وظل الفارياق معالجا للبخر وقد ضاق ذرعًا. إذ لم يحصل من علاجهم فائدة فأصبح يحاول التملص من هذه الحرفة ولا سيما إنه كان مطبوعا على الملل والجزع. واتفق في غضون ذلك أن سافر إلى فرنسا المولى المعظم أحمد باشا باي والي إيالة تونس المفخم. وفرق على فقراء مرسيلية وباريس وغيرهما أموالًا جزيلة شاع ذكرها ثم رجع إلى مقامه. فرأى الفارياق أن يهنئه بقصيدة فنظم القصيدة. وبعث بها على يد من بلغها لجنابه. فلم يشعر بعد أيام إلا وربان السفينة حربية يطرق بابه. فلما دخل واستقر به المجلس قال الفارياق قد بلغت قصيدتك لجناب سيدنا الأكرم. وقد أمرني أن أحملك إليه في البارجة. فلما سمع ذلك استبشر بالفرج من حرفته وقال لعمري ما كنت احسب إن الدهر ترك للشعر سوقًا ينفق فيه. ولكن إذا أراد الله بعبد خيرًا لم يعقه عنه الشعر ولا غيره. ألا فاهزقي يافارياقية المهزاق. واسلقي فما يضرني اليوم اسلاق. ونفجي ما استطعت أن تنفجي. وضرجي وضمجي ودبجي. هذا يوم يعبق فيه المكتغن. ويبشق فيه من وهن. ويشمق منه ذو الددن. ويفاز بالغدن. هذا يوم تستحسن فيه الربوخ. ويلقح فيه من ملوخ. وتتئم الجلهوب والسلقلق. وتنجب الشريم ثم العفلق. هلمي فاتخذي مذ اليوم ظيرا. فإني أرى في الزند أيرا.
فقال الربان وقد استعجم عليه الكلام ما هذه اللغة التي يتكلمون بها لعمر الله ما فهمت شيئًا مما قلتم، أهذا اللسان تحمل في رأسك إلى تونس. وبهذه الألفاظ تخاطب سيدنا وأهل الفضل من رجال دولته. قال لا وإنما هذه لغة اصطلحنا عليها فلا نستعملها إلا نادرًا. فقال الرّبان ينبغي أن تتأهب إلى السفر ولك أن تستصحب أيضًا عائلتك إذا شئت. فإن سيدنا أكرم لا يسوءه ذلك. فتأهب الفارياق هو وعائلته وركبوا في السفينة وبعد مسير أثني عشر يومًا والريح مخالفة كما جرت العادة بذلك بلغوا حلق الواد. فأمر المولى المشار إليه بنزولهم في أمير البحر.
[ ٢٣٢ ]
وهنا ينبغي أن نلاحظ مزية الكرم التي خص الله تعالى بها جيل العرب دون سائر الأجيال. وذلك أن استدعاء الولي إليه لم يكن لجميع من دبّ ودرج بمنزل الفارياق بل كان خاصًا به وحده إلا أنه بلغ مسامعه الكريمة قدوم مادحه بأهله لم يستأ من ذلك ولم يقل ما أقل أدب هذا المدعو وما أصفق وجهه لقدومه علينا مزويًا. ولم يقل لربانه قد خالفت القوانين السياسية والأوامر الملوكية فلننزعن عن كتفيك هدّاب منصبك حتى تكون عبرة لمن أعتبر. بل يقي الربان متشرقًا بهدّابه. والفارياق متمتعًا بأهدابه. وبوّئ أكرم مبوّأ في داره أمير البحر وأجرى عليه الرزق الكريم. والخير العميم. ولو أن أحد أعيان الإفرنج دعا شخصًا وأتاه ذلك الشخص ومعه غير نفسه لجبهه عند اللقاء بل لم يكن ليلقاه قط. لا بل نساؤهنّ لما كان يدعون الفارياق كن يقلن لها أنك أنت المدعوة فقط إشارة إلى عدم إزوائها بخادمتها وطفلها. وليت شعري أين من تكرم من ملوكهم بإرسال بارحة لاستحضار شاعر ولغمره إياه بالمال والهدايا النفيسة. فلعمري أن مادح ملوكهم لا جائزة له من عندهم غير تسفيهه وتفنيده. مع أنهم أشد الخلق حرصًا على أن يشكرهم الناس ويمدحوهم. ولكنهم يأنفون من أن يمدحهم شاعر يريد نوالهم فلمن هذا المال الذي يدّخرونه. ولأية داهية من الدواهي يعتدونه. وهم الطاعمون الكاسون. الحاسون اللاسون. أم يخشون أن يلمّ بهم ضفف أو قشف. أم يحسبون أن صلة الشاعر من السرف. ولهذا أي لكون الكرم مزية خاصة بالعرب لم ينبغ في أمة من الأمم شعراء مفلقون كشعرائهم على اختلاف الأمكنة والأزمنة. وذلك من زمن الجاهلية إلى إنقراض الخلفاء والدولة العربية.
