون كلام. فلما أعجزت الأيدي وسائر الجوارح عن ترجمة ما في القلب وخصوصًا لبُعد ما بينهما احتالا على أن يجتمعا في مكان بحيث يرى المحب حبيبه. فلما بصر بها عن قريب وجدها والفضل لمخترع الزي المصري عنْدلة جزْلة. إذ لو كانت متردية بالزي الإفرنجي لما عرف هل كان ما في صدورها عِهْنا أو بِرْسا أو قطنا. أو خُرْفعا أو عُطْما. أو بَيْلما. أو قِشْبرا أو حريرًا أو نَوْذلا أو كان ما وراءها عُظامة أو لحمًا وشحمًا فال وهاتان الصفتان أعني العندلية والجزلية أحسن ما يراد من المرأة فإن الأولى تشفع في الكون الأمامي والثانية في الكون الخلفي قلت وقد جاء عن سيدنا سليمان ﵇ مدح العندلية بقوله في الفصل الخامس من سفر الأمثال فليروينك ثدياها في كل حين. ولقائل أن يقول أن العهن وأخواته مع وجود اليد والجتّ إذا جمع الجسمين مكان لا يمنع من تحقق الصفتين المذكورتين. والجواب أن ذلك محظور غالبًا في البلاد المشرقية ولا سيما من أول مرة فأما عند غيرهم فلا محظور منه ولذلك شاع استعمال العظامات عندهم بلا نكير. ثم حيث تقدم لنا في الكتاب الأول وصف الحمار على أسلوب إفرنجي فلا بأس هنا أيضًا في وصف الرجل قُبيل الزواج على النسق المذكور فنقول. أنه مدة تعلله بغبطة الزواج وتلحزه من لذاته، لا يخطر بباله شيء من مستأنف آفاته. وإنما يخطر في حدسه ويقول في نفسه أن حالتي لا تكون كحالة معارفي وجيراني الذين تزوجوا وأخطأتهم الأماني إذا هم لم يؤدوا الزواج حقه. ولم يأخذوا في أسبابه بالثقة. لأن منهم من باعل، وهو غير كفو لهذا العمل. أما لصفر راحته، أو لعدم سماحته، أو لمبانية سنة عن سن زوجته أو لضعف في آلته. أو لأنه من الزمالقية على شفا. أو لأن جاره كان يخالفه إلى عطنه. أو لأن أمه كانت رقيبًا على امرأته. أو لأن أمامه كان ضيزنًا له على مائدته. فلذلك ثار بينهما النقار، وطال النفار. فقُدّ القميصان من قُبُل ومن دُبُر. ونتف الشعران والصخب كثر وخدش الجلدان خدشًا بالظُفُر. وأنتن الريحان من فوق السرر.
أما أنا فإني بحمد الله خال عن هذه الخلال. فلا تحول لي مع زوجتي حال. ولا تزاحمني فيها الرجال. ولا يعتريها مني ملال. فرضاي رضاها. ومناي مناها. وما أنا بأدرم ولا أبخرز. ولا أحدب ولا أخنب. وأن لي يدين أعمل بهما ورجلين أسعى عليهما. وأن يكن بي عيب في خلقي يستره عني حسن خُلُقي. فإني لا أعارضها في طعامها. ولا في لباسها ومنامها. بحيث تنام إلى جني. وتتخذ من الملبوس ما يليق بها وبي. فما يمنعني من اتخاذ قرينة. تكون على هذه الصفة الميمونة. حتى إذا سمع الناس بأن زوجي عَرُوب وعرضها عندي مصون ووجهها عن المراود محجوب، حسدوني على هذه النعمة السابغة فكان لي كل غصة من العيش سائغة ولا يخفى كم في كيد الحسود من لذة، لا تتقاعس عنها إلا لذه ما عدا ارتياح النفس إلى الجنس الأنيس.
