مصح الله ما بك من السقم يا خواجا ينصر أو مسح أو مزج. على حدّ من قرأ الصراط والسراط والزراط. ومن قال اجعلي فديتك بصاقًا أو بساقًا أو بزاقًا. إنك غادرت الفارياق في وسواس وبلبال. فهو ينتظر الجواب منك في الغدوّ والآصال. قال أني ليحزنني كثيرًا أن قد بلغني كتاب صاحبك وأنا محموم موجع الرأس فلم يمكن لي أن أعجل إليه بالجواب. وكان بودي لو أفعل ذلك مع ما كنت أعانيه غير أن الطبيب رسول عزرائيل منعني من الحركة. ولكن لا بدّ من أن تسمع قصتي مع هذا القرنان. وهي أني أتخمت يومًا من أكلة برغل أخذتها بحذافيرها فأصبحت وبي غثيان.
وأتفق أن زارني في صباح ذلك اليوم بعض المراء الذين ينبغي أن يقال لما أثبتوه نعم في موضع لا ولما نفوه لا في موضع نعم. فرآني على تلك الحالة فقال ما بك؟ فأخبرته الخبر. فقال عليك بكبيبي الساعة فهو أمهر الأطباء لأنه قدم من باريس منذ أيام. ولولا ذلك لما اتخذته طبيبًا لي ولأهلي. قلت من عادتي أن أصبر على المرض الخفيف أيامًا وأستعين على معالجته بالاحتماء والتوقي، فقد يكون في ذلك ما يغني عن العلاج. فإني أرى هؤلاء الأطباء يعالجون الأمراض بالخرص والتخمين. فما يهتدون إلى العلة والمعلول إلا بعد أن تبلغ الروح الحلقوم. فيجربون مرة دواء ومرة أخرى غيره. قال لولا أن المرض قد بلغ منك ما قلت هذا الكلام فلا بد من إحضاره الآن. وما زال بي حتى بعثت إليه خادمي حياء وخجلًا. ثم خطر ببالي أن الأدِب عندنا من فرط كرمه قد يجبر المأدوب على الأكل. وربما ألقمه بيده ما تعافه نفسه. ولكن لم أسمع أن أحدا تكرم بأن يجبر غيره على علاج. فلم أتمالك أن ضحكت. قال ما أضحكك. قلت لاشيء. قال ما أحد يضحك من لاشيء فلا بد وأن يكون هناك شيء. قلت فكرت في ذلك الطبيب الذي عاد مريضًا فقال لأهله آجركم الله في مريضكم. فقالوا أنه لم يمت بعد. قال يموت أن شاء الله. فضحكت. قال لا عليك فإن هذا الطبيب ليس مثال ذاك. وبعد فإنك عزب ليس لك أهل حتى يقول لهم ذلك.
[ ٩٦ ]
ثم ماعتم الخادم أن جاء به وهو أشد مني مرضا ونحولا. فالظاهر إنه لم يكن له شغل حتى يخرجه من داره. فلما أن دخل جس نبضي ونظر إلى لساني ثم زوى ما بين حاجبيه وأطرق إلى الأرض وهو يهسّ أي يحدث نفسه. ثم رفع رأسه وقال لخادمي هات الطست. قلت ما تريد أن تفعل وأنا صاحب جثتي أفلا تشاورني. قال أنه الفصد أو الرمس. قلت هداك الله يا شيخ إنها آكلة برغل مع اللحم مما تسميه الناس كبيبة. قال أنا أعرف، إنكم يا أهل الشام كلكم تموتون بهذه الكبة. فقد شيعت بها حين كنت في بلادكم أكثر من مائة جنازة. نعم هي الكبة. قلت في عجانك أن شاء الله. قال لا تدخل الكبة في عجيني مطلقا. فالتفتُّ إلى الأمير وضحكت فظهر لي أنه هو أيضا لم يفهم. وفي الاختصار فإنه ما زال هو والأمير يخطئان رأيي حتى استلمت للهلكة ومددت يدي. فأعمل فيها مبضعة أعمال السكين في بطيخة. فخرج الدم متبعقا حتى دخل في عينيه أطلق يدي وذهب ليغسل وجهه. ثمجاء بعد هنيهة وقد غشي عليّ. فتداركني خادمي بماء الزهر وغيره والأمير ناظر إلى دخان تبغه والطبيب يسارّه. فلما أفقت ربط يدي وخرج مع الأمير وقالا احترز لنفسك فأنا نعودك عن قريب. فقلت في نفسي لا أعادكما الله.
