[ ٢٥٨ ]
لما فرغ الفارياق من علمه في كامبردج سافر إلى لندرة على عزم أن يرجع إلى الجزيرة واستصحب معه حمى نافضا. غير أن أحد الأطباء الخيرين في هذه المدينة نفضها عن ظهره ولم يتقاضه شيئًا. ثم أصيب الفارياقية بخفقاني القلب واللسان. فإنها كانت وقتئذ مهرت في لغة القوم. ثم أصيب هو بخفقاني العقل والرأي. وذلك إنه لما تصرمت مدة غيابه عن الجزيرة وأزف وقت رجوعه رأى أن العود إليها غير أحمد. لأن أحوالها تغيرت عمل كانت عليه من الخصب والبحبحة في المساكن. وتلك عادة الفارياق إنه لا يدخل بلدًا خصيبًا إلا ويفارقه ممحلا كما تقدمت الإشارة إليه. ولأنه فاته فيها بعض فوائد فحرم منها لطول غيابه. فمن ثم قصد مدينة اكسفورد ومعه كتاب توصية إلى أحد أعيانها وعلمائها وهو من أهل الكنيسة. فرأى الوصول إليه متعذرًا فإن العلماء في هذه المدينة ليسوا كعلماء مصر في رقة الجانب وبشاشة اللقاء. بل هم أشد فظاظة من العامة. وعندهم إن الغريب لا يأتي إلى بلادهم إلا والشلاّق على عاتقه. ولذلك لما ذهب الفارياق ذات ليلة ليرى بعض هؤلاء العلماء صادفه أحدهم بباب المدرسة فقال له: من تقصد؟ قال فلانا. قال أين تسكن؟ قال في محل كذا. قال أعندك دراهم لتفي أجرة المسكن. قال ما أنا بمطران ولا راهب حتى تزعمني أني قدمت إليكم متسولًا.
ثم لما تعذر عليه الوصول إلى جناب ذلك القسيس المعظم ولم يجد فيها أهلًا للخير سوى رجل من الطلبة يسمى وليم سكولتك Williams Scoltock وآخر من التجار كان الفارياق اشترى منه قطعة حبل ليربط بها صندوقه فأبى التاجر أن يأخذ منه ثمنها فكأنه ظن الفارياق لم يشترها إلا بعد أن استخار الله في أن يخنق بها نفسه. رجع إلى لندرة وفاوض زوجته في ذلك فقالت له أن الجزيرة أقل خيرًا من أكسفورد وإني مللت منها كل الملل. فقد أضعنا فيها زهرة عمرنا ولم نحصل منها على ثمرة. فما الرأي أن نعود إليها. فقر رأيه حٍ على أن يستعفي من خدمته فيها وكتب كتابًا إلى كاتب سر الحاكم يؤذن بذلك. ثم أشتد بالفارياقية الخفقان فرأى إن مقامها بباريس خير لهما. وذلك لما شاع عند الناس إن هواء باريس أصح من هواء لندرة. وإن المعيشة فيها أرخص والحظ أوفر. إن الفرنسيس أبش بالغريب من الإنكليز وابر. وإن لغة العرب عندهم اكثر نفعًا واشهر. وغير ذلك من الأوهام التي تدخل أحيانًا في رؤوس الناس ولا تعود تخرج إلا مع خروج الروح.
ولكن ينبغي قبل سفر الفارياق من هذه المدينة أن نعيد عليك بعبارة وجيزة وصف ما فيها من المحاسن والجود على أهلها أي على أهل الجمال. لتعلم هل رحيل الفارياق حلال أو حرام. وليكون ذلك وداعًا من الإنكليز. فإن الكتاب قارب أن يتم ولم يبق من مجال للإسهاب. لأني أخشى من أن يأتي هذا الكتاب الأخير اكبر من الأول فيكون ذلك موجبًا للقدح فيَّ من وجهين. أحدهما إن مطالعيه يقولون إن المؤلف كان يؤلف الفصول في أوله قصيرة والآن ينشئها طويلة. فكأنه كان أولاّ غير ذي دربة بالتأليف أو أنه يريد أن ينسب إليه مضمون قولهم جري المذكيات غلاء. والثاني إنه كاد أن يلحق نفسه بالطرّادين وهو لم يشعر ولم يدر. فلقد مللنا من كلامه وإعادة قوله قيل وقال وكان وصار فهو قد تبوّأ صهوة الجدل منه وإليه. ولم يغادرنا نراجعه ونعترض عليه. فما جزاء الثرثار من المؤلفين إلا إلقاء كتابه في القمين.
