وبعد أن فرغ الفارياق من عمله في هذه المدينة الغاصة بالغواني سافر إلى باريس فأقام فيها ثلاثة أيام لا تكفي لمعرفة وصفها. فلهذا نضرب هنا عن ذكره فإن حق الوصف أن يكون مستوعبًا. ثم سافر منها إلى مرسيلية ومنها إلى الجزيرة. وأتاح له الله بفضله العميم أن رأى زوجته في نفس الدار التي غادرها فيها. وقد كان يظن إنها طارت مع عنقاء مغرب أو مع الغنجول وبنى بها هذه المرة السادسة. فإن المرة الثانية كانت بعد قدومه من الشام والثالثة بعد رجوعه من تونس والرابعة بعد خروجه من المعتزل مع سامي باشا المفخم والخامسة بعد رجوعها من مصر. ثم أنشد:
من يُرد في زوجه ينكح أزواجًا عديدة
فليغب عنها زمانا يلقها عرسا جديدة
[ ٢٢٧ ]
فقالت لكن المرأة لا ترى من زوجها بعد إيابه عرسًا جديدة. قال فقلت إنما هو من مخالفتهن الرجال في كل شيء قالت نعم ولولا هذا الخلاف ما حصل الوفاق. قلت كيف يكون عن الخلاف وفاق؟ قالت كما أن المرأة خُلقت مخالفة للرجل في الخلق كذلك كان خلافها له في الخلق. وكل من هذين الخلافين باعث له على شدة الكلف بها والحرص عليها. إلا ترى أن المرأة إذا كانت تفعل كل ما يريد زوجها أن تفعله كانت كالآلة بين يديه فلا يكترث بها ولا يقبل عليها إنها موقوفة على حركة يده أو عينه أو لسانه زيادة على حركة يده في الآلة. بخلاف ما إذا عرف منها المخالفة والاستبداد بأمرها فإنه حٍ بها ويداريها. قلت هذا غير ما عهد عند الناس. قالت بل هو معهود عند النساء من القديم. ولذلك تراهن جميعهن متحليات بهذه الحلية. قلت ولكن إذا كثر الخلاف وطال أورث التقاطع والملال. قالت أن عيني المرأة لا تبرحان ناظرتين أو حقهما أن تكونا ناظرتين إلى موضعي القطع والوصل. وإلا استطال أحدهما على الآخر فوقع ما قلت. قلت بل في دوام الوصل دوام الوفاق. قالت لا بل هو باعث على السآمة والضجر. فإن الإنسان مطبوع على ذلك. قلت أي سآمة من وصل الحبيب. قالت السآمة غالبة على الإنسان في كل شيء بحيث يود تبديل حالته الحسنى بحالة سوأى. قلت أو قد سئمت من حالتك هذه. قالت ثم حلت عن السأمة قلت ما بال الناس كلهم يقولون يا قرة العين. قالت نعم إن العين تقرّ بشيء ريثما يعنّ لها آخر فتطرف إليه. قلت وما شأن القلب قالت هو متقلب ومتحيز معها. قلت فما شأن العميان. قالت أن لهم في بصائرهم عيونًا اشد حملقة من العين الباصرة. قلت من أسرع الناس تقلب قلب. قالت أكثرهم فكرا فإن العجماوات اثبت واصبر من الناس إذ ليس لها فكر. قلت فإذًا ينشأ عن النفع ضر. قالت نعم كما إنه ينشأ عن الضر نفع: قلت أي نفع في المرض. قالت سكون العقل والدم والفكر عن الهوى والشهوات. قلت أي نفع في الفقر. قالت الكف عن الشراهة والسرف المهلكين. فإن الذين يموتون من زيادة الأكل والشرب أكثر من الذين يموتون لقلتهما. قلت أي نفع في الزواج بامرأة دميمة. قالت كف رجل جارك عن دارك وصرف عين أميرك عن مراقبة حالك. على أنها لا تعدم طالبًا مثلها ولكن بعض الشر أهون من بعض. قلت أي نفع في دمامة الأولاد قالت إذا علموا ذلك من أنفسهم رغبوا عن اللهو إلى