فلما كان الغد جاء الطبيب متأبطا أعشابا. فقلت ما هذه الأعشاب. قال حقنة. قلت تكفيني واحدة. قال أن الأمير يقول لك ينبغي أن تحقن أن لم يكن لنفعك فلا كرامة. فقلت في نفسي لا بأس بإكرامه في الحقنة. إلا أنه قد خالف العادة مرة أخرى فإن عادة المزور أن يحلف الزائر باسم الله واسم ملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر وبالبعث، أن يأكل أو يشرب شيئا على اسمه. وهذا زائر يلحُّ علي بالاحتقان. ثم استعملت الحقنة. ثم وافاني اليوم القابل ومعه حقه. فقلت وما بيدك. فقال مسهل مما أصنعه للأمير. فاستنفقه.
ثم جاءني في الغد وليس بيده شيء. فاستبشرت وقلت له وقد وهنت مني القوى بقوة المسهل. قال ينبغي أن يتخذ اليوم حماما في غاية السخونة لكي تعرق، وقد جربته في ذوي الأمير فوجدته بعد المسهل أنفع ما يكون. ثم تولى هو بنفسه تسخين الماء وأنزلني في مغطس كنت اتخذته لنفسي. فلما دخلته لفحني حرّه حتى غشي علي بعد أن سمط جلدي. فأخرجت منه على رمق من الحياة. فتداركني خادمي بالمشمومات حتى أفقت.
ثم جاءني في الغد وليس بيده شيء ففرحت أيضا وقلت لعله قد نفذ ما في وطاب علاجه، وكان الحمام آخر ما عنده. فسألني عن حالي. فقلت هو كما ترى. قال عليل. قلت وأي عليل. قال ينبغي أن تفصد. فسقط عليَّ كلامه كجلمود صخر حطه السيل من عل. وقلت كأنك تهم بإعادة ما صنعته أولا فمتى ينتهي هذا الدور؟ قال لا بد أن أحد هذه العلوج "جمع علاج" يزيل ما بك. قلت أجل أما الأول فهو أنت، وأما الثاني فهو دمي أو روحي. ثم تجلدت وتمنعت وقلت له قل الأمير إني والحمد لله عزب فلأي سبب يحاول تسفيري سريعا فلم يفهم. وقال إني أريد أن أقصدك لا أن انقل عنك. قلت فأنا لا أريد فأرحني أراحك الله.
فأولاني كتفه وولى ثم لم يلبث أن بعث برقعة الحساب وتقاضاني فيه خمسمائة قرش. فإنه زعم أن عنده ناسا في الريف من الفلاحين يجمعون له تلك الأعشاب مع أنها مما ينبت على حيطان ديار القاهرة. وما كفاه ذلك حتى توعدني بأني تأخرت عن قضائه كما تأخرت عن الفصد الثاني يرفع القضية إلى ديوان قنصله. فنقدته المبلغ المذكور بتمامه، وقلت لا بارك الله في الساعة التي أرتنا وجوه العجم وأدبارهم.
وها أنا اليوم والحمد لله أحسن حالا ومرادي أن اجتمع بصاحبك، ولكن لا بد من إكرامه قبل الزيارة. ثم أمر غلامه بأن ينتقي تختا من الثياب الفاخرة وأن يتوجه بها الفارياق فإنه كان وقتئذ مبرنطًا، ثم كتب له رسالة وجيزة مع أبيات قليلة تتضمن استدعاءه إلى مجلسه في اليوم القابل وتفصيل ذلك يأتي في الفصل التالي.