قال الفارياق تصوّر في عقلك إنك ساكن في حارة من حارات لندره ذات صفين متوازيين متصاقبين متناوحين. في كل صف عشرون دارًا. ولكل دار باب ولكل باب عتبة. وأمام كل عتبة درج أو وصيد مبلط. ثم مثل لعينك هداك الله أربعون بنتًا من الرُّمم النواهد. والجثم الخرائد. والعُبُن المواغد. والرَّجح الثوامد. ذوات التبهكن والمرافد. والمراضب والمشانب. والصلوتة والسجاحة. والاسولة والصباحة. واللباقة والملاحة. والكلثمة والترارة. والوثامة والنضارة. والوضاءة والبشارة. والقسامة والشارة. والطلاوة والوثارة. والوثامة والبضاضة. والطراوة والغضاضة. والغرض والمسألة. والملد والعبالة. ومن الزهر والغر والفر والصهب والصبح والصحر والعفر والفضح والمغر والادم والخلس والبره والوده والعين والنجل والشهل والبرج. والشكل والدعج والجود والبج والفرق والزج والجبه والبلج والبلد والذلف والخنس والشم واللعس والحو واللمى. ومن كلّ
[ ٢٥٩ ]
رغُبوبة شطبة تارة أوبيضاء حسنة رطبة حلوة أو ناعمة. وكان حق هذا الحرف أن يوضع في جدول الكتاب الثاني لكن رأيت الحكاكات أولى به لتحقق معناه فيهن.
ولبّة لطيفة.
وذات وجه مصفح المصفح من الوجوه السهل الحسن.
وبهْصَلة شديدة البياض.
ورَبلة عظيمة الرَبَلات والرَبْلة ويحرّك كل لحمة غليظة والربالة كثرة اللحم.
وربَحْلة ضخمة جيدة الخلق طويلة.
وربيل ناعمة لحيمة.
وذات شعر رجل بين السبوطة والجعودة.
ورفلة أي تجرّ ذيلها جرًّا حسنًا.
وزولة خفيفة ظريفة فطنة.
وذات عين سبلاء طويلة الهدب.
وسبحل ضخمة كالسبحلل.
واسحلانية المرأة الرائعة الطويلة الجملية.
وطفلة رخصة ناعمة.
وعبلة عثلة ضخمة فخمة.
وعيطل طويلة العنق في حسن جسم.
وعطبول فتيّة جميلة ممتلئة طويلة العنق.
وعيطبول طويلة القدّ.
وعميثلة البطيئة لعظمها وترهلها ومن تسبل ثيابها دلالا.
ومكتَّلة مدورة مجتمعة.
وهيضلة الضخمة الطويلة.
وهيكلة عظيمة.
وهولة المرأة تهوّل بحسنها.
وعيهل طويلة ومثلها العيطبول والغلفاق والعنشطة والعنطنطة والعلهبة والسَّلهبة.
وعندلة ضخمة الثديين وهي أيضًا الطويلة.
وعر طويلة حسنة الشباب والقدّ.
وعرندلة طويلة صلبة شديدة.
ومجدولة لطيفة القصب محكمة الفتل.
وخثلة ضخمة البطن.
وهركيل حسنة الجسم والخلق والمشية كالهركولة.
ومأرومة حسنة الخلق مجدولته.
وجريمة عظيمة الجسد ونحوها الجسيمة.
وجمّاء العظام كثيرة اللحم.
وحمامة جميلة.
ودرماء لا تستبين كعوبها ومرافقها "من تغطيه اللحم لها".
ورعموم ناعمة.
وسلمة ناعمة الأطراف.
وشغموم طويلة مليحة كالشغمومة.
وضخمة عريضة اريضة ناعمة.
ومطهمة السمينة والبارعة الجمال والمدوّرة الوجه المجتمعه.
وفعمة استوى خلقها وغلظ ساقها.
وقسيمة جميلة وكذا الوسيمة.
وكثمة ريا من شراب وغيره.
ومكلثمة مجتمعة لحم الخدين بلا جهومة.
وكمكامة قصيرة مجتمعة الخلق.
ووثيمة مكتنزة لحما.
وموشم أوشمت المرأة بدا ثديها.
وهضيم الهضم خمص البطن ولطف الكشح.
وبثنة حسناء بضة.
وبخدن ناعمة.
وبادن معروف كبادنة.
وبهنانة الطيبة النفس والريح واللينة في عملها ومنطقها والضحاكة الخفيفة الروح.
وبهنكة شابة غضة ويقال للعجزاء تبهكنت في مشيتها.
وجهانة شابة.
وحبناء ضخمة البطن.
ذات شعر حجن متسلسل مسترسل.
وخليف المرأة التي أسبلت شعرها خلفها.
وراقنة حسنة اللون.
ومسنونة الوجه حسنته سهلته أو في وجهها وانفها طول.
ومشدونة العاتق من الجواري.
وذات عسن الطول مع حسن الشعر.
وعكْناء تعكن بطنها.
وغيْسانة ناعمة.
وفينانة كثيرة الشعر.
وقتين جميلة.
وملَسَنة القدمين الملسّنة من الأقدام والنعال ما فيها طول ولطافة كهيئة اللسان.
ووَهْنانة بها فتور عند القيام.
وبرَهْرَهة البيضاء الشابة والناعمة أو التي تُرعد رطوبة ونعومة والبره الترارة.
وذات رهْرهة الرهرهة حسن بصيص لون البشرة ونحوه وترهره جسمه "والأحرى جسمها" أبيض من النعَّمة وجسم زهْراه ورُهروه ورهْره ناعم أبيض.
وفارهة الجارية المليحة والفتيّة.