[ ١٤٤ ]
الذي قربه للقلب وللكرب تنفيس. وأن امرأ يقاسي النهار جهده، ثم يبيت في الليل وحده. من دون ضجيع له تنفخ في أنفه وتسخن دمه من أمامه ومن خلفه. لجدير بأن يحصى مع الأموات. ويلقي بين الرفات. هذا وأني أستغني برضبها عن الشراب. وبشم شعرها عن المسك والملاب. فأنهم قالوا أن الرائحة الأنثوية تستنشق من منابت الشعر وبها نشوة الحواس. سواء كان في المغابن أو في الرأس. وأجتزئ بحر جسدها عن الوقود للاصطلاء. وبالرنوّ إليها عن الأثمد والجلاء. فيتوفر عليّ كل يوم في الأقل درهم أنفق نصفه على الحمام كل غداة فيبقى لي النصف الآخر وذلك خير عمم. وغني أتم فأما ما يقال في كيد النساء، وأعناتهن الرجال بما يعز على الأسا، فليس ذلك على عمومه ولا تقرر حكم وأستثني أمور من تعميمه. فلعلي أول من أخرجه هذا الاستثناء وسنّ للأعزاب على الزواج الثناء. كيف لا وأنا ذو فصاحة وتبيان ودهاء وجنان. فما يعييني شيء من نكرها. ولا تخفى عني خافية من أمرها فأعارضها وأحجها. وأريها أن لي عليها قفية تضطرها إلى طاعتي وتحوجها فإن قلت لها اليوم يصوم فيه المباعلون، ويتبتل المفاعلون. قالت أنا أول من صام، وآخر من نام. وأن قلت لا يجمل بالمحصنة أن تتبرج. قالت ولا أن تتغنج. وإن قلت أن حق الزوجة على زوجها في كل أسبوع مرة. قالت وتبقى أيضًا عفيفة حرة. وأنقلت ليس الحليّ بلازم للعرس. قالت ولا الديباج شر لُبْسٍ. وفي الجملة فإن عيشي معها يكون رغيدًا. وحالي سعيدًا. وحظي مديدًا. وطعامي مريئًا. وشرابي هنيئًا. وثوبي وضيئًا. وفرشي وطيئًا. وبيتي مأنوسًا ومتاعي محروسًا. وطرفي قريرًا. وشأني مذكورًا وسعيي ميمونًا. وقصدي مأمونًا فحيّ هضل الزواج. بلعوب مغناج. طلعتها علاج من الألفاج وضجعتها أنهاج. إلا الأفلاج. انتهى.
وأنا أقول أن مما غُرس في هذه الطينة البشرية اللثية أن الرجل متى وطّن نفسه على الزواج حبّب الله إليه زوجه على أية حالة كانت حتى يراها أحسن الناس خُلقًا وخَلقًا. لا بل يرى نفسه أنه قد ترفع عن أقرانه. وتمزّى على إخوانه، حتى يستخسّ ما كان من قبل يستعظمه. وأنه قد صار إنسانًا جديدًا يجدر بأن يجدد له وجه الأرض.
