قد غادرنا أي أنا وجماعة المؤلفين الفارياق يحاول أن ينفض الخرج عن ظهره. وإني الآن من دونهم علمت أنه بات ليلة وهو يفكر في أن كل شيء أثبتته الصنعة فلا بد من أن تقلقله الأحوال فمن عزم على القلقلة. فخرج في الصباح من معزفه وأخذ يطوف في الأسواق.
ويحرك كتفيه عند كل خطوة ويقول: ى قلبنَّه لا طرحنّه. لا ركسنّه لا بدحنّه. أنه أنقض ظهري أي قرح أي عقر. هل أنا اليوم حمار لحمار يالنكر. فرآه بعض الظرفاء وهو يحرك منكبيه فقال لا بد لهذا من شأن فأقبل إليه ولطف له المقال حتى استخرج سرّه من سرّته. وعلم حاله وسبب سفرته. فقال له لا عليك فأن مصر حرسها الله معدن الخير والبركة. ولكن لا بدّ للفوز بذلك من حركة. قال وأي حركة أعظم مما ترى. قال بل الأمر دون ذلك. ألك إذن واعية. وفكرة مدركة وقدم ساعية. قال أجل. قال فأسمع إذًا ما أقول لك.
إن بهذا المصر شاعرًا مفلقًا من النصارى له وجاهة ونباهة عند جميع الأعيان. قال ما هذه صفة شاعر وما أرى كلامك إلا متناقض الطرفين فكيف فك هذا المعمى وتأويل هذه الأحجية. قال لا تناقض فأنه شاعر بالطبع لا بالصنعة. والفرق بين ذلك أن الشاعر بالصنعة هو من يكتسب بشعره فيمدح هذا ويكذب على هذا حتى ينال منهما شيئًا. فأما الشاعر بالطبع فإنما هو الذي يقول الشعر لباعث من البواعث دون تكلّف وانتظار للجائزة. قال ليس هذا الفرق مما ذكره الآمدي. قال أبعث الآمدي إلى آمد وأسمع مني.
قال قد أمَّدته فما الرشد. قال نصحي لك أن تكتب كتابًا إلى هذا العلامة وتلمس منه فيما تطري به مواجهته فإذا تكرم بذلك فأذكر له. حٍ ما أنت تعانيه واستنجد به. فلا بد من أن يجيبك. فإنه رجل متصف بمكارم الأخلاق ويجب دغدغة الافتخار. ولا سيما أنه يرغب في مجالسة ذوي الأدب وتيسير أسباب معيشتهم. فتلطف إليه في المقال. وأنا ضامن لك أن تفوز منه بالآمال. فشكره الفارياق على نصيحته ورجع إلى محله راضيًا مستبشرًا. فلما جنَّ الليل أخذ القلم والقرطاس وكتب ما نصه.
[ ٩٢ ]
أهدي سلامًا لو تحمله النسيم لعطر الآفاق. ولو جعل للبدر هالة لما اعتراه المحاق. ولو مزجت به الصهباء لما أعقب شربها صداعًا. ولو أستفّه مريض أو لقمه لما لقي برجاء وأوجاعًا. ولو عُلق على شجرة لزهت في المحال أوراقها ولو في الخريف. ولو سقيه الروض لانبت من كل زهر بهيج طريف. ولو جعل على أوتار عود لأطربت دون عازف. ولو تُغنَّي به في مجلس لا غنى عن المشموم والمعازف ولو علّق في الآذان لكان شنوفًا. ولو صقل به سيف كليل رهيفًا. ولو مثل لكان حدائق ورياضًا. وسلسلًا ومحاضًا. ولو نيط بالعمائم. لا غنى عن التمائم. ولو تختم به ولهان لأجزأه مُجزأ السوان. ولو كتب على رجام لا لهي الثاكل عن النواح أو على خصر هيفاء لقام لها مقام الوشاح. أو على أنف مزكوم لنا أحوجه إلى السعوط أو على ساق أعرج لكان له من قفزه يبق وفروط. أو على لسان أبكم لانحلت عقدته. أو على كف بخيل لهان عليه في البذل ذهبه وفضته. أو على أجاج لعاد فراتا. أو على رمل لأنبت الريحان نباتًا. وتحيات فاخرة. ذكية عاطرة. أرق من النسيم. وأحلى من التسنيم. وأشهى من العافية على بدن السقيم. وأجلى للعين من الأثمد وأغلى للناقد من المسجد. وأصفى من الماء الزلال. وأعلق بالقلب من أمل الوصال. وأشغل للبال من هوى ذي دلال. وأزهر من نور الصباح وأزهى من نور الأفاح. وأعبق من شذا الراح. وأثمن من الجوهر النفيس وأعز عند البستي من التجنيس. وعند أبي العتاهية من الزهديات. وعند أبي نواس من الخمريات. وعند الفرزدق من الفخريات. وعند جرير من الغزليات. وعند أبي تمام من الحكم. وعند المتنبي من جزل الكلم. تهدي إلى الجناب المكرم. المقام المحترم. ملاذ الملهوفين. مستغاث المضيمين. ثمال المظلومين. ملجأ المهضومين. منهل القاصدين. مورد الطالبين. أدام الله سعده. وخلد مجده.
وبعد يا سيدي فأني قدمت هذه الديار وأنا حامل لخرج قد أنقض ظهري وعمل به صبري. ولم أجد من يزحزحه عني ولو قليلًا. ولست أجد بنفسي إلى التخلص منه سبيلًا. وقد هديت إلى نور معروفك في جنح هذا العماس. وأُنبئت إنك أنت وحدك معتقي من هذا الإرتباس. دون سائر الناس. فهل تسمح لي بأن أزور ناديك الكريم. وأبث إليك مشافهة ما بي من البث المقيم والضر الأليم. فأنك أهل لأن تأخذ بيد من لا ناصر له وأن تصطنعه لك بالتفاتة تحقق أمله. وتنيله ما أمله. وإن تتخذه لك ما عاش رهين شكرك ممنون برّك. فهو يرجو ذلك منك رجاء من لاذ بعقوبة فخرك. فإن رأيت أن تفعل فذلك من إحسانك وطول امتنانك. والسلام.
وكتب عنوانه يشرف بأنامل سيدي الأكرم الأحسب الأفخم الأوحد الأفضل الأسعد الأمثل الأرشد الأكمل الأمجد الأجلّ الخواجا فلان أدام الله بقاه بالعز والنعم.
[ ٩٣ ]
فلما بلغت هذه الرسالة إلى الخواجا المذكور وطالع ما شرح السلام من التشابيه المتكلفة لم يتمالك أن ضحك منها وقهقه وقال لبعض جلسائه ممن ألمّ بالأدب: سبحان الله قد رأيت أكثر الكتاب يتهوسون في إهداء السلام والتحيات للمخاطب كأنما مهدون له عرش بلقيس أو خاتم سيدنا سليمان. فتراهم يشبهونه بما ليس يشبه. ويغرقونه في الأغراق ويغلونه في الغلوِّ حتى يأتي مبلولًا محروقًا. وربما جاءوا بفرقتين متماثلين في المعنى كقول صاحب هذه الرسالة الآن ثمال المظلومين ملجأ المهضومين. ثم إذا انتقلوا من السلام إلى الغرض أجادوا الكلام إلى الغاية. وما أدري ما الذي حسن لأرباب فن الإنشاء أن يضيعوا وقتهم بهذه الاستعارات والتشبيهات المبتذلة وبنظم الفقر المتماثلة في المعنى أن العالم يتأتى له أن يبدي علمه بعبارة واحدة إذا كانت رشيقة اللفظ بليغة المعنى. وهذه ألف ومائتا سنة قد مضت وما زلنا نرى زيدًا يلوك ما لفظه عمرو. وعمرا يمضع ما قاله زيد. فقد سرى هذا الداء في جميع الكتاب أما تفخيم المخاطب في العنوان بالأجل والأمجد والأسعد والأوحد وما أشبه ذلك فله وجه. وذلك أنه لم تجر العادة في بلادنا بأن يكون تبليغ الكتب على يد البريد. وإنما تبعث مع أشخاص ليست لهم خبرة بالطرق ولا بالديار فإنها كما لا يخفى عاطلة عن التسمية خطّا. فإذا حملها رجل لا يعرف القراءة طفق يسأل كما من لقبه في الطريق عن اسم المخاطب فأن لم يكن العنوان دالًا عليه التبس على القارئ فإن كثيرًا من الناس مشتركون في الأسماء وإن كانوا مختلفين في المكارم والأخلاق وفضلًا عن ذلك فقد يتفق أن مبلغ الكتاب بعد أن يكون قد سأل غير واحد عن اسم المخاطب ووجدهم كلهم أميين. وبعد أن يكون قد أضاع نصف نهاره في البحث عن الطريق فلا يكاد يهتدي إليه إلا ويجد عونا يترصده حتى إذا لمحه تلقفه وبعثه إلى أحد الجهات التي أراد. فيبقى الكتاب عنده ثم ينتقل منه إلى غيره. وربما لقي غيره ما لقيه هو فينتقل الكتاب إلى آخر وهلم جرّا فكان لا بد من الاستقصاء من العنوان عن صفات المخاطب فقال له جليسه إذن يجب يا سيدي أن يذكر في العنوان جميع الصفات فيقال للمخاطب مثلًا إذا كان جميلًا كيِّسًا غنيًا رشيق القد كبير العمامة عريض الحزام. الجمل الكيس الغني إلى آخره. فقال أما وصف إنسان بالجمال والغني فهو من الموبقات لهز وأما بغير ذلك ككبر العمامة وعرض الحزام فليس من الصفات المخصصة إذ الناس في ذلك سواء. وما خالف ذلك فما أولاه بالاستعمال وستراه عن قريب مستعملًا إن شاء الله. وهو وأن يكن أحيانًا من المضحكات وذلك كان تصف رجلًا مثلًا بالزبيبة والكثيفة والحنطاوية والشرنبثية والكرنيفية والزلهبية والزخزبية والسنطبية والعرزبية والعشجبية والعظيبية والجحوظية والأزطية والسناطية والفُسحمية والجهضمية والبرطامية والحثرمية إلا أنه أحسن من إيقاع اللبس في صفات المخاطب فقد بلغني أن كثيرًا من الكتب التي تضمنت مقاصد مهمة لما لم يدل عنوانها بالنص والتوثيق على ذات المرسل إليه فُتحت ليعلم صاحبها. فكانت سببًا في ضرر المرسل والمرسل إليه انتهت محاورتها.
وأعلم هنا أن الخواجا المذكور لما بلغته لاوكة الفارياق كان مريضًا فلهذا لم يجبه على الفور فبقي الفارياق ينتظر جوابًا أيامًا حتى أعتقد أن سجعه كله ذهب باطلًا. إذ لم يكن يعلم السبب وكان في خلال ذلك دائم الفكر والقلق فإنا الان أدعه في هذه الحالة منتظر الجواب. وأدع صاحبه يتداوي حتى يطيب. وأعرّج قليلًا على منازل الألقاب وألقاب المنزلة المتعارفة وقتئذ بشرط أن تسمحوا لي بأن أنتقل إلى فصل آخر وهو: