وكما إن نساء تلك البلاد اختصصن بهذه المزية كذلك اختصت رجالها بألطافهم الغريب بعد معرفتهم له. فأما قبل المعرفة فإنه إذا حيّى أحدًا منهم فما يكون جوابه إلا الشزر والشصر. ولهذا لما سمع أحد طلاّب العربية منهم بوجود الفارياق وكان قد قُري عليه حسبه ونشبه أتى ليزوره. وطلب منه أن يذهب معه إلى منزله فيقيم عنده مكرمًا معززًا وكان مقامه بعيدًا عن كامبردج. فأجابه الفارياق إلى ذلك لأن أهل المدينة على كثرة المدارس عندهم والمعالم هم اشدّ الناس نفورًا من الغريب. ولاسيما إذا كان مخالفًا لهم في الزّي. فكانوا يسخرون من قبعته الحمراء حتى كان كثيرًا ما يقتبع في غرفته ولا يخرج منها إلا ليلًا. وقال في ذلك.
رمتني النوى في كمبريج ملازمًا لبيتي نهارًا أن تراني أوباش
فتبعث بي حتى إذا الليل جنّني خرجت على أمْن كأني خفاش
ولأن الكلاب أيضًا كانت تشم فروته وتلازمه. فقال فيها.
ولي فروة تأتي الكلام تشمها ولم تندفع عنها إذا ما دفعتها
تهرّ علي تمزيق جلدي وجلدها كأني من آبائها قد صنعتها
ولأن أهل الدار التي نزل فيها كانوا يشاركونه في طعامه ولا يشركونه في لحمهم وشحمهم. فقال فيهم:
ولي عيلة في كمبريج خفيّة تؤاكلني من حيث ليس عيان
فعهدي باسم الآكلات فلانة وعهدي باسم الآكلين فلان
ولأنه لم يقدر على أن يحرَّد إلى إحدى تلك القبب. فقال فيها:
[ ٢٢٥ ]
وما نفع الوثير من الحثايا وليس عليه وثَرْ إذ تهش
وما نفع الشعار بلا شعار وحسن الحفش إن لم يلف حفش
وما نفع الحياة بغير حيّ فنعشك دونه ما عشت نعش
فسارا في سكة الحديد وبلغا المنزل ليلًا وما كاد الفارياق يدخل حجرته التي أعدت له حتى رقشها بهذين البيتين:
لله درب الحديد كم كفل ربا به والثديّ قد رجفت
لو لم يكن غير تلك فائدة لنا به دون أتوه لكفت
ثم لما قام في الغد رأى المنزل بعيدًا عن الدار. فاستعاذ بالله واسترجع وأضبّ على ما نفسه. لأن الشكوى ليس لها هؤلاء القوم إذن واعية.
حتى إنه لما شكا يومًا طول غيبته عن زوجته قال له صاحبه بعد أيام قد فرط منك بالأمس كلام فقلت إني مشتاق إلى امرأتي. وكان الأولى أن تقول إلى أولادي. فقال له الفارياق ما المانع من أن يذكر الرجل امرأته كما يذكر ولده. ولولا المرأة لم يكن الولد بل لولا المرأة لم يكن شيء في الدنيا لا دين ولا غيره. قال مه مه قد أفحشت. قال أرغن لما أقول. لولا بنت فرعون لم ينج موسى من الغرق. ولولا موسى لم تكن التوراة. ولولا المرأة لم يمكن ليوشع أن يدخل أرض الموعد ويستولي عليها. ولولا المرأة ما حظي إبراهيم عند ملك مصر ونال منه الصلات والهدايا فتمهد لليهود النزل إلى مصر من بعده. ولولا المرأة لم ينج داود من يد شاول حين أضمر قتله وإن كان ذلك قد تمّ بحيلة وضع صنم في فراشه. ولولا داود لم يكن الزبور. نعم ولولا المرأة أعني زوجة نابال ما تقوى داود على أعدائه ولولا حيلة بت شبع على داود لم يملك سليمان ابنه ولم يبن هيكل الله بأورشليم. ولولا المرأة لو يولد سيدنا عيسى ولم يذع خبر انبعاثه. ولولا المرأة لم يستتبّ مذهب الإنكليز كما هو اليوم. هذا وأن المصوّرين عندكم يصوّرون الملائكة بصورة النساء. والشعراء عندكم ما زالوا يتغزلون في المرأة ولولاها لم ينبغ شاعر.
