[ ٧٤ ]
عمت صباحا يا فارياق؟ كيف أنت؟ وكيف رأيت الإسكندرية؟ هل تبيَّنت نساءها من رجالها فإن النساء في بلدكم لا يتبرقعن. وكيف وجدت مآكلها ومشاربها وملابسها وهواءها وماءها ومنازلها وإكرام أهلها للغرباء؟ ألم يزل برأسك الدوار؟ وعلى لسانك هجو الأسفار؟ قال: أما موقع المدينة فأنيق لكونه على البحر. وقد زادت بهجة بكثرة الغرباء فيها فترى روس ناس مغطاة بطراطير وأخرى بطرابيش. وأخرى بكمام وغيرها بمقاعط. وأخرى ببرانس وغيرها بعمائم. وأخرى بأصناع وغيرها بعصائب. وأخرى بعمارات وغيرها بمداميج. وأخرى بنصاف وغيرها بقبعات. وأخرى بقلانس وغيرها ببراطل. وأخرى بسبوب وغيرها بأراصيص. وأخرى بأراسيس وغيرها بخنابع. وأخرى بقنابع وغيرها بدنيات وأخرى بصواقع وغيرها بصمد وأخرى بصوامع. وغيرها بمشامذ وأخرى بمشاوذ. وغيرها ببرانيط على شكل الشقيط والشبابيط والضفاريط والضماريط والقلاليط والعضاريط والعذافيط والعماريط والقماعيط. ومنهم من له سراويلات طويلة مفرسخة تكنس ما خلفه وما قدَّامه ومنهم من لا سراويلات له فبعثطه باد والناس يتمسحون بما أمامه. ومنهم من له تبّان. ومنه من له إتب. ومنهم يؤثر ومنهم بهميان ومنهم برجل "السراويل الطاق" ومنهم بأندرورد ومنهم بدقرارة أودُقرور. ومنهم من يركب الحمير والبغال. وغيرهم على الخيل والجمال. والإبل في ازدحام والناس في التطام. فينبغي للسائر بينهم أن لا يفتر على الدعاء بقوله اللهم أجِر. اللهم أحفظ. اللهم ألطف. توكلت على الله. استعنت بالله. أعوذ بالله. فأما براقع النساء فهي وأن كانت تخفي جمال بعضهن إلا تريح العين أيضًا من قبح سائرين. غير أن تستر القبيحات اكثر. لأن المليحة لا يهون عليها إذا خرجت من قفصها أن تطير في الأسواق من دون أن تمكن الناظرين من رؤية ملامحها. لينظروا حسنها وجمالها ويكبروا لافترارها. فيقولوا ما شاء الله. تبارك الله. جل الله. الله الله. حتى إذا رجعت إلى منزلها اعتقدت أن جميع أهل البلد قد شغفوا بها حبًا. فباتت تنتظر منهم الهدايا والصلات. والأشعار والمواليات. فكلما غنى مغن أنصّت إلى غنائه وسمعت اسمها يتشبب به. فإذا بكرت في اليوم القابل إلى الأسواق ورأت الناس مكبين على أشغالهم تعجبت من بقائهم أصحاء قادرين على السعي والحركة. فزادت لهم في كشف مسافرها، وقسامتها، ومحاجرها وفتنتهم بإشاراتها وإيمائها. ورأرأتها وإيبائها ورمزها ولمزها. وهجلها وعمزها وعنجها ودلالها. وتيهها وعجبها. وزهوها وشكلت. وتدعبها وتصعيرها. ودعجلتها ودغنجتها وتبغنجها ودهمجتها. وشزرها وخزرها وشنفها وحدلقتها وشفونها وإزلاقها. واستشفافها. واستيضاحها واستشرافها. وخلاعتها وخُيَلائها. وتمايلها وتهاديها. وتغدّنها وتعاطفها. وتثنيِّها وتاودها. وتدكلها وتخودها. وتذيلها وتعيلها. وتفتلها وتقتلها. وتذبلها وترفلها. وتبخترها وتخطلها. وتفختها وتدهكرها. وتبهكنا