العلم واقبلوا على تحسين خُلقهم ليشفع في خلقهم. قلت وأي نفع من مشيب أعلى الإنسان قبل أسفله مع أن شعر الأسفل ينبت قبل شعر الأعلى. قالت أشعاره بأن الحيوانية المطلقة أقوى فيه من الحيوانية المقيدة. ولذلك كان أول ما يشيب فيه رأسه الذي هو محل الناطقية. وأقوى ما يحسّ منه باللذة أسفله. قلت وما نتيجة ذلك قالت إقلاله من الفكر. قلت وما الفائدة في كونه يعوز إلى أوقية من اللحم يملأ بها وجهه فيجد رطلًا في عجزه. قالت هو من النوع الأول. قلت كأنك تقولين أن الرجل لم يخلق إلا لأجل المرأة. قالت نعم كما أن المرأة لم تخلق إلا للرجل. قلت أي نفع في تحتّت الأسنان. قالت الأكل على هينة فيمرؤ الطعام. قلت أي نفع في تعميش العينين. قالت عدم رؤية الحسان ليلًا فإنهن أروع فيه وافتن. قلت وأي نفع في العرج. قالت الراحة من الجري وراء القرصافة الزقزاقة. قلت أي نفع في السدة. قالت الذهول عن العقبة. قلت وفي الصمم. قالت عن الرمم. قلت وفي الجهل. قالت توفر الصحة للبدن والراحة للبال. فإن الجاهل لا يفكر في الأمور الدقيقة المتعبة. فإذا نام أهنأه النوم وإذا طعم شيئًا امرأة. لأكدابك في الهنيمة أناء الليل وأطراف النهار فما اسمع منك إلا تعديد قوافي. وذكر نؤيٍ وأثافي. ودوارس عوافي. وظغائن خوافي. وإذا جلست للطعام أتيت بالكتاب معك فجعلت الصفحة تلو الصفحة. فتأكل لقمة. وتقرأ فقرة. وتكرع من الشراب كرعة وتتلو أُسطورة. ولذلك- قلت قد فهمت من هذا الاكتفاء عدم الاكتفاء. ولكن كثرة القراءة ينشأ عنها كثرة التصور الباعثة على كثرة التشوق. قالت ولكن كثرة التشوق ينشأ عنها الترويلية أو الزمالقية والمقصود الجحادية اللحكية. وقد طالما أحوج وجود الأولى إلى البحث عن وجود الثانية. ولكن دعنا من هذه الملاحك والمغامس.
[ ٢٢٨ ]
كيف وجدت مدينة لندن. قلت رأيت فيها النساء اكثر من الرجال وأجمل. قالت لو ذهبت إليها امرأة لرأت بعكس ذلك فإن نساء الإنكليز في هذه الجزيرة لسن حسانًا والحسن كله في الرجال. قلت هؤلاء نخبة البلاد انتقتهم الدولة حسانًا ليخيفوا العدو في الحرب. قالت بل الأمر بالعكس فإن الجميل لا يخيف وأن يكن عدوًا وإنما القبيح هو الذي يخيف. ألا ترى انهم يقولون رجل باسل ومتبسل أي شجاع وهو في الأصل الكريه المنظر. قلت وقد قالوا أيضًا راعه بمعنى أعجبه وأخافه. قالت المعنى واحد فإنه مأخوذ من الروع أي القلب فرؤية الجميل تصيب القلب بل وسائر الجوارح. ثم قالت وكيف رأيت دكاكينها وأسواقها. قلت أما الدكاكين فملآنه من الخز والحرير والتحف البديعة. قالت هل من هو فيها. قلت فيها نساء بيض حسان. قالت أنا أسألك عن شيء وأنت تخبرني عن غيره. قد عرفت أنك زائغ البصر فلن أسألك بعد عن الناس وما اسأل إلاّ عيني. هذه خصلة فيكم معاشر الرجال إنكم لا ترون في جنسكم حسنًا. قلت هي مثل خصلتكن معاشر النساء في إنكن لا ترين في جنسكن جمالا. قد تكافأنا. قالت كيف تكافأنا وبيننا خلاء. قلت كل آت قريب. قالت وكل قريب آت. قلت لا أرضى بهذه الكلية بل قولي بعض القريب. قالت إذا ساغ البعض لم يغصّ بالكل.