وبناء على ذلك لم يعد الفارياق يرضي بالأغاني والأشعار المتعارفة بل أستبدل الأولى بأخرى جديدة من نظمه. ونظم خلال ذلك قصيدتين حاول فيهما اختراع أسلوب غريب فجاءنا طيخيتين كما سترى ذلك ولو استطاع أن يخترع كلامًا جديدًا يعبر به غرامه وحديث شأنه لفعل. وكان إذا رأى رجلًا متزوجًا يهيب به وينشده:
أنا في حلبة الزواج المجليّ إنما أنت فسّكل قاشور
أن قدمي يفوز عما قريب إنما قدحك السفيح يبور
أو عزبًا قال له
يا أيها الأعزاب أني رافض دين العزوبة فاقتدوا بمثاليا
ليس الغِنى إلا البعال فبادوا يا قوم واستغنوا بمثل بعاليا
وتهوّس يومًا لأن ينظم ديوانًا يشتمل على أبيات مفردة تهافتا على أحداث شيء غريب فنظم أربعة أبيات ثم مسك. وهي
ساعة البعد عنك شهر وعام الوصل يمضي كأنما هو ساعه
أتنجم الليل الطويل صبابة وتنجمي لنجوم ذي تفليك
ويخفق مني القلب أن هبت الصبا ويذكرني البدر المنير محياك
ألا ليتشعري كم يقاسي من النوى وأنحائه قلب يذوب تجلدا
ومن الفضول هنا أن نقول أنه كان يقول لخطيبته أنك ملأت عيني قرة. وأني أراك أحسن الخلق. وأنا ليغبطنا الناس. وأنك تغنيني عن الغنى. وأني بقربك سعيد. ويبعدك عميد. وإنّا نكون أبدًا كما نحن الآن. وأنك ذات ملاحة تشغل الخليّ. وأني أغار عليك من النسيم يفيء شعرك هذا الدجيّ. وأنّا لجسمان في روح واحد أو روحان في جسم واحد. وإنك لترين مني كل يوم محّبًا جديدًا. وإني لأرى فيك كل وقت حسنًا حديثًا.
وأنا نكون قدوة للمتزوجين والعاشقين. إلى غير ذلك من الكلام المتعارف عند أمثاله.
قال خير أيام الإنسان في حياته هي المدة التي تتقدم الزواج والتي تليه. قلت ومبلغها عند الإفرنج شهر يسمونه قمر العسل وهو بعد الزواج. ومبلغها عندنا معاشر العرب شهران يقال لهما قمرا العَسل. حتى إذا امتلأت الخلية عادت كل نحلة زنبورا ورجع كل شيء إلى أصله.
[ ١٤٥ ]
وأقول أن المحبة مما غرس في الطبيعة البشرية من يوم الوضع في المهد إلى يوم الوضع على النعش. فلا بدّ لهذا المخلوق الآدمي من أن يحب ذاتا من الذوات أو شيئًا من الأشياء أو معنى من المعاني. وكلما زاد حبه في قسيم منها نقص في قسيمه الآخر. وقد يكون إحداها سببًا في زيادة حبّه للآخر. مثال ذلك من كلف بالشعر أو الغناء أو التصوير فكلفه هذا يكون باعثًا له على حب الذات الجميلة. ومن كلف بالعلم والقتال والفخر والسيادة فلابد وان تقل رغبته في النساء بل ربما لهي عنهن بالكلية. ومن كلف بالخيل المطَّهمة والسلاح النفيس فقد يكون كلفه هذا شائقًا له إلى حب الذات أولا. وعدّ بعضهم من هذا النوع السراباتية وهم المنظّفون للمراحيض. وأسقطه غيرهم بدليل إنها حرفة يحتاج إليها الإنسان لتحصيل معاشه لا كلف من هوى النفس. فهذه ثلاث حالات متسببة عن ثلاثة أسباب. وهناك أيضًا ثلاث أحوال أخرى باعتبار القلة والكثرة وما بينهما. الأولى متعادلة وهي ان يحب المحبّ محبوبه كنفسه. فلا تطيب نفسه بشيء ولا تهنئة لذة إلا إذا كان محبوبه مشاركا له في تلك اللذة. وذلك صفة الرجل قبل زواجه وبعيده. ولا تخلو هذه الصفة عن الرشد والبصيرة. الثانية المتعدية أي المجاوزة للمتعادلة. وذلك كان يحب المحبوب حبيبه اكثر من نفسه. وذلك صفة الأب والأم في حبّ ولدهما وصفة بعض العشاق. أما الأب فإنه يفدي بروحه ويحرم نفسه من اللذات والمسرات حتى يمتّعه بها. فإذا رأى نفسه عاجزا عن الأكل والبعال ورأى ابنه يأكل ويباعل لذَّ له ذلك وهو مع هذا غير خال أيضًا عن الرشد والتمييز. فأما العاشق فإنه يؤثر معشوقه على نفسه غير أن أفعال تكون مختلة في غير محلها ووقتها. والثالثة معلومة وهي أن يحب الإنسان محبوبه مع إيثار نفسه عليه وهو الأغلب. وهناك أيضًا ثلاث أحوال أخرى مكانية وهي القرب والبعد والتوسط. ولها تأثيرات مختلفة بحسب اختلاف طباع الناس فالصادق الود يحب في حالتي القرب والبعد على حدّ سوى. بل ربما كان البعاد مهيجا له إلى زيادة الشوق والغرام. وما احسن قول من قال في هذا المعنى.
