[ ٢٧٤ ]
لما نكبت نصارى حلب وجرى عليهم من نهب المال وهتك العرض ما جرى، اجتمعت رؤساؤهم في الدّين وارتأوا أن يبعثوا من طرفهم وكلاء إلى بلاد الإفرنج ليجمعوا لهم من دولها وكنائسها ومن أهلها الخيرين مددًا يقوم بأودهم. فاختارت الكنيسة الرومية الأرثوذكسية الخواجا فتح الله مرّاش واختارت الكنيسة الرومية الملكية المطران اتناسيوس التتونجي مؤلف كتاب الحكاكة في الركاكة. ورجلًا آخر معه يقال له الخواجا شكري عبود. فاقبلوا يجولون في البلاد حتى انتهوا إلى مملكة أوستريا فجمعوا منها مبلغًا. وكان معهم منشور من مطراني الكنيستين المذكورتين في حلب يؤذن بوكالتهم من الطائفتين في هذه المصلحة. فلما فرغوا في بلاد النمسا قدم الخواجا فتح الله المزبور ورفيقه الخواجا شكري عبود إلى باريس ومعهما ذلك المنشور. وبقي المطران هناك على عزم أن يجتمع بهما في بلاد الإنكليز. وإنما لم يقدم معهما إلى فرنسا مع أنه هو وكيل الكنيسة الملكية وهي على مذهب الكنيسة الفرنساوية. لما أنه كان سابقًا ارتكب فيها من إساءة الأدب وتعدّى طور أمثاله ما أوجب حبسه ثم طرده منها مدحورًا. فخشي والحالة هذه أن يشهر أمره هذه المرة فيها فيحيق به سوء عمله. فلما أبرز رفيقاه منشور الوصاة المطران باريس والتمسا منه المعونة عجب من رؤيته اسم المطران التتونجي مذكورًا فيه دون رؤية سحنته. فقال لهما ما بال وكيل الكنيسة الملكية لم يحضر معكما. فاعتذرا عن غيابه بأعذار لم يقبلها منهما المشار إليه. وتذكر ما كان فعله التتونجي من قبل فردّهما خائبين. وكان الخواجا فتح الله مراش ورفيقه يترددان على الفارياق مدة مكثهما في باريس. لكن تردد الأول أكثر. وإنما أنس به الفارياق مع علمه بأنه رفيق التتونجي لكونه لكونه رآه من ذوي المعارف والدراية ماعدا كونه متزوجًا وله عيال. وقلّ من كان على مثل ذي الحال وانطوى على غش ودخل. لأن العلم بلطف العقل والعيال ترقق القلب. ثم أرتبك المطران في رطمه في بلد من بلاد أوستريا وهو فيما أظن بولونيا. ففصل منه على نكظ وخزي وسار إلى بلاد الإنكليز مجتديًا. ويومئذ أرسل إلى رفيقيه المذكورين أن يلحقا به. فما مضت بعد سفرهما أيام قليلة حتى ورد إلى الفارياق كتاب من كاتب اللجنة "أي جمعية أخوية" وفي ضمنه كراسة من كتاب كان قد عربه الفارياق من كتب العجم وفيها ما يسوء اللجنة. فأيقن حينئذ بأن أحد رفيقي المطران عند ترددهما عليه سرقها من مخدعه بإشارة المطران. وإنه لما أجتمع به في لندن سلمها له فأهداها المطران إلى اللجنة طمعًا في إيصال الضرر من جانبهم إلى الفارياف. غير أن اللجنة المذكورة لما كانت منطوية على أخلاق كريمة ردت الكراسة على الفارياق. إذ لم يكن لهم بحفظها من مصلحة. وكان ورود الكراسة يوم عزمت الفارياقية على السفر. فبلغ منها الغيظ والحزن كل مبلغ حتى لزمت الفراش. فأما المطران فإنه تصدى له في لندرة بعض رؤساء الكنيسة الباباوية ومنعوه من تعاطي الحرفة الساسانية. حتى أن شنعته وشهرته هناك عطلت أيضًا على غيره ممن كان يجتديهم لمصلحة من مصالح الكنيسة. فحسبوا كل قادم إليهم من بلاد الشرق منافقًا.
[ ٢٧٥ ]
أما الفارياقية فإنها نقهت بعد أيام وصممت على السفر فكتب لها زوجها كتاب توصية إلى المولى المعظم سامي باشا المفخم في مدينة القسطنطينة. ثم شيّعتها وسفر معها اصغر أولاده تسلية لها. ولما حان حان الفراق توادعًا وتباكيًا وتواجدًا حتى إذا لم تعد العين تجيبهما بالدمع وهي العسقفة والعسقبة والتبغيض رجع إلى منزله مستوحشًا مكتبئًا. وسافرت هي إلى مرسيلية فزال ما كان بها وشفيت أتم الشفاء. لكنها لم تغير نيتها عن السفر إلى إسلامبول. ثقة بأن هذا الفراق يكون سببًا في وشك اللقاء. فلما بلغت مقام المولى المشار إليه وأدت كتاب التوصية لولده النجيب الحسيب صبحي بيك إذ كان والده حينئذ غائبًا، اكرم مثواها وأحسن إليها غاية الإحسان. وهذا مثال آخر على الكرم الشرقي ينبغي أن يبلغ مسامع الأمراء الغربيين من الإفرنج. وفي غضون ذلك نظم الفارياق للموما إليه قصيدة يمدحه بها على كرمه ومعروفه. ولزوجته أبياتًا أودعًا ذكر ما لقي من وحشة النوى وستأتي كلها في الفصل التالي الذي هو خاتمة هذا الكتاب. ثم أنتقل من منزله ذاك إلى غرفة وجعل دأبه في كل يوم نظم بيتين على بابها. ثم بلغه قدوم السيد الأكرم الأمير عبد القادر إلى باريس فأهداه أيضًا قصيدة وتشرف بمجلسه. ثم عيل صبره من الوحدة فاستماله بعض معارفه إلى اللعب بهذه الأوراق المزوقة فصار من زمرة المقامرين. لكن جهله بها كان غير مرة يبعث شريكه على العربدة عليه. فكان يرضى بأن يكون حرضه فقط. "الحرضة أمين المقامرين" ثم تعرف برئيس تراجم الدولة وهو الكونت ديكرانج فأما غيره من التراجميين وشيوخ العلم ومدرسي اللغات الشرقية فلم يطأ لهم عتبة. لأنهم نفسوا عليه بمائهم وبضيحهم وبودهم وكلامهم ولقائهم حتى إنهم أبوا أن يطبعوا له قصيدته التي مدح بها باريس بعد أن وعدوا بذلك. وما كان خلفهم إِلا حسدًا ولؤمًا.