ثم إنه بعد مذاكرة طويلة بين الفارياق وصاحبه قرّر رأيهما على أن يستأجرا خانًا مدينة الكعيكات. حيث ترد القافلة منها إلى مدينة الركاكات فاستبضعا ما يلزم لهما من الميرة والأدوات ولبثا قسه يبيعان ويشتريان بما تيسر لهما من رأس المال وذنبه. فلم تمض عليهما وجيزة حتى انتشر صيتهما عند الواردين والصادرين. وعرف رشدها جميع المسافرين. فكان الناس يقصدونهما لاقتصادهما. وكثيرًا ما أنتاب خانهما أهل الفضل والبراعة، والوجاهة والاستطالة. حتى كأنه كان حديقة يتفرّج فيها الميكروب.
[ ٢٣ ]
وعادة أهل ذلك الصقع أنهم لا يكادون يجتمعون في محل إلا ويتنازعون كاس البحث والمناظرة. ويخوضون في أمور الدنيا والآخرة. فإن أثبت أحد شيئًا نفاه الآخر. وإن استحسنه استهجنه وزعم أنه من المُنكَر. فيتحزب القوم أحزابًا قِدَدًا. ويمتلئ المكان صخبًا وإددا. وربما انتهى البحث إلى التفاخر بالنسب، والتكاثر بالحسب. فيقول أحدهم مثلًا لقرينه: أترد عليّ وأبي نديم الأمير وأكيله وشريبه وجليسه وأنيسه وخصيصه ونجّيه. لا يقضي ليلة من الليالي إلاّ ويستدعي به لمسارته. ولا يحكم بشيء إلاّ بعد مشاورته. وقد عرف أهلي من قديم الزمان بأنهم سُفراء البلاد، ونواميس الأمجاد. وما أحد من الناس ماجَدَهم ولا شارفهم ولا كاثرهم ولا فاخرهم ولا فاضلهم إلا وعاد ممجودًا ومشروفًا ومكثورًا ومفخورًا ومفضولًا وربما أعملت بعد ذلك الهراوات. وقامت مقام البينات. فيتنمر منهم من لم يكن ويربد من سكر، ومن لم يسكر. فينتهي الأمر إلى أمير الصَّقع. فيبعث عليهم مصادرين ذوي صقع. وويل لمن يكون قد ذكر اسم الأمير وقت الجدال. فإن عفوه حينئذ من المحال. فأما في الحوادث العظيمة فإن المتعدي إذا فرّ من القصاص أُخذ بذنبه أحد أهله أو جيرانه أو ماشيته أو ماعونه وقطع شجره وأحرق منزله. غير أن زمرتنا هذه لم تكن تتعدى حدّ الجدال إلى القتال. فإن الفارياق وصاحبه كانا يقومان فيهم مقام فيصل. فمن هذه الحثيثة كثر الوفود عليهما. وكثيرًا ما بات عندهما أصحاب العيال والراح عليهم دائرة. والأغاني متواترة. والوجوه ناظرة والعمائم متطايرة. فكان ذلك داعيًا إلى خصام النساء مع بعولتهن. ومن طبع النساء عمومًا إنهنّ إذا علمن أحدًا يعوق أزواجهنّ عنهنّ أضمون أن يتقربن إلى ذلك العائق ببعض حيلهن. فإن كان ممن يعشقن صفقن له حالًا على المقايضة والمبادلة أخذًا بثأرهن. فجعلهن من كل عضو منه بعلًا. ومن كل شعره خِلاّ. وإن كان ممن تبذأه العين رمينه بداهية وتحيلهن في خلاص بعولتهن منه وردّ بضاعتهن إليهنَّ. غير إن نساء تلك البلاد لا يخاصمن بعولتهن وهن مضمرات خيانتهم أو مستحلاَّتُ استبدالهم. فإنهنَّ ربَيَن على محبة آبائهن وعلى طاعة بعولتهن. وما خصامهن لهم الأعتاب. وكن في العتاب من لذة ولم يسمع عن واحدة منهن إلى الآن إنها خاصمت زوجها لدى حاكم شرعي أو أمير أو مطران. مع أن كثيرًا من هؤلاء الأصناف الثلاثة يتمنون ذلك في بعض الأحوال أما للافتخار بأجراء العدل والأنصاف في رعيتهم أو لعلة أخرى.