وتهذخرها. وتخلعها وتفككها. وميحها وحككها. وتدأديها وتغطرفها. وتوذفها وتغضفها. ودألها ووهازتها. وألها وهوادتها. وخيزلاها وخيزراها. وزأنباها وأوزّاها. ومطيطائها وكردَحائها. وهبيخاها وعِجّيساها. وهربذاها وحيداها. وهبصاها وجيضاها. وفنجلاها وهبلاها. وخبقاها ودفقاها. وعرقلاها وهمقاها. وعميثليتها وقمطراها. وسبطراها وتبدحها وترنحها. وخندفتها وخزرفتها. وخظرفتها وبادلتها. وبجدلتها وبهدلتها. وذحذحتها وحرقلتها. وحركلتها وهركلتها. ورابلتها ورهبلتها. وقهبلتها وكسملتها. وقندلتها وحنكلتها. وعردلتها وهيقلتها. وخذعلتها ودريحلتها ووكوكتها ووذوذتها. وزوزكتها ورهوكتها وفرتكتها. ومككتها ورهدنتها. وكتكتتها وبرقطتها. وقرمطتها وحرقصتها. وزهرمتها وحذلمتها. ودعرمتها وزهلقتها. وترهيها وتعمجها. وتبهرسها وتهترسها. وتغطرسها. وتكدسها وترهوكها وتهالكها وتهكيلها. وتفركها وتومزها. وتهيمها وأنفها. ورسمها وزوفها. وزيفها وهوجلها. وحتكانها وعيكانها. وزيكانها وزوكانها. ورفلانها وملدانها وزيفانها وذالانها. وريسانها وكتفانها. وميسانها وتزابيها. وهمدانيها وتثرطلها. وتعذقلها وتخزلجها. وحقطها وأبطها. وبفزها وقفزها ونقرها مقبلة مدبرة. وزاد طمعها أيضًا في الهدايا قال وقد نظمت في البرقع بيتين ما أظن أحدًا سبقني إليهما وهما:
[ ٧٥ ]
لا يحسب الغِرُّ البراقع للنسا منعًا لهن التمادي في الهوى
إن السفينة إنما تجري إذا وُضع الشراع لها على حكم الهوا
فأما رجالها فأن للترك سطوة على العرب وتجبرًا. حتى أن العربي لا يحل له أن ينظر إلى وجه تركي كما لا يحل له أن ينظر إلى حرم غيره. وإذا أتفق في نوادر الدهر أن تركيًا وعربيًا تماشيا أخذ العربي بالسنة المفروضة. وهي أن تمشي عن يسار التركي محتشمًا خاشعًا ناكسًا متحاقرًا متصاغرًا متضائلًا قافًا متقصيًا متقفصًا متثمصًا متحمصًا متحرفصًا مكتزًا متكاولًا متازحًا متقرعفًا مقرعفًا متقفعًا متكنبثًا مقعنصرًا متقوصرًا مستزمرًا معرنفطًا مقرنفطًا متجعثبًا متجعثنًا مرزئمًا مرمئزًا مقمئنًا مكبئنًا متحنبلًا متقاعسًا مراعزًا مكردحًا متعصعصًا متزازئًا مقرنبعًا مدنقسًا مطمرسًا مطرمسًا متكرفسًا منقفشًا معقفشًا متحويًا معرنزحًا متخشلًا آزمًا لازبًا كاتعًا كانعًا متشاجبًا مصعنبًا مجربزًا متدخدخًا. فإذا عطس التركي قال له العربي رحمك الله. وإذا تنحنح قال حرسك الله. وإذا مخط قال وقاك الله. وإذا عثر عثر الآخر معه إجلالًا له وقال نعشك الله لا نعشنا. وقد سمعت أن الترك هنا عقدوا مجلس شورى استقر رأيهم فيه لدى المذاكرة على أن يتخذوا لهم مركبًا وطيئًا من ظهور العرب فأنهم جربوا سروج الخيل وبراذع الجمال وراكفها وأقتاب الإبل وبواصرها وحصرها وسائر أنواع المحامل من: كِفْل مركب للرجال.
وشِجار مركب يتخذ للشيخ الكبير ومن منعته العّلة من الحركة.
وحدج مركب للنساء كالمحفّة.