قال أن أراك إلا هائجًا على النساء وكان العرب كلهم على هذه الصفة. قال نعم أنا راموزهم وقطاطهم وكل من ينطق بالضاد يكلف بالضاد. فاطرق مليّا ثم قال لعلكم ارشد ممن عدل إلى اليم. فقد بلغني أن في بلادكم قومًا ميميّين يعدلون عن سواء السبيل إلى مضايق ذميمة وهو أقبح ما يكونوا أقبح من ذلك أن بعض المؤلفين من العرب قد ألفوا في ذلك كتبًا وتمحّلوا لا يراد أدلة على تفضيل الحرفة الميمية. قال نعم ومن جملتها كتاب عثرت به في خزانة كتب كامبردج ورأيت مكتوبًا عليه عنوانه بالإنكليزية كتاب في حقوق الزواج. فكأن شاريه لم يفهم مضمونه. ومن اسخف ما ورد من الأدلة على ذلك قول بعضهم:
أنا لست اجزم باللواط ولا الزنا لكن أقول مقال من قد حررا
إن اللذاذة كلها في أقذر ال جارين فأختر إن عرفت الأقذرا
وسبب تأليف هذه الكتب من مثل هؤلاء العتاولة إِما للعّنينية فإن النساء يعرضن عمّن يبتلى بذلك. أو للبخل لأن النفقة على المرأة أكثر. أو لقصر اليد عن هصرهن أو لفساد آخر. أما سليم الطبع فلا يميل عن هذا المذهب أصلًا.
ثم أن الفارياق لبث عند صاحبه مدة في خلالها آدب إلى مآدب فاخرة عند بعض الأعيان. ومن عادتهم في الولائم أن تقعد النساء على المائدة مكشوفات الأذرع والصدور بحيث يمكن للناظر أن يرى المفاهر واللبّان والبادلة والبَهْو. وإذا تطالل واشرأب وكان حسن الأهطاع رأى اللعَوْة أيضًا أي آية الحلم. وهي من جملة العادات التي تحمد من وجه وتذم من وجه آخر. حيث كان هذا الكشف مطّردًا للصبايا بل العجائز عند الإفرنج ولاسيما الإنكليز يكتشفن ويتفتّن ويتعيّلن أكثر الصبايا. ثم قلت الدعوات وكثر قلق الفارياق لأن من نظر إلى سحنته مرة لم يرد أن ينظر إليها مرة أخرى. فرأى الرجوع إلى كامبردج أوفق. فسافر إليها فوجد القبب قد رَبَت نحو ثلاثة قراريط. وذلك إِما لبعد عهده بها أو لكون زيادة قرصة البرد أوجبت ذلك.
[ ٢٢٦ ]
وهنا ينبغي ذكر فائدة وهي أن كامبردج واكسفورد لما كانتا مشهورتين بمدارس العلم كما ذكرنا آنفًا وكان جلّ الطلبة فيهما من الأغنياء وفي كل منهما نحو ألفي طالب. كانت البنات الحسان من قرى الفلاحين المجاورة ينتبن سوق هاتين المدينتين لترويج ما عندهن من الصبى والجمال. فترى فيهما من الجمال الرائع والحسن الباهر مالا تراه في سائر المدن. غير أنه لكل ساقطة لاقطة. فلهذا كانت مشايخنا الطلبة ينظرون إلى من زاد به عدد أهل البلد نظر الهرّة التي يؤخذ منها جراؤها. فمن ثم ترحّل الفارياق عن هؤلاء السنانير وهرّاتهم لا سيما وقد ورد في الأمثال إذا دخلت أرض الحُصيب فهرول وأقام في لندن نحو شهر.