[ ٢٠٧ ]
لما رجع الفارياق من عند الأمير المشار إليه أخبر زوجته بما أحسن به إليه وبأنه وعده بوظيفة حسنة في مصر. فقالت أنا أسبقك إذا وأنت تنتظره هنا فأني قد اشتقت إلى أهلي فدعني أسافر إليهم. قال لا بأس. فلما أزف الفراق أخذ يودعها ويقول: اذكري يا زوجتي أن لك في الجزيرة حليلًا يرعاك وخليلًا لا ينساك. فقالت من لي بهذا. قال فقلت أيّ هذا تعنين. قالت إنما أعنيك. قلت بل المتبادر غيري. قالت هل الحقائق على بوادركم أنتم العرب. وما زال دأبكم نبش ما في صدور النساء من الأسرار. وفقس ما في يوافيخهن من الأفكار. ومؤاخذتهن بالدثّ والوهم. ومعاملتهن بالحدس والقسم. ومعالجتهن بالهجس والزعم. والرضخ والرجم. والتذقح واللغم. والرسيس والوغم. بدل العَمس والعَسم. والجلهزة والرأم. والحزم والوزم والجمش والفغم. والضم والدعم ولو أن الله تعالى يؤاخذ العباد باللغو مثلكم لما بقي على وجه الأرض من بشر أكثر هذه المشاحنات ناشئ عن لغتنا فأن كل منها تحتمل عدة معان لسعتها. قالت ليتها كانت ضيقة قلت وهذا أيضًا من ذاك. قلت وكذا ذاك في هذا. قلت وكذلك عليه. قالت وتحته فالأولى إذًا السكوت. قلت ليس عند ذلك. قالت أنتم الرجال كلكم منخاريّون فطافطيون رفثيون. قلت من أين علمت ذلك. قالت قد رجعنا إلى الوهم والقسم. قلت بل فلنعد إلى الوداع. قالت نعم أني أسافر وليس لي من آسف عليه. قلت هل أنافي جملة غير المأسوف عليهم قالت ما أنت كأحد الناس. قلت وهذا أيضًا مبهم الست برجل. قالت في أحد المعنيين. قلت هل بقي لك عليّ شيء. قالت جمعهُ. قلت أعندك حساب ذلك في دفتر. قالت نعم قد غرّنا تلحزكم في الشعر يا شعراء فزعمناكم قوالين فعالين. فإذا بكم لا تحسنون إلا الوصف. قلت ومن يحسن الفعل. قالت ومن لا يحسن الوصف. قلت وأين حق الأدب. قالت في مجالس العلماء لا في مجالس النساء. قلت ذلك يفضي إلى الانبتات. قالت وهذا إلى الانبتات. قلت كيف يمكن الفراق إذًا. قالت أن شئت الوزم الآن وإلا فدعه إلى أن تأتي مصر. قلت كيف يتأنى وزم أعوام في ساعات أو أيام؟ وأشفق أن أحين وعليّ ذبابة. قالت إذا كنت لم تخش من الدين، فما أخالك تخشى من الحين. قلت لقد أذكرت ناسيًا وطالما حسبت الناس كلهم مثلي. قالت وأنت أنسيت ذاكرة لكوني لم أر لي مثلًا. قلت اذكري السطح واصفحي. قالت ليس الصفح إلا من ذكر السطح. قلت أني أردت السطح القديم. قالت إنما أريد الحديث. قلت يقال في الأمثال لا بركة إلا في قديم قالت يقال في الأمثال لكل جديدة لذة. قلت كيف الفراق وفي قلبك ضغن قالت يا حبذا الضغن. قلت إذا كان بمعنى الشوق أليّ. قالت نعم هي من الألفاظ الغربية التي تعلمتها منك كالعقيون والفطحل والحبرة. قلت لعلك أنست من العقيون والعقيان ومن الفطحل الفحل ومن الحبرة الحبرة. قالت لا تأنس الحبرة بالحبرة. قلت قد وقع ذلك فأنهم قالوا النعمة من النعومة. قالت وقالوا أيضًا التسديد من السداد. قلت لميرد في النهي عن ذلك أمر. قالت هو مقيس على نقيضه. قلت هذا بذر في أرض سباخ. قالت وذلك قراح بلا حرث. قلت الكلام على البذر. قالت لا يمرؤ الطعام ما دام في الحلق ولا يسوغ الماء إلا إذا مرّ على الزلقوم.
[ ٢٠٨ ]
ثم توادعا بعد مباراة الذمم وشيعها إلى سفينة النار ثم رجع إلى منزله كئيبًا مستوحشًا. لأنها كانت كثيرًا ما تدله على الرشاد وتنهج له الرأي السديد. ثم لم يشعر بعد أيام إلا وروائح المطران قد انتشرت وهي أشد أذى من الأولى. فبعث منها آخر إلى اللجنة المذكورة وكتب لهم. أن لم تقطعوا هذه الرائحة من هذا الجو شكاكم كل ذي خيشوم. فلما بلغهم كتابه وعرضوه على الطلاب العلم عندهم وجدوا أن قوله الحق. فبدأ لهم أن يسدوا مسام المطران عن إخراج ذلك الخبث. وأن يحضروا إليهم الفارياق لإعادة ترجمة الكتاب الذي تقدم ذكره. هذا وقد كان الفارياق ألّف في أحوال أهل الجزيرة كتابًا وعاب عليهم فيه بعض عادات ورسوم دينية ودنياوية مما تفردوا به على نصارى بلاده. وذلك كتغطيسهم أجراس الكنائس في ماء المعمودية وإطلاق أسماء القديسين عليها. وكخروجهم بالدمى والتماثيل نهارًا وإيقاد الشموع أمامها وما أشبه هذا. وكان قد أعار الكتاب المذكور رجلًا من المسلمين ممن كان المطران يتردد عليه. فأتفق أن زاره المطران يومًا فرأى الكتاب على الكرسي وقد عرف خط مؤلفه. فغافل الرجل حتى خرج من الحجرة وتناول الكتاب وقطع منه الأوراق التي اشتملت على ذكر تلك العادات. ثم بعث بها إلى رئيس مصلح البخر وكتب عليها باللغة الطليانية. أنظر أيها الرئيس أن كان قائل هذا الكلام يصلح لأن يكون تحت رئاستك أو لا. إلا أن الرئيس المذكور لما كان لا يعرف ما اشتملت عليه تلك الصحائف مع عدم قدرته على عزل المتوظفين في خدمة الدولة. كان لا بد من إعادة الأوراق إلى المؤلف. وكان المطران قد فر من الجزيرة قبل إعادتها وطهر الجوّ من روائحه. ولو بقي بعد ذلك لعوقب على هذه السرقة معاقبة تليق بأمثاله. ووقتئذ عزم الفارياق على السفر لقضاء تلك المصلحة أعني ترجمة الكتاب وأرسل إلى زوجته يعلمها بما استقر عليه الرأي. وأشار عليها بالرجوع إذ كان يرجو أنه يبقى في بلاد الإنكليز بعد إنهائه الكتاب. غير أنه جرت العادة في بلاد الإفرنج بأن مدرسي اللغات في مدارسهم الجامعة لا يكونون إلا منهم وأن كانوا جاهلين. وبعد أن رجعت الفارياقية تأهب الفارياق للسفر. وهاهو الآن يوعي القاموس والأشموني في صندوقه. وهاأنا منطلق لقضاء حاجة لا بد منها فاسمحوا لي أن أستريح قليلًا.