وأجلح هودج ماله رأس مرتفع.
وحوف شيء كالهودج وليس به.
وقرّ مركب للرجال والهودج.
ومحِفّة مركب للنساء.
وفرفار مركب من مراكب النساء.
وحِمْل هودج.
وحِلال مركب النساء.
وكدن مركب لهن.
وقعْش مركب كالهودج.
ومحارة شبه الهودج.
وقعَدة مركب لهن.
وكتر الهودج الصغير.
ومثرة ج مواثر مراكب تتخذ من الحرير والديباج.
ورجازة مركب أصغر من الهودج.
وعريش كالهودج.
وعبيط مركب.
وحِزْق مركب شبيه بالباصر.
وبُلبُلة هودج للحرائر.
وحِقل هودج.
وتوأمة من مراكب النساء ج توأمات.
وفودج الهودج ومركب العروس.
ومن رحئل وعجلة وعرش وشرجع ومزفة ومنصة وسرير ونعش فوجدوها كلها لهم. ورأيت مرة تركيًا يقود جوقة من العرب بخيط من الكاغد وهم كلهم يقودون له. أستغفر الله مرادي أن أقول ينقادون له ولم أدر ما سبب تكبير هؤلاء الترك هنا على العرب. مع أن النبي ﷺ كان عربيًا والقرآن أنزل باللسان العربي والأئمة والخلفاء الراشدين والعلماء كانوا كلهم عربًا غير إني أظن أن أكثر الترك يجهل ذلك فيحسبون أن النبي صلى الله عليه كان يقول شويله بويله أو بقالم قبالم أو
غطالق قاب خي دلها طغالق باق يخ بلها
صفالق باه خشت وكرد فصالق هاب دركلها
دخا زاوشت قلدي نك خدا شاوزت قردلها
اشكارهم كبي والله قلاقلها بلابلها
لا والله. ما هذا كان لسان النبي ولا لسان الصحابة والتابعين والأئمة الراشدين ﵃ أجمعين إلى يوم الدين آمين وبعده آمين.
فأما ماؤها فما أحسن رأسه وأنجعه. إلا أنه قذر الذنب تنجسه حيوانات الأرض بأجمعها. وطيور السماء بجملتها. حتى أن سمك البحر إذا أصابته هيضة طفر إلى رأس هذا الذنب فألقى فيه ما أثقله. فأما أكلها فالفول والعدس والحمص والزن والدوسر والقريناء والخرفي والجلبان والباقلي والحنبل والدجر والخلر والبلس والبيقة والترمس والخرم والشبرم واللوبياء وكل ما يحبنطي به البطن. وذلك أن أهلها لا يرون في الخمائص حسنًا. حتى أن النساء فيما بلغني يتخذون معجونًا من الجعل ويأكلنه في كل غداة لكي يسمن ويكون لهن عكن مطويات.
[ ٧٦ ]
واضطر ما لاقيت فيها قيعر قيعار. قدم إليها من بعض البلاد الحميرية وتعرف بجماعة من النصارى فيها. فصار يدخل ديارهم ويسامرهم. فلما لم يجد عند أحدهم كتابًا أقام نفسه بينهم مقام العالم فقال إنه يعرف علم الفاعل والمفعول وحساب الجمل. وأتخذ له كتبًا بعضها من غير ابتداء وبعضها بغير ختام وبعضها مخروم أو ممحو. فكان إذا خاطبه أحد في شيء عمد إلى بعض هذه الكتب ففتحه ونظر فيه ثم يقول. نعم أن هذا الشيء هو من الأشياء التي اختلف فيها العلماء. فإن بعض مشايخنا في الديار الحميرية يتهجاه كذا. وبعضهم في الديار الشامية كذا. ولما يستقر رأيهم عليه فإذا استقر فلابد من أن يخبروني به. قال الفارياق وقد سمعت مرة من استفزه باعث من الشغل يسأله عن الوقت. فقال له ساعة وخمس دقائق أما الساعة فقد اشتق منها الساعي وعيسى. أما الساعي فلكون السعي كله يتوقف على الساعات. إذ لا يمكن لأحد أن يعمل عملًا خلوًّا من الوقت فإن جميع الأفعال والحركات محصورة في الزمان كانحصار- ثم أدار نظره ليشبهه بشيء فرأى كوزًا لبعض الصبيان. فقال كانحصار الماء في هذا الكُزّ. ثم رأى زنبيلًا لصبي آخر فقال أو كانحصار غداء هذا الولد في هذا الزّبيل. وأما عيسى فلكونه اشتمل على جميع المعارف والعلوم اشتمال الساعة على