كأن الهوى شمس أبي إن يردها مهاة نوىً لا بل تزيد بها حرا
[ ١٤٦ ]
فأما الطرف الشنق فإنه لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا. وثلاث أخرى زمانية وهي الصبي والشباب والكهولة. فمحبة الصبي أسرع وأعلق. ومحبة الشباب أحرّ وأقوى. ومحبة الكهل أقر وأدوم. الكهل يقدر محاسن محبوبه ومنافعه أكثر. ومحبته له تكون أمرّ وأحلى. فالمرارة لعلمه إنه قد عرّض نفسه للوم اللائمين وعذل العاذلين من الأحداث والأغرار. ولإشفاقه دائما من ملل محبوبه إياه. فقلبه أبدا واجب. وهمّه بشأنه ناصب. والحلاوة لزيادة معرفته بقدر محبوبه كما تقدم. ولكون هواه والحالة هذه راهنًا متمكنًا فهو يعتقد بمجامع قلبه إنه ساع في أسباب سعادته وحظه. ولها أيضًا ثلاث حالات أخرى باعتبار الاستطاعة وعدمها اعني اليسر والعسر وحالة ما بينهما. أما الموسر فإن محبته أبرد وأحول. لأن غناه يحمله على استبدال محبوبه والتنقل من حال إلى حال. فلتحذر النساء المحصنات هذا الصنف من الناس وإن ماس بهن ماسه. إلا إذا كنا لا يخفن على سرّهن وعرضهن. لأن الغني يستحيل إفشاء الأسرار. كما يستحيل خزن الدينار. وعنده أن كل شيء عبد درهمه. وطوع نهمه. فأما الفقير فإن محبته أشط وأشذ وألوع. لأن فقره من حيث كان مانعًا له من إزالة الموانع التي تحول بينه وبين محبوبه لا يلبث أن يفضي به إلى اليأس أو الخبال أو الانتحار. فأما المتوسط فإن حبَّه اعدل واصَّح. ولها أيضًا ثلاث حالات أخرى وهي الذل والعزّ والمساواة فالذل غالبا صفة العاشق والعزّ صفة المعشوق. ومن أعجب أنواع المحبة الحبّ المختلط بالبغض. وذلك كأن يهوى رجل امرأة وهي تهوى غيره وتتمنع عليه. فيهيج به وجده إلى وصالها تشفيًا منها. فإن فاز به غلبت محبته على كراهيته وإلا فلا ولا يزال هذا دأبه حتى يسلو عنها الغلب وان المحب لا يسلو محبوبه إذا عامله بالصد والحرمان إلا إذا ظفر بآخر شبيه له في خلقه وخلقه وهيهات ذلك فأما بواعث المحبة فقد تكون عن نظرة واحدة تقع من قلب الناظر موقعًا مكينًا فتخلج فيه من محركات الوجد والشوق ما تخلجه عشرة مدة مديدة وعندي أنه لا بد وأن يكون المحبّ قد تصوّر في عقله سابقًا صفات وكيفيات من الحسن فصبا إليها حتى إذا شاهدها حقيقة في ذات من الذوات كما كان تصورها علق بها قلبه وخاطره فكان وخاطره فكان كمن وجد ضالة ينشدها وقد تكون المحبة عن طول سماع عن شخص فيسترسل السامع إليه شيئًا فشيئًا حتى يكلف به. وأكثر أسباب المحبة النظر والعشرة. واعلم أن كثيرًا من الناس قد عشقوا الصور الجميلة في الذكور والإناث لغير دعارة وفسق. وإنما هو ارتياح نفس ووجد بال. ويؤيده ما ورد في الأثر من عشق فكتم فعفّ فمات شهيدًا. والعاشق في هذه الحالة يرضى من معشوقة بأدنى شيء. فالقبلة عنده وفتح وغنيمة. قال الشريف الرضي
سلوا مضجعي عني وعنها فإننا رضينا بما يخبرن عنا المضاجع
قلت لو كان لي تصرف في هذا البيت لقلت عنها وعني. وقال ابن الفارض رحمه:
كم لات طوع يدي والوصل يجمعنا في بردتيه التقى لا نعرف الدنسا
وهذا العشق يسمى عند الإفرنج العشق الأفلاطوني نسبة إلى أفلاطون الحكيم ولا حقيقة له عندهم وإنما هو مجرد تسمية. ويعرف عندنا بالهوى العُذري. نسبة إلى عُذرة قبيلة في اليمن لا إلى عذرة الجارية أي بكارتها وافتضاضها وشيء آخر منها. ويروي عن مجنون ليلى إنها أتته يومًا وجعلت تحدثه فقال لها إليك عني فإني مشغول بهواك. وللمتنبي في هذا المعنى
فشُغلتُ عن رد السلا م فكان شغلي عنك بك
[ ١٤٧ ]
وأحقّ النساء بان تُعشَق وتعزّز التي جمعت إلى حسن خلقها الأدب وحسن المنطق والصوت واسعد الناس حالًا من كان له حبيب يحبه كما جاء في بعض المواليات المصرية. فإنه والحالة هذه يقدم على اصعب الأعمال واعظم المساعي. ويباشرها دون أن يشعر بها. لا فكره أبدًا مشغول بمحاسن حبيبه. فلو رفع صخرة في هذه الحالة على عاتقه بل فندًا لتوهم إنه رافع نعال محبوبه أو بالحري رجليه. ثم أنه مع ما يلحق المحبة من طوارئ التنغيص والخيبة والحرمان وخصوصًا مضض الغيرة فإن عيش الخلي لا خير فيه. لان الحب يبعث على المروءة والنخوة والشهامة والكرم ويلهم المحب المعاني اللطيفة والخواطر الدقيقة. ويكسبه الأخلاق المرضية. ويستوحيه إلى عمل شيء عظيم يذكر به اسمه ويحمد شأنه ولا سيما عند محبوبته. وقلما رأيت عاشقًا به جفاء وفظاظة أو رثاء وبلادة أو دناءة وخساسة. وقال بعض العزهين وأظنه من التيتائيين. لو لم يمنع من عشق امرأة شيء بعد التعفف والتوّرع سوى الاضطرار إلى حبها لكفى لان الإنسان متى علم إنه مسخّر لحب شيء ومكلّف به ملّه بالطبع ونفر منه. قال فيكون حب المرأة على هذا مغايرًا للطبع. هذا إذا كان الرجل شهمًا عزيز النفس عالي الهمة. فأما الأوباش من الناس فلا معرفة لهم بقدر أنفسهم فهم يتساقطون على حب المرأة حيثما عنّت لهم وكيفما اتفق. قلت هو كلام من لم يذق الحب أو من كان مفرّقًا ولو سمع أنثى تقول له يوما احمل يا روحي هذا الحمل من الحطب على رأسك. أو احبُ يا عيني على أستك كالولد الصغير للبّاها حاملا وزحنقفًا.
