[ ١٣١ ]
كان هذا الرجل طبيبًا مشهورًا بمصر. ولكن شهرته في دائه أكثر منها في دوائه. وذلك أنه كان قد تزوج جارية تارّة على كبر سنّه فأولدها بنتًا وصبياّ. ثم عجز عن أداء حقها فجعل دأبه الملاطفة لها والتملق. وتلك عادة الرجل مع المرأة من أنه كلما قصر أعتابها وإرضائها في الحقوق الزوجية زاد حرصه عليها وكلفه بها وتردّ به لها. توهم أن هذا يسد عند المرأة مسد ذلك. وكذا حالته معها إذا كان يخونها ويرأم أخرى. كما أن دأب المرأة أن تزيد هشهشتها وعروبيتها لزوجها بزيادة إشباعه إياها وأطفاف الكيل لها. أو تملقها له إذا كانت تخونه.
وبناء على ذلك قال الطبيب لزوجته يومًا من الأيام. يا هذي أنني أرى أن قد صدئ مفتاحي عن قفلك. وأن سنك وترارتك تقتضيان أن تتخذي لك آلة رصاعية لتتلهى بها حتى يحين حيني فتتزوجني بآخر. وإلا فإني أخاف أن تتركيني وتطيري من عندي كما يطير الحمام. وقد يهون علي أن أخسر منك شيئًا واحدًا ولا أخسرك بجملتك. فإنك أم ولدي ومحل سرِّي من كبدي، فلا أطيق فراقك. فاختاري لنفسك من شئت آتك به بقرنيه. فضحكت المرأة عند ذلك. ثم فال ومن حيث أني معروف في هذا البلد بأني طبيب فإذا رأى الجيران رجلًا فلا يكون عليك شبهة. فضحكت المرأة أيضًا لقوله رجالًا. قال فإن الناس يقرعون باب الطبيب ولو في نصف الليل وهنا ضحكت أيضًا. ثم تمادى في الكلام معها إلى أن قال ولا تظني أني أنا وحدي تفردت بهذه العادة. فأن أمثالي من أهل بلادي يفعلون كذلك وهنا قهقهت. فلما فرغ من بقية خطبته على هذا النسق ظنت زوجته أولًا أنه قصد بذلك أن يستطلع سرّها ويتصيدها بزلة. فبكت من شدة الغيظ وقالت له أزعمتني بغيّا حتى تقابلني بمثل هذا الكلام وتسيء بي الظن. فال حاشا لله من ذلك. وإنما تكلمت معك بمقتضى الطبع فتدبري قولي بعد حين وردِّي علي الجواب. فانصرفت المرأة من حضرته وهي واجمة مرتابة.
ثم مضت عليهما أيام غير قليلة والرجل لا يهارش ولا يعاظل. ولا يلاعب ولا يباعل. فقلقت جدًا لهذه الحال. وضاق صدرها عن صبر الاعتزال. وأخذت تفكر فيما قال زوجها. فتبعلت له من الأيام وتبرجت وتعطرت وقصدت غرفته وهي تقول في نفسها. اليوم يكون برزخ الحالتين، وفيصل الحدّين. فإن لم تكن منه مباعلة ذكرته بما قال. فتلقاها بالبشر والبشاشة وأجلسها بجانبه وعرف أنها كرعت. إذ رأى قد علت عينيها خمرة وهما ترارئان وفي صوتها تهدّج أي رعشة واضطراب. فلما استقرت بادرها بالكلام بأن قال هل تبصّرت فيما قلته لك منذ أيام. قالت نعم ولكن أما عندك فضلة تغنيني عن هذا الأمر. قال ما عندي والله من وشل ولا فضلة. ولا ثمد ولا ثملة. ولم يبق لي أمل لا صلاح شأني في ناعوظ ما لا في لحم السقنقور ولا في شحم الورلدلكا ولا في الزنجبيل ولا الفلفل ولا التامول ولا القاقلة ولا الراسن ولا الفوفل ولا القرنفل ولا السنبل ولا المصطكي ولا الجوزبّوا ولا الهال ولا الرازياخ ولا في عاقر قرحا ولا في حب الصنوبر ولا الحمص ولا الكابلي ولا البليلج ولا دارفلفل ولا السمسم ولا الخولنجان ولا البسباسة ولا دهن البلسان ولاخصي الثعلب ولا في بيض العصافير ولا فيدهن السوسن ولا في القلقاس ولا في اصل النرجس منقوعا في الحليب ليلتين ولا في الكرفس مدقوقا بزره بالسكر والسمن ولا في لبس الثوب المورَّس ولا في أكل اصل اللوف ولا في الضجع معصورا ماؤه في اللبن الرائب ولا في البورق مدوفا بالعسل أو في دهن الزنبق ولا في البندق الهندي ولا في الهمقاق مقلوا ولا في علك البطم والينبوت ولا في المسك مدوفا بدهن الخيري ولا في البهمن ولا في الجزر ولا في الهليون ولا في الاملج ولا في البسفار ذانج ولا في اخضر الباقلي بالزنجبيل ولا في القلقل مدقوقا بالسمسم معجونا بالعسل ولا في صمغ الكندلي ولا في المُقل ولا في ثمر البطم ولا في التحير بخفيف لحم الرخم مخلوطا بخردل سبع مرات ولا في حب الزّلم ولا في لب القرطم ولا في معك العنم ولا في الموز ولا في مسح دماغ الخفاش بالأخمصين ولا في لحم الحمام ولا في قرفة القرنفل وإلا لما ضننت عليك بشيء لما تعلمين من فرط محبتي لك.
[ ١٣٢ ]
فقالت له إذا كان الأمر يا سيدي كما ذكرت فإني اختار قسيسا. قال أي وسواس وسوس إليك هذا الاختيار الذي ليس من الخير في شيء قالت أما أولا فلأن الناس لا يسيئون به الظن إذا رأوه داخلًا إليّ كل يوم. والثاني انه يقال ان مادّة القسيس متوفرة فيه. قال قد غويت ومع ذلك فإني أخشى منه على ولديّ فإنه ربما يغريهما بخلافي حالة كوني مخالفا له في معتقده فالأولى أن تختاري آخر. قالت أنت طبيب تعرف الصحيح من العليل والقوي من الضعيف فاختر لي ما تشاء فإني أرضى بكل ما ترضى به أنت. قال بارك الله فيك. ثم قبّلها من فرحه ووعدها بإنجاز عدته في اليوم القابل. وما كاد يسفر الفجر إلا وهو فوق حماره يقصد بعض أصحابه. فلما اجتمع به قال له أن لي عندك حاجة جئت التمسها منك. قال قل لي ما بدا لك. قال علي شرط أن لا تخيّبني. قال سأبذل مجهودي كله أن شاء الله في قضائها. فأخذ يده حٍ توثيقا للعهد ثم قال له أني أريد أن تكون خليفتي في زوجتي. فقال له الرجل هل بدا لك سفر عن مصر وأن تترك زوجتك هنا قال لا وإنما تكون خلافتك عني في حضوري. فاستاء الرجل وقال أو خامرك ريب في صداقتي لك حتى أضمرت استطلاع سرّي. وخفي أمري. فعند ذلك صرَّح له بالقضية وألح في القدوم معه.
ولما قدما انعقد البيع بحضرة كلّ من الزوج والزوجة وتم التراضي. وصار الرجل مذ ذلك الوقت يتردد على دار الخلافة وبقي ذلك مدة. ثم أن الزوجة لما ملتّه كما هي عادة النساء وظهر له ذلك من قلة احتفالها به مرة ومن اعتذارها إليه أخرى. جرى هو أيضًا على عادة الرجال من أنه أفشى سرّها لصاحب له. فجرى هذا أيضا على جدد أمثاله وجعل يتودد إليها وقام عنده مقام الأول. ثم ملته فأفشى سرها، ثم جاءها آخر فقبلته. ثم آخر وآخر حتى صاروا جماعة عظيمة. ثم تراجع إليها أحبّاؤها الأولون وانهمكت في التبديل والتغيير حتى صارت دار الطبيب كالمشرعة. ولم تكن هذه القضية قد شهرت في مبادئها عند الجيران إذ كانوا يظنون القوم يأتون ليتداووا من علل بهم. ولكنها علمت بعد ذلك. وكان سببه أن الطبيب اتخذ له دارا أخرى خارج البلد ليصيف فيها وترك امرأته في الدار الأولى والزائرون على ما كانوا عليه من الورود والصدور فتنبه ح الناس لذلك.
وفي هذا الوقت أي ورود الخلق إلى هذا المغنم البارد كان الفارياق المسكين يتردد على منزل الطبيب ليعلم ابنه ويتداوى. فظن الناس أنه من جملة الزائرين. وتقلدوا إثمه في أعناقهم إلى يوم الدين. فإنه كان معطلا وفعله ملغى عن العمل. وبقي على تلك الحالة مدة من دون أن يرى فائدة من العلاج فكأن الطبيب أراد أن تطول المدة عليه إلى غاية تعليم ابنه. فمن ثم اقتصر الفارياق عن التردد إليه وتداوى عند غيره وشفي.
وفي خلال ذلك سافر إلى الإسكندرية لمصلحة ما. فاجتمع فيها بواحد من الخرجيين الصالحين. فسأله هذا أن يرجع معه إلى مصر ليعلم عنده بعض تلاميذ فأجابه إلى ذلك. وإنما رغب فيه لكون الخرجيين لا يؤخرون اجرة من يعمل لهم. وفي أثناء هذا عنّ له أن يقرأ علم العروض. فأخذ في قراءة شرح الكافي على الشيخ محمد. فما كاد يختمه حتى فشا الطاعون بمصر فاشتد بالمولى الخرجي الحرص على حياته إبقاء للمصلحة الخرجية كما زعم. فمن ثم رأى أن يتباعد عن وهدة الفخ قليلًا لكيلا ينطبق عليه فيفجع الخرجيون أمثاله بفقده سببا في فقد غيره. إذ قد تقرر عندهم ان شدة الحزن تميت. فجعل الفارياق مع الخريجين الخِرّيجيين ومع رجل لبيب ذي خبرة بالعلاج المانع من عدوى الطاعون. ثم استصحب ما لزم له وفرّ إلى الصعيد، وتفصيل ذلك في الفصل الآتي.