الدقائق. ثم أن قولي خمس دقائق معناه أربعة بعدها واحد أو ثلاثة قبلها اثنان ولك أن تعكس. وإنما قالوا خمس دقائق ولم يقولوا خمسة طلبا للتخفيف والعجلة في الكلام. فإن بطول الألفاظ يضيع الوقت. وقولي دقائق هو جمع دقيقة وهو مشتق من الدقيق للطحين. إذ بينهما شبه ومناسبة بجامع النعومة. ثم أن هناك ألفاظا كثيرة تدل على الوقت وهي المساء والليل والصبح والضحى والظهر والعصر والدهر والأبد والحين والأوان والزمن. أما الستّ الأولى ففيها فرق وأما الأخيرة فلا. فأعترضه رجل من أولئك الكبراء وقال قد رابني يا أستاذنا ما قلت. فإن كلا من جاريتي وستها لها فرق. فضحك الشيخ من حماقته وقال له أن كلامي هنا فيما حواه الزمان لا فيما حواه المكان. فسأله آخر قائلا أين جامع النعومة هذا الذي ذكرت أن فيه الدقيق. فضحك أيضًا وقال أعلم أن لفظة جامع تسمى عندنا معاشر العلماء اسم فاعل أي الذي يتولى فعل شيء أيًا كان. لكني طالما عزمت على أن أناقشهم في هذه التسمية لان من يموت أو ينام مثلا لا يصح أن يقال فيه أنه فاعل الموت أو النوم. فقولي جامع على القاعدة المعلومة عندنا هو اسم لمن جمع شيئًا. حتى أن الكنيسة يصح أن يطلق عليها لفظ الجامع لأنها تجمع الناس. فلما قال ذلك اكفهرت وجوه السامعين. قال فسمعت بعضهم يجمجم قائلا: ما أظن الشيخ صحيح الاعتقاد بدين النصارى. فقد أصابت أساقفتنا في حظرهم الناس أن يتبحروا في العلوم ولا سيما علم المنطق الذي يذكره شيخنا. فقد قيل من تمنطق تزندق ثم أنصرف عنه الجميع مدمدمين. وسأله مرة قسيس عن اشتقاق الصلاة. فقال هي مشتقة من الأصلاء. لأن المصلي يحرق الشيطان بدعائه. فقال له القسيس إذا كان مأوى الشيطان سقر مذ ألوف سنين ولم يحترق فكيف تحرقه صلاة المصلي. فتناول بعض الكتب ليقتبس منه جواب ذلك فإذا به يقول قال أحد علماء الرهبان: الاحتراق على نوعين. احتراق حسي كمن يحترق بالنار. ومعنوي كمن يحترق بحب العذرة. ثم وقف وتأوه قائلًا: قد أخطأ سيدنا الراهب. لأن العذراء يجب مدها. فقال: القسيس وقد حنق عليه كيف يجب مدّها إذا لم تشأ. قال ويلي عليك أنت الآخر لا تعرف المدّ والقصر في الكلام وأطفال الحارة في بلادنا يعرفون ذلك. قال بلى أن اقتصار الكلام مع من يخطّي الرهبان مزية. ثم تولى من عنده مدمدمًا. قال الفارياق وقال لي مرة قد يظهر لي ان حق استعمال دعا إذا أريد به معنى الصلاة أن يتعدى بعلي. فيقال دعوت عليه كما يقال صليت عليه. قال فقلت له لا يلزم على كون فعل يوافق فعلًا آخر في معناه أن يوافقه في التعدية. فغصَّ بذلك ولم يفهمه. وشكا إليه مرة رجل من معارفه إسهالًا آلمه. فقال له يغالطه أو يسليه أحمد الله على ذلك ليتني مثلك. قال كيف هو أن طال قتل وأسال الجسم كله. فقال له أنه منّة من الله. ألم تسمع كل ملهوف يقول يا رب سهل. فقال التاجر أنا ما عنيت التسهيل بل الإسهال. فقال هما بمعنى واحد لأن افعل وفعّل كلاهما يأتيان للتعدية. كما تقول أنزلته ونزّلته. ولأن كلاَ
[ ٧٧ ]
من التسهيل والإسهال فيه معنى السهولة. وكتب مرة إلى بعض المطارين العظام. المعروض يا سيدنا بعد تقبيل أردافكم الشريفة. وحمل نعالكم المنيفة اللطيفة. الظريفة النظيفة الرهيفة العفيفة الموصوفة المعروفة المخصوفة. قال فقلت له ما أردت بالإرداف هنا. فقال هي في عرف المطران بمعنى الراحة.