ثم أن للعشاق مذاهب مختلفة في العشق فمنهم من يهوى ذات التصنع والتمويه والعجب. ومنهم من لا يعجبه ذلك وإنما يؤثر الحسن الطبيعي. وأن يكون في محبوبته بعض الغفلة والبلاهة وإلى هذا أشار المتنبي بقوله:
حسن الحضارة مجلوب بتطرئة وفي البداوة حسن غير مجلوب
ومثل الأول مثل من يقدم له لون من الطعام وبه قمة فيحتاج إلى التفحية والتقيت ومثل الثاني مثل من به سيْفَيَّنة وسرْطميَّة فلا يمنعه عدم التفحية والتوابل من أن يلسو ويلوس ويلثى ثم يلحس قعر الجفنة بعد فراغه منها. فأما رغبة بعض الناس في الغفول والبلاهة فإنها مبنية على أن المحبّ لا يزال يقترح من محبوبته أشياء كثيرة تبعث إليها الحاجة. فمتى كانت ذات دهاء وذكاء خشي أن تمله وتحرمه. ومنهم من يزيد في المرأة غرامًا إذا كانت ذات عزة وشرّة ومعاسرة فيكون استرضاؤها ادعى إلى النشاط والسعي. وهذا يفعله في الغالب من يتفرغ للهوى ويتصدى له من كل جهة. ومنهم من يعشق المرأة لاتسامها بسمة الشرف وسيادة أو وجاهة. وذلك دأب ذوي الطموح والاستطاعة. ومن هذا الصنف من إذا رأى المرأة امرأة وضيعة تشبه امرأة شريفة عشقها لأجل حصول المشابهة فقط. ويقال لأهل هذا المذهب المشبهية. وهو في النساء اكثر فإن المرأة لا تكاد ترى رجلًا إلا وتقول لعله يشبه بعض الأمراء الغابرين أو الحاضرين أو الآتين ومنهم من يعشق من بها ذلة وانكسار وملاينة. وذلك شأن ذوي الرفق والرقة. ومنهم من يعشق من على طلعتها آثار الحزن والكآبة والفكرة. وهو مذهب ذوي الحنين والطرب. ومنهم من يعشق ذات البشر والطلاقة والأنس. وهو خلق المحزونين المبتئسين. فإن النظر إلى مثل هذه ينفي الهم. ويجلو الكرب والغم. ومنهم من يعشق من بها مرح ونزق وطيش وثرثرة وقهقهة. وهو دأب السفهاء والجهلاء. ومنهم من يعشق المرأة لأدبها وفهمها وحسن كلامها ومحاضرتها وسرعة جوابها. وهو مذهب العلماء والأدباء. ومنهم من يعشق من تكون كثيرة الحليّ والتأنق في الملبوس كثيرة الغنج والتمويه وهو طريقة ذوي السرف والشطط. ومنهم من يعشق الماجنة المتهتكة المستهترة. وهو شأن الفساق الفجار. ومنهم من يعشق الخيتعور الشهوانية المتلعجة الطفسة. وهو خلق من مبلغ منه العُهر كل مبلغ. ومنهم من يعشق اللاّعة الخريدة العفيفة ابتغاء أن يفسدها ثم يتباهى بذلك بين أقرانه. فإذا رضيت له ملها أو أرادها أن تكون على غير تلك الحال وهو عندي شرّ من عاشق المتوهجة. ومنهم من يحب اجتماع هذه الصفات المختلفة كلها في محبوبته بحسب اختلاف الأحوال. هذا في الخُلق فأما في الخَلق فالنحيف يهوى السمينة وبالعكس. والأسمر يحب البيضاء وبالعكس. والطويل يحب القصيرة وبالعكس. والأملط يحب الكثيرة الشعر وبالعكس.