فإن اليونانيين يفتخرون بشاعر واحد وهو أواميروس Homere والرومانيين بفرجيل Virgilius والطاليانيين بطاسو Tasso والنمساويين بشلَر Schiller والفرنسيس براسين وموليير Racine et Moliere والإنكليز بشكسبير وملطون وبيرون Shakespeare Milton et Byron. فأما شعراء العرب المبرزون على جميع هؤلاء من أن يُعدّوا. بل ربما كان في عهد واحد في زمن الخلفاء مائتا شاعر كلهم بارع فائق. وذلك لأن اللهى كما قيل تفتح اللهى. على أنه لا مناسبة بين الشعر العربي وشعرهم. لأنهم لا يلتزمون فيه الرويّ والفاقية وليس عندهم قصيدة واحدة على قافية واحدة ولا محسنات بديعية مع كثرة الضرورات التي يحشون بها كلامهم. فنظمهم في الحقيقة أقل كلفة من نثرنا المسجّع. وما أحد من الشعراء الأفرنج إستحق أن يكون نديمًا لملكه. فغاية ما يصلون إليه من السعادة والحظوة عند ملوكهم إنما هو أن يرخَّص لهم في إنشاد شعرهم في بعض الملاهي. فأي هوان يلحق جناب الملك المعظم من اتخاذه نديمًا وكليمًا. أم يقال أن شعراء الإفرنج كثيرون بحيث لا يمكن لملك أن يختار واحدًا منهم على غيره. أروني أين هم هؤلاء الكثيرون على خزنته السعيدة. كم في بلاد الإنكليز الآن من ناثر. وكم في بلاد فرنسا من ناظم. وهنا ينبغي أيضًا أن أضف ملاحظة أخرى فأقول. أنه قلما ينبغ شاعر عربي أو عجمي ويعجب الناس جميعًا. فأن من الشعراء من يحب الكلام الجزل الفخم دون ابتكار المعنى. وبعضهم يعني بالمعاني دون الألفاظ. وبعضهم يتحرى اللفظ الرقيق والعبارات المنسجمة. وبعضهم الغزل وغير ذلك. ولا تكاد تجتمع هذه المزايا في شاعر واحد أو تجتمع عليها أخلاق الناس كلهم. فإن من كان من بني نظري ذبَّ الرياد شحما لحِما مُخضعا متصندلا زير النساء وخلبهن وشيْعهن ونِسأهن وحِدْثهن وطلحهن وطلبهن وخدنهن وعلهن ورنْوهن وحُرْ قوصهن فأقحا إياهن حيث سرن. وكارزا لهن أيان برزن، لاتهمه الحماسة ولا منازلة الأقران. فعنده أن قال أمرؤ القيس:
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم تحوّل
أحسن من قول عنترة:
فطعنته بالرمح ثم علوته بمهند صافي الحديدة مخِذم
ومن يكن عرْوا أو حصورًا أو عتولًا مُقطَعًا أو متأبدًا أو عنكشًا عثيلًا أو صيقمًا صمكمكا كيْكآ ليس به حمضة إلى العبهرة العجنجرة والعياذ بالله من ذلك. صرف ذهنه إلى الزهديات والحكميات. انتهى.
