قد قمت حامدًا لله شاكرًا فأين القلم والدواة حتى أصف هذه المدينة السعيدة الجديرة بالمدح من كل من رآها. لأنها بلد الخير ومعدن الفضل والكرم. أهلها ذوو لطف وأدب وإحسان إلى الغريب. وفي كلامهم من الرقة ما يغني الحزين عن التطريب. إذا حيَّوك فقد أحيوك. وأن سلموا عليك فقد سلموك. وإن زاروك زادوك شوقًا إلى رؤيتهم. وإن زرتهم فسحوا لك صدورهم فضلًا عن مجالسهم. أما علماؤها فإن مدحهم قد أنتشر في الآفاق. وفات فخر من سواهم وفاق. بهم من لين الجانب ورقة الطبع وخفض الجناح وبشاشة الوجه ما لا يمكن المبالغة في إطرائه. لكل نوع من الناس عندهم إكرام يليق به سواء كان من النصارى أو غيرهم. وربما خاطبوهم بقولهم يا سيدي ولا يستنكفون من زيارتهم ومخالطتهم ومعاشرتهم خلافًا لعبادة المسلمين في الديار الشامية. وبذلك لهم الفضل على غيرهم. وكأن هذه المزية وهي حسن الخلق ورقة الطبع أمر مركوز في جميع أهل مصر. فإن لعامتهم أيضًا مخالقة ومجاملة. وكلهم فصيح اللهجة بين الكلام سريع الجواب. حلو المفاكهة والمطارحة. وأكثرهم يميل إلى هذا النوع الذي يسمونه الأنقاط. وكأنه المجارزة وهي مفاكهة تشبه السباب وهو أشبه بالأحاجي. فإن من لم يكن قد تدرب فيه لا يمكنه أن يفهم منه شيئًا وأن يكن شاعرًا. وكلهم يحب السماع واللهو والخلاعة وغناؤهم أشجى ما يكون. فلا يمكن لمن ألفِه أن يطرب بغيره. وكذلك آلاتهم فإنها تكاد تنطق عن العازف بها. وأعظمها عندهم هو العود وقل اعتناؤهم بالناي. ولهم في ضرب العود طرق وفنون تكاد تكون من المغيبات. غير أني أذمّ من غنائهم شيئًا واحدًا. وهو تكرير لفظة واحدة من بيت أو موال مرارًا متعددة حتى يفقد السامع لذة معنى الكلام. ولكن أكثر ما يكون ذلك من المتطفلين على الفن. وبعكس ذلك طريقة أهل تونس فإن غناءهم أشبه بالترتيل وهم يزعمون إنها كانت طريقة العرب في الأندلس.
ومما ينبغي أن يذكر هنا أن النصارى المولودين في بلاد الإسلام الناهجين منهج المسلمين في العادات والأخلاق هم أبدًا دونهم في الفصاحة والأدب والجمال والكياسة والظرافة والنظافة إلا أنهم أنشط منهم على السفر والتجارة والصنائع وأكثر أقدامًا وجلدًا على تعاطي الأعمال الشاقة. وذلك أن المسلمين أهل قناعة وزهد وفي النصارى شره عظيم إلى اتخاذ الديار الرحيبة وقنية الخيل النجيبة والجواهر النفسية. والمتاع الفاخر لا حد لها. فإذا دخلت دار نصراني من المتمولين بمصر رأيت عنده عدة خوادم وخادمين ونحو عشرين قصبة للتبغ من أغلى ما يكون. وقد نصفها من الأراكيل الثمينة. وثلاث غرفات مفروشات بأحسن ما يكون من القماش. وآنية فضة للطعام والشراب والرائحة وأسرة عالية وطيئة وثيابًا فاخرة وغير ذلك. ومع هذا فلا تجد عنده كتابًا ولو أن مشتريًا شاء أن يشتري شيئًا من تاجر مسلم لوجد سعره أرخص من بضاعة النصراني بربع الثمن ولكن وجود هذه الشراهة إنما هو في الغالب عند النصارى الغرباء. فأما القبط فأنهم أشبه بالمسلمين. وقل من تعاطى المتجر منهم.
[ ٩١ ]
أما دولة مصر إذ ذاك فإنها كانت في الذروة العليا من الأبهة والعزّ والفخر والكرم والمجد. فكان للمتسمين بخدمتها مرتب عظيم من المال والكسي والشحن مما لم يعهد في دولة غيرها وكان وأليها يولي المراتب العلية وسِمات الشرف السنية لكل من المسلمين والنصارى ما عدا اليهود خلافًا لدولة تونس فإن شرفها عمّ الجميع: ومع عظم ما كان يكسبه التجار وأصحاب الحرف وما يناله أهل الوظائف من الرزق العميم فكانت الأسعار بمصر رخيصة جدًا فلهذا كنت ترى الناس قصريّهم وعميّهم مقبلين على الشغل واللهو معًا. فالبساتين غاصة بأهل الخلاعة والقصوف ومحال القهوة مجمع للأحباب. والأعراس مسموع فيها الغناء وآلات الطرب من كل طرف. والرجال يخطرون بالخز والديباج. والنساء ينؤن بما عليهن من الحليّ. والخيل والبغال والحمير مسرية ومكسوة بالحرير المزركش. إلا أن صاحبنا الفارياق لم يكد يدخل أرضًا سعيدة إلا ويخرج منها وقد تغير حالها. فأرجع معي الآن لنخلصه من أيدي الخرجيين. فإني تركته يحاول ذلك منذ حين.