[ ١٤٨ ]
أما النساء فأحب الرجال إليهن الفارس الأبتع. الشجاع الأروع. فأما الغنى والفقر فلا ضابط لهما فإن الغني يتهافت على حب الفقيرة كما يتهافت على حب الغنية. بل البخيل من الأغنياء يؤثر حب الفقيرة طمعًا في أن يرضيها بالقليل من المال. والغالب أيضًا إيثار حب الجيل الغريب للاستطلاع على ما عنده من الغرائب التي تتصور المخيلة وجودها فيه دون غيره. إلا إذا منع مانع جهل بلغته فحٍ يحصل للمخيلة انقباض في تماديها. وكما أن لطف النساء وقلفطتهن تعجب الرجال ولا سيما في الفراش كذلك كان يعجب النساء من الرجال تراتهم وشيْظميتّهم. فلا تكاد امرأة ترى رجلًا على هذه الصفة إلا وتقول في قلبها عند هذا كفايتي وغنائي. وقد لحظت العرب هذا المعنى باشتقاقهم الطول من الطول. غير أن النساء على الأعم بجنين اللذات من كل مجني ويكرعن من مواردها ما ساغ وما أغص فمثلهن كمثل النحلة تجني من الزهر وان يكن على المدمن.
فأما الغيرة فهي خلق طبيعي في كل بشر إذا كان سليم الذوق. فإن الإنسان يغار على متاعه من أن ينتهكه غيره فكيف على حرمته. وما يقال من أن الإفرنج ليس لهم غيرة على نسائهم فليس على إطلاقه. فإن منهم من يقتل زوجته ونفسه معًا إذا علم منها خيانة. نعم إنهم يتساهلون معهن في أمور كثيرة ربما تعدّ عند المشرقيين قيادة. إلا إنها في نفس الأمر وقاية من الخيانة. إذ قد تقرر عندهم أن الرجل إذا حظر امرأته عن الخروج وعن معاشرة الغير أغراها بالضَمْد. بخلاف ما إذا أرضاها بهذه اللذات الخارجية.
ثم أنه لما علم اجتماع المستعسلين أي الفرياق والبنت خلافًا للعادة المألوفة ذاقت أمها من ذلك مرارة الصاب فاستشارت بعض أمرها فقالوا لها لسنا نرضى بمصاهرة هذا الرجل لأنه من الخرجيين. وأنت من أعزّ بيت من السوقيين وهما لا يجتمعان. فقالت لهم ليس هو من جرثومة الخرجيين بل هو دخيل فيهم. قالوا لا فرق في ذلك رائحة الخرج ساطعة منه وقد ملأت خياشيمنا وحذروها منه غاية التحذير. مع أني قد حذرتهم وأمثالهم في الفصل الذي مرّ من هذا الفصول. فلما علمت البنت بذلك نبض فيها نبض الخلاف وقالت ليست وقالت ليست هذه الفروق من مصالح النساء. وإنما هي مصلحة من أتخذها وسيله للمعاش والجاه. والمقصود من الزواج إنما هو التراضي والوفاق بين الرجل والمرأة. وأن أبيتم ذلك فها أنا أنذركم إني لست من السوقيين في شيء. فرأت أمها أن تغيب بها أيامًا عن ذلك المحل رجاء أن يبعثها البعد على السلوان. فهاجت ح جميع عواطف الهوى في كل من العاسل والمعسول. وإليه أشار أبو نواس بقوله: دع عنك لومي فإن اللوام أغراء.