ثم لم يلبث أن بعث إليه وذلك المطران ببركة وكتاب أطرا فيه على علمه وفضائله جدًا فمما كتب إليه. قد قدم عليَّ مكتوبكم الأبنى وأنا خارج عن الكنيسة فما قرأته حتى دخلت الصومعة وأولجت فيها. فلما أتيت على أخراه علمت أنك صاحب الفضول. مؤلف الفصول. جامع بين الفروع والأصول. طويل اللسان. قصير اليدان "عن المحرمات" واسع الجبين. عميق الدين. عريض الصدر. مجوف الفكر. وكتب في آخره. أطال الله بقاك. وقباك وهناك ومناك. والسلام ختام والختام سلام. والبركة الرسولية تشملكم أولًا وثانيًا إلى عاشرًا. فجعل يبدي هذا الكتاب لجميع معارفه وخصوصًا لمن كانوا خرجوا من عنده مغضبين لتقريره عن لفظة الجامع. فلما وجدوها في كلام المطران زال عنهم الأشكال والريب في صحة استعمالها. وزاد الرجل عندهم وجاهة وجلالًا.
فأما سؤالك عن كرم أهل هذه البلدة فأنهم كانوا في ظهور آبائهم على غاية من السماحة والجود. إلا أنهم لما برزوا إلى عالم التجارة وخالطوا أصحاب هذي البرانيط أخذوا عنهم الحرص والبخل واللآمة والرثَع. بل برزوا على مشايخهم. وإنهم إذا ضمهم مجلس لم يكن منهم إلا الحديث عن البيع والشراء. فيقول قد جاءني اليوم جندي من الترك في الصباح ليشتري شيئًا فتطيرت من صاحبه واستفتاحه. إذ لا يخفى عنكم أن الجندي يستدين ولا يقضى دينه. وإذا تكرم بنقد الثمن فما يعطي التاجر إلا نصفه. فقلت له ما عندي مطلوبك يا أفندي. وإنما أردت تفخيمه بهذا اللقب ليتأدب معي. فما كان منه إلا أن دخل الحانوت وبعثر البضاعة كلها وأخذ ما أراد منها وما لم يرد. ثم ولي وهو يسبني. فيقول آخر وأنا أيضًا جرى لي مع سيدة من نساء الترك واقعة. وذلك أنها بكرت عليَّ اليوم وهي تنوء بحليّها. وأقبلت باسمة أليّ وقالت هل عندك يا سيدي حرير مزركش. قلت وقد استبشرت عندي. فقالت أرني المتاع فأريتها إياه. فتداركتني بالخف وقالت أمثلي يري هذا. أرني غير ذلك: فأريتها ما أعجبها فأخذته وقالت أبعث معي من يقبض الثمن. فبعثت غلامي فتبعها حتى دخلت دار كبيرة وأمرت حاجبها بضرب الغلام وإيلامه. إلا أن الحاجب لما كان من الترك ورأى الغلام أمرد لم يطاوعه قلبه على ضربه لكن أنفذ فيه أمر سيدته بما أوصل من الأذى والألم وهكذا ينقضي نهارهم بالمكروه وليلهم بذكره. وأظن أن التاجر يطرب بمجرد ذكر البيع والشراء وإن لم يكن فيه ربح.