وودهاء المرأة الحسنة اللون في بياض.
وموهوهة التي ترعد من الامتلاء.
وسجْواء الطرف ساجيته أي ساكنته.
وعابية حسناء من عبا يعبو أي أضاء وجهه.
وحسنة العُرية أي المجرد والمعاري حيث يرى كالوجه واليدين والرجلين. تأخذ بيديها اللطيفتين مكشطا وصابونة ودلوًا فيه ماء حميم. ثم تجثو على ركبتيها المدملجتين وتطفق تحك عتبة الدار ووصيدها وهي تتذبذب وتضطرب وتتحثحث وتتعثعث وتتمثمث وتتبعج وتتحلج وتتخلج وتترجرج وتتمخج وتتمعج وتتنجنج وترتجح وتتضحضح وتتأود وتتخضدَّ وتترعد وتميد وتتأطر وتتدهكر وتتزرزر وتسجهر وتتمرمر وتتململ وتمور وتتحيز وتترجز وتتلزلز وتتمزمز وتتهزز وتتحسحس وتترهس وتتمخس وتترخش وتتنغش وترتعص وتترقص وتتنصنص وتوخص وتتخضخض وتلضلض وتتمخض وتتريع وتتريه وتتنوع وتتغضف وتترقرق وتتريق وتتركرك وتروه وتريه وتتلوه وتتلوى وتصرى. وربما أتفق مع رؤية ذلك سماع آلات الطرب يعزف بها في الشوارع فيا حسن ذلك منظرًا ومسمعًا.
[ ٢٦٠ ]
ولكن يا أغنياء لندن وأعيانها ألم يكن لكم من وسيلة لمشاهدة هذه الشواخص والجواهض إلا باذلة عزة الحسن المصون. أيحل لكم انتهاك حرمة الجمال وأمجال أيدي هؤلاء الحسان وركبهن لتلامس أعتابكم. ما بال جيرانكم الفرنساوية لا يفعلون ذلك وأنما يسومون خدمتهم تنظيف درج الديار من داخل فقط. فيضع الخادم شيئًا كالقبقاب أو النعل في رجله ويكشط به ما قدر عليه وما لم يقدر عليه يتركه إلى المرة الثانية أو الثالثة. ونحن كذلك لا نكلف نساءنا هذا التنطس الذي لا معنى له. وإنما نكل اليهن ما آل إلى الفقش والرفش أي الطعام والفراش. ومع ذلك فتزعمون أنكم تحترمون النساء وتعرفون قدرهن أكثر منا. لقد كبر ذلك قولًا. فأما تسريحهن في الليالي ليطفن في كل زقاق وشارع وتسفيرهن إلى البلاد الشاسعة وحدهن فلا يعدّ عندنا من الإكرام لهن في شيء: بل هو أحرى أن يكون ديبوبية وقرطبانية وكلتبانية وديوثية وقمعوثية وقوّادية وتوريّة وسقْرية وصقْرية وعزورية ولياسية وطزعية وطسعية وقنْدعية وقنذعية ودُسفانية وإدْسافية وإمذائية ومُمانويّة. وشعنبية وشقحطبية وأدفائية وأرفحيّة. ليت شعري كيف يكون قلب الخادمة حين تأمرها مخدومتها في كل يوم قائلة حكي العتبة. أو حين تسألها رفيقتها هل حككت اليوم عتبة سيدتك. نعم لو كانت العتبة وردت عندكم بمعنى المرأة كما هي في لغتنا هذه الشريفة لكان لا يبعد أن يسبق وهمها عند السؤال إلى ذلك إلا أن لغتكم يابسة قاسحة لا تحتمل التأويل ولا التخريج. ولست أرى لهذه العادة المشطة من سبب سوى أن أحد كبرائكم كان قد أتخذ خادمة رعبوبة والله أعلم منذ ثلاثمائة وخمسين سنة. وكانت امرأته دميمة فغارت السيدة منها فكلفتها حك العتبة والوصيد في كل يوم إذلالًا لها في عين سيدها كأنّ القلب لا يعلق بهوى الجميلة المسكينة كما يعلق بهوى الفُنُق. أو كأنّ الشيء الممجمج يحتاج إلى مرفد. أو الشيء المتدملك إلى وشيعة من القطن. أو الغيل إلى غلالة من الخز. أو المكْرة إلى جوارب من حرير. فسرت هذه العادة الذميمة في جميع كبرائكم إلى عصرنا هذا عصر التمدن والرفق بالنساء. وأنتم أسارى العادات والتقليد. فمتى الفتم فعلة لم يمكنكم أن تنتقلوا عنها. وذلك كتكليف الفتيان من خدمتكم ذرّ رمادًا أبيض على رؤوسهم حتى يكونوا كالشيوخ من فوق. وككشف عجائزكم في الولائم عن ترائبهن وأذرعهن. مع أنه لا مناسبة بين أوقات القصوف والحظ ورؤية ترائب منجرد تمني القوم بالقمة. فأما مواطأة الناس على ما اخترعه الأمراء والأعيان على العادات السيئة فهو غير خاص بكم. بل هو عام أيضًا عند سائر الأمم الأفرنجية.