لم يمض على الفارياق في مدى عمره مدة هي أنحس وأشقى من المدة التي قضاها في تلك القرية. لأن قرى بلاد الإنكليز ليس فيها من محل لهو واجتماع وأنس وحظ البتة. وإنما اللهو والحظ في المدن الكبيرة. وفضلًا عن ذلك فليس في القرى شيء يباع للمأكول والمشرب سوى ما لا احتفال به. ومن كان عنده دجاجة أو طرفة بعث بها إلى إحدى المدن القريبة. فمن شاء أن ينقطع عن الدنيا أو يترهب فعليه بها.
أما النساء هناك ففيهن من تشفي من القمة بل تمني بالقرم. إلا أن الغريب محروم منهن. إذ كل ذات ظلف ملازمة لفحلها فليس من سائب مبهل إلا العجائز.
ثم بعد مضي شهرين عليه وهو على هذه الحالة المشؤومة أنتقل إلى مدينة كامبردج مصدر القسوسة وعلم الكلام. فإن جل قسيسي الإنكليز يمضون إليها أو إلى أكسفورد ليتعلموا فيها الإلهيات والمناظرة. وفي هاتين المدينتين أيضًا سائر طلاب العلم على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم. ومن إحدى مدارس كامبردج نبغ نيوطون الفيلسوف المشهور. فاكتري الفارياق فيها مسكنين في دار كما هي العادة ومكث يترجم بقية الكتاب الذي مرّت الإشارة إليه سابقًا.
وكان في تلك الدار جارية دعجاء كاعب وكذا سائر الوصائف غالبًا. فكان الفارياق يراها كل ليلة تطلع إلى غرفة أحد السكان ثم بعد هنيهة ليست بأطول من قولك عمت مساء يسمع لها نغمة إيغافية. وكانت صاحبة المنزل تراها نازلة من عند الرجل في الساعة العاشرة ونحوها من الليل ولا تكثرت بطلوعها ولا بنزولها. فإذا جاءت في الصباح لتصلح فراش الفارياق حملق فيها وحدق فلم يرَ علامة تدل على أنها كانت هي صاحبة النغمة. فيظن أن ذلك كان وهمًا منه نشأ عن اللهج بالإيغاف. فإذا جاء الليل عادت النغمة وعاد اليقين. فإذا كان الصباح عادت الحملقة وعادت التصاون وعاد الشك والحيرة وهلم جرا. حتى كاد ذلك يشوش عقل الفارياق ويفسد عليه الترجمة التي طالما كان يخشى عليها الخلل والفساد من قضية ما نسائية. وهنا ينبغي أن أقرفص وأقول.
[ ٢٢٣ ]
إن هذه المزية السنورية أي الأكل خفوة وأن يكن وجودها ملحوظًا في النساء على الأعم إلا أنها في نساء الإنكليز على الأخصّ. فإن المتصفة منهن بما اتصفت به السيدة المدقم في فصل حد نبدي تتظاهر في النهار بصفات الورع والتقوى والنفورية والقذورية وتنظر إلى تبعها نظر المتجاهل. وتوهم الناقد إنها متبتلة معتزلة للرجال. وربما حفظت أحاديث دينية وروايات نسكية تلقيها على الناس فيعظمونها ويعتقدون فيها الصلاح. وإذا دخلت بيتها وجدت على مائدتها التوراة والإنجيل وكتبا أخرى في العبادة والزهد. وربما وسّخت الظاهر من ورقها لتوهم إنها كثيرة الدراسة لها ولا يمكن للرجل أن يذكر بين يديها اسم عضو من أعضائه. فتكون لذة هؤلاء على مقتضى قاعدة الفارياقية غير تامة وذلك لخلوها عن ركن الذكر. وعنها أيضًا أن ذكر اللذة لا بد من أن يكون مطابقًا للواقع فإن كان الوقوع مثلًا من ذي مقام ليلًا ذُكرت فيه لذات مقام. وإن يكن من دونٍ صباحًا ذكرت فيه لدون من النساء. وقس على ذلك سائر التباين في الأوقات والأشخاص. اللهمّ إلاّ أن خشي فوات الفرصة. أي إذا حصلت مثلًا ليلًا ولم يمكن ذكرها في الليل فيصح الذكر في الفجر أو الصباح. أو أن حصلت من ذي مقام ولم يتهيأ وجود نظيره فيصح ذكرها لدون ولا يفسد لذة الذكر بذلك. فأما على فرض كونها لم تجد أحدًا من هذه الأصناف فيصح ذكرها لنفسها. وذلك بأن تدخل رأسها في زير فارغ أو في بئر أو جبّ أو قبوة ونحو ذلك مما له صدى وتنطق بلسان فيصبح مبين بما مرّ لها. حتى إذا رجع الصدى قام لها مقام النديم الكليم. فأما إذا بقي في صدرها فيخشى عليها من الصدارة والذباح. ويشترط أيضًا عندها أن تكون الرواية مطابقة للفعل. فللنبرة نبرة. وللهمز. همزة. وللحركة. وللسكون سكون. وللمد مدّ. وللهذهذ وللترخيم ترخيم. وللترسل ترسل. وإن يبلغ التشديد على الذال إذا كانت الرواية بلغتنا هذه الشريفة. وأن يكون في العينين مغازلة. وفي اللعم فيضان. وفي اللسان بله. وفي اليدين تلقح. وبما تقرّر علمت من أن هذه الخلة المذكورة الموجودة في نساء الإنكليز إخلال بشرط اللذة. ويمكن أن يقال أن لذة التصور عندهن قوية جدًا بحيث تقوم مقام لذتين. أو أنهن يضعن رؤوسهن في خابية ونحوها. وعن الفارياق أن الجمال في النساء على اختلاف أنواعه له نطق ونداء ودعاء وإشارة ورمز. فمنه ما يقول لناظره لست أبالي بالمراود. ومنه ما يقول إلا اغتنمتم الآن الفرصة -للتأخير آفات- لن تراني من الكثير ملولا- لا يغرّنك الشفون - هيتَ لك- مَنْ لي به الساعة- ما أرى كفايتي عند أحد- أن دواء الشق أن تحوصه- أين أين المشبع- أين أبن الغز- أين أبن بني أذلغ- لديّ يذل الصعب- بعد جهدك لا تلام- لكل مجتهد نصيب- من أطعم أشبع- من ذاق عرف- من مس هرف - من سبق فقد ربح- العود أحمد- من عدّ عاد- من وصل وُصل. ومنه ما يشير أن أستعمل الحيلة - تلطف في الزيارة - كن من الجار على حذر - من تأني نال ما تمنى- بكر بكور الغراب وغير ذلك.