[ ٢٣٣ ]
ثم الفارياق انتقل إلى المدينة وهناك تعرّف بجماعة من أهل الفضل والأدب. منهم من أدبه ومنهم كم أترفه وهناك حظي بتقبيل يد المولى المعظم ونال منه الصلات الوافرة. وسأله وزير الدولة هل تعرف اللغة الفرنساوية. قال لا يا سيدي ما عنيت بها. فإني ما كدت أتعلم لسان الإنكليز حتى نسيت من لغتي قدر ما تعلمته منه. فقد قُدّر على رأسي أن يسع قدرًا معلومًا من العلم فمتى زاد من جهة نقص من أخرى. فلما أخبر زوجته بذلك قالت له ألم أقل لك غير مرة عَدّ عن الغزل بالنساء وتعلم هذه اللغة المفيدة وما كنت لترعوي عن هواك. ماذا تريد من الغزل وعندك زافنة. قال فقلت نعم ورافنة. ثم ماذا يفيدك وصف العين بالحوَر ولست منهن تقضي الدهر من وطر. أليس وراءك مني رقيب قريب. قلت بلى والله أني ما خلوت قط بامرأة في الحلم إلا ورأيتك وراءها. حتى كثيرًا ما شاهدتك تمزقين ثوبها وتنتفين شعرها ثم تتبوئين مكانها وترسلينها فارغة. فقالت الحمد لله على أن ألقي رُعبي في قلبك في اليقظة والمنام. قلت قد بدأ لي أن أنتقل من التغزل بالنساء إلى هجوهن فعسى أن أنتقل بذلك إلى حال أحسن. قالت أفعل ما بدأ لك ولكن إياك من أن تدخلني في الجملة. ولكن قف قف لا تذكر النساء لا في النسيب ولا في الهجاء. فأنك أول ما تذكر اسمهن يدور رأسك وينبض فيك العرق القديم، كلاّ ثم كلا. قلت ولكن في مدح سيدنا الأمير قد ذكرت اسم امرأة. فقالت وقد اتقدت عيناها من الغيظ. مَن هذه الفاعلة الصانعة. قلت هو اسم عربي. قالت آه هو من ضلالك القديم. ولو كان اسمًا عجميًا لقمت الآن واحترقت ديوانك هذا الذي هو عليّ أشد من الضرّة لأنك تصرف فيه نصف الليالي. فقلت لكن هذا النصف ليس بمانع من كله. قالت لكن ذاك الكل حق لي وضعفي مثله. قلت صدقت ما خُلق الليل إلا للنساء وما خلقن هن إلا لليل. قالت سلمتُ بالأولى ولا أسلم بالثانية. فإن النساء خلقن للنهار أيضًا. قلت نعم ولكل ساعة منه وليس للرجل همّ في الدنيا غير امرأته. قالت الأولى أن تقول اهتمام. قلت في كل اهتمام همّ. قالت هذا عند الرجال من فشلهم وليس كذلك عند النساء. قلت هو من خفة عقولهن وثقل نهمهن فإن اللذة تذهلهن عن الدين والدنيا معًا. قالت بل هن يجمعن بين الثلاثة في مكان واحد وآن واحد. وأما أنتم فمتى كلفتم بواحدة منها أغلفتم الأخرى. وهذه من المزايا التي مزّانا بها الباري تعالى عليكم ألا ترى أن المرأة إذا سمعت مثلًا خطيبًا جميلًا يخطب في الناس ويزيدهم في الدنيا تلذذت بكلامه وشغفت حبًا بجماله وبكت زهدًا في العالم. قلت بودي لو كانت النساء يخطبن على المنابر كالرجال قالت لأبكينهم دمًا. ولكن هيهات فإن الرجال من أثرتهم استبدوا بجميع الأمور المعاشية والمعادية وبمراتب العز والجاه. وحرموا النساء من أن يشاركنهم فيها. فما كان أبهج الكون وأعمره لو كانت النساء تتولى هذه الرتب. وكما أن الدنيا مؤنثة وكذا السماء والأرض والجنة والحياة والروح والنفس والنبوة والرسالة والسعادة والحظوة والغبطة والعزة والنعمة والرفاهية والأبَّهة والعظمة والخطابة والفصاحة والبلاغة والسماحة والشجاعة والفضيلة والمروءة والحقيقة والملة والشريعة والأيالة والولاية والزعامة والرئاسة والحكومة والسياسة والنقابة والنكابة والعرافة والإمارة والخلافة والوزارة والمملكة والسلطنة وأخص ذلك المحبة واللذة والشهوة. فما كان أجدرها بأن تشرف بالنساء. قلت قد نسيت العفة والحصانة. قالت لم تخطر لي ببال وإلا لذكرتها. قلت ولكن البعال مذكر. قالت أين أنت من المباعلة. قلت والهكهكة. قالت وما الهكهكة. قلت مضاف هكّ هك أي هني هني أي طحز طحز أي فعل فعل. قالت هي أحسن مما تقدم. قلت فتقولي إذًا أخيرًّا وإلا فهو كفر وخمج. قالت على النساء لا حرج فإن منهن الفرج. قلت نعم للفرج إذا أبصرن ذا فرج. قالت والأرج. قلت والمرج. قالت وهنّ أحق بذي برج. قلت وبمن نيرج. قالت الجميع بينهما بلج. قلت والثاني عند تعذر الأولى هو الأفلج. قالت وبه اللسان الهج.
ثم عزما على الرجوع فسفرهما المولى المشار إليه في سفينة النار.