ومن طبع هؤلاء المخلوقات المباركات سلامة النية وصفاء العقيدة والتقرب إلى الرجال لا عن فجور فترى المرأة منهن متزوجة كانت أو ثيبة تجلس إلى جانب الرجل وتأخذه بيده وتلقي يدها على كتفه وتسند رأسها على صدره وتبسم له وتؤانسه في الحديث. وتتحفه ببعض ما تصل إليه يدها. كل ذلك عن صفاء نية وخلوص مودة. وأحسن ما يرى فيهن البلاهة والغِرية فإنهما في النساء من النُكْر والدّهاء. هذا إذا كان في غير ما يشين العرض وينتهك الحرمة. فأما في وقت الجد فلا تصح البلاهة. هذا ولما كان من دأبهن أن يكشفن عن صدورهن ولا يرفعن أثداءهن من صغرهن بشيء أكثرهن هُضْلًا أي ذوات أثداء طويلة. وأكثرهن يعتقد أن في طول رضاع الولد زيادة صحة له. فمنهن من ترضع ولدها عامين تامين. ومنهن من تزيد على ذلك أما محبتهن لأولادهن ورفقهن بهم وشوقهن إليهم فيجلّ عن الوصف. وأعرف كثيرًا من البنات كنّ يبكين يوم زواجهن على فراق آبائهن وأمهاتهن وأخواتهن كما يبكي غيرهن في المأتم أو أشد.
فأما ما يقال من أن البعولة يأكلون وحدهم دون نسائهم فكلام لا أصل له. وإنما يكون ذلك إذا كان عند الرجل ضيف غريب حتى لو أراد حينئذ أن تقعد امرأته مع الضيف لتأكل معه لأبت ورأت أن ذلك يكون استخفافًا بها وانتهاكًا لحرمتها. وفي الجملة فإنهن لا يُعبن بشيء إلا بالجهل وهن في ذلك معذورات. فأما الجاهلات من الإفرنج فإنهن يضفن إلى الجهل مكرًا وخبثًا. وناهيك بذلك من سبَّه. وإني ليحزنني جدًا أن أسمع إن هؤلاء المحبوبات قد مللن من هذه الفضائل وتخلقن بأخلاق أخرى. فيجب عليّ والحالة هذه أن أغيِّر ما وصفتهن به من المحامد أو أن آذن للقارئ في أن يكتب على الحاشية كذب كذب كذب أو هذين البيتين:
إن النساء حيثما كنّ سوى يملن من حيث أتاهنَّ الهوى
[ ٢٤ ]
لا يغرُرَنَّ الغِرّ منهنّ تقي ولا هُدى ولا نهى ولا حيَا
أو هذين
سَرْ مضرب الأرض في طول وفي عرض ترى النساء يبعن العرض كالعرض
بالرجل يصفقن عند البيَع لا بيَد وكل قاض على تسجيله يمضي
أو هذين
وإذا رأيت من الخرائد غادة تبدو وتخفَي فأرجعونَّ وصالها
وإذا دعتك لحاجة عنّت لها لتكون قاضيها فرج ما
أو ما قاله دعبل
لا يُؤيسِنَّك من مخدرّة قول تغلطه وإن جَرَحا
عسر النساء إلى مُياسرة والصعب يمكن بعد ما جمحا
واعلم أن البلاد التي يتجر فيها بعرض النساء بغير مانع إلا بمكس عليه قليل يدفع لبيت المال لبناء معابد وغيرها دون اعتبار لقول من قال أمطعمة الأيتام الخ. يقلّ فيها التغزل بهن. فإن الرجل هناك أيان الرجل خطر بباله أن رؤية الوجه الصبيح تنفي همَّه وتزيل بلباله. وتخف أثقاله. وتنفس عنه كربه وتجلو صدى قلبه وتصفي دمه. خرج فوجد ضالته تنتظره وراء الباب. فلا يحتاج عند ذلك إلى شكوى وعتاب وتواجُد. وإلى قوله أرق على أرق ومثلي يأرق. وكفى بجسمي نحولا إنني رجل. وذبت وجدًا وغرامًا ونحو ذلك. فأما البلاد التي يحظر فيها هذا فتجد الكلام في النساء متجاوزًا به وراء الحد. ولذلك كان في شعر الإفرنج الأقدمين من المجون ما تجده في كتب العرب. وما إلا لأن هذه البياعة كانت وقتئذ ممنوعة. فلما كثرت قلّ عندهم المجون. أما في الجبل فإنك لا تجد لهم بياعة ولا مجونًا. وحكى عن الفارياق إنه هوى واحدة من أولئك اللائي كن يترددن عليه ولم يكن يحظى إلا بلثم أخمصها فكان إذا أصبح يقول لصاحبه.
إن المقبل رجلها ليجل عن تقبيل راحة قسِّه وأميره
هن الفواتن للخلي فشعرة منهن خير من كنوز غروره