[ ٢٢٤ ]
فجمال نساء الإنكليز هو مما عنوانه أين أين الغز. أين أين المشبع. لدي يذل الصعب. فإنك ترى المرأة منهن تمشي وهي صفوح منزة سامدة مساندة شاردة معبدة شامرة نافرة جافلة جامزة آبزة نافزة ناقزة معتزة ساربة عاسجة طامحة جامحة شامخة خانفة مشمّة شافنة مُهْطعة مُرشقة منتالعة هابعة متعاطفة متطلقة مخرنطمة مستحنفرة مجلوّذة مجلوّظة مذلعبة مجرهدّة مرمئدة مثمعدّة مصمعدّة مسبئرّة مسبكرّة مسمهرة مشفترة مسجئرَّة مسجهرة متمهلة متمئلة مشمعلة مصمئلة مقلهفة مزلئمَّة. ومع أن القدرة الخالقية قد خصتهن بآلاء ألا يا سابغة ضافية على ما روت الرواة فإنهن يتخذن لها المرافد ويعظمنها بها تعظيمًا يوقف المستوفر بحيث يقف كالجابه الحيران. فلا يتماسك عن أن تصطك ساقاه تعجبًا وأعظامًا لهذا التعظيم. وأن تحترق أسنانه ويندلع لسانه. وتنضنض لهاته. وتلتوي عنقه. وتنتفخ أوداجه ويحمرّ حملاقه. ويغان على قلبه ويَطْنى. وتأخذه القشعريرة والرعدة والأفكل والهزة والاضطراب والرجفان والنغشان والغشيان والغميان والفشيان والنحواء والدوار والميدان واللبم والأختلاح والترنح والارتعاج والارتعاش والارتهاش والرغس والارتعاس والترأد والترجيد والأصيص والبصيص والكصيص والأرْض والعُسوم والنفيضي والقل والأرزيز والزَّمَع والزقزقة والشفشفة والصعفة والقرقفة والقفقفة. وتهيج به الأخلاط الأربعة فيطلب كل خلط عظامة. وتنهال عليه الخواطر والوساوس. وتتجاذبه عوامل الأماني. وتجرضه مجرضات النزة. وتطفره خوالج الشهوة. ويميل به مميل التشوق والتلهف على حد قول الشاعر:
علمتك الباذل المعروف فانبعثت إليك بي واجفات الشوق والأمل
فيبقى حائرًا بائرًا مبهوتًا مهفوتًا سادرًا داهلًا مدهوشًا ذاهلًا. بحيث إذا رجع سالمًا إلى منزله يحسب كل شاخص فيه عظامة أو ما عُظّم بها.
وكان الفارياق إذا خرج وأبصر هذه الروابي الخصيبة عاد إلى مأواه وفي رأسه ألف معنى يشغله. فمما أنشده في بعض هذه الفتن.
يا للعجاب وكل عُجْب فليقل يا للعجابِ
ما أن يرى في ذا المكان سوى المرافد من روابي
كلا ولا من غوطة من دون ذياك الجناب
كلا ولا قرموطة تشرى سوى كعب الكعاب
من كل ذات تبهكن تدعو الحصور إلى الدعاب
الشوق يقدم بي وخوف العجز من غَلَم ناي بي
ماذا يقول الناس عّمن خار عن مَلْء الوطاب
أم كيف تضعف معدة عربي عن قحف العقاب
من لي بصُنبور فأترعه بمنزفة الحباب
من لي بقبَّة مرفد في ليلتي من ذي القباب
من لي يحت ألية من ذي الالايا في مآبي
هذا لعمرك شأن ذي قطم وهذا الداب دابي