[ ١٤٩ ]
فلما رأت الأم أن لا إشارة تمنع البنت من الاشتيارة. ولا جَزْر يكفّها عن الجزر رجعت إلى منزلها واستدعت بالفارياق وقالت له: قد علمت أن السوقيين لا يبغون مصاهرتك. فإن كان عزمك على أن تتزوج ابنتي ينبغي لك أن تتسوق ولو يومًا واحدًا. قال لا بأس، فعلى هذا تسوق يوم عقد الزواج وقرت عين كل منها ومن البنت. ثم أحضرت آلات الطرب ليلًا وأديرت الكؤوس وزها مجلس الأنس والسرور. والفارياق مواظب فيه على خدمة إدارة الكأس ومعيد على العازفين الأطراء وقوله آه وأيه واوه. حتى إذا كلت يداه ولسانه ورأى أن عزم الشْرب أن يسهروا الليلة كلها إلى الصباح أنسل من بينهم وصعد إلى السطح لكي يستريح. وكانت الليلة مقمرة من ليالي الصيف. فلما أبطأ عليهم ظنوا أنه تفلت أنه من الإرْبة فأخذوا في التفتيش عليه كما يفتش على امرأة فالك أو فارك. فلما وجدوه وعلموا أن نيته مخالفة لنيتهم أخلوا له ولعروسه حجرة وهموا بالانصراف. فقالت الأم لا أو تنظروا بأعينكم البصيرة. وسبب ذلك أن عادة أهل مصر في الغالب هي أن يتزوج الرجل المرأة من دون أن يعاشرها ويعرف أخلاقها. وإنما ينظر إليها نظرة واحدة بات تناوله مثلًا فنجان قهوة أو كاس شراب بحضرة أمها. فإن أعجبته خطبها من أهلها وإلاّ كف رجله عن زيارتهم. ومنهم من يتزوج ولم يكن رأى امرأته قط. وذلك بأن يبعث إليها أمّه أو عجوزًا من أقاربه ومعارفه أو قسيسًا فيصفونها له بمقتضى ذوقهم وخبرتهم. والغالب أن أمّ البنت ترشي القسيس ليجيد صفة بنتها فيرغب الرجل في التزوج بها. ومنهم من يتزوج امرأة قاطنة في بلاد بعيدة فيبعث إلى أحد معارفه في تلك الجهة ليصفها له في كتاب ثم يستخير الله ويرتبق. ومع ذلك فإن عيش هؤلاء المتزوجين على هذا النمط يكون هنيئًا. فأما في بلاد الشام فعادة أهل المدن كعادة أهل مصر وعادة أهل الجبل مغايرة. فإن الرجل هناك يتمكن من رؤية المرأة ومعرفة أخلاقها. هذا ولما كان الفارياق قد تعدّى حدود العادة بمصر في كونه اجتمع بالبنت مرارًا عديدة في حضور أمها وفي غيابها. أرادت أمها أن تنفي العار بإظهار علامة البكارة. حتى يشيع خبر براءة البنت في جميع البلاد. فإن أكثر الناس لا شغل لهم إلاّ الكلام. فاجتمعت تلك الزمرة وراء الباب بعد أن جمعوا العروسين. وطفق الواحد منهم ينادي ويقول افتح الباب يا أبا مزلاج. فظن الفارياق أنه يريد الدخول عليهما ليعلمه كيف يكون العمل. ففتح له فقال له ما هذا الباب وإنما أردت باب الفَرج. فرجع إلى عروسه وإذا بآخر يقول لجِ القبَّة يا ولاّج. وآخر ثجّر الطعنة يا بجّاج. وغيره ارو الصدى يا ثجّاج. وآخر أزل الزَغَب يا حلاج وغيره أفرغ السجل يا خلاج - أسرع الوطء يا زلاج- املأ الوطب يا زمّاج- ملل الملمول يا مّعاج- اغطس في اللجة يا غاطس- افقس البيضة يا فاقس- أجلِ المسواك يا وامس- تسوّر السور يا معافس- روّض المهرة يا فارس. ومازالوا به حتى شام أبا عُمَيْر وناول أمها البصيرة. فتهللت منهم الوجوه فرحًا وحبورًا. وصفقت الأيدي استبشارًا وسرورًا. ونطقت الألسن بالتبرئة. وختموها بالتهنئة. ثم انصرفوا وكأنهم قد قفلوا من غزوة غانمين. وكادت الأم تطول عن الأرض شبرًا لهذا الفتح المبين.