[ ٧٨ ]
فأما ما جرى لي بعد وصولي فإني نزلت عند خرجي من أصحاب صاحبي الأول. فتبوأت حجرة بالقرب من حجرته. فكنت أسمعه كل ليلة يضرب امرأته بآلة فتبدي الأنين والحنين والرنين والخنين. فكان يهيجني فعله إلى البطش به. وكثيرًا ما فكرت في أن أقوم من فراشي لكني خشيت أن يصيبني ما أصاب ذاك الأعجمي المتطبب الذي جاور قومًا من القبط. وإنه ذات ليلة صراخ امرأة من جاراته فظن أن لدغتها عقرب وذلك لكثرة وجود العقارب في بيوت مصر. فقام إلى قنينة دواء تأبطها وأقبل يجري. فلما فتح الباب وجد رجلا على امرأة يعالجها بإصبعه كما هي عادة القوم فلما رأى الطبيب ذلك دهش فوقعت القنينة من يده وانكسرت. وكان هذا الخرجي أبيض اللون أزرق العينين مع صغر واستدارة فيهما دقيق أرنبة الأنف مع عوج في قصبته غليظ الشفتين. وإنما تكلفت لوصفه لك ليبقى نموذجًا عندك تقيس عليه جميع من تراه من الخرجيين وغيرهم. وكان قد أتخذ فوق سطح منزله هرمًا صغيرًا مرصوفًا من قناني الخمر الفارغة. فكان سطحه أعلى سطوح الجيران. قال ثم عنّ له يومًا أن يكلفني إنشاء خطبة في الخرج في مدح الخرج لكي أتلوها في مخطب صغير كان قد استأجره. فلما فرغت منها عرضتها عليه فذهب بها إلى قيعر قيعار. فقال له ما مرادك أن تصنع بهذه الأحجيَّة الخرجية. فقال يتلوها منشئها على الناس فما رأيك فيها. قال هي حسنة إلا أن عيبها هو أن لا يفهمها أحد إلا أنا وهو. ونحن قد قرأناها فلا موجب لإعادتها. فعدل عن ذلك.
قال وأتفق لي وأنا مقيم عنده إني خرجت في عشية من عشايا الصيف البهيجة أمشي وحدي وبيدي نسخة الدفتر. ولما كان رأسي قد حفل بالأفكار فيما أنا عليه من فرقة الأهل والأحباب وذكر الوطن. والتغرب عنه لغير سبب من أسباب المعاش سوى لخصام سوقي وخرجي على قال وقيل. أوغلت في المشي فانتهيت إلى ظاهر المدينة وكان يتبعني رجل قد رأى نسخة الدفتر فأضمر ليمنينني بداهية. فأقبل إليّ يكلمني ثم عطف بي يمنة ويسره وهو يعللني بالكلام حتى انتهينا إلى مكان خال. فتركني هناك وقال لي أن عليّ أقضي هنا مصلحة. فحاولت الرجوع إلى مقري وإذا بسرب عظيم من الكلاب جرت وهي تنبحني ودنت مني. فهوَّلت عليها بالكتاب فهجمت عليَّ هجمة السوقي على الخرجي. ثم تحاصوا جسمي وثيابي والكتاب فبعضهم عضَّ وبعضهم أدمى وبعضهم جرّ. وبعضهم تهدد في المرة الثانية. فما كدت أتملص من بين أيديهم إلا وثوبي وجلدي ممزق. وقد مزّق الدفتر أيضًا أوراقه وجلده. فلما رجعت إلى منزلي ورآني الخرجي على هذه الحالة لم يكترث بشأني أو أنه لم يرني من فرط اشتغاله بالخرج. وإنما علم أني رجعت خلوا من الدفتر فأعتقد أني أعطيته لأحد. ففرح بذلك جدًا ورغب في أن يجعلني عنده في مصلحة خرجية. لكن رأى من الواجب أن يشاور صاحبه فمن ثم كتب إليه في شأني. فأبى ذاك وقال لا بد من تسفيري إلى الجزيرة. لأن النية استقرت على هذا من قبل. وما حسن تغيير النيات. فعزم مضيفي على إجراء ذلك وها أنا منتظر السفينة.