لم يطاوعني القلم على الانتقال من هذا الموضع الشهي إلى الكلام في الفارياق وأمثاله. بل لعله هو نفسه يروم ذلك إيثارًا له على ذاته. فلا بد إذًا من الرجوع إلى وصف النساء من دون اعتذار إليه فأقول: قال بعض الفحول من العلماء أن المرأة أشرف من الرجل وأفخم وأنبل وحلم وافضل واكرم. أما وجه كونها أشرف فلأن شاهدي تأنيثها واقفان في محل مرفوع.
بحيث يمكن لها أن تراهما أو تريهما أيان شاءت من دون تطأطئ رأس وانحناء.
وفي ذلك من العز والشرف ما لا يخفي. ألا ترى أن بعض الأدباء قال أن من عزّ لا أن يقولها الإنسان وهو رافع رأسه. ومن ذلّ نعم أن يقولها وهو خافضة. أما شاهد الرجل فهما منكوسان في محل منخفض بحيث لا يقدران يرهما إلا إذا تطأطأ انحنى. وأما وجه كونهما أفخم فلأن ساقيها اللتين هما عمودان لهيكل الجسم، وبطنها الذي هو منبت لتكوّن النسمة. وعجزها الذي هو مورد الإعجاز. تكون أفخم من ساقي الرجل وبطنه وعجزه. وأما وجه كونها أنبل فلأنها تنبل بما يلقى إليها مدة تسعة أشهر. وأما وجه كونها احلم فلأنّ سِمة الحلم ترى في شاهدي تأنيثها. وأما وجه كونها أفضل فلأنها خلقت من الرجل وعقبه. وهو خلق من تراب. لكنها إذا ماتت "معاذ الله من ذلك" تستحيل إلى تراب كالرجل لا إلى أصلها الذي أخذت منه أي لا تصير رجلا ولا ضلعا وأما وجه كونها أكرم فلأنها ارق فؤادًا وأرحم قلبًا وألين طبعًا. فإذا رأت أحدا محتاجًا إلى شيء من عندها لمتضن به عليه. وناهيك ما جاء عن مادح السيدة زبيدة إذ قال:
أزبيدة ابنة جعفر طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما تعطي الأكف من الرغاب
فلما أنكر الوصفاء عليه ذلك وهّموا بضربه انتهرتهم وأحسنت إليه لعملها أنه لم يخطئ الوصف.
[ ١١٨ ]
وقال فحل آخر أن المرأة تعمّر في الغالب أكثر من الرجل. وسبب ذلك إنها لما كانت مفطورة على اللين والطفولة والنعومة كان لها أن تتلقى ما يستقبلها من الحوادث بالصبر والتأني. فتكون به ميلعا أي تارة تميل إلى هذا الشق وتارة إلى ذلك. فمثلها كمثل الغصن الرطيب يميل مع الريح فلا ينقصف. فأما الرجل فإنه لما كان مفطورًا على القسوحة واليبوسة فمتى دهمه أمر تصلب له واقتسح فلا يلبث أن يعطب به. فمثله كمثل الشجرة اليابسة إذا قويت عليها الريح. قال ومن خواصها أيضا أن الخمرة لا تبلغ منها قدر ما تبلغ من الرجل واختلفوا في تغليل ذلك. فذهب قوم إلى أن في دم المرأة قوة جاذبية تغلب على الخمر فتجذبه سفلا فلا يصعد إلى دماغها. وزعم بعض أن المرأة نوعًا من الخمر يسمى رضابًا وهو فيها قوي جدًا. بحيث إذا خالطه الشراب أيّ شراب كان ذهب بقوته. والقطرة من هذا النوع تباع أحيانا ببدرة وأحيانا برأس إنسان أو بعنقه. ومن خواصها أن شعرها يكون أطول من شعر الرجل. وشعرها أبلغ من شعره. وشعورها أدق. ومشاعرتها أنفع. أما الأول فلم يختلف فيه اثنان. وأما الثاني فلأنها إذا قالت شعرًا فإنما تقوله في رجل فهو يعجب الرجال ويبلغ منهم بالطبع. ويعجب النساء بالطبع والصنعة أيضا. ولعل ذلك مشكل آخر من المشاكل الأنثوي. فإني أرى هذا التعليل يصدق على الرجل فإنه يقول الشعر في امرأة. ويمكن أن يجاب بأن الشاعر المجيد أكثر شعره يكون في غير الغزل. وذلك كاختلاق مدح يفتريه على أمير. أو وصف مجلس أنس أو حرب ونحوه. وأما الثالث فلأنها إذا مرت مثلا بحانوت بزاز ورأت بزًّا شفافًا اترنجي اللون. فأول ما تلمحه تقول لك هذا يصلح لليّل. وربما كان فكرك وقتئذ في كتاب تطالعه أو في شراء حمار تركبه. وإذا رأت ديباجا اخضر قالت بيديها هذا يصلح للشتاء. أو كتانا ابيض فاخرا خصصته بالصيف. ثم إذا مرت بدكان جوهري أو إذا تهوّست أنت وأخذتها إليه قالت لك على الفور هذا الحجر الماس يصلح لأن يجعل فصًا في خاتم للبنصر. وهذه الياقوتة في خاتم للخنصر. وهذه الزمردة في خاتم للمتوسطة. وهذا الفيروزج في خاتم للسبابة. وهذه الفريدة في خاتم للإبهام. وهذه اللآلئ الكبيرة لقلادة في العنق. وهذه الصغيرة لسوار. وهذه السلاسل الذهب المرصعة توضع في العنق مع القلادة وتدلى إلى الخصر يعلق بها ساعة من ذهب. وهذه الشنوف للشتاء وتلك الخفيفة للصيف. وهذه المتوسطة للربيع والخريف. وفكرك لم يزل مشغولا بالحمار فإن قيل أن الكاف في فكرك خطاب مطلق لكل قارئ وربما تشرف كتابك هذا بمطالعة أمير أو غيره من السادة العظماء فلا يصح توجيه الخطاب إليه. لأن الأمير لا يفكر في الحمير. قلت قد ورد في سفر التكوين في الفصل السادس والثلاثين أن عانة من ولد سعير الحوري كان يرعى حمير أبيه زبيون وكان أميرًا. بل قد علق عليه في بعض النسخ جلا دوك وهو اعظم من الأمير. ثم أنها أي المرأة لم تلبث حالة كونها ناظرة إلى تلك الجواهر أن تقسم أهل المصر جميعا إلى خمسة أقسام.