ثم قالت اخبرني عن الأسواق فقلت طويلة عريضة واسعة نظيفة كثيرة الأنوار بحيث لا يمكن للرجل أن ينفرد بامرأة أصلًا. حتى كان الضباب ينجلي بها في الليل أيضًا قالت هو من بعض المنافع الضارة. ألا ليت لي جدًا فانظر مرة محاسن هذا المصر من قبل أن أقضي. قلت لا تقنطي فإني أرجو أن نسافر إليها جميعًا بعد مدة. قالت حقق الله لنا هذه الأمنية. فلما أمسى المساء وبات كل منهما ثملا بذكر لندن على ما مال إليه خاطره قامت في الغداة تقول قد رأيت لندن في المنام وإذا برجالها اكثر من نسائها. وطرقها واسعة كما قلت كثيرة الأنوار. ولكن يمكن للرجل فيها أن ينفرد بامرأة وكأنك إنما تقولت هذا لكيل أسيء فيك الظن. ولكن ما كنت لأصدقك من بعد أن تحققت إنك غير أمين في الرواية الأولى ثم بعد محاورة طويلة باتا تلك الليلة على اسم لندن. فأصبحت تقول: قد حلمت إني اشتريت من أحسن دكاكينها ثوب ديباج أحمر أحمر أحمر. قال إنك لا تزالين لاهجة بهذا اللون وأهل لندن لا يحبونه لا في الحرير ولا في الآدميين. قالت ما سبب ذلك؟ قلت لأن الحمرة في الناس تكون عن كثرة الدم وكثرة الدم مظنة بكثرة الأكل والشرب. وهي دليل على الرغب والنهم. وإنما يحبون اليلق الأمهق. وكذلك العرب يحبون هذا اللون فقد قال أعظم شعرائهم:
كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الحيّ غير محلّل
فقالت إن كان هذا الاستكراه من طرف الرجال فهو لخشية عزة النساء عليهم باللون الأحمر الدال على القوة والنشاط والاشر والبتع والكرع. فيوهمهم ذلك عجزهم عن كفايتهن. وإن يكن من النساء وقد نطقن به فما هو إلا مواربة ومغالطة. فإن الإنسان بالطبع يحب اللون الأحمر كما يشاهد ذلك في الأطفال. وناهيك أن الدم الذي هو عنصر الحياة أحمر. قال فقلت ولكن خلاصة الدم وصفوته هو في ذلك اللون الذي يرغب فيه أهل لندن. قالت فهذا هو السبب إذًا. الآن قد حصحص الحق وبأن. أما أنا فعلى مذهبي لن احول عنه. وللناس فيما يعشقون مذاهب. فقلت بودي لو كنت أحمر أحمر أحمر حتى تحبيني وإن كنت أحمق أحمق أحمق. قالت وما انتفاعك بالمحبة إذا كنت أحمق. وإنما يعود النفع لي في تركك إياي مع الأحمر.
[ ٢٢٩ ]
قلت أتزعمين أن العلم يمنع المرأة عن إجراء ما تضمره وإن الحمق يمكنها منه. قالت لا والله بل ربما كان في الحمق لها اكثر. فإن الأحمق يلازم امرأته ويظل محملقًا فيها والعالم يحملق في كراريسه وكيفما كان فلم ار اسفه ممن يحرّج على امرأته ويلازمها. فإن الرجل كلما اعنت المرأة ونكنك عليها بالملازمة والكنكنة زادت هي في تماديها فلا يردها شيء عما أرادته سوى حشمتها وحيائها. وأكثر الرجال حمقًا وسخافة من إذا أوجس من زوجته الميل إلى شخص قال لها تزهيدًا فيه. أن فلانًا متهتك مستهتر فاحش لا يبالي بما يقول ويفعل. فإذا حضر مجلس ذوي الأدب فأول ما يفوه به قوله قد راودت فلانة وخلبتها وفتنتها. وقد عشقتني وعشقتها. كأنه أي الزوج يحذرها من الاسترسال إلى هواه مخافة أن تنفضح بين الناس أو أن يقول لها أن فلانًا ورع تقيّ يتقي مغازلة النساء اتقاء الأفاعي كأنه يقول لها أنك إن تعرضت له فيالهوى جبهك وندهك وفضحك. فقد تقرر في عقول الرجال أن كل أمر من أمور الدنيا والآخرة يشين عرض المرأة ويهتك حجابها. مع أنه لا شيء يدغدغها مثل سماعها عن رجل أنه مسرف مشط في حال من الأحوال بحيث لا يلحقها منه أذى: فهي والحالة هذه تزيد حرصًا على فتنته لتصرفه عن تلك الحال إليها فيرجع إسرافه في محبتها. قال فقلت نعم أن كيد النساء كان عظيمًا.