أهلًا بك يا فارياق أين أنت وفيم كنت هذه المدة الطويلة -في نظم الأبيات السرية- ولكن هذا معلوم عندي ولم أسألك إلاّ عن أمر حديث- قد فجعت بالأمس بحمار لي وسألت عنه الجيران فلم يقل أحد منهم أنه سرقه. فاكتريت مناديًا بدرهم فجعل ينادي في الأسواق ألا قد فرّ اليوم حمار الفارياق وخلى قيده في الوتد فهل منكم من رآه. فلم يجبه أحد إلاّ بقوله ما أكثر الحمير الآبقة اليوم من بيوت مواليها. فلما عاد إليّ بهذه البشرى بلغ مني الغيظ كل مبلغ. وآليت أن لا انظر بعدها في وجه حمار سواء كان حقيقيا أو مجازيًا. فقد قال بعض أئمة اللغة أن من خصائص لغتنا هذه الشريفة دون غيرها أن يقال للرجل الجاهل حمار. ثم أخذت ارثيه بهذه الأبيات وهي:
راح حمار وخلى القيود في الوتد وما رأى أثره في الناس من أحد
فهل أنا راكب من بعده وتدًا أم مجزئي قيده لو كان من مسد
أم كيف أدخل دارًا كان لي سكنًا فيها وأنزل عندي مُنْزل الولد
سرهدته بيدي كالطفل من شفق كالطفل من شفق سرهدته بيدي
وجثته بشعير لا يخالطه ماس ولا عسجد خوفًا من الدرد
وكان يوقظني منه النهاق إذا استثقلت نومًا بصوت مطرب غَرد
كم حاد بي عن مضيق حين أبصر من حول الجمال تبلّ الأرض بالزبد
وسار بي في طريق بلّ جانبها أهل الجمال بماء الورد وهوندي
وكم جرى فأرها إذ لاح عن بعد زفاف خود إليها بالغ الأمد
وإذ تبين نعشا للجنازة لم يمرر به مع اليم النخس في الكتد
ما ضل يوما عن استقراء معلفه أكان في روضة غنّاء أم جَرَد
وما شكا قط من وخز ولا ضعف رج لاه عن جوب وعَث طال أو جدد
شلت يدا من به ولىّ وغادرني امشي وانشب في أوحال ذا البلد
أعالم أنني من بعده جزع وإن فرقته نار على كبدي
وأن صوت المنادي اليوم يزعق أن البس إكافك في جنح الدجى وعُد
لا يغررنك رغد أنت واجده عند الحرامي خصمي فيك من حسد
قائما ذا لحين أنت تعلمه ما دام شهرا على طرف ولا عَتَد
يفديك كل حمار ندّ من بطر أوضحّ من لغب أو خار من جهد
أو حار من شبق قلاّب جحفلة كرّاف بول قديم جفّ كالقدد
مصنبع الرأس ممشوق القوائم لم يحرن إذا سُمته خَسْفا ولم يجد
ألية إنه بالطرق أعْرف من مولاه أن لم يَعُقه القيد ذو العقد
يا ليت لي خصلة من ذيله أثرًا أرنو إليها كما يرني إلى الخرد
[ ١٢٨ ]
قالت فقلت له قد ضاع شعرك في الحمار العادي، كما ضاع الدرهم في المنادي. قال أما الدرهم فقد ضاع حقًا وأما الحمار فلا. قلت كيف ذلك والدار منه بلقع. قال من عادتي إني إذا فقدت شيئا وذكرته في الشعر خيّل لي أني عُوّضت عنه. فإن لم اذكره بقيت متحسرًا على فقده. قلت أو يقوم النثر مقام النظم قال ربما يقوم عند بعض الناس. فقد بلغني أن كثيرا من المؤلفين كانوا يحاولون إدراك أوطار حرمهم منها قلة ذات اليد فألفوا فيها كتبا واستغنوا بها عنها. قلت من قال ذلك؟ قال هم قائلوه. قلت هذا محض كذب فإني الفّت في النساء كذا وكذا رسالة وما خطر ببالي قط إني عُوّضت عن واحدة ممن وصفت. قال ولم الفّتها إذًا. قلت لم يكن لي من شغل ولا حركة، ووجدت الزمان عليّ ولا سيما الليالي من دون مباشرة شيء ما فلفقت ما كان يخطر ببالي. قال وهلاّ تفرح الآن بتأليفك إذا قرأته أو إذا سمعت أن الناس يقرءونه. قلت بل اضحك من سخف عقلي وقتئذ. فإني قد عرّضت عرضي لأسن القادحين فضلًا عن كوني أضعت أوقاتي عبثًا فيما لم يجدني نفعًا. وقد بلغني أن كثيرًا من المتزوجين ساءهم ما قلته في النساء وذكر مكايدهن فاستظهروا عليّ بجماعة من العلماء عابوا عليّ تبويب كتبي وخطّأوني في عبارتها. وكنت أيضا حكيت كلاما عن بعض النساء بلفظه فقالوا لا ينبغي أن يحكي الكلام بلفظه في الكتب وغير ذلك مما ندّمني كثيرا. قال قد سمعت أن الناس لا يزالون يعادون المؤلف حال حياته. فإذا مات حرصوا على كلمة يأثرونها عنه كما قال الشاعر.
ترى الفتى ينكر فضل الفتى ما دام حيًّا فإذا ما ذهب
لجّ به الحرص على نكتة يكتبها عنه بماء الذهب
قلت وما نفع هذا الحرص لمن مات. قال لا نفع منه غير إني أرى أن في النظم للذة عظيمة. ولا بدّ وأن يكون النثر أيضًا مثله فإنهما كليهما يخرجان من مخرج واحد أفلا تقول بصحة ذلك. قلت إني أقول باللذة في التأليف من جهة أن المؤلف يعرف شيئا جهله غيره. ولا شك أن في معرفة الحقائق لذة. غير أنه يقابلها من الألم ما يرجحها. وذلك أن المؤلف إذا عرفت مثلًا حقيقة وأراد أن يعرّف غيره إياها وجد اكثر الناس قد صُّموا عن سماعها. ومثل ذلك مثل طبيب نصوح رأى أهل بلدة يستحمون بالماء البارد في حال كونهم محمومين. فنصح لهم أن لا يفعلوا ذلك فأبوا وقالوا أن هذه البرودة تزيل الحرارة. فهو من جهة أنه عارف بالحقيقة مسرور. ومن جهة إنه يرى غيره في ضلال عنها محزون. وسروره لنفسه لا يوازن حزنه على غيره. ألا ترى أن أهل العلم كلهم ضعاف ضاوون قليلو الكلام والنوم والأكل والضحك. وأن الجهال سمان تارّون أصحاء كثيرو الأكل والنوم وغيره مما جعل لتقويم الطبيعة.
قال فما بال الأطباء سمان أيضا وهم بمنزلة العلماء في كونهم يعلمون من المنافع ما يجهله غيرهم. قلت أن الكبيب لا يرى الناس حين يأكلون ويشربون ويباعلون. وإنما يراهم حين يمرضون فلا تحزنه أفعالهم. فأما العالم فإنه في كل وقت ومكان يرى من العامة ما يدل على ضلالهم وجهلهم. فلا يمكنه والحالة هذه إلا أن يتأسف على ما هم فيه من الغباوة. والغفلة. قال أفتقولون إذا بالجهل. قلت هنيئًا لمن رضي به.
قال وما قولك في الشعر. قلت ان كان هو لمصلحة أي لشيء يعود إلى القيام بأودك فنعم هو. وإن يكن عن مجرد هوس وميل إلى التجنيس والترصيع أيان رأيت امرأة جميلة أو وردة روضة كما هو داب اكثر الشعراء يتكلفون للنظم في كل ما لاح لهم أو كرثائك الحمار الآن فتركه أولى. قال ولكن احسن الشعر ما جاء عن هوس أي عن السليقة لا بالتكليف. فإني حين أمدح السريّ أجد في ضم لفظة إلى أخرى ما يجده المعُاني لضم نقيضين مختلفين. وليس كذلك ما نظمته في الحمار. فإني نظمت فيه هذه المرثية في ساعة من الزمن. قلت لكن الناس لا ينظرون إلاّ الظاهر. فقصيدتك في الحمار يسمونها حمارية. وأبياتك في السري سرية.
[ ١٢٩ ]
قال أن كان الأمر كما ذكرت فلم رغبت عن تأليف ولكن لا في النساء فإن ذلك أمر مستفيض. قلت إما أولًا فلان المؤلف يوقع نفسه في كلاليب ألسنة الناس فيمزقون عرضه وجلده كما ذكرت لك آنفًا. والثاني فإن حقيقة اسم المؤلف غير محمود. فهو عند من يعلم حقيقة معناه بمعنى الملفق واكثر الناس يضحكون من هذا الحرف. فيحسبون أنه من التأليف بين شخصين. وإنما يقولون لمن تعاطى ذلك شيخ. وهو أيضًا مكروه عند بعض الناس وخصوصًا عند النساء. وأحسن الألقاب هنا فيما أرى عند النصارى قسيس وعند المسلمين بيك. أما القسيسين فلأن كل الناس تلثم يده وتتبرك بذلك. وأن المرأة من القبط لتغسل رجلي القسيس بيديها بماء الزهر ثم توعي ماءهما في زجاجة. وإنه متى جاع حمل أمعاءه إلى دار أحد من معارفه فاستقبلته زوجته بالبشاشة والإكرام فزعبها أي زعب. وإذا شاء أن يبقي في بيته لعارض من العوارض بعث غلامه بعلامة إلى أحد البيوت فجاءه منها بغداء ينظم فيه شعراء عصرنا قصائد. فأما البيك فإنه وأن يكن مقامه بين الناس كريمًا إلا إنه لا يمكنه أن يبلغ من البيوت ما يبلغه القسيس. إذ لا يتأتى له أن يمشي وحده. فلا بد وأن يمشي معه اثنان عن اليمين والشمال وهما وأن اظهرا له الخضوع والاحترام ففي قلوبهما منه حزازات تبعثهما على مراقبته والتعنت عليه اللهم إلا إذا تزيّا بزي خادم له وقحٍ فظاهر اللباس يجبئ عنه العين. قال هيهات أن أصير قسيسًا. هيهات أن أصير بيكًا. أما حرفة القسيس فإنها لا تصلح لي لأني لا أحب الركاكة. وأما صفة البيك فإني لا أصلح لها فإن القدرة الأزلية لم ترتض لي منذ الأزل بالبوكية للبيكية. وما بقي أمامي إلا الشيخية. قد توكلت على الله قلت إني مفارقك على أن تخبرني بما سيحدث لك في شيخيتك. قال سأفعل